الأربعاء، 31 يوليو، 2013

برنامج الإنعاش النقدي يربك مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي

واشنطن - حسين عبد الحسين


القيمون على مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي هم غالباً من أبرع الاقتصاديين في العالم، لكن ذلك لا يعني أنهم لا يخطئون. وأخطاؤهم، عند وقوعها، لا تكون مميتة فحسب، وإنما تدفعهم أحياناً إلى الاعتذار، مثلما فعل رئيس المصرف السابق ألان غرينسبان، في إحدى جلسات الاستماع في الكونغرس، عندما قال إنه كان يعلم ان «الفقاعة الاقتصادية» ستنفجر يوماً، لكنه لم يكن يدرك ان حجمها سيكون دراماتيكياً كما حصل في 15 أيلول (سبتمبر) 2008.

شبح أخطاء الماضي ليس مسؤولاً وحده اليوم عن ارتباك الرئيس الحالي بن برنانكي، بل ان الخطوات غير المسبوقة التي يتخذها المصرف، عبر برنامج «شراء السندات» أو «الإنعاش النقدي»، هي التي تثير قلقه. ويعقد المجلس اجتماعاً بدأ أمس وينتهي اليوم ليقرر الاستمرار في البرنامج أو وقفه. البرنامج يحمل اسماً يهدف إلى التغطية على حقيقته، وهي إيجاد الثروة من العدم من طريق طباعة العملة الورقية، واستخدام الثروة الجديدة «لتنظيف» النظام الاقتصادي عبر شراء ديون يُستبعَد في الغالب تحصيلها.

تقليدياً، كانت طباعة النقد أمراً مكروهاً للاعتقاد بأنها تؤدي إلى تضخم وتراجع في القدرة الشرائية لمستخدميها. لكن اليوم يبدو ان معظم القواعد التي بني عليها علم الاقتصاد تتغير، وغموض نتائج برنامج «شراء السندات» هو من ابرز الدلائل على ذلك، فعلى رغم كل المال الورقي الذي يُضخ في السوق، بالكاد بلغت نسبة التضخم في 1.5 في المئة في آذار (مارس) الماضي، حـسب فرع الاحتياط الفيديرالي في كليفلاند، وهي النسبة الأدنى منذ 30 سنة، ويُتوقع ان ترتفع هذه النسبة في شكل طفيف في الأشهر المقبلة، إلا أنها لن تبلغ اثنين في المئة، وهي النسبة التي حددها الاحتياط الفيديرالي كهدف لإنهاء البرنامج.

والاعتقاد السائد عند برنانكي، حسب تصريحات له في أواخر 2010، هو ان البرنامج سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار الأسهم، ما سيؤدي إلى ازدياد في أموال المستهلكين ويساعد في زيادة منسوب الثقة، ما يساعد بدوره في الإنفاق الاستهلاكي، وتالياً يؤدي إلى نمو.

لكن إدموند فيلبس، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد في 2006، يشكك في إمكانية ان يكون البرنامج ساهم في «زيادة الثروة أو الثقة لدى المستهلكين». ويقول في مقالة في «وول ستريت جورنال» ان «لا احد، بما في ذلك الاحتياط الفيديرالي، يعرف كم من سندات المديونية سيشتري بعد أو كم من جبل السندات التي صار يملكها سيعيد بيعه إلى السوق في وقت لاحق».

ويعتقد فيلبس ان البرنامج المذكور دفع «المصارف وشركات التأمين وصناديق التقاعد» الأميركية إلى الخوض في مضاربات مالية محفوفة بالأخطار في سوق الأسهم»، وان هذه المغامرات تشبه المضاربات في سوق العقارات التي سبقت الفقاعة والانهيار في 2008، وهي تعود بربح كبير وفوري على أصحابها، ولكن لا يُعرَف كيف ومتى تنتهي أو تنهار. ويكتب فيلبس ان «ثمن الاضطراب (الفيديرالي) قد يكون كبيراً» في ما بعد.

لكن التقرير الصادر أخيراً عن مجموعة «كونفرنس بورد» المتخصصة بالبحوث الاقتصادية، قد يؤيد اعتقاد برنانكي بأن الاقتصاد الأميركي يتحسن مدفوعاً بثقة المستهلكين. وبحسب كين غولدستين، الاقتصادي في المجموعة، فإن «بعض القطاعات في الاقتصاد الأميركي تتحسن أسرع من غيرها، ما يؤدي إلى نمو ايجابي ولكن ضئيل».

ويقول غولدستين في بيان صدر عن المجموعة ان «القلق الأكبر يكمن في تردد الإنفاق عند أصحاب الأعمال، وفي استمرار تحسن القوة الشرائية للمستهلكين، وفي تأثير النمو العالمي المتباطئ في الصادرات الأميركية».

خلاصة التقارير الأميركية المتضاربة هي ان علاقة ضخ المال الحكومي بالنمو أو عدمه أصبحت ملتبسة. ففي مطلع العام، انتهت مفاعيل القرار التنفيذي المعروف بـ «ضرائب بوش»، وارتفــعت ضريبة الدخل تلقائياً، وبعد أخذ ورد بين الديموقراطيين والجمهوريين، اتُفق على إبقاء نسبة الضرائب على سابق عهدها، مع استثناء أصحاب المداخيل التي تتعــدى ربع مليون دولار سنوياً. لكن ضريبة أخرى لم يُمدَّد الإعفاء عنها هي ضريبة صندوق الضمان الاجــتماعي، التي ارتفعت نقطتين مئويتين.

وتحول هذا الارتفاع الضريبي إلى الشغل الشاغل للاقتصاديين الذين توقعوا ان يؤدي إلى كبح النمو، معتبرين ان المستهلكين سيعمدون إلى الاقتطاع من نفقاتهم للإيفاء بالضرائب الإضافية. إلا ان ما حصل هو العكس تماماً، إذ استمرت مؤشرات الاستهلاك في الارتفاع في الربع الأول.

تلا ذلك الخفض العام الذي طاول موازنة الحكومة الفيديرالية. ومع ان مسؤولي الإدارة حذروا من العواقب الاقتصادية للخفض، لا يبدو حتى الآن أنه أدى إلى كبح النمو في شكل مباشر.

هكذا، يضخ «الاحتياط الفيديرالي» أكثر من تريليون سنوياً، ولا ينعكس ذلك نمواً كالمترقب ولا ترتفع نسبة التضخم، فيما ترتفع الضرائب وينخفض الإنفاق الحكومي، ولا ينعكس ذلك على نسبة إنفاق المستهلكين أو ثقتهم، كما هو معهود.

إنه عالم اقتصادي جديد فيه قوانين جديدة، ما يعني ان «سفينة المصرف الاحتياط الفيديرالي تبحر في مياه مجهولة»، على حسب التعبير الأميركي، وهو ما يقلق برنانكي وصحبه وكثيرين من حكام المصارف المركزية والاقتصاديين حول العالم، ويدفعهم إلى التأرجح بين الإبقاء على برامجهم الإنقاذية المالية وبين إنهائها، مع ما يعني ذلك من إيجاد عواصف تتلاعب في الأســـواق العالمية وفي مؤشرات أخرى.

الجمعة، 26 يوليو، 2013

أوباما أعطى كيري 6 أشهر مهلة لتحريك السلام والتوصل إلى حلول ملموسة

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وسط صمت مطبق وتعتيم على التفاصيل تمارسه وزارة الخارجية الاميركية، يعم جو من التفاؤل حول انعقاد الجولة الاولى من المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، في موعد اقصاه نهاية الاسبوع المقبل، ويترافق ذلك مع تحذيرات من ان اي فشل محتمل قد يرتد على أصحابه، ويؤدي الى تأزيم الاوضاع على الارض.
وتقول مصادر حكومية اميركية ان عملية السلام حاليا تقودها حصريا وزارة الخارجية بقيادة جون كيري ومساعده فرانك لوينشتاين، وان من المرجح ان ينضم الى الفريق الاميركي المعني بالسلام مدير «معهد سابان في مركز ابحاث بروكنغز» السفير السابق الى اسرائيل مارتن انديك، ومسؤول الشرق الاوسط في «مجموعة الازمات الدولية» روبرت مالي.
وتضيف ان الرئيس باراك أوباما «اعطى كيري 6 اشهر كمهلة لتحريك العملية والتوصل الى حلول ملموسة»، وانه في حال الفشل في التوصل الى تسوية، تبتعد واشنطن مجددا عن الموضوع وتكرر مقولة انه «لا يمكن للولايات المتحدة ان تكون مهتمة بالتوصل الى سلام اكثر من الاطراف المعنية». هذا في الشكل.
اما في المضمون، فلم يرشح الا القليل عن مضمون لقاءات كيري الاخيرة في فلسطين واسرائيل، ما فتح الباب للتكهنات من شتى الانواع ودفع المراقبين الى الرصد بعناية تصريحات المسؤولين الفلسطينيين والاسرائيليين للتوصل الى استنتاجات حول مسار العملية.
«ما هي استراتيجية كيري في هذه المحادثات؟»، يتساءل المعلق دايفيد اغناتيوس ليجيب ان الوزير الاميركي توصل الى انتزاع موافقة من الطرفين للبدء بخطوات «بناء ثقة» تتضمن اطلاق الاسرائيليين نحو مئة من الاسرى فلسطينيين في السجون الاسرائيلية ممن تم اعتقالهم قبل اتفاق اوسلو في العام 1994. 
في مقابل ذلك، يقول اغناتيوس، وافق الفلسطينيون على التخلي عن 6 اشهر من اقوى ورقة بأيديهم، وهي طرح موضوع الدولة امام المتحدة في اجتماعاتها المقررة في سبتمبر، فيما كان من المتوقع ان يحصل الفلسطينيون على دعم غير مسبوق من الاوربيين، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا. «هذا يعطي كيري نافذة حتى آخر العام للتوصل الى اتفاق»، يقول اغناتيوس، في ما يؤكد ما سمعته «الراي» من ان العملية هذه المرة ليست مفتوحة الامد.
وعلى عكس المفاوضات الماضية، سيتم اطلاق صفة «مفاوضات الحل النهائي» على هذه الجولة من المحدثات، ما يعني انها ستبدأ بمواضيع كانت اسرائيل تعمل على تأجيل الحديث حولها في الماضي، خصوصا موضوع الحدود. 
في هذا المضمار، يعتقد المراقبون ان كيري انتزع موافقتين أساسيتين من الطرفين، فالجامعة العربية عدلت مبادرة السلام للعام 2002 واستبدلت عبارة «حدود 1967» بـ «حدود متفق عليها»، وهو لا يتعارض مع المبدأ الفلسطيني القائل بتسوية على اساس حدود العام 1967 مع تبادل مساحات من الاراضي يتم الاتفاق عليها، اي ان الحدود النهائية ستكون في نهاية المطاف «حدود متفق عليها»، وهي صيغة وافق عليها الفلسطينيون والاسرائيليون.
على الجانب الاسرائيلي، يعمل الجنرال الاميركي المتقاعد جون الن على تذليل العقبات المتعلقة بالشأن الامني، وعلى تقديم «ضمانات» للاسرائيليين ان دولة فلسطينية مستقلة لن تكون «منصة اطلاق صواريخ على اسرائيل على غرار قطاع غزة». 
في نفس الوقت، يعتقد الخبراء ان كيري نجح في اقناع رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتيناهو ان قيام دولتين يتناسب وطموحات المسؤول الاسرائيلي بتوكيد «يهودية دولة اسرائيل»، ويبعد الشبح الديموغرافي العربي عن مستقبل الاسرائيليين. 
وينقل الخبير في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى» دايفيد ماكوفسكي عن نتنياهو حديثه في «مجالسه الخاصة، في الاسابيع الاخيرة، عن مخاطر دولة ثنائية القومية، كتبرير لدعمه قيام دولة فلسطينية، حتى لو كان هو نفسه من عارضها على مدى عقود معتبرا انها خطر أمني».
لكن الخبير في «معهد سابان» ناتان ساكس، والذي يعمل تحت اشراف انديك، وصف مجهود كيري الحالي بالفرصة الاخيرة، وحذر من ان يؤدي اي فشل الى دفع المتطرفين الى الواجهة. وكتب في مقال في «فورين بوليسي» ان «المشككين من امثالي اخطأوا في الماضي»، وان «هذه الجولة من محادثات السلام قد تنجح، وعلينا ان نتمنى نجاحها من صميم قلوبنا».

كيري للمعارضة السورية: الحل سياسي فقط ويتطلب قادة يستطيعون المجيء إلى الطاولة

| نيويورك، واشنطن - من حسين عبد الحسين |

في تصريح حمل دلالات متعددة في توقيته ومضمونه، استبق وزير الخارجية جون كيري لقاءه مع رئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض أحمد الجربا في نيويورك، اول من امس، بالقول ان في سورية «حلا سياسيا فقط، وهذا الحل يتطلب قادة بمقدورهم ان يأتوا الى طاولة» المفاوضات.
كلام كيري جاء على اثر لقاء عقده مع امين عام الامم المتحدة بان كي مون في مقر الجمعية في نيويورك. وقال الوزير الاميركي للصحافيين انه أكد لنظيره الروسي سيرغي لافروف، في آخر حديث بينهما، ان ادارة الرئيس باراك اوباما مازالت ملتزمة مؤتمر السلام الذي «تأخر عقده». وقال كيري: «سوف نحاول اقصى المستطاع عقد المؤتمر في اسرع ما يمكن».
وبعد لقاء بان، التقى كيري وفد المعارضة السورية، برئاسة الجربا، الذي يزور الولايات المتحدة. ولم يرشح الكثير من التفاصيل حول ما دار في اللقاء الا ان مصادر مطلعة قالت لـ «الراي» ان كيري حث الوفد السوري على «توحيد الصفوف» في اسرع ما يمكن وتشكيل وفد تمثيلي للذهاب الى مؤتمر جنيف. كذلك شدد كيري على التزام «الولايات المتحدة دعم سورية في محنتها حتى التوصل الى حل للأزمة».
الوفد السوري بدوره قال للوزير الاميركي انه «يرى صعوبة في الذهاب الى مؤتمر في جنيف في وقت يقتل النظام 100 الى 150 مدنيا سوريا كل يوم». وشدد على رفضه «الحوار مع بشار الاسد او مع من ارتكبوا جرائم حرب».
وشرح الوفد لمضيفه «صعوبة الاوضاع» العسكرية والانسانية في سورية. وقال اعضاء الوفد ان الثوار السوريين بحاجة ماسة للسلاح، وانهم لم يروا «من واشنطن الا الوعود في هذا الاطار». كذلك، اكد الوفد ان غالبية مقاتلي المعارضة منضبطون الى حد كبير، ومنضوون تحت لواء المجلس العسكري الاعلى برئاسة اللواء سليم ادريس، الذي يتمتع اصلا بعلاقة جيدة مع كيري.
وعلى اثر الاجتماع، اصدر الوفد السوري بيانا جاء فيه ان «الوضع في سورية يبعث على اليأس»، وان «التزام الولايات المتحدة المساعدة العسكرية للمجلس العسكري الاعلى اساسية، ولكن عليها ان تتحقق بشكل سريع، وبطريقة تسمح لنا بالدفاع عن انفسنا وحماية المدنيين».
واضاف البيان ان «حرماننا حق الدفاع عن النفس قد يعني نجاة النظام وبقاءه على قيد الحياة، (اذ ذاك) سيتم اعدام الالاف وسيستمر القمع الى ما لا نهاية».
ومع ان ادريس كان مقررا ان يحضر اجتماعا غير رسمي لمجلس الامن، امس، يتحدث فيه عن الاوضاع في سورية، الا ان الاجتماع تم الغاؤه لأسباب ظلت غير معروفة، على الرغم من تكهنات مفادها أن المعارضة الروسية لحضور سليم الاجتماع قد تكون هي التي نسفته.

أوباما مفتتحاً الإفطار السنوي: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره


أقام الرئيس الاميركي باراك أوباما مساء اول من امس في البيت الابيض حفل الافطار الرمضاني السنوي بحضور 46 ديبلوماسيا يمثلون دولهم الاسلامية والعربية، كان من بينهم سفير الكويت الشيخ سالم الصباح، وسفراء السعودية عادل الجبير، والامارات يوسف العتيبة، والعراق لقمان الفيلي، وقطر محمد الرميحي، والاردن عليا بوران، ومصر محمد توفيق.
وحضر الافطار الى جانب أوباما، زوجته ميشيل، فضلا عن مستشارته لشؤون الامن القومي سوزان رايس، وكبيرة مستشاريه فاليري غاريت. ولوحظ ان رايس والعتيبة خاضا في حوار جانبي استغرق بعض الوقت.
وهذا هو الافطار السنوي الخامس الذي يستضيفه ويحضره الرئيس الأميركي منذ انتخابه رئيسا. ودخل اوباما متأخرا قرابة النصف ساعة عن موعد الافطار بحسب توقيت واشنطن، وافتتح اللقاء بالتوجه الى الحاضرين بالعربية بالقول: «رمضان كريم». واستشهد أوباما بالآية الكريمة وقال «كما يعلّم القرآن، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره».
واضاف ان «المسلمين الاميركيين واعمالهم الجيدة قد ساهمت في بناء هذه البلاد، ولقد رأينا النتائج». وتابع متحدثا عن دور المسلمين الاميركيين ومبادراتهم في عالم الاعمال في الولايات المتحدة، وختم بالقول «رمضان مبارك، وانا اعلم انكم جائعون، فدعونا نأكل».

الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

كيف تنتهي حرب سوريا؟

حسين عبدالحسين

بعدما نجحت الفرقة 101 المحمولة جواً في تدمير الدفاعات العراقية واحتلال بغداد في العام 2003، التفت قائدها، العميد دايفيد بترايوس، الى مراسل "واشنطن بوست" ريك اتكينسون، الذي كان ملحقاً في القوات الاميركية، وسأله: "قل لي كيف تنتهي هذه (الحرب)؟".
ذلك السؤال لم يتحول فقط الى أشهر عبارة قيلت في حرب العراق، بل تحول الى شعار لكل المشككين في تدخل اميركا عسكرياً في اي نزاع حول العالم اليوم.
الديبلوماسي المتقاعد والباحث في "مركز رفيق الحريري" التابع لمركز ابحاث "مجلس الاطلسي"، فريديرك هوف، حاول الاجابة عن هذا السؤال أثناء شهادته في جلسة استماع عقدتها "لجنة القوات المسلحة" في مجلس الشيوخ، الاسبوع الماضي حول سوريا. يقول المسؤول السابق عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأميركية في شهادته : "الى اولئك الذين يحاولون اغلاق الحوار حول سوريا بترديدهم عبارة قل لي كيف ينتهي (أي تدخل عسكري اميركي)، عليهم أن يرددوا السؤال نفسه حول الخيارات البديلة لعدم التدخل والاكتفاء بالجلوس ومشاهدة التطورات".
يعتقد هوف أن بديل عدم التدخل الاميركي هو اتساع رقعة الحرب الأهلية، لتشمل دولاً مجاورة لسوريا وحليفة للولايات المتحدة، مثل الأردن وتركيا. كذلك، يرى الديبلوماسي السابق أن عدم التدخل الاميركي يفسح في المجال امام الرئيس السوري بشار الاسد وايران و"حزب الله" لتعزيز وضعهم في المنطقة على حساب حلفاء اميركا.
اذن، يصبح السؤال من وجهة نظر هوف، "قل لي كيف تنتهي الحرب في سوريا في حال لم تتدخل أميركا"، ليجيب في شهادته أن كل سيناريوهات النهاية حالياً ليست في مصلحة الولايات المتحدة. الأمر الذي يعني أنه يتوجب على واشنطن على الاقل أن تعمل على تسليح الثوار وضرب اهداف الاسد الجوية والمدفعية عبر استخدام صواريخ اميركية بعيدة المدى لترجيح كفة المعارضة، اي ان تتدخل عسكرياً من دون الحاجة الى غارات جوية او حظر جوي او استخدام جنود على الارض السورية، وتالياً من دون الحاجة لاعلان حرب او الذهاب الى مجلس الامن الدولي.
يوافق هوف في رأيه زميله مبعوث السلام ومسؤول ملف ايران سابقاً، دينيس روس، الذي يعمل في "معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى". يكتب روس في مطالعة أن "تكاليف الفشل (الاميركي) في التأثير في ميزان القوى بين المعارضة والنظام السوري قد تكون مرتفعة". ويضيف روس: "أقول ذلك لا بسبب التكلفة البشرية المريعة فحسب، بل لأنه من شبه المؤكد أن الصراع سيمتد الى جيران سوريا، بينما الاسد - وهو واثق من قوته العسكرية وبدعم من ايران وحزب الله - يستمر في شن حرب على شعبه في ما اصبح صراعاً طائفياً مفضوحاً".
ينضم الى جوقة الاميركيين الذين يعتقدون ان نهاية الحرب السورية من دون تدخل اميركي هي اسوأ من عدم التدخل عضوا مجلس الشيوخ من "لجنة القوات المسلحة" الديموقراطي كارل ليفين والمستقل آغنس كينغ.
ويحدد المشرعان السيناريو الذي يقترحانه لانهاء الحرب السورية، فيكتبان في افتتاحية في "واشنطن بوست" عن "تحالف دولي يعمل على تقوية الامكانات العسكرية والسياسية لقوات معارضة للأسد -- ممن يتم اختيارها بتأن -- ويزودها بمعدات عسكرية وتدريب". وعلى التحالف نفسه، حسب عضوي مجلس الشيوخ، أن "يضع خططاً لخطوات تزيد من الضغط على نظام الاسد، بما في ذلك امكانية توجيه (التحالف) لضربات عسكرية ضد الصواريخ والمقاتلات والسلاح الثقيل الذي يستخدمه الاسد في حملته الارهابية".
كيف ينتهي اي تدخل عسكري اميركي في سوريا؟
الاجابة الاميركية حتى الآن تستعيد ذكريات العراق والورطة التي وجد الاميركيون انفسهم فيها. لكن اصواتاً اميركية صارت تعلو اكثر فأكثر لتقدم اجابات مختلفة حول هذا السؤال المطروح.
لهذا السبب، اختار ليفين وكينغ عنواناً لمقالتهما "لسوريا دروس من حرب البلقان"، فيما تحدث روس عن ضرورة بناء تحالف دولي في عضويته ما يعرف بمجموعة "لندن 11"، اي اميركا وفرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية وقطر والامارات والاردن والمانيا وايطاليا ومصر. وهو ما يستلهم من "حرب الخليج الاولى"، التي اخرج فيها تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة قوات صدام حسين من الكويت.
لم تنته كل حروب اميركا الماضية كما انتهت في العراق، بل حققت اميركا في العقد الاخير من القرن الماضي نجاحات عسكرية كما في حربي الخليج ثم البلقان، وباستعارة بعض صانعي الرأي الاميركيين لصور من حربي التسعينات، يحاول هؤلاء قلب المخيلة الاميركية من هزيمة الى انتصار، وحث الادارة الأميركية على التدخل عسكرياً لحسم الصراع في سوريا لمصلحة معارضي الاسد.
بعد ذلك يبدأ الحديث عن تسوية بين الاسد ومعارضيه، على حسب رأي معظم مطالبي واشنطن بقيادة تحالف دولي لتدخل في سوريا.

بلاد النفط أوطاني

حسين عبدالحسين

يروي معلمنا الكبير المؤرخ الراحل كمال الصليبي أنه في العام 1914، أنشأ رجل أعمال أرمني يُدعى كالوست غولبنكيان "شركة النفط التركية" لاستخراج وتصدير النفط من الولايات العثمانية الثلاث في العراق. وكانت نحو نصف اسهم الشركة ملكاً لبريطانيا، وربعها يعود لشركة بريطانية - هولندية، والربع الاخير لـ "دويتشه بنك" الالماني. واحتفظ غولبنكيان بـ 5 في المئة لنفسه. 

شكلت اتفاقية الشركة الخطوط العريضة لاتفاقية سايكس بيكو في العام 1916، وتم تعديلها في مؤتمر "سان ريمو" باستبدال الالمان بالفرنسيين، مع ابقاء الاميركيين خارجها، ما دفع واشنطن الى رعاية موجة القومية العربية والاستقلال في وجه الانتداب، كما كان واضحاً في عمل لجنة "كينغ - كراين"، الى ان تراجعت بريطانيا في العام 1922، ومنحت اميركا نحو ربع الاسهم في الشركة. 

العام الماضي، صدر كتاب بعنوان "حرب الشفق" تحدث فيه الاميركي دايفيد كريست، ابن المؤسسة الدفاعية، بالتفصيل عن ثلاثين عاماً من العلاقة الاميركية الايرانية. يظهر الكتاب، بشكل واضح، أن المحرك الرئيسي لردة فعل اميركا نحو الثورة في ايران، في العام 1979، كان حماية منابع نفط الخليج من اي غزو سوفياتي محتمل على اثر انهيار الشاه ونشوء نظام اسلامي ضعيف عسكرياً وغير متوقعة ردة فعله سياسياً.

وبالاستناد الى وثائق رُفعت عنها السرية، بسبب مرور الزمن، يصوّر كريست ادارة الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر وكأن الثورة أخذتها على حين غرة، فراحت ترسم على وجه السرعة مخططات لتدخل عسكري سريع، وانشاء قوة من أجل ذلك، وهو ما عرف بـ "عقيدة كارتر". وتضمنت المخططات الاميركية استخدام اسلحة نووية تكتيكية، إن اقتضى الامر، لقطع طريق السوفيات شمال إيران.

مطلع الشهر الماضي، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً أظهر أن الصين تستورد اكثر من نصف الانتاج اليومي العراقي للنفط البالغ ثلاثة مليون برميل. لفت التقرير النظر إلى البرامج التهكمية والسياسيين غير الجديين، من امثال المتمول الجمهوري دونالد ترامب، الذي اطل على شاشة فوكس نيوز ليقول: "أنفقنا ترليون ونصف تريليون دولار، وخسرنا الاف الارواح، ودمرنا بلداً، لكن الصين هي التي تأخذ النفط ونحن لا نأخذ شيئاً".

لكن التقرير لم يؤد الى اي نقاش جدي في الاوساط الاميركية، ما يدل على تغيير جذري، لا في السياسة الاميركية الخارجية والجيوستراتيجية فحسب، وإنما في العلاقات التجارية العالمية ككل، بما فيها السوق النفطية.

وما يؤكد التغيير الكبير في دور النفط جيوستراتيجياً هو تخلي شركة "اكسون موبيل" الاميركية عن عقد استخراج نفط، وهو الوحيد الذي فازت به شركة اميركية في العراق، والتزامها بدلاً منه بعقد مع حكومة كردستان العراقية. اما سبب تصرف "اكسون موبيل"، فمرده الى هامش الربح المتواضع، الذي يمنحه عقد الحكومة المركزية العراقية، مقابل الهامش الأكبر في كردستان، ما يشي بأن معظم شركات النفط العالمية تسعى الى الربحية، وتتعامل مع عقود الانتاج والتصدير من ناحية تجارية ربحية، لا من ناحية جيوستراتيجية، كما في الماضي.

كذلك فإن في انتاج النفط وتصديره مصلحة للجميع. الدولة المصدّرة تستخدم الاموال لتمويل موازناتها، والدول المستوردة تحتاج الى النفط لمواصلة وصناعاتها، والدول الصناعية لم تعد في الغرب فحسب، بل صارت في كل العالم، وصارت تتصدرها الصين في الاستهلاك البترولي. 

ختاماً، تشير معظم التقارير إلى انه بسبب تكنولوجيا استخراج النفط والغاز الصخري، من المرجح ان تتحول الولايات المتحدة الى اكبر منتجة ومصدرة لهاتين المادتين مع نهاية العقد الحالي، وإن اضفنا هذه المخزونات البترولية الاميركية الى احتياطات كندا، والبرازيل وفنزويلا، والآن القطب الشمالي، يتبين أن واشنطن باتت في غنى عن النفط الشرق اوسطي. فعلى الرغم من انخفاض تكلفة استخراج هذا، الا انه يأتي مع "وجعة رأس" يبدو ان واشنطن لا تريدها. 

لكل هذه الاسباب، لم ير الرئيس الأميركي باراك اوباما سبباً في ابقاء قوة اميركية، حتى لو صغيرة في العراق، بعد انسحاب قواته في نهاية 2011، واعتقد انها ستكون مكلفة سياسية من دون فوائد واضحة. بدلاً من ذلك، صادقت واشنطن رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي، على الرغم من مؤشرات تدل على علاقة متينة يتمتع بها الاخير مع طهران.

وفي معرض دفاع الادارة عنه، قبل حوالي سنة، قال انتوني بلينكن، وهو كان يعمل حينذاك مستشاراً للأمن القومي لدى نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ومكلف "ملف العراق" إن "المالكي يضخ النفط، ما يبقي السعر العالمي منخفضاً، ويسمح باخراج ايران من السوق النفطية (بسبب العقوبات)".

لطالما كان الاعتقاد السائد في دنيا العرب ان نفط المنطقة هو الذي يحدد سياسات القوة الكبرى تجاهها، والارجح ان هذا الاعتقاد كان صحيحاً الى ما قبل انتشار عولمة العرض والطلب. لكن اليوم، مع تحول النفط الى سلعة كباقي السلع في السوق العالمية، ومع وجود مصلحة لدى الجميع في ابقاء هذه السوق تعمل، لم يعد النفط عاملاً أساسياً في تحديد السياسات الكبرى، ما يعني ان الاهمية الجيواستراتيجية لبعض الدول العربية قد تتراجع، وهو ما قد يفسر برودة التعامل الاميركية مع وضع سوريا، وحتى العراق، على الرغم من حماوة المعركة في الإثنين.

مسؤول أميركي زار الخليج سراً قبيل الإعلان عن المساعدات المليارية لمصر

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |
جريدة الراي

الحركة السياسية في العاصمة الاميركية تشير هذه الايام الى تقدم كل من فلسطين ومصر في سلم اولويات ادارة الرئيس باراك اوباما، في مقابل تراجع سورية، رغم الزيارة المقررة لرئيس اركان «الجيش السوري الحر» سليم ادريس الى واشنطن، هذا الاسبوع.
في هذا السياق، قامت معظم مراكز الابحاث ومؤسسات المجتمع المدني الاميركية المعنية بالشرق الاوسط بتعديل مشاريعها في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، التي تمولها الحكومة الاميركية، وعكفت على اعداد مشاريع بديلة مخصصة لفلسطين اذ اظهرت ميزانية وزارة الخارجية انه تم تخصيص الكمية الاكبر من الاموال الاميركية المرصودة للمشاريع الخارجية للاراضي الفلسطينية.
وكان وزير الخارجية جون كيري، الذي يتفرغ حاليا لاعادة اطلاق المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، قد اعلن انه ينوي تخصيص نحو اربعة مليارات دولار لانفاقها في تنمية الاراضي الفلسطينية في حال تم التوصل الى اتفاق سلام بين الطرفين.
في هذه الاثناء، ينصب اهتمام «مجلس الامن القومي» على الوضع في مصر، حيث قام عضو المجلس انطوني بلينكن بزيارة خاطفة وغير معلنة الى عواصم الخليج العربي، الاسبوع الماضي، عمل اثناءها على حث المسؤولين على التعجيل في توفير المساعدات التي اعلنتها للحكومة المصرية، والتي تعدت العشرة مليارات دولار، من اجل دعم الاقتصاد المصري، وتعزيز كمية النقد الاجنبي المتوفرة في المصرف المركزي من اجل الحفاظ على استقرار الجنيه.
كذلك، يتواصل فريق ادارة اوباما مع اعضاء الكونغرس من اجل اقناعهم «بعدم التعجل» في محاولتهم تعليق المساعدة الاميركية السنوية المخصصة لمصر والبالغة نحو مليار ونصف مليار دولار. ويدعو اعضاء في الكونغرس الى تعليق المساعدة الاميركية الى مصر لاسباب مختلفة تتراوح بين المطالبة بانتخاب حكومة ديموقراطية وحماية حقوق الاقليات.
وكما في مجلس الامن القومي، ينصب اهتمام القيادة العسكرية الاميركية ووزارة الدفاع على الوضع في مصر. ومن المقرر ان تسلم واشنطن القاهرة اربعة مقاتلات «اف -16» من الطراز الحديث وكميات اخرى من السلاح المتطور.
اذن، صعدت فلسطين ومصر الى الواجهة فيما شهدت سورية تراجعا في سلم الاولويات الاميركية.
وكانت آخر مقررات الادارة الاميركية حول سورية، في 13 يونيو، توصلت الى ضرورة ارسال اسلحة الى الثوار السوريين، والاستعداد لامكانية توجيه ضربة اميركية خاطفة لاهداف تعود لقوات الرئيس السوري بشار الاسد «لقلب الموازين على الارض» واجباره على التفاوض. الا ان عراقيل كثيرة مازالت تؤخر هذه القرارات.
في الموضوع السوري، لا تنقسم واشنطن الى ديموقراطيين وجمهوريين، بل تختلط الاصطفافات فينقسم السياسيون الاميركيون من الحزبين الى مؤيد للثوار في سورية، ومعارض للتدخل بشكل مطلق. وقد نجح المعارضون حتى الآن في تأخير اي خطوات ممكن ان تتخذها الادارة لتعزيز وضع المعارضة السورية عسكريا في وجه قوات الأسد.
المعارضون لتدخل اميركا مطلقا في الشأن السوري هم مزيج من اعضاء الكونغرس من الحزبين واعلاميون وصناع رأي وخبراء في مراكز الابحاث. اما الاسباب المعلنة وغيرالمعلنة لهؤلاء، فتتضمن تعبا اميركيا - خصوصا بين الديموقراطيين - من خوض حروب ما وراء البحار بسبب حربي العراق وافغانستان، وخوف البعض - خصوصا من اليمين المسيحي من المحسوبين على الحسب الجمهوري - من ان يؤدي انهيار الاسد الى وصول اسلاميين متطرفين الى السلطة يساهمون في اضطهاد او ترحيل المسيحيين وافراد الاقليات الاخرى من سورية.
كذلك، هناك من الحزبين من «لايرى» اهمية سورية الاستراتيجية للمصالح الاميركية، فيما تعارض القيادة العسكرية الاميركية في مجملها التورط في حرب «غير معروفة نهايتها وقد تؤدي الى التزام اميركي طويل الامد ومكلف ماليا».
هذا التحالف الموقت المعارض لتدخل اميركي في سورية اعلن نيته على لسان اعضاء في الكونغرس، يتصدرهم السناتور الجمهوري راند بول، تقديم مشروع قانون يحظر على الادارة تزويد المعارضين السوريين بالسلاح «لاننا لا نعرف من هم الجيدين من السيئين»، على حسب تعبيره.
ولأن اوباما لا يعتقد ان سورية تستأهل ان ينفق عليها من رصيده السياسي لاقناع معارضي التدخل بالتخلي عن معارضتهم، فهو اوكل المهمة الى نائبه جو بيدن، الذي زار الكونغرس مرارا في الاسبوع الاخير وعقد لقاءات خصصها للموضوع السوري.
وبيدن، الذي عمل سناتورا لاكثر من ثلاثة عقود، مازال يتمتع بعلاقات ممتازة مع اعضاء الحزبين، وهو استعان كذلك بمؤيدي التدخل الاميركي في سورية من الحزبين من امثال السناتور الجمهوري جون ماكين والديموقراطيين كارل ليفين، رئيس لجنة الشؤون المسلحة، وبوب مينينديز، رئيس لجنة الشؤون الخارجية.
ولئن استعصى على بيدن اقناع الكونغرس بالسماح بتزويد المعارضين السوريين المعتدلين بالسلاح، ارتأت الادارة ان تستضيف هؤلاء المعارضين، وان ترعى لقاءات بينهم وبين اعضاء الكونغرس من المتخوفين.
في هذا السياق، تأتي زيارة رئيس اركان الجيش الحر سليم ادريس الى العاصمة الاميركية. ومن المتوقع ان يصل ادريس الى الولايات المتحدة اليوم، وان تستمر زيارته بضعة ايام، يلتقي فيها اعضاء في الكونغرس لاقناعهم بضرورة تزويد قواته بالسلاح، كما يلتقي قيادات عسكرية، وعدد من السوريين والعرب الاميركيين، وخصوصا ممن يعملون منذ اشهر عديدة على جمع الاموال وارسالها للثوار.
لكن رغم زيارة ادريس المقررة، مازالت سورية تحل في المرتبة الثالثة عربيا بعد فلسطين، التي يتبناها حاليا كيري، ومصر، التي تستأثر بجل اهتمام صانعي السياسة الخارجية الاميركيين.


الإبراهيمي: لا نصر عسكرياً لأحد في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قال مبعوث الامم المتحدة وجامعة الدول العربية الاخضر الابراهيمي ان «لا نصر عسكريا لاحد» في سورية، وان الحل «سياسي وضروري وممكن»، حسبما ورد في اتفاق «جنيف 1»، الذي نصّ على قيام «حكومة انتقالية مع سلطة تنفيذية كاملة تحكم البلاد حتى اجراء الانتخابات».
واوضح الابراهيمي، في ندوة في «معهد كارنيغي للسلام» شارك فيها الرئيس السابق جيمي كارتر وادارها وزير الخارجية الاردني السابق مروان المعشر، ان «بذور الحل في سورية بدأت يوم 30 يونيو 2012، عندما اعلن الروس والاميركيون في جنيف ان المشكلة السورية خطيرة، وانها قد تمتد الى المنطقة، وان الحل ضروري، وانه غير ممكن عسكريا، لذا لا خيار غير الحل السياسي».
واضاف الابراهيمي: «نحن في الامم المتحدة رحبنا بذلك الاعلان، الذي تكرر في 7 مايو هذه السنة». واشار الى ان وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والاميركي جون كيري «التقيا مرات عدة منذ 7 مايو، واعتقد انهما سيلتقيان هنا في غضون اسبوعين لان لافروف سيزور نيويورك وواشنطن».
وتابع: «نحن في الامم المتحدة، اجتمعنا مع الاثنين، ونحاول ان نرى ما هي الشروط الضرورية لعقد مؤتمر دولي حول سورية». وقال: «لا اعتقد ان الشروط متوفرة، لكني اعتقد ان الجميع يعملون على خلق هذه الظروف، فعناصر الحل موجودة، منذ عام، في 30 يونيو عندما انعقد مؤتمر دولي دعا اليه سلفي كوفي انان، ونتيجته كانت مخططا تفصيليا لشكل الحل في سورية».
واضاف: «الفكرة الآن هي عقد مؤتمر آخر، نسميه جنيف 2، لكن الفارق انه هذه المرة سينعقد بحضور وفدين سوريين، واحد يمثل الحكومة وآخر المعارضة».
لكن المسؤول الاممي اشار الى ان شروط انعقاد المؤتمر والتوصل الى حل لم تتوفر بعد، وقال: «للأسف لم نصل الى ذلك بعد، ونحن الآن في حوار مباشر وغير مباشر مع الحكومة السورية في دمشق، ومع المعارضة، ومع جيران سورية، واعتقد انه ليس سرا ان الازمة تتحول في شكل خطير الى صراع اقليمي».
وتابع: «اسألوا لبنان والاردن، اعتقد ان هاتين الدوليتين تغرقان تحت ثقل اللاجئين السوريين».
الابراهيمي اعتبر ان الوضع في سورية «سيء»، وان «البلد يتم تدميره»، وقال: «تم انتقادي بشدة من الطرفين، عندما قلت ان ما يفعلونه فعليا هو التعاون لتدمير بلدهم، اذن، المناشدة الى الحكومة والمعارضة هي اظهار بعض اللطف تجاه شعبهما وبلدهما وايضا تاريخهما».

الجمعة، 5 يوليو، 2013

حتى انت يا اغناتيوس؟

حسين عبدالحسين

ديفيد اغناتيوس هو نائب رئيس تحرير صحيفة "واشنطن بوست"، وهو صاحب رأي مسموع في السياسة الخارجية في العاصمة الاميركية بسبب خبرته الطويلة، والتي كانت لي فرصة مراقبتها عن كثب عندما قمت بمرافقته لاجراء مقابلة مع العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله في بيروت قبل نحو عقد.
واغناتيوس كان من اول المبشرين بباراك اوباما رئيسا للبلاد، معددا مزايا المرشح الشاب، متبنيا وعوده في تنفيذ الانسحاب الاميركي من العراق وافغانستان، وفي وضع "سياسة الانخراط" مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد موضع التنفيذ، وفي السعي للتوصل الى اتفاق نهائي للسلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
وفي كل تعثر لاوباما وادارته في السياسة الخارجية، كان اغناتيوس، وهو المعروف بعلاقاته مع ادارة اوباما وداخل وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه)، من اول المدافعين والمبررين لاوباما وفريقه.
الاسبوع الماضي، كتب اغناتيوس مقالة حملت عنوان "سياسة أوباما المحيرة في الشرق الاوسط"، حمل فيها بشدة على الرئيس الاميركي لقطعه وعودا بتسليح المعارضة السورية، فيما يقول المعارضون انهم لم يتسلموا اي اسلحة حتى الآن.
وكتب اغناتيوس: "هذه غلطة. الرؤساء لا يقطعون وعودا بالمساعدة العسكرية ثم يتفرجون على حلفائهم وهم يتم سحقهم". ووصف المعلق الاميركي سياسة اوباما الساعية الى حل سياسي ودعم المعتدلين في وجه المتطرفين، سنة ام شيعة، بالصحيحة، مضيفا: "اذن دع ذلك يحدث... فعلى العاملين في البيت الابيض ان يسألوا انفسهم اثناء اجتماع الوكالات، كل صباح، ما الذي يمكنهم فعله لتنفيذ وعد الرئيس بمساعدة (سليم) ادريس والمعتدلين؟" وتابع اغناتيوس انه، كما في سوريا، كذلك في "مصر مثال محير آخر على سياسة اوباما الباطلة في الشرق الاوسط".
اغناتيوس ليس وحده من مؤيدي اوباما المحبطين.
فرد هوف، وهو دبلوماسي مخضرم انضم الى فريق مبعوث السلام السابق الى الشرق الاوسط جورج ميتشل بصفة مسؤول عن المسار السوري، واجه انتقادات متكررة حول "سياسة الانخراط" التي انتهجتها الحكومة الاميركية نحو الاسد والتي كانت ترتكز على مبدأ "ابعاد الاسد عن ايران" بعد اعادة الجولان الى السيادة السورية والتوصل الى معاهدة سلام بين الاسد والاسرائيليين.
لكن بعد تعثر عملية السلام برمتها، وبعد اعتراف اوباما لصحيفة "نيويورك تايمز" ان موضوع الصراع العربي الاسرائيلي والسلام اعقد بكثير مما كان يتصور، بقي هوف في منصبه من دون عمل حتى اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، فانخرط الى جانب السفير السابق في سوريا روبرت فورد ومساعد وزيرة الخارجية السابق لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان في متابعة "الملف السوري" حتى خروجه من الادارة قبل اقل من عام.
وهوف كان من اول المدافعين عن سياسة اوباما حول سوريا، مقللا من شأن التدخل العسكري، ومحذرا من التسليح من دون تحديد المعتدلين من بين الفئات المعارضة.
لكن هوف كتب في موقع "مركز رفيق الحريري" التابع لمركز ابحاث "مجلس الاطلسي"، حيث يعمل خبيرا، مقالة قال فيها انه يبدو ان "الاضطراب" هو سمة سياسة اوباما الحالية نحو سوريا.
وقال هوف: "بعض المسؤولين يقترحون عقد مؤتمر جينيف كغاية بذاتها، على الرغم من كون الفكرة انسب كي تكون جزء من استراتيجية اكبر". واضاف: "البعض الآخر يعطون اهمية لأمن الاسلحة الكيماوية وتحييد دور عناصر (تنظيم) القاعدة، وهي حجج يستخدمها بشار الاسد لاستعراض الفوائد المزعومة لانتصاره، متجاهلين طبعا التعاون الطويل الامد بين الاستخبارات السورية والقاعدة في العراق".
وختم هوف: "قبل استشارة الكونغرس والحلفاء (حول سوريا)، الاجدى بالادارة أن تقرر داخليا فيما بينها ما الذي تريد تحقيقه في سوريا، وكيف تنوي تحقيقه".
لا شك ان باراك اوباما كان، وما زال، خطيبا مفوها ورجلا صاحب كاريزما حولته الى ظاهرة سحرت الكثيرين في الولايات المتحدة وحول العالم. لكن لا شك ايضا ان ليس كل صاحب كاريزما يتمتع بسؤدد الرأي، وحكمة القرار، وحنكة التنفيذ، فالرجل لم يقلص دور اميركا في العالم فحسب، بل ساهم في ضعضعة حزبه الى حد ان اعضاء الكونغرس من الديموقراطيين صاروا يبتعدون عن اجندته، ومن قبيل ذلك الهزيمة التي مني بها تشريع الرئيس حول قانون تنظيم السلاح الفردي مؤخرا، كما تشريعات رئاسية عديدة اخرى.
وقد يكون اوباما رئيسا مرتبكا ومترددا في السياسة الخارجية، وقد لا يكون، ولكن ان يطل اثنان من ابرز مؤيديه من المخضرمين في السياسة الخارجية في واشنطن، ويصف الاول سياسة اوباما الشرق اوسطية بالمحيرة، فيما يصفها الثاني بالمضطربة، ففي ذلك دلالة على تخبط اوباما خارجيا بشكل لا يفسح الكثير من المجال للشك.

الخميس، 4 يوليو، 2013

الأسد بدأ خطوات عملية لإقامة منطقة نفوذ ذات غالبية علوية وشيعية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لم تمنع التطورات المتسارعة في مصر المعنيين في الشأن السوري في العاصمة الاميركية من متابعة المعارك الدائرة وتقديم تقاريرهم الدورية الى كبار المسؤولين حول تطورات الاوضاع، خصوصا في مدينة حمص.
وعلمت «الراي» من مصادر اميركية، رفضت كشف هويتها، ان المعلومات المتوافرة عن الوضع في سورية تشير الى انه صار من شبه المؤكد ان الرئيس بشار الاسد يسعى لاقامة منطقة نفوذ ذات غالبية علوية وشيعية تصل الشمال الغربي للبلاد بالعاصمة دمشق، وتكون متصلة بالبقاع اللبناني والجنوب وبيروت. 
وفي هذا السياق، أكدت المصادر ان «قوات الاسد عمدت الى نقل عدد من السكان المدنيين العلويين من الشمال الغربي الى بلدة القصير التي استعادتها أخيرا من الثوار، وسمحت للعلويين بنهب الممتلكات، والاقامة في المنازل الفارغة للسنة المهجرين، كجزء من عملية تطهير عرقي منظمة». 
كما ابدت المصادر قلقها من تقارير تحدثت عن قيام قوات الاسد باحراق مبنى السجل العقاري في حمص، مع سندات الملكية في داخله، فيما يبدو انها محاولة لطمس اثباتات الملكية للسوريين السنة، ونقلها بقوة الامر الواقع الى العلويين.
واعتبرت المصادر الاميركية ان «تغيير الديموغرافيا من شأنه، في المدى القريب، ان يحل مشكلة النقص في عدد القوات المطلوبة للسيطرة على المساحات التي تستعيدها قوات الاسد من الثوار».
واضافت ان القوات التي خاضت المعركة في القصير انتقلت الى حمص، وان «هذه القوات مؤلفة من خمسة الاف مقاتل لحزب الله، وهم يقودون الهجوم بسبب فاعليتهم، يرافقهم عدد مشابه من قوات الجيش الشعبي الاقل تدريبا، فيما ترابض قوات الاسد النظامية في الخلفية حيث تقدم الاسناد الناري حسب الطلب».
على ان الخبراء يعتقدون ان الثوار يبدون اداء متميزا في صمودهم في حي الخالدية وحمص القديمة. 
ويقول الخبير بيتر كليفورد: «رغم استمرار الحملة الهائلة التي يشنها نظام الاسد على الاحياء السنية في حمص، من اربع جهات، يبدو ان الامور وصلت الى طريق مسدود بعدما نجح الثوار في المحافظة على مواقعهم لليوم الخامس على التوالي»، رغم كثافة النيران.
ويضيف كليفورد ان «حي الخالدية وحمص القديمة، على وجه الخصوص، تتعرض لكثافة نيران على شكل صواريخ وقذائف، فيما يبدو ان القوات الحكومية تحاول تكرار ما فعلته في القصير عندما قصفت الثوار الى درجة اجبرتهم على الاستسلام».
ويعتقد الخبراء، ومسؤولون في الامم المتحدة، ان قرابة 2500 من المدنيين عالقين في المناطق المحاصرة في حمص. وكانت الكتلة الاوروبية في مجلس الامن، المتمثلة باللوكسمبورغ والنمسا، قدمت مشروع بيان رئاسي يدعو جميع الاطراف في سورية للسماح للمدنيين بالخروج الآمن من مناطق القتال. 
في هذه الاثناء، تدور الاشتباكات الضارية بين قوات المعارضة، من جهة، وفصائل «الجيش الشعبي» و«حزب الله»، من جهة اخرى، على اطراف الخالدية وحي باب هود، حسب الخبراء. وينقل هؤلاء عن ناشطين ان خسائر «حزب الله» والقوات الموالية للأسد بلغت 32 مقاتلا في اول يومين من حصار حمص.
التقارير الاميركية تحدثت في الوقت نفسه عن تقدم كبير احرزه الثوار في كل من ادلب وحلب، حيث هاجموا اوتوستراد حلب - اللاذقية على بعد 10 كيلومترات غرب بلدة اريحا، ونجحوا بتدمير دبابتين تابعتين لقوات الاسد في محيط المنطقة نفسها، وفي تدمير جسر بسنقول الذي يربط حاجز المعصرة بقرية ارم الجوز.
وفي حلب، تواصل قوات «الجيش السوري الحر» هجومها على الضواحي الغربية، التي مازالت تحت سيطرة حكومية. في هذه المعارك، اوقع الثوار خسائر في صفوف الاسد بلغت 10 قتلى وتدمير عربة مصفحة ناقلة للجند في خان العسل، فيما استمرت الفرقة التاسعة لـ «الجيش الحر»، والتي تم تشكيلها حديثا وهي اكثر تدريبا واحسن تسليحا من القوات الاخرى، في قصف مواقع قوات الاسد في مناطق مختلفة من حلب.
اما في اعزاز، التابعة لحلب، فلاحظ الخبراء تمردا للمدنيين السوريين ضد مجموعة «الدولة الاسلامية في العراق والشام»، والتي حاولت ان تفتتح مقرا لها في المنطقة. وكانت تقارير مصورة من اعزاز اظهرت سوريين وهم يرفعون لافتات كتبوا عليها «جئتم لتحمونا لا لتحكمونا»، و«نرحب بالجهاديين في جبهات القتال فقط».
ختاما، لفتت التقارير من دمشق الى احتمال مقتل 13 عنصرا من «حزب الله» والميليشيات العراقية في عمليات قنص استهدفت محيط ضريح السيدة زينب، في اليومين الماضيين، فيما تتضارب المعلومات حول مصير ضاحية جوبر، والتي كانت «وكالة الانباء السورية الرسمية» (سانا) اشارت الى انها اصبحت في يد قوات النظام، لتكذب هذه الاخبار تقارير من معارضين تظهر الثوار وهم ينسفون دبابة تابعة لقوات النظام.

واشنطن حاولت رعاية تسوية بتعليق الدستور مقابل بقاء مرسي ... لكن الجانبين رفضا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

الساعات الاخيرة قبل اعلان وزير الدفاع المصري القائد العام للقوات المسلحة الفريق اول عبد الفتاح السيسي بدء مرحلة انتقالية في مصر برئاسة رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور، شهدت كثافة غير مسبوقة في الاتصالات بين واشنطن والقاهرة، خاضها من الجانب الاميركي وزيرا الدفاع والخارجية تشاك هيغل وجون كيري، ورئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي.
ودفع تسارع التطورات الرئيس باراك اوباما الى قطع برنامجه المقرر وعقد لقاء في غرفة الاوضاع في قبو الجناح الغربي للبيت الابيض. حضر الاجتماع المخصص للوضع في مصر كبار اركان الادارة، وفريق الامن القومي، وغاب عنه كيري الموجود خارج واشنطن، وحضر نيابة عنه وكيله وليام بيرنز.
توصل الفريق الاميركي الى نتيجة مفادها ضرورة تحذير الجيش المصري من خطورة ازاحة الرئيس محمد مرسي، وتم تقديم اقتراحات متعددة للتسوية، وفيما كان ديمبسي على اتصال بالسيسي، كان كيري يتحدث مع مرسي ومساعديه، وحاولت واشنطن رعاية تسوية تقضي ببقاء الرئيس، في مقابل تعليق الدستور، والعمل على تعديله، واجراء انتخابات برلمانية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
وتقول المصادر الاميركية ان الطرفين في مصر تمسكا بمواقفهما. فالجيش أكد ان «ملايين المصريين يطالبون برحيل مرسي لذا لا بد من رحيله»، فيما قال مرسي ان «الموضوع لا يدور حول شخصه بل حول مبدأ الشرعية، وانه اذا كانت المعارضة ترغب في اي تعديلات دستورية او حكومية، فلتقدمها من خلال المؤسسات وتراعي القوانين»، وانه «لا يريد البقاء من اجل البقاء في المنصب، بل من اجل الدفاع عن الدستور والدولة لان هذا ما أقسم عليه».
هكذا ابلغ السيسي الاميركيين انه في ظل تصلب مرسي، لا بد من الاعلان عن بيانه، وحصلت محاولات اميركية متعددة لثنيه، وتم تأجيل الاعلان اكثر من مرة في الدقائق الاخيرة على أمل سماع أي تنازل من مرسي «يمكن بناء تسوية سياسية على اساسه»، حسب المصادر الاميركية، لكن مرسي لم يتراجع، فقال الاميركيون للجيش ان واشنطن لا توافق على ازاحة أي رئيس منتخب، وانه في اعلانه المزعوم، يتخذ الجيش المصري خطوة يتحمل مسؤوليتها وحده.
لكن مصادر اميركية اخرى سربت تقارير متناقضة تفيد بأن ادارة أوباما، ورغم انها لم توافق مع الجيش المصري على خطوته، الا انها لم تضغط بما فيه الكفاية، وبدت «نصف سعيدة» بالاجراء العسكري المصري.
وما يؤكد رواية القائلين ان فريق اوباما لم يمارس الضغط الكافي على حلفائه في الجيش المصري هو البيان الصادر عن البيت الابيض اثر اعلان السيسي.
ففي البيان، قال اوباما انه «اثر تطورات اليوم (أمس)، اعطيت التوجيهات الى الدوائر المعنية بمراجعة عواقب الخطوة المصرية وتأثيرها بموجب القانون الاميركي على المساعدة الاميركية الى الحكومة المصرية»، الا ان البيان لم يصف اعلان السيسي بالانقلاب، وهو لو فعل ذلك، لكان انهى تلقائيا المساعدة الاميركية التي يحظر القانون الاميركي تقديمها لاي حكومة تقوم على اثر انقلاب عسكري.
يذكر ان الحكومة الاميركية تقدم ما تسميه «تمويلا عسكريا خارجيا» سنويا الى القوات المسلحة المصرية يبلغ مليارا و300 مليون دولار. ورغم قيام اعضاء في الكونغرس بعرقلة ارسال هذه المساعدة على اثر صدور احكام بالسجن بحق 43 عاملا في مؤسسات غير حكومية قبل اشهر، الا ان كيري اصدر مرسوما خاصا في 9 مايو الماضي، تجاوز بموجبه عقبات الكونغرس، وسمح بالافراج عن المساعدة «لاسباب تتعلق بمصلحة الامن القومي الاميركي»، على ما ورد في مذكرته الى مجلس الشيوخ في حينه.
وما يؤكد ان ادارة اوباما كانت «نصف سعيدة» باعلان السيسي هي دعوة الرئيس الاميركي، في بيانه، «الجيش المصري الى التحرك بسرعة ومسؤولية من اجل اعادة السلطة كاملة الى حكومة مدنية منتخبة في اقرب وقت ممكن من خلال عملية شاملة وشفافة، وتفادي الاعتقال العشوائي للرئيس مرسي ومناصريه».
وكان بوسع اوباما، لو كان متمسكا ببقاء مرسي، دعوة الجيش الى اعادة السلطة الى مرسي نفسه بدلا من الحديث عن تجاوزه والاسراع بتنظيم انتخابات.
مستقبلا، يشي بيان البيت الابيض بأن الحكومة الاميركية تعتقد انه يمكن لغير الاسلاميين الفوز في الانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم «الاخوان» والتيارات السياسية الاخرى، اي ان الاعتقاد الاميركي مبني على ضرورة قيام حكام مصر المقبلين على «اصلاح ما انكسر مع اسلاميي مصر، ومحاولة استقطابهم للعودة الى المشاركة في الحكم، لا التفرد به»، على حد تعبير احد المتابعين للقاءات المتعددة التي عقدها المسؤولون الاميركيون في اليومين الماضيين للتباحث في الشأن المصري.

الأربعاء، 3 يوليو، 2013

مسؤول في البنتاغون لنصرالله: يا أبوهادي ... أحب أنكم تحضّون اللبنانيين على دعم الجيش

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قد يكون الود منقطعا بين «حزب الله» وواشنطن التي تعتبره منظمة إرهابية، ولكن ذلك لا يمنع من تلاقيهما على دعم الجيش اللبناني، ففي خضم القتال الذي اندلع بين الجيش ومجموعة الشيخ احمد الاسير في صيدا الاسبوع الماضي، كتب مسؤول ملف لبنان في مكتب وزير الدفاع الاميركي اندرو اكسوم تغريدة على «تويتر» جاء فيها: «احب كيف يحث (حزب الله) اللبنانيين على دعم الجيش»، وأضاف متوجها بسؤال إلى أمين عام الحزب حسن نصرالله بالقول: «إذاً نحن الآن نتفق ان على الدولة احتكار العنف يا أبوهادي؟»
اتفاق الولايات المتحدة و«حزب الله» على دعم الجيش اللبناني، وقائده جان قهوجي الآن وربما مستقبلا في ادوار اخرى، قد يأتي من باب المصادفة، ولكن الموقف الأميركي في لبنان يبدو غير متناسق والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط. صحيح ان السياسة الخارجية متخبطة عموما في عهد الرئيس باراك اوباما، الا ان المواقف الاميركية في لبنان تبدو وكأنها صادرة عن حكومة اميركية غير تلك التي تدير السياسة تجاه سورية مثلا.
معركة صيدا الاسبوع الماضي اظهرت التناقضات الاميركية، فحماسة واشنطن لتصفية مجموعة الاسير لم تكن مبررة، خصوصا ان لا الاسير ولا مجموعته على لائحة الارهاب الاميركية، وهذه المجموعة لا تعدو كونها مجموعة مسلحة، شأنها في ذلك شأن مجموعات كثيرة اخرى مسلحة في لبنان من اقصى شماله إلى اقصى جنوبه، بعضها تعتبرها واشنطن ارهابية، وبعضها الآخر سبق ان تعرض للجيش اللبناني واوقع في صفوفه قتلى فيما لم يحرك الجيش ساكنا.
والتناقض الاميركي بين لبنان وسورية كان واضحا في الاجتماع الذي انعقد في بيروت بحضور السفيرة مورا كونيللي ونظرائها من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن. وتقول مصادر في العاصمة الاميركية انه اثناء الاجتماع المذكور، استمعت ممثلة واشنطن «باصغاء وتأييد إلى محاضرات السفير الروسي حول ضرورة نجاح الجيش اللبناني بالتصدي لخطر التطرف والارهاب الذي يهدد لبنان والمنطقة».
هذا لا يعني ان كونيللي تتصرف بمفردها في بيروت، ففي واشنطن تحدث رئيس الاركان الجنرال مارتن ديمبسي عن وجوب ارسال خبراء عسكريين لتدريب الجيش اللبناني، وهو نفس الجيش الذي كانت واشنطن قبل سنوات تخشى تسليمه مناظير ليلية وعتادا متنوعا خشية وقوعه في ايدي مقاتلي «حزب الله».
لكن يبدو ان محاربة الاسلاميين، متطرفين كانوا او غير متطرفين، تتصدر اولويات واشنطن، ما يعني ان الولايات المتحدة متمسكة بدعم الجيش اللبناني، حتى لو كان متحالفا مع «حزب الله»، بحسب البيان الحكومي اللبناني، بدلا من ان تطالب الجيش نفسه بفرض سيادة الحكومة وتطبيق قرارات مجلس الامن التي تدعو إلى نزع سلاح كل المجموعات المسلحة في لبنان، مثل القرارين 1559 و1701.
ويبدو ان غياب الرؤية لدى اوباما وتخبط سياسته الخارجية، حتى بحسب مقربين منه من امثال الصحافي دايفيد اغناتيوس، هو الذي يسمح لمسؤولين من كل الدرجات بتقديم آرائهم الشخصية المختلفة على انها السياسة الاميركية. 
وكان اغناتيوس كتب، نهاية الاسبوع الماضي، مقالا حمل عنوان «سياسة اوباما الخارجية المحيرة»، تناول فيها ارتباك واشنطن في التعاطي مع ازمتي سورية ومصر.
هكذا، يصبح مفهوما ان احد مهندسي دعم الجيش اللبناني، مساعد وزير الدفاع السابق كولن كال، دعا اول من امس في مقابلة صحافية إلى «مساومة كبرى» مع ايران على اثر انتخاب حسن روحاني رئيسا لها، فيما الديبلوماسي الذي يرجح ان يشغل منصب سفير اميركا في بيروت، دايفيد هيل، كان عمل بالاشتراك مع كال في تصميم سياسة الدعم للجيش اللبناني.
وكان الاثنان عقدا مؤتمرا صحافيا بعد أشهر قليلة على انتخاب اوباما رئيسا، تحدثا فيه عن دور اللجنة العسكرية الاميركية - اللبنانية المشتركة التي تم انشاؤها قبل عام، وقال هيل: «رسالتنا هي ان الولايات المتحدة تلبي حاجات الجيش اللبناني ليقوم بالدور المنوط به، وهذا جزء من مجهود طويل الامد، فنحن لا نبني ميليشيا»، فيما اشاد كال بزيارة قهوجي إلى واشنطن في مارس 2009، وهي زيارة كررها قائد الجيش اللبناني في اوكتوبر 2011، وهي وتيرة زيارات غير مألوفة لقادة الجيش اللبناني إلى العاصمة الاميركية.
وبين كال وهيل ودعمهما شبه المطلق للمؤسسة العسكرية في لبنان، يأتي ما يبدو انه اعجاب شخصي يكيله اكسوم لـ «حزب الله»، اذ يطلق المسؤول الاميركي على نفسه اسم «ابو مقاومة»، وهذه كلها قد تكون دلائل على ان اميركا و«حزب الله» لا يتفقان في دعمهما للجيش اللبناني فحسب، بل ان العداء الظاهر بينهما قد لا يكون بالشدة المفترضة عند كثيرين، رغم بعض الاختلافات في وجهات النظر.

الاثنين، 1 يوليو، 2013

عودة أميركا إلى العسكر

حسين عبدالحسين

في دردشة مع الصحافيين في مبنى الكونغرس، قال رئيس اركان الجيش الاميركي مارتن ديمبسي انه اذا اختارت الولايات المتحدة ان تفرض حظرا جويا على سوريا، فان ذلك سيكون "اعلانا للحرب، وانا اريد ان افهم خطة السلام، قبل ان نبدأ حربا اخرى".
قد يشغل انتشار مقاتلين اسلاميين متطرفين مثل "جبهة النصرة" بال واشنطن، وقد يشغلها كذلك مشاركة مقاتلي "حزب الله" في المعارك وتنامي النفوذ الايراني المباشر داخل سوريا، لكن يبدو ان ما يثير قلق الادارة الاميركية -- اكثر من اي امر آخر -- هو "اليوم التالي" لانهيار بشار الاسد ونظامه، فاذا ما حصل ذلك، فان الخيارات المرجحة هي فشل المعارضة في تثبيت الوضع، وتحول سوريا الى دولة فاشلة، ومرتع للمتطرفين، ومقر لتصدير العنف الى دول الجوار.
ولأن واشنطن تحاول نسيان ذكرى محاولتها ادارة الفراغ مباشرة عبر "بناء الامم"، الذي مارسته بفشل في العراق وافغانستان، فهي تعتقد ان عليها محاولة تفادي الفراغ في سوريا.
في هذا السياق، قد تبدو اي ضربة اميركية جوية تساهم في تسريع انهيار نظام الاسد وكأنها خطوة لخلق الفراغ والفوضى تتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة الاميركية. لذا، تعمل واشنطن على تفادي تسريع الانهيار، انهيار الثوار، الذين يناسب انتصارهم اميركا وحلفائها استراتيجيا، كما انهيار الاسد، قبل تأمين البديل.
في صيف العام الماضي، شارك السفير الاميركي السابق في دمشق ومسؤول الملف السوري حاليا روبرت فورد في حوار في احد مراكز الابحاث، وقدم بكثير من الاصرار رؤية بلاده حول التسوية السياسية لانهاء الصراع السوري، وقال مستشهدا في العراق ان لا حل بالعسكر فقط، فالحل العسكري من دون سياسة كمن يركب دراجة بدولاب واحد.
يومذاك، طرحت على فورد سؤالا عما يحصل في حال عدم توحد المعارضة السورية، هل يستمر القتال في سوريا، وماذا يحصل لو انهار بشار الاسد ونظامه فجأة قبل ان تتوحد هذه المعارضة او يصبح لديها جهوزية لتسلم مكانه، هل يعني ذلك ان على العالم ان يحاول ابقاء الاسد في الحكم، تفاديا للفراغ، ريثما تصبح المعارضة مستعدة؟
اطرق فورد مفكرا واجابني بكثير من اللباقة ان في نهاية المطاف، الحل في سوريا هو شأن السوريين وفي ايديهم.
هذه هي "خطة السلام" نفسها التي تحدث عنها ديمبسي هذا الاسبوع. ما قاله الجنرال الاميركي معناه ان اميركا تدرك انها قادرة عسكريا على حسم الصراع السوري في اي اتجاه في اسابيع، بل ايام، ولكن مشكلة واشنطن ليست في من يفوز، على الرغم من تفضيلها لمعارضي الاسد. مشكلة اميركا هي في ما يحدث بعد انتصار طرف على آخر.
ومن يتابع التصريحات الاميركية التى اعلنت بدء تسليح الثوار السوريين، قد يلاحظ انه لم يقل اي مسؤول اميركي ان هدف التسليح هو اطاحة الاسد، بل "قلب الموازين على الارض" بهدف اقناع الاسد ان استمراره منفردا في زعامة البلاد صار مستحيلا، وان عليه التنحي وتأمين مكان لمجموعته، في شراكة مع معارضيه، في المرحلة التي تليه.
هذه هي "خطة السلام" في سوريا، التي يكررها المسؤولون الاميركيون، وهي مبنية على تعديل موازين لا حسم صراع.
ويبدو ان اعتقادا اميركيا سائدا مفاده ان تسليح "الجيش السوري الحر" وتدريبه على مهمات قتالية، وعلى حماية المنشآت الكيميائية، وربما على حفظ الامن، صار مطلوبا في مطلق الاحوال، لذا، لا ضير من تجهيز قوة امنية يمكنها تعديل ميزان القوى اليوم، ثم تثبيت الوضع في سورية في حال انهار الاسد من وهنه، او قرر الخروج والسماح لتسوية.
في هذا السياق الامني نفسه يأتي اقتراح ديمبسي تدريب القوات الحكومية العراقية واللبنانية على التعاطي مع اي طارئ قد ينتج من المعارك السورية.
الولايات المتحدة لا تهمها الديموقراطية العربية ولا الربيع، بل صيغة حكم فيها مشاركة طوائفية اثنية على طراز "كيفما اتفق"، مع قوة امنية مؤهلة لحفظ الاستقرار تتمتع بعلاقة مع واشنطن، يفضل من خارج الحكومات، كما النموذج المصري.
هكذا، يمكن لواشنطن ان تدافع عن مصالحها عن طريق حلفائها العسكر، فيما يتناطح المدنيون في مؤتمرات مصالحة ومشاركة وتظاهرات واختراق لحقوق الانسان والمرأة، وما الى ذلك من تفاصيل صار الاميركيون يعتقدون انه يحق لهم ان ينتقدونها من دون ان يكون عليهم اي واجب في التدخل لتغييرها او اصلاحها.

Since December 2008