الخميس، 31 أكتوبر، 2013

نقاش حول كتاب "يسار لبنان"

حسين عبد الحسين - واشنطن

كتاب "يسار لبنان" الصادر عن "مؤسسة روزا لوكسمبورغ" يهدف، بحسب مؤلفه حسين يعقوب، الى "عرض سريع لأهم التطورات والتحولات" في تاريخ اليسار اللبناني "على امل ان يفتح آخرون هذا النقاش".
الكتاب ينقسم الى ثلاثة اقسام. الاول رواية مقتضبة وشيقة لتجربة الكاتب اثناء احداث 7 ايار 2008، التي شهدت اجتياحا لمقاتلي "حزب الله" لمناطق خصومه. الثاني، نبذة حول تاريخ هذا اليسار منذ نشأته وحتى انهيار تجربة "حركة اليسار الديموقراطي". اما القسم الثالث، فأربع شهادات لناشطين يساريين ابرزهم المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي اللبناني زياد صعب.
في عملية تأريخه هذه، ينتهج يعقوب مسارا غير واضح، فروايته التاريخية تبدأ بالحزب الشيوعي، ثم تنتقل الى "حركة اليسار الديموقراطي"، وتتوقف بعد ذلك، وكأن تاريخ الاول يتوقف عند قيام الثاني او ان الثاني هو استمرار للاول.
ثم ان الحزب الشيوعي شهد، عبر تاريخه، خروج عدد كبير من كوادره، منهم من انضموا الى احزاب طوائفهم، ومنهم من خرجوا من الحياة العامة وتفرغوا لشؤونهم الخاصة، ومنهم من بقوا معارضين اما داخل الحزب او خرجوا ليأسسوا مجموعات اخرى غير "اليسار الديموقراطي".
حتى ان بعض "المجموعات اليسارية المستقلة"، التي يفترض انها انضوت تحت لواء "اليسار الديموقراطي"، لم تفعل ذلك تماما، فمجموعة "بلا حدود" الناشطة في الجامعة الاميركية في بيروت، على سبيل المثال، لم تحلّ نفسها على اثر قيام "حركة اليسار" في العام 2004، بل هي حافظت على وجودها، حتى انها دخلت في منافسة مع "طلاب اليسار الديموقراطي" في الجامعة نفسها.
ويعزو يعقوب تفتت اليسار في لبنان الى مجموعة من الاسباب، اولها انهيار الاتحاد السوفياتي الذي حرم الحزب الشيوعي اللبناني الاموال التي كان يستخدمها من اجل الحفاظ على شبكته الريعية، وتسليح ذراعه العسكرية، وتاليا منافسته الاحزاب القبلية الطائفية خلال الحرب الاهلية اللبنانية.
السبب الثاني يكمن، لا في انقسام اليساريين الى "مقاومين" ضد اسرائيل =او "سياديين" مطالبين بانسحاب سوريا فحسب، بل في تماهي اليساريين - الى حد الاندماج - مع هذين الاصطفافين الطائفيين، ما قضى على امكان وجود هوية يسارية مستقلة تكون بمثابة خيار ثالث. هكذا تحوّل معظم اليساريين الى ازلام، لا شركاء، في واحد من الاصطفافين اللبنانيين اللذين تشكلا بعد العام 2005، اي 8 و14 آذار.
ويعتقد يعقوب ان انتخاب القيادي الشيوعي السابق الياس عطاالله نائبا في مجلس النواب في العام 2005 لم يكن ليحصل لولا الجهود الكبيرة التي قام بها العزيز الراحل سمير قصير، والذي كان من مؤسسي "حركة اليسار الديموقراطي". الا ان الارهاب الذي طاول هذه الحركة، والذي تمثل باغتيال قصير ومطاردة كوادر آخرين بعضهم هرب الى المنفى و بعضهم الآخر تعرض لاعتداءات بالضرب في شوارع بيروت، أثّر سلبا في ادائها، الى حد ان عطاالله لم يقدم مشروع قانون واحداً لتشريع اي من المواضيع الكثيرة التي دأب اليساريون على المطالبة بها على مدى قرن.
هكذا، وفي غياب النشاط التشريعي، اندمج عطاالله في "14 آذار" بالكامل، قبل ان "يذوب" خلفه النائب امين وهبي، وهو من اعضاء "اليسار الديموقراطي"، في كتلة "تيار المستقبل" التابعة لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري.
ختاما، يشير يعقوب الى غياب الديموقراطية داخل الحزب الشيوعي كسبب رئيسي ادى الى الانشقاقات اليسارية، وتاليا الى الازمة العميقة التي يعيشها يسار لبنان اليوم.
لا شك في ان غياب الديموقراطية اساس في ابعاد الكوادر وكثرة الانشقاقات. لكن الديموقراطية بقيت غائبة حتى داخل "اليسار الديموقراطي". فعطاالله، الذي غادر الحزب قبل عقد لغياب الديموقراطية داخله، عمل امينا لسر حركة اليسار ثم رئيسا لها حتى اليوم. وكما الحزب الشيوعي وسائر الاحزاب اللبنانية القبلية الطائفية، سادت ثقافة الزعيم والازلام والفصائل المتناكفة داخل "حركة اليسار الديموقراطي".
ومع ان عددا من مؤسسي هذه الحركة واصدقائها حرصوا، منذ بدايتها، على انشاء حزب يقدم نموذجا في ديموقراطيته الداخلية وشفافيته المالية، حتى يتسنى له المطالبة بديموقراطية دولة لبنان والقضاء على الفساد فيها، الا ان قيادة الحركة مارست الاساليب الحزبية القبلية نفسها، من التذرع بالارهاب ضد كوادرها من اجل تأجيل اي مجهود تنظيمي ديموقراطي وانتخابات، الى رفض كشف بياناتها المالية.
ولم تستمع قيادة "اليسار الديموقراطي" الى محازبيها، وراحت تتحدث عن مؤامرات وانشقاقات شبيهة بالتي عاشها هؤلاء القياديون داخل الحزب الشيوعي مع انتقال الثقافة الحزبية القبلية من داخل الحزب الشيوعي الى داخل "حركة اليسار الديموقراطي". ولم تحصل اي انشقاقات هذه المرة، بل خرج كثيرون من كوادر الحركة ومناصريها منها من دون عودة.
كتاب يعقوب خطوة في الاتجاه الصحيح، للاحزاب اليسارية وغير اليسارية اللبنانية، وهو قد يؤدي الى طرح اسئلة من نوع: كيف ينشأ حزب ديموقراطي تنظيميا في منطقة تفتقد الى تقاليد الديموقراطية في كل تنظيماتها، حتى الرياضية والعمالية منها، حيث الرؤساء ابديون؟ وكيف تنشأ احزاب ديموقراطية في وسط ثقافة اجتماعية مبنية على تقليص دور الفرد والتعاضد في جماعات مصلحية وريعية، معظمها ذات طابع طائفي؟ وكيف تنشأ احزاب ديموقراطية في مجتمعات محافظة تكره التغيير وان رفعته شعارا شكليا لتنظيماتها؟ وكيف يمكن اقناع الزعماء على كل المستويات - رؤساء الاتحادات العمالية والنقابية والرياضية والاحزاب السياسية ورؤساء المجالس البلدية والنيابية والحكومية - ان القيادة مسؤولية محدودة الاجل تفرض على صاحبها الاسراع في تقديم انجازات تكفل له تاريخا جيدا من بعده، بدلا من قيامه بتسخير سلطات مركزه لاستمراره فيه قدر المستطاع؟

غوردن: قيام دولة فلسطينية مصلحة قومية أميركية... أيضاً

| واشنطن - «الراي» |

احتفلت منظمة «تاسك فورس الاميركية من اجل فلسطين» بالذكرى العاشرة لتأسيسها بحضور كبير تضمن مسؤولين في الادارة والكونغرس، وخبراء وباحثين في مراكز الابحاث الاميركية المختلفة، وعدد من ابرز الشخصيات العربية والفلسطينية، والديبلوماسيين العاملين في واشنطن بينهم كويتيون.
وارسل الرئيس باراك أوباما موفدا الى عشاء المنظمة السنوي، الذي اقامته، اول من امس، هو فيليب غوردن، وهو اعلى مسؤول في مجلس الامن القومي يشرف على عملية السلام.
وادلى غوردن بخطاب وصف فيه المنظمة بـ «المميزة»، وقال انها تجسد ما دعا اليه الرئيس الاميركي اثناء زيارته للقدس، حيث توجه الى الفلسطينيين بالقول ان «عليهم ان يكونوا هم التغيير الذي يريدون ان يروه».
واثنى على المجهود السياسي الكبير الذي تقوم به المنظمة في «مدينة تفتقد الى المدنية» وتندر فيها المؤسسات التي تحاول التعاطي مع الحزبين الديموقرطي والجمهوري في الوقت نفسه. وقال ان «قيام الدولة الفلسطينية ليس في مصلحة الفلسطينيين والاسرائيليين فحسب، بل ايضا في المصلحة القومية الاميركية».
وروى المسؤول الاميركي ان «بعض مستشاري أوباما اكدوا له ان عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين معقدة الافضل الابتعاد عن وحولها. الا ان الرئيس الاميركي اختلف مع وجهة نظر هؤلاء المستشارين، وقرر الانغماس في العملية السلمية، وذهب الى القدس ورام الله ليتحدث عن اهمية السلام، وليشير الى قوة التحالف الاميركي الاسرائيلي، وليحض الاسرائيليين على وضع انفسهم في مكان الفلسطينيين الذين يحتاجون الى العيش الكريم، والى وجود الامل في حياتهم».
وقرأ غوردن رسالة وجهها أوباما الى المنظمة وقال فيها: «كما شددت خلال زيارتي، الولايات المتحدة ملتزمة السلام، وتجد شريكا يمكن الاعتماد عليه في تاسك فورس الاميركية من اجل فلسطين من اجل انشاء دولة فلسطينية مستقلة، وانا أؤمن انه لا يمكننا التخلي عن البحث عن السلام، وان السلام ضروري، ويحقق العدالة، وممكن». وختم أوباما رسالته بالتوجه بالتهنئة للمنظمة في عيدها العاشر.
وختم غوردون بدوره خطابه بالحديث عن آخر التطورات في العملية السلمية، فوصف خطوات رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالشجاعة، وقال ان «اسرائيل افرجت عن عدد من الاسرى الفلسطينيين، وان ذلك كان مطلبا رئيسيا لدى عباس رغم الجدل الذي يثيره في الاوساط الاسرائيلية».
كذلك وضع عباس جانبا موضوع متابعة عضوية فلسطين في الامم المتحدة بشكل احادي.
وكرر غوردن موقف الولايات المتحدة من لاشرعية المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، ودان العنف المتزايد الذي يمارسه المستوطنون بحق فلسطينيين، وقال ان «بعض هذه المستوطنات يجب ان تخضع لعملية تبادل اراض بين الطرفين على طريق التوصل الى حل نهائي بينهما».
وتضمن حفل عشاء المنظمة السنوي عرضا وثائقيا قصيرا القى الضوء على انجازاتها على مدى العقد الماضي، وظهر في الوثائقي رئيس حكومة السلطة الفلسطينية السابق سلام فياض، ورئيس المنظمة زياد عسلي، ومديرها التنفيذي غيث العمري، وكبير العاملين فيها حسين ايبيش، عدد من العاملين فيها.
كما تضمن تكريما لشخصيات اميركية من اصل فلسطيني، مثل عضو الكونغرس عن ولاية ميشيغن الجمهوري جستن عمّاش، ورجل الاعمال طلعت عثمان. واختتم الحفل معزوفة قدمها الموسيقار من اصل سوري مالك الجندلي.

الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

أوباما سيطلب من المالكي مكافحة تدفق المقاتلين الشيعة إلى سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

كشفت مصادر اميركية مطلعة لـ «الراي» ان الرئيس الأميركي باراك أوباما سيطلب من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي بدأ امس زيارة تستمر بضعة أيام الى واشنطن مكافحة تدفق المقاتلين الشيعة الى سورية للقتال الى جانب قوات الرئيس بشار الأسد.
وعلمت «الراي» ان التحضيرات التي سبقت الزيارة تضمنت تحديدا لجدول اعمالها، الذي يتصدره حوار حول تعاون البلدين في «مكافحة الارهاب»، خصوصا بعد تزايد اعداد القتلى في عموم العراق ووصولها الى معدلات العام 2008. وتشير الارقام الى مقتل اكثر من 800 عراقي منذ بداية الشهر الجاري، والى مقتل نحو ألف الشهر الماضي.
ويلتقي المالكي كبار اعضاء الكونغرس ويختتم زيارته بلقاء أوباما الجمعة المقبل.
ونقلت مصادر اميركية مطلعة ان الادارة الاميركية تتوقع ان «يعرض المالكي تنسيقا امنيا يشمل ايران وسورية لمكافحة التنظيمات الارهابية في المنطقة». وقالت المصادر ان المالكي سبق ان «عرض تنسيقا يشمل نظام الأسد من اجل مكافحة الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش)، التابع لتنظيم «القاعدة»، والذي ينشط في البلدين.
وتابعت المصادر ان «الادارة ترغب في التعاون مع المالكي فقط في مكافحة التنظيمات الارهابية، وان هذا التعاون يشمل قيام الحكومة العراقية بخطوات لمنع تدفق المقاتلين الشيعة الى سورية، ووقف شحنات الاسلحة الايرانية التي تعبر العراق جوا وبرا في طريقها الى قوات نظام (الرئيس السوري بشار) الاسد».
وحول مواضيع العراق الداخلية، قالت المصادر الاميركية ان العنوان الابرز يتمثل بضرورة اجراء انتخابات مجلس النواب العراقي في موعدها. وكان البرلمان العراقي اقرّ تاريخ 30 ابريل المقبل موعدا لاجراء الانتخابات النيابية، على الرغم من الخلاف السائد بين الكتل المتنوعة حول اقرار القانون المطلوب لاجرائها.
ويعتقد بعض الخبراء الاميركيين ان المالكي سيحاول الايحاء بأن واشنطن تتبناه لولاية ثالثة يسعى اليها، رغم المعارضة العراقية الواسعة لذلك. 
ولأن المالكي قد يعمد الى توظيف زيارته الى العاصمة الاميركية ولقائه أوباما في وجه منافسيه، حرص نائب الرئيس جو بيدن على الاتصال برئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني عشية وصول المالكي الى واشنطن.
وجاء في البيان الذي وزعه مكتب بيدن ان بيدن قدم تعازيه لبارزاني لسقوط ضحايا في التفجير الذي وقع في اربيل في 29 الماضي، وان «الزعيمين تعرضا للتحديات السياسية والامنية التي تواجه العراق، واتفقا على ضرورة التنسيق عن كثب بين زعماء العراق السياسيين والامنيين من اجل عزل شبكات القاعدة».
وقال البيان ان «نائب الرئيس شدد على اهمية اجراء انتخابات 2014 البرلمانية في موعدها، وحث جميع القادة العراقيين على التوصل الى تسوية في اقرب ما يمكن للقانون الذي سيحكم هذه الانتخابات».
وكانت وسائل الاعلام الاميركية استبقت وصول المالكي بحملة شنتها ضد ما وصفتها «ممارساته التي تهدف الى التفرد بالسلطة». وتصدرت «صحيفة نيويورك تايمز» الهجوم، ونشرت افتتاحية بقلم ايما سكاي ورمزي مارديني جاء فيها ان «ميزان القوى داخل العراق معطل»، وان نظام العراق السياسي يعطي الاولوية لرئيس الحكومة على السلطتين التشريعية والقضائية، وعلى بقية الطبقة السياسية، كما يعطي اولوية للحكومة المركزية على الحكومات الاقليمية والمحلية».
وتابعت المقالة ان المالكي «سيطلب مساعدة امنية من الولايات المتحدة»، وانه على الرغم من ان مكافحة الارهاب مصلحة مشتركة، الا انه في الوقت الذي يسعى المالكي الى ولاية ثالثة في العام 2014، على السيد أوباما ان يصر على ان التزام المعايير الديموقراطية كشرط للمساعدة الاميركية».
وفي صحيفة «نيويورك بوست» دعا الباحث الاميركي من اصل ايراني امير طاهري الى «سحب بغداد من الفلك الايراني». وكتب ان «المالكي يأتي الى واشنطن كزعيم معزول يعمل من موقع ضعف، اذ من دون حلفاء اقليميين، لا يمكنه لعب ورقة تحالفه مع ايران اذ ان النظام الخميني غير شعبي بين الشيعة العراقيين».
وفي برامج اذاعية اميركية، استعاد الاعلاميون والمحللون الاميركيون المشهد العراقي، وعبر كثيرون عن الندم لارتكاب ما وصفوه بخطأ الذهاب الى حرب هناك. وتنوعت الاحاديث حول المشهد الداخلي العراقي، مع وجود شبه اجماع على ادانة تحول المالكي الى حاكم اوحد للبلاد، ضاربا الديموقراطية بعرض الحائط تحت ذريعة مكافحة الارهاب. 
وتحدثت برامج اخرى عن ظاهرة احمد المالكي نجل رئيس الحكومة العراقي، واعتبر بعض المحللين ان الدور الامني والمالي الذي صار يلعبه «المالكي الابن» يعيد الى الاذهان صور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ونجليه عدي وقصي، والذين ذهبت اميركا الى الحرب للتخلص من نظامهم اصلا.

أميركا تهجر الشرق الأوسط

حسين عبدالحسين

"متواضعة" هي الصفة التي اطلقتها مستشارة الامن القومي سوزان رايس على سياسة بلادها تجاه الشرق الاوسط في مقابلة في صحيفة "نيويورك تايمز"، لكن الكلمة الانسب قد تكون "مرتبكة".

الرئيس الأميركي، باراك أوباما، طلب اجراء "نفضة" لسياسته الشرق اوسطية باشراف مستشارته الجديدة رايس، وبعد العناء، خرجت رايس وفريقها بتوصية مفادها ان في العالم مناطق اخرى، وان لا مصلحة للولايات المتحدة الغرق في متاهات منطقة واحدة من هذا العالم.

طبعاً ما تحاول رايس تقديمه للرأي العام على أنه "سياسة جديدة" لا يوجد ما هو جديد فيها. توم دونيلون، سلف رايس، كان اول من قدم سياسة "الاستدارة" من الشرق الاوسط الى الشرق الادنى، معللاً استراتيجيته، في خطاباته المتعددة، بالقول إن المنافسة الحقيقية للزعامة الاميركية العالمية تأتي من الصين، لا من "تنظيم القاعدة" او إيران.

لكن المنافسة مع الصين لا تحتاج الى "مجلس الامن القومي" الاميركي، بل تحتاج الى نظيره "مجلس مستشاري الاقتصاد"، التابع للبيت الابيض، والذي يترأسه جايسون فورمان، وهو شخصية مغمورة في عالم السياسة الاميركية والعالمية. لكن فورمان هو احد ابرز القياديين الاميركيين المعنيين بمواجهة الصين اقتصادياً، ويقود سياسة مبنية على دخول اميركا في معاهدتي اسواق حرة، الأولى المعروفة بـ "شراكة عبر الباسيفيك" وفي عضويتها 13 دولة منها اميركا وكندا واستراليا واليابان ودول في اميركا اللاتينية والثانية محيطة بالصين ومنافسة لها، وواحدة مع الاتحاد الاوروبي.

الرهانات الاميركية مبنية على سقوط الصين في ما يعرف بـ "فخ الدول المتوسطة الدخل" بسبب ارتفاع اجور يدها العاملة، ما يقلص من انتاجها الصناعي، وفي نفس الوقت فشل الصين في الانضمام الى نادي الدول المتقدمة ذات الاقتصادات المتنوعة بسبب محاولة الحزب الشيوعي الحاكم تأخير الاصلاحات المطلوبة، لاعتقاده بأن من شأنها ان تضعف قبضته على السلطة. وبسبب طفرة الطاقة الصخرية الاميركية، وسياسات اخرى، تسجل الارقام الاقتصادية الأميركية عودة الى سابق عهدها، في وقت يشهد فيه النمو الصيني تراجعاً.

واذا ما اقترنت هذه الارقام بالشيخوخة التي ستداهم الصين مع حلول العام 2040، في وقت لن تواجه فيه اميركا المشكلة بالفداحة نفسها بسبب نموها السكاني الافضل من الصين، تشير التوقعات الى بقاء اميركا في صدارة العالم الاقتصادية، وتالياً العسكرية والسياسية، مع حلول منتصف القرن الحالي.

اذاً، احتواء اميركا للصين جار على قدم وساق، والرحلة التي الغاها اوباما الى آسيا للبحث في معاهدة الشراكة المذكورة مع بعض الدول الصديقة كانت ستحتاج الى فورمان اكثر منها الى رايس. حتى توسيع التعاون العسكري وانشاء قواعد عسكرية جديدة في آسيا، مثل مع اليابان مؤخراً، هي عملية تمت تحت اشراف وزيري الخارجية والدفاع جون كيري وتشاك هيغل، ولا علاقة لرايس او مجلس الامن القومي بها بشكل مباشر.

هذا يعني ان حديث دونيلون عن "الاستدارة"، او حديث رايس الى "نيويورك تايمز" حول سياسة اميركا "المتواضعة" في الشرق الاوسط بسبب الاهتمام بمناطق اخرى في العالم هو من باب اختلاق الاعذار، فلا شأن مباشرا "للأمن القومي" في السباق الدائر مع الصين، لكن المجلس المذكور يحاول الايحاء بذلك للتغطية على تقاعس اميركا في الشرق الاوسط.

السنوات الخمس الماضية من سياسة أوباما الشرق اوسطية، بدورها، تشي بأمر وحيد: الارتباك. فأوباما بدأ سياسته بتحويل "نشر الديموقراطية" التي انتهجها بوش الى "دعم الديموقراطية"، حسبما ورد في خطابه في القاهرة في العام 2009. ثم بدا ان دعم الديموقراطية يشمل حلفاء اميركا فقط، فأوباما بدا متحمسا لرحيل حسني مبارك، ولكنه ظل صامتا ابان نشوب ثورة ايران، وتأخر في طلبه من الرئيس السوري بشار الاسد "فتح المجال" امام الاصلاح على اثر نشوب الثورة السورية.

وعلى اثر هجوم الغوطة الكيماوي في 21 آب الماضي، مترافقاً مع ما اسمته "نيويورك تايمز" نفسها في مقالة سابقة "عملية اللوبي" التي مارسها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والملك الاردني عبدالله الثاني، قرر أوباما القيام بعملية عسكرية محدودة وعقابية ضد الاسد، لكن حتى في هذه الخطوة، بدا ارتباك أوباما واضحا فيها.

ذهب من دون لزوم الى كونغرس لم يستشعر معارضته للضربة قبل الذهاب اليه، ثم توجه الى الاميركيين في خطاب مليء بالتناقضات كان ابرزها انه لا يمكن لاميركا البقاء ساكنة وهي ترى الاطفال في سوريا يقتلون، لكنه قال في الخطاب نفسه إن لا شأن لاميركا التدخل في حروب الآخرين الاهلية. 

تقلبات أوباما لا تشي بوجود استراتيجية، بل تخبط، لكن خطاباته تحتاج الى تقديم استراتيجية، وإن خطابياً فقط، فأطل في الامم المتحدة ليحدد اهداف اميركا في الشرق الاوسط بالدفاع عن حلفائها، وحماية منابع النفط وخطوط الملاحة، اي قناة السويس. لكن الحلفاء مثل اسرائيل والسعودية في وضع متوتر تجاه التخبط الاميركي في المفاوضات مع ايران، ومن غير الواضح كيف ينوي اوباما، المتردد عسكرياً دوماً، تقديم اي من الحمايات التي يتحدث عنها.

المشكلة الاكبر لاصدقاء اميركا الشرق اوسطيين فتكمن في دعم الرأي العام الاميركي لتقاعس أوباما. مقالة "نيويورك تايمز"، والسياسة "المتواضعة" عموماً، لم تستدع ردوداً تذكر، الا من حفنة من المسؤولين الذين سبق ان عملوا في ادارة جورج بوش الابن، وهؤلاء يعانون من انعدام كبير في مصداقيتهم.

"فكروا فيها بهذه الطريقة" كتب مسؤول الشرق الاوسط السابق في مجلس الامن القومي والباحث حالياً في "مجلس العلاقات الخارجية" اليوت ابرامز، وأضاف "من الذي سيبتسم عندما يقرأ هذه المقالة؟ اسرائيلي يفكر ببرنامج ايران النووي، او محرر صحيفة مصري يعاني من قيود حرية التعبير، او اردني يخاف من تدفق اللاجئين السوريين؟ ام حسن نصرالله وبشار الاسد واية الله خامنئي؟".

الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

إيران أنفقت على «النووي» 200 مليار دولار وبحوزتها طن يورانيوم منخفض التخصيب

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

اشارت دراسة صادرة عن «معهد العلوم والامن الدولي» الى ان ايران تسعى الى تقصير المدة المطلوبة بين اتخاذها قرار صناعة سلاح نووي وقيامها بصناعة هذا السلاح وتجريبه.
وقالت الدراسة انه منذ عام، عمدت ايران الى زيادة عدد الطرود المركزية في مفاعلي «فوردو» و«نطنز»، وقامت باضافة طرود حديثة اكثر، ما يعطيها المقدرة على انتاج كمية 25 كيلوغراما من اليورانيوم العالي التخصيب، من اجل صناعة قنبلة نووية واحدة، بشكل اسرع.
وحاولت الدراسة تقديم سيناريوات مختلفة للمدة التي تحتاجها ايران لصناعة قنبلة نووية في حال قررت، غدا، الانسحاب من معاهدة حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل. الا ان الدراسة اعتبرت انه حتى لو صنعت ايران كمية كافية من اليورانيوم العالي التخصيب، فهي ستحتاج كمية لا بأس بها من الوقت من اجل تحميله على رؤوس صواريخ باليستية، وان «الوقت الاضافي هذا قد يكون طويلا»، مضيفة انه لو ارادت ايران فعل ذلك، فهي ستجبر على القيام به سرا وفي مواقع يصعب العثور عليها، وهي لو حاولت فعل ذلك، فسيكون صعبا على العالم كشفها قبل ان تقوم بتجربته في تفجير تحت الارض، او الاعلان عنه.
وقالت الدراسة ان اي مفاوضات مثمرة يجب ان تتضمن «تطويل المدة المطلوبة لايران لصناعة سلاح نووي في حال قررت ذلك، وتقصير الوقت المطلوب لكشف اي نشاط ايراني سري من هذا النوع، والحصول على ضمانات بأن طهران لن تقوم ببناء مفاعل سري»، على غرار «فوردو» الذي اقامته ايران سرا وكشفت عنه الاستخبارات الغربية في سبتمبر 2009.
ويعتقد خبراء أميركيون ان ايران انفقت على برنامجها النووي ما يقارب 200 مليار دولار على مدى العقد الماضي، وان بحوزتها اكثر من طن من اليورانيوم المنخفض التخصيب، وهذا يمكن تخصيبه الى درجات اعلى، وعندذاك يكفي لصناعة 15 قنبلة نووية.
في سياق متصل، استبعد الخبراء ان تتخلى ايران عن برنامجها النووي الهادف الى صناعة قنبلة نووية، رغم بوادر الانفتاح التي اظهرها الرئيس الايراني حسن روحاني.
وقال عميل «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) السابق رول غريكيت ان «البرنامج النووي الايراني عسكري منذ اليوم الاول، فنحن نعرف ذلك عن طريق الاستخبارات، وعن طريق منشقين عن البرنامج».
واضاف غريكيت، في حلقة نقاش نظمتها في الكونغرس «جمعية الدفاع عن الديموقراطيات» اليمينية، ان الايرانيين لم يكونوا ليوافقوا على دخول مفاوضات مع الغرب لولا تأثير العقوبات الاقتصادية السلبي على اقتصادهم. وتابع ان في ايران اليوم شعورا بالهزيمة، على غرار نهاية حربهم مع العراق في العام 1988.
ويستبعد غريكيت وهو يميني ان تكون ايران تهدف فعليا الى التخلي عن برنامجها النووي، الذي عملت من اجله بكد، مقابل رفع العقوبات عنها. ويعتقد الخبير الاميركي ان روحاني كان محسوبا في الماضي على اكبر هاشمي رفسنجاني، لكنه يبدو انه انفصل عنه بعدما قام مرشد الثورة علي خامنئي بتحجيم رفسنجاني.
ويوضح غريكيت ان خامنئي يبحث عن مخرج لازمة ايران، من دون ان يتخلى عن النووي، لذا، قام باقتطاف روحاني، ما يعني ان دور روحاني لن يكون شق الصف الايراني بين محافظين واصلاحيين، بل الحفاظ على النووي، مع ما يعني ذلك من «تراجع تكتيكي». ويبدو ان خامنئي لم يعرف كيف يحافظ على النووي من دون توريط ايران في مشاكل مع المجتمع الدولي. ويتابع غريكيت انه ان حدث انقسام، فسيكون بين المرشد و«حرس الثورة»، معتبرا ان الاول حاول في الماضي ادخال الحرس في الجيش، لكنه «فشل في ذلك فشلا ذريعا».
ويختم غريكيت: «هناك اناس مضحكون عند اليمين الاميركي يحذرون من انفتاحنا على ايران، وانا اقول، اذا ما قال الايرانيون انهم يريدون الانفتاح، علينا ان نفعل ذلك بطرفة عين، فرؤية العلم الايراني يرفرف هنا في واشنطن والعلم الاميركي يرفرف في طهران يعني ان الثورة انتهت».
بدوره، اعتبر دكستر فيلكينز، مؤلف المقالة المطولة حول شخصية قائد فيلق القدس في «الحرس الثوري الايراني» قاسم سليماني في مجلة «نيويوركر» اخيرا، ان كل تفكير الايرانيين هو نتيجة ذاكرتهم لحرب العراق. وقال ان الايرانيين قرروا «بناء حزب الله في لبنان، ويقاتلون في سورية حتى النهاية، وهم اقرضوا الحكومة السورية 7 مليارات دولار رغم الضائقة المالية في ايران، فهم يعتقدون ان من شأن دورهم الاقليمي ان يقيهم من اي هزيمة في المستقبل».
اما الباحث الايراني في «مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات» علي الفونه فلفت الى ان روحاني شكل حكومته من دون ان يكون في عضويتها اي من اعضاء الحرس الثوري، على عكس حكومة سلفه محمود احمدي نجاد، التي كان نصفها من الحرس. واضاف ان روحاني يعمل على اعطاء الاستخبارات الايرانية دورا اكبر لاحتواء الحرس، وهو توجه الى الحرس بالقول ان المطلوب منهم في المرحلة المقبلة دورهم في البناء، في اشارة الى ان اي صفقة محتملة مع الاميركيين لن تأتي على حساب مصالحهم التجارية بل ستعززها.
الا ان «الحرس الثوري» غير متحمس لصفقة مع ايران يعتقد انها ستأتي على حسابه، على حد قول الباحث الايراني، الذي اعتبر ان ضباط الحرس يعتقدون انهم ضحوا كثيرا في الحرب مع العراق، وانه حان وقت ان يضحي عامة الايرانيين بقبولهم العقوبات الاقتصادية من اجل صناعة سلاح نووي.
كذلك، قال الفونة ان ضباطا في الحرس ردوا حتى على قول خامنئي ان المصارعين يحتاجون الى الليونة احيانا، وقال بعض الضباط ان لا ليونة في العقيدة القتالية للحرس.
وختم الفونة بالقول ان التظاهرة التي رمت موكب روحاني العائد من نيويورك بالطماطم كانت من تنظيم ميليشيا الباسيج التابعة للحرس، وان خامنئي نفسه لا يستطيع التصدي للحرس الذي وقى نظامه من الاطاحة في العام 2009، «فالربيع الفارسي حدث قبل الربيع العربي بكثير».

الرئيس السابق لـ «المركزي» الأميركي يراجع مواقفه الاقتصادية

واشنطن - حسين عبدالحسين

يقتبس رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي السابق آلان غريسنبان طرفة مفادها أن أحد المستثمرين قرر شراء عدد من الأسهم في شركة مغمورة، فارتفع سعر أسهمها من 10 إلى 11 دولاراً، عندها اعتبر المستثمر أنه صاحب حكمة في الأسواق، واشترى مزيداً من الأسهم في الشركة ذاتها ما رفع سعر السهم إلى 30 دولاراً، فاتصل بعميله المالي طالباً منه بيع كل الأسهم التي يملكها بهدف تحقيق أرباح، فسأله عميله: «لمن أبيعها؟». العبرة من هذه الطرفة هي أن إقبال المستثمر وحده على شراء الأسهم رفع قيمتها السوقية لا الفعلية، وعندما أراد بيعها لتحقيق أرباح، لم يجد مستثمراً آخر مهتماً بالشركة، إلا في حال أراد طرح أسهمه بسعر زهيد، ربما أقل من 10 دولارات، فتكون حينها الخسارة كبيرة.

وردت الطرفة في كتاب غرينسبان الذي صدر هذا الأسبوع بعنوان «الخريطة والأرض: المجازفة، وطبيعة الإنسان ومستقبل التوقعات الاقتصادية». يتبنى الاقتصادي اليميني، الذي يبلغ من العمر 87 عاماً، بعضاً من آراء الاقتصادي اليساري جون ماينارد كينز لجهة تشكيكه بصحة نظرية جون سميث وكتابه الشهير «ثروة الأمم» وحديثه عن اليد الخفية في السوق والكفيلة بـ «تصحيح» المشاكل الناتجة عن الاقتصادات الرأسمالية.

وبنى سميث نظرياته حول الرأسمالية على اعتبار الفرد مفكراً عاقلاً ورشيداً في قراراته المالية، وهو تصرف كفيل بتفادي الكوارث في الأسواق. وهذا التصرف الفردي عُمّم على المؤسسات التجارية، خصوصا المالية منها، واعتبر أن هذه المؤسسات تبحث عن مصلحتها ولا مصلحة لها في مجازفات ترمي بها في الهاوية، بحسب غرينسبان.

ويشير غرينسبان، وفي ما يبدو أنها مراجعة لأسس مواقفه كاقتصادي، ويقر ضمناً بأنه والقائلين بمدرسة التصرف الرشيد المبني على المصلحة، كانوا على خطأ. ويستعير من الأفكار الكينزية اعتبارها أن الفرد او المؤسسة، وفي أوقات كثيرة، لا يتصرفان بحكمة تنم عن مصلحة مالية، بل غالباً ما ينجرفان مع التيار المحيط بهما في ما يعرف بنظرية «تصرف القطيع» أو «عقلية القطيع»، التي دفعت المصارف والمؤسسات المالية الأميركية، إلى المزايدة في المجازفات التي قاموا بها، على رغم معرفة بعضهم أنهم كانوا على حافة الهاوية مع حلول عام 2008.

ويضيف غرينسبان: «كل المشاركين تقريباً في السوق كانوا يعون الأخطار المتزايدة، ولكنهم كانوا يعرفون أيضاً أن من الممكن للفقاعة أن تكبر أكثر لسنوات»، موضحاً أن «الشركات المالية كانت قلقة من أن التراجع المبكر عن مجازفاتها قد يفقدها حصة في السوق».

وينقل حاكم «المركزي» الأميركي السابق عن المدير التنفيذي لـ «سيتيبنك» تشارلز برنس قوله الشهير في تموز (يوليو) 2007: «عندما تتوقف الموسيقى، على صعيد السيولة، تصبح الأمور معقدة، ولكن طالما الموسيقى مستمرة، عليك أن تقف وترقص»، ولكن «كيف لم يتنبه معظم الخبراء، ومنهم أنا، الى أن الأزمة كانت مقبلة؟» يضيف غرينسبان، الذي أكد أنه توصل إلى نتيجة مفادها أن «جزءاً مهماً من الإجابة عن هذه التساؤلات يكمن في فكرة قديمة جداً، وهي الروح الحيوانية، التعبير الذي استخدمه كينز عام 1936». ويضيف: «كان كينز بالكاد أول من لفت إلى العوامل غير العقلانية في القرارات الاقتصادية، والاقتصاديون لم يتجاهلوا هذه الفكرة في العقود التي تلت، ولكن المشكلة هي أن هذا النوع من التصرف يصعب قياسه أو إخضاعه لأي تحليل منتظم».

ويوضح غرينسبان أن «معظم الاقتصاديين، ومنهم أنا، استنتجنا أن العوامل غير العقلانية لا يمكن إدخالها في أي وسيلة قياس موثوقة، ولكن بعد كل السنوات التي درست فيها تجلي هذه الروح الحيوانية أثناء الأزمات، اعتقد الآن أن البشر يتصرفون، خصوصاً أثناء الأزمات الاقتصادية الكبيرة، بطرق يمكن توقعها أكثر مما كان خبراء يعتقدون في الماضي، والأهم أن هكذا تصرف يمكن قياسه، ويجب أن يصبح جزءاً أساساً من عملية التوقع الاقتصادي وصناعة السياسات الاقتصادية».

غرينسبان، الذي أطل في مقابلة على برنامج «ذا دايلي شو» الفكاهي لتسويق كتابه، يعتبر أن معظم المصارف الأميركية يفتقر إلى «وسادات مالية» مطلوبة في حال وقوع أزمات، والتي يـمكن تأمينها عبر زيادة الأصول.

ويؤكد أن «معظم البنوك لديه 11 في المئة من حجم أعماله على شكل أصول، ولكن النسبة الأمثل يجب أن تكون 22 في المئة، لتفادي أزمات مثل الركود الكبير الذي اندلع في منتصف أيلول (سبتمبر) 2008، والذي أجبر الحكومة الفيديرالية والمركزي على تقديم سيولة طائلة للبنوك خوفاً من أن يؤدي انهيارها إلى انهيار شامل للاقتصاد الأميركي».

وهذه ليست المرة الأولى التي يشير فيها غرينسبان الى تراجعه عن سياساته الاقتصادية خلال رئاسته «المركزي» الأميركي، فسبق أن أكد أنه «لم يكن يتوقع أزمة بحجم التي حصلت عام 2008»، ما دفعه إلى مراجعة مواقفه في كتابه الأخير. ولكن معظم الاقتصاديين اليمينيين الأميركيين لا يبدو أنهم يصغون للشخص الذي حكم اقتصاد الولايات المتحدة لعقدين، تعاقب خلالهما أربعة رؤساء على حكم البلاد.

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

رئيس موظفي البيت الأبيض: مصلحة أميركا استمرار القتال بين «القاعدة» و«حزب الله» في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ان يقول الباحث اليميني الاميركي دانييل بايبس ان السيناريو الانسب في سورية هو مواجهة مفتوحة الأمد تستنزف كلا من تنظيمي «القاعدة» و«حزب الله» اللبناني، اللذين تضعهما واشنطن على لائحة التنظيمات الارهابية، هو قول يأتي من احدى الشخصيات ذات النفوذ المحدود جدا في القرار الاميركي. 
ولكن ان يطلق رئيس موظفي البيت الابيض دينيس ماكدنو الفكرة نفسها، حسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فهذا يعني نوعا من المصلحية اللا إنسانية في السياسة الاميركية تصل الى درجات في سلم القرار ارفع مما هو معروف.
وكانت الصحيفة، في مقالة مفصلة حول سياسة الرئيس باراك أوباما المرتبكة حول سورية، نقلت عن ماكدنو، الذي وصفته بأنه احد اقرب المقربين الى أوباما، تساؤله حول «مصلحة الولايات المتحدة في وقف العنف في سورية». 
وقالت الصحيفة ان ماكدنو، اثناء مرافقته وفدا من الكونغرس في جولة في معتقل غوانتانامو، اعتبر ان «الوضع في سورية يمكنه ان يبقي ايران منشغلة لسنوات»، وان المسؤول الاميركي قال ايضا ان «القتال في سورية بين حزب الله والقاعدة قد يكون في مصلحة الولايات المتحدة». 
وهذه المرة الاولى التي ترد فيها عبارات من هذا النوع على لسان مسؤولين في الادارة، رغم تسريبات في شهر يونيو نقلت عن رئيس الاركان مارتن ديمبسي قوله - اثناء اجتماع لفريق الامن القومي ترأسه أوباما في «غرفة الاوضاع» في البيت الابيض - ان لا مصلحة اميركية لترجيح كفة اي من الفريقين المتحاربين في سورية. لكن ديمبسي لم يذهب الى حد وصف القتال الدائر على انه يصب في مصلحة بلاده.
ومقالة «نيويورك تايمز» تكتسب مصداقية لا بأس بها، فمن بين كاتبيها مايكل غوردون المعروف بقربه من البيت الابيض والذي سبق ان حقق سبقا صحافيا بنشره تفاصيل الغارة التي شنتها المقاتلات الاسرائيلية ضد مفاعل الكبر النووي السوري.
والمقالة أكدت ما سبق لوسائل اعلام عديدة، ومن بينها «الراي»، ان نقلته عن ان كلمة الفصل في الموضوع السوري هي بيد أوباما وحده، وان الاخير لا يولي الموضوع اهمية كبيرة، ويعتقد انها ورطة، وان من الافضل له الابتعاد عنها.
في هذا السياق، اوردت «نيويورك تايمز» انه «حتى في الاوقات التي بدا فيها النقاش من اجل تسليح الثوار ضروريا، نادرا ما اعرب أوباما عن اراء محددة اثناء اجتماعات كبار اركان ادارته». ونقلت الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين قولهم ان «لغة أوباما الجسدية كانت تشي بالكثير، فهو غالبا ما بدا فاقدا للصبر (اثناء الاجتماعات حول سورية)، وكان احيانا يطالع رسائله على جهاز البلاكبيري الخاص به، او يمضغ العلكة (في اشارة الى ملله)».
واضافت الصحيفة انه «في احاديث خاصة مع مساعديه، وصف أوباما سورية على انها احدى المشاكل من الجحيم التي يواجهها كل رئيس»، وان «المخاطر (في سورية) لا نهاية لها فيما كل الخيارات (الاميركية) سيئة». وتابعت ان مواقف وافكار أوباما هذه كانت تجد صدى لها عند مجموعات اكبر من المسؤولين داخل ادارته من امثال ماكدنو ومستشار الامن القومي السابق توم دونيلو، الى درجة انه «كان يمكن قراءة موقف الرئيس من خلال توم ودينيس»، حسب مسؤول رفيع سابق في البيت الابيض.
الا ان موقف أوباما بدأ يتغير بسبب «حملات اللوبي» التي مارسها عليه المسؤولون غير الاميركيين. ففي اثناء جولته الشرق اوسطية التي شملت اسرائيل والاراضي الفلسطينية والاردن، في مارس الماضي، التقى أوباما رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي حذره، حسب الصحيفة، من امكانية وقوع اسلحة الاسد الكيماوية في ايدي «حزب الله». 
واضافت «نيويورك تايمز» ان الضغط على أوباما للتدخل في سورية كان اكبر في اليوم التالي عند زيارته الاردن حيث تناول العشاء مع العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني. وكان يرافق الرئيس الاميركي وزير خارجيته جون كيري ودونيلون. وقالت الصحيفة ان 100 الف من اللاجئين، بسبب الصراع في سورية، شكلوا ضغطا على الاردن، ما حدا بالملك الاردني الى حض أوباما على القيام بدور اكبر في انهاء الحرب السورية.
واوضحت الصحيفة: «حتى ان المسؤولين الاردنيين عرضوا على نظرائهم الاميركيين السماح لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) باستخدام الاردن كقاعدة لشن هجمات طائرات من دون طيار داخل سورية»، مضيفة ان المسؤولين الاميركيين رفضوا هذا العرض الاردني «المتكرر».
وتابعت الصحيفة انه مع حلول شهر ابريل، كان موقف دونيلون قد انقلب الى مؤيد لتسليح الثوار السوريين، وكذلك فعلت سفيرة اميركا السابقة في الامم المتحدة ومستشارة الامن القومي الحالية سوزان رايس بعد ان شعرت ان الاوضاع على الارض تنقلب ضد الثوار.
ومما ورد في المقالة ايضا ان وزارة الخارجية الاميركية سبق ان حذرت البيت الابيض من امكانية قيام نظام الاسد باستخدام الاسلحة الكيماوية، وان الاستخبارات الاميركية راحت تلتقط مكالمات هاتفية بين المسؤولين السوريين حول امكانية شن هجوم كهذا، وانه قبل هجوم الغوطة في 21 اغسطس، كانت واشنطن قد تأكدت من اكثر من حالة استخدمت فيها قوات الرئيس السوري بشار الاسد هذه الاسلحة ضد مدنيين.
واشارت المقالة الى انه اثناء الاستعدادت لتوجيه ضربة اميركية الى اهداف تابعة للأسد، ابلغ أوباما مشرعين ان 50 من الثوار ممن تلقوا تدريبات في الاردن كانوا وصلوا الى سورية لتدريب المزيد من الثوار. لكن الصحيفة نقلت عن مايكل لمبكين، المسؤول الجديد في وزارة الدفاع اثناء جلسة المصادقة على تعيينه، قوله ان هذا المجهود التدريبي لا يكفي لقلب الموازين على الارض السورية، في وقت اعتبرت الصحيفة ايضا ان ادارة أوباما لا تنوي توسيع برنامجها التدريبي للثوار وتسليمه الى وزارة الدفاع مخافة من ان يكبر تورطها في الازمة السورية فيصبح علنيا.

الرياض لواشنطن: طفح الكيل

حسين عبدالحسين

يروي دايفيد مارانيس، في كتابه "باراك أوباما: القصة" انه على اثر انتخابه رئيساً لمطبوعة كلية الحقوق في جامعة هارفرد، لم يلتفت أوباما الى مؤيديه من الكتلة الليبرالية من الطلاب، بل حاول على الفور التواصل مع المحافظين منهم ممن عملوا ضد وصوله. ويقول بعض اصدقاء أوباما إنه كان يعتقد ان لا جدوى من الحديث مع من يشاركونه الرأي، بل المطلوب هو حوار مع من يختلفون معه.

ويبدو ان هذه الخصال لا تزال طاغية على شخصية من أصبح رئيساً للولايات المتحدة. أوباما لم يتردد في دعوة حليف واشنطن الرئيس المصري السابق حسني مبارك للاستجابة لمطالب المصريين والرحيل، لكنه لم يبادر الى توجيه دعوة مماثلة الى خصم الولايات المتحدة الرئيس السوري بشار الاسد، بما في ذلك بعد 5 اشهر على اندلاع الثورة في سوريا. حتى عندما تحدث أوباما عن الاسد، فهو لم يدعوه مباشرةً الى الرحيل، بل طالبه اما قيادة الاصلاح، او الابتعاد عن درب المصلحين.

وعلى نفس المنوال، لا يفوّت أوباما فرصة الا ويحاول التواصل فيها مع قيادة ايران، ويبادر الى الثناء على فتاوى مسؤوليها النووية، وسياساتهم عموماً، داعياً اياهم الى انهاء 34 عاماً من الخلاف، في الوقت الذي يبدي فيه برودة تجاه حلفاء اميركا وأصدقائها في المنطقة، مثل السعودية.

لكن على الرغم من العلاقة التاريخية بين اميركا والسعودية، والتي قادها على مدى عقود سفير السعودية السابق ومدير استخباراتها حالياً، الامير بندر بن سلطان، الا ان التباين بين الدولتين يبدو مستمراً على مدى السنوات الماضية. السعودية عارضت الحرب الاميركية في العراق، ودعت مراراً الى مواجهة ما تعتبره خطر تمدد النفوذ الايراني. 

ويروي الرئيس السابق جورج بوش، في مذكراته، انه عندما استقبل الملك عبدالله بن عبدالعزيز واخذه في جولة في مزرعته في ولاية تكساس، تحدث الملك السعودي عن ضرورة توجيه اميركا ضربة الى ايران، وهي مقولة كررتها البعثات الاميركية الموجودة في السعودية في برقياتها الى وزارة الخارجية، والتي سربها موقع "ويكيليكس".

الخبير في الشؤون الخارجية، ماكس فيشر، أحصى المجالات التي اعتبر انها تؤدي الى تباعد واشنطن والرياض، وقال إنهما تختلفان في سياستيهما حول مواضيع ايران والعراق وسوريا ومصر، وان تعاونهما في مجال النفط يتراجع بسبب الزيادة الكبيرة في انتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، وان التعاون بينهما في افغانستان في طريقه الى الافول بسبب قرب انسحاب القوات الاميركية المقرر العام المقبل.

ويعتقد فيشر انه يوجد بين اميركا والسعودية مجالان للتعاون، هما في اليمن وفي الحرب ضد "تنظيم القاعدة" والارهاب عموماً، الا انه وصف هذا التعاون بتعاون الامر الواقع المبني على ظروف مصلحية فقط.

إلا ان التباين بين الدولتين الصديقتين يبدو انه بلغ اوجه على اثر "الاستدارة" التي قام بها أوباما في سوريا بعدما حرك اسطوله لتوجيه ضربة لنظام الاسد لاتهامه بالقيام بهجوم بالاسلحة الكيماوية في غوطة دمشق في 21 آب الماضي، ليتراجع لاحقاً ويدخل في تسوية مع روسيا تقضي بتخلي الاسد عن ترسانته الكيماوية.

هكذا، يبدو ان السعودية صارت مقتنعة اكثر من اي وقت ان الاعتماد على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لم يعد كافياً لحماية المملكة ومصالحها في المنطقة، وان على الرياض ان تقوم بهذا الدور بنفسها، ربما بالتنسيق مع حلفاء جدد من القوى العالمية.

ولكن الى ان تنجح السعودية في "الاستدارة" من اميركا الى حليف آخر، وهو ما يستغرق بعض الوقت، لا بد تدارك ازمات لا تنتظر، مثل في مصر، حيث رعت الرياض – و لا تزالت تمول -- وصول حكومة مؤقتة الى الحكم في 30 حزيران الماضي.

كذلك، وجدت السعودية نفسها مجبرة على القيام بخطوات منفردة للتعامل مع الازمة في سوريا. 

يقول ديبلوماسي اميركي سابق كان مولجاً ملف الثورة السورية إن "وكالة الاستخبارات المركزية" عمدت، في الايام الاولى للثورة السورية، إلى التواصل مع الثوار، من مقاتلين المسلحين ولاجئين مدنيين، لتحديد هوية الفصائل السياسة السورية ومن المعتدل من بينها ومن المتشدد.

وبعد مرور اشهر، صارت الوكالة تشرف على عمليات التسليح التي تقوم بها دول تدعم الثورة السورية، وتعمد الوكالة الى تحديد هوية متلقي الاسلحة ونوع الاسلحة التي يتلقونها، وهو تدبير ظل قائما حتى الامس القريب.

مطلع هذا الاسبوع، نقلت صحيفة "وال ستريت جورنال" عن ديبلوماسيين اوروبيين قولهم إن الامير بندر قال إن السعودية رفضت عضويتها غير الدائمة في مجلس الامن لتقول للولايات المتحدة إنها غير موافقة على سياستها الخارجية. والمعروف ان أوباما واركان ادارته يكررون الحديث عن الزامية التحرك دولياً من خلال المؤسسات الدولية.

واوردت الصحيفة ان الرياض غير راضية عن تراجع واشنطن عن نيتها ضرب اهداف قوات الاسد، وان السعودية طلبت من اميركا خططها لحماية مناطقها الشرقية اثناء الهجوم الذي كان مقرراً، لتسمع من واشنطن ان لا خطط اميركية لحماية السعودية، وهو ما يناقض التحالف بينهما القائم منذ منتصف القرن الماضي.

وتضيف الصحيفة انه بسبب التقاعس الاميركي، فإن علاقة اميركا والسعودية تردت، وان الاخيرة تنوي القيام بخطوات منفردة او باتكالها على حلفاء آخرين، مثل "فرنسا والاردن"، لدعم الثوار في سوريا. وهو ما قد يعني ايضا ان السعودية قد تنفصل عن اميركا، وقد تفتح خطوطاً لتزويد الثوار السوريين بأسلحة عبر خطوط بعيدة عن اعين الاميركيين، ما قد يؤدي الى قلب بعض الموازين على جبهات القتال داخل سوريا.

في باريس قبل أيام، دعا وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل نظيره الاميركي جون كيري الى عشاء خاص. ثم جاءت لغة البيان الختامي للقاء اكثر قسوة من المعهود في ما يتعلق بالشق السوري، ما قد يشير الى ان واشنطن شعرت بضرورة التجاوب مع طلبات الرياض، ولكن السؤال يبقى: هل ينقلب الكلام الاميركي الى افعال؟

الثلاثاء، 22 أكتوبر، 2013

قلق أميركي من تزايد أعداد «الجهاديين» الأجانب في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يتمحور النقاش في أروقة القرار الاميركية حول تزايد نفوذ الاسلاميين المتشددين في صفوف الثوار، وارتفاع نسبة المقاتلين الاجانب بين هؤلاء بشكل يثير قلق واشنطن، في الوقت الذي تشير التقارير المتداولة في العاصمة الاميركية الى ان ثوار سورية يحرزون انتصارات على حساب قوات الرئيس السوري بشار الاسد في مناطق ديرالزور وحماه ودرعا وشرق دمشق. 
وعقدت لجنة «الأمن القومي» في الكونغرس جلسة استماع تطرقت فيها الى موضوع تزايد عدد المقاتلين الاجانب والاسلاميين المتطرفين بين ثوار سورية.
وقال الخبراء المشاركون ان المقاتلين الاجانب في سورية يأتون من 60 دولة تقريبا، وان قرابة 20 منهم جاؤوا من الولايات المتحدة. 
ويعتقد الخبراء ان نحو 20 في المئة من مقاتلي «جبهة النصرة»، البالغ عددهم ستة الى سبعة آلاف، هم من الاجانب. وتضع وزارة الخارجية الاميركية «جبهة النصرة» على لائحة المنظمات الارهابية، الى جانب «حزب الله» وتنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» المعروف بـ «داعش»، والذي يتألف من نحو خمسة آلاف مقاتل، يعتقد الخبراء ان 80 في المئة منهم من الاجانب.
ويبلغ عدد المعارضين المسلحين لنظام الاسد نحو 120 الفا، حسب التقديرات الاميركية، فيما لدى الاسد نحو 70 الفا من القوات عالية التنظيم والتسليح والتدريب، ينضم اليها قرابة خمسة آلاف مسلح من «حزب الله»، ونحو 10 الى 15 الفا من المنضوين تحت لواء ما يعرف بـ «الشبيحة» او «الجيش الشعبي»، وهؤلاء من المقاتلين غير النظاميين والذين لا يتمتعون بتدريبات عسكرية او تسليح كاف، رغم اعتقاد البعض ان «الحرس الثوري الايراني» انشأ معسكرات تدريب مخصصة لهؤلاء.
وتبدي المصادر الاميركية خوفا من الفصائل الاسلامية المتشددة اكبر من خوفها من «حزب الله»، رغم تصنيف الاثنين في مصاف التنظيمات الارهابية. اما الفارق فيعود الى كون «حزب الله» تنظيما يتمتع «بسلم قيادة» يفرض انضباطا على مقاتليه، فيما التنظيمات الاسلامية تفتقر الى تنظيم مركزي او قيادة يمكن التواصل معها.
وفي ما يمكن لمقاتلي «حزب الله» العودة الى لبنان بسلام في حال انتهاء الحرب السورية، يخشى الخبراء الاميركيون من ان يثير المقاتلون الاسلاميون بلبلة عند عودتهم الى دولهم، في حال انتهاء الحرب في سورية. 
ويعتقد مايكل شير، الذي شارك في جلسة الاستماع، ان المقاتلين، الذين يتعرضون للمزيد من الراديكالية اثناء قتالهم في سورية، سيشكلون خطرا جديا على دولهم في ما بعد، مضيفا: «يبدو ان (الخطر) جدي اليوم اكثر من اي يوم مضى».
ويعتقد شير ان الحربين في العراق وافغانستان ساهمتا في تأجيج المشكلة، ويقول: «يذهبون (الى سورية) وهم على ثقة بأن النصر ممكن، فهم ورفاقهم سبق ان الحقوا هزيمة بالولايات المتحدة في افغانستان والعراق، وهذه الفكرة تشد من عزيمتهم وتساعدهم على تجنيد المزيد».
ويتابع شير: «كذلك، يعودون (من العراق او افغانستان) وبحوزتهم لوائح اتصالات مع مجاهدين آخرين يمكنهم طلب المشورة منهم وطلب اشكال اخرى من المعونة».
وعلى خطوط القتال في سورية، تشير التقارير الى هجوم شنه الثوار ضد موقع لقوات الاسد في مطار دير الزور العسكري، والى اشتباكات عنيفة في حي الموظفين في المدينة، في اليومين الماضيين. ويعتقد المراقبون ان الثوار نجحوا في الاستيلاء على حي القصور، ما اجبر مقاتلات النظام على شن غارات متعددة في محاولة لمعاقبتهم.
كذلك يعتقد الخبراء الاميركيون انه في حال نجح معارضو الاسد في السيطرة على محافظة دير الزور بالكامل، تصبح المحافظة الثانية خارج سيطرة الاسد تماما، بعد الرقة المجاورة، ويصبح لدى الثوار منطقة آمنة ذات مساحة كبيرة تمتد في معظم الشمال الشرقي للبلاد وتجاور العراق.
وفي مدينة حماه، شن معارضو الاسد هجومين انتحاريين ضد نقاط عسكرية تابعة للنظام. ويقول المراقبون ان اسلوب الهجمات الانتحارية يشير الى ان منفذي العمليتين هما من الاسلاميين المتشددين. وتأتي اخبار هجمات مدينة حماه في وقت نجح الثوار في تدمير دبابة تابعة للنظام شرق المحافظة باستخدامهم صواريخ كونكور المضادة للدروع والموجهة عن بعد، حسب التقارير.
اما في الجنوب، فتعتقد غالبية المراقبين الاميركيين ان «الزخم» هو لصالح معارضي الاسد من المقاتلين الذين يحرزون تقدما «متواصلا وان كان بطيئا». وكانت عطلة نهاية الاسبوع شهدت هجوما للثوار، استخدموا فيه دبابة استولوا عليها من قوات النظام ومضادا للطائرات، ضد نقطة ابورشيد العسكرية قرب طفس، ما اجبر النظام على شن غارات مركزة على طفس.
وفي شرق دمشق، تظهر التقارير ان الثوار انتزعوا معمل تاميكو للأدوية ونقطة عسكرية تابعة للنظام مجاورة له في المليحة، ما دفع النظام الى قصف محيط تاميكو، من دون ان يتمكن من استعادة المنطقة. وترافقت التقارير المتواترة من عموم المناطق السورية مع انباء غير مؤكدة عن اسقاط الثوار لمقاتلتين تابعتين للنظام في الأيام الماضية.

الاثنين، 21 أكتوبر، 2013

سياسة يلين كبح المجازفة المصرفية وتراخٍ تجاه التضخم

واشنطن - حسين عبد الحسين


اختيار الرئـــس الأميركي باراك أوباما جانيت يلين لرئاســـة مجلس الاحتياط الفيديرالي (المركزي)، لأول مرة منذ تأســــيسه قبل مئة عام، خبر لافت لجمعيات تحسين وضع المرأة ومؤيديه، ولكن أن يختار الرئيس الأميـــركي شخصية يسارية تتبع المدرسة «الكينزية» في الاقتصاد، لأول مرة منذ 34 عاماً، يبقى الخبر الأبرز.

وتتلمذت يلين على يدي الاقتصادي اللامع والحائز على جائزة «نوبل» جايمس توبن، الذي اصدر مؤلفات عديدة تتوسع في النظريات الاقتصادية لجون ماينرد كينز، مهندس نظرية تدخل الدولة في الاقتصادات الرأس مالية لتحفيزها في اوقات التباطؤ وكبحها في اوقات الطفرات، والعمل على تحسين توزيع الثروة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

ومن اشهر نظريات توبن تلك المعروفة بـ «ضريبة توبن»، وتنص على ضرورة فرض ضرائب على المضاربين بالعملات الاجنبية والمستفيدين من التلاعب في الأسعار بين عملة وأخرى. ووفق توبن، فإن هذا النوع من المضاربة المالية يزعزع الثقة في العملات ويعتبر ثباتها اساساً للاستقرار الاقتصادي.

وكما رأى «المعلم» توبن أن المضاربة بالعملات يمكنها زعزعة الاستقرار النقدي، رأت تلميذته يلين أن المضاربة بالمشتقات المالية، حول العالم من شأنها كذلك أن تولد أزمات.

وتدرك يلين أن المصرف المركزي لا يدير السياسة الاقتصادية لجهة الانتاج، وإنما ينحصر دوره بالسياسة المالية لجهة الاستهلاك، وتحديد كمية النقد المتداولة في السوق، وتسهيل الاقتراض للمستهلكين، الذين بلغ اجمالي ديونهم 43 في المئة من كل القروض الأميركية في العام 2012.

ومع زيادة السيولة وتسهيل الاقتراض، يمكن تسريع «دورة الأعمال»، وهذه تخلق وظائف وتؤدي إلى انخفاض في نسبة البطالة، وهذه واحدة من مهمات الاحتياط الفيديرالي إلا أنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى ارتفاع في نسبة التضخم، مع العلم ان مهمة الاحتياط الفيديرالي الثانية هي لجمه.

وكان آخر الحكام اليساريين، بول فولكر، عينه الرئيس الديموقراطي السابق جيمي كارتر في العام 1979، ونجح في القضاء على التضخم الذي ترافق مع ركود في حينه أطلق عليه اسم «ستاغفلايشن». وبسبب نجاحه في القضاء على تلك المشكلة التي كانت تقض مضاجع الاقتصاديين، جدد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان ولاية فولكر، الذي ترأس المصرف المركزي في أكثر فترة شهدت ازدهاراً وطفرة اقتصادية في الولايات المتحدة في الأعوام الخمسين الاخيرة.

وبسبب نجاح سياسته المالية اكتسب فولكر أهمية دفعت أوباما للاستعانة بخدماته مجدداً، فعينه رئيساً لمجلس مستشاري الرئيس الاقتصاديين، وتمت المصادقة على «قانون فولكر»، الذي أجبر المصارف على زيادة كمية ودائعها المالية، ومنعها من استخدام أموال المودعين في المضاربة في سوق الأسهم.

في هذا السياق، كانت يلين من أبرز المؤيدين لقانون فولكر، وبصفتها نائباً لحاكم المصرف المركزي، سعت كذلك إلى دعم قانون «دود – فرانك» الذي أُصدر في العام 2010، على عكس رغبات الحزب الجمهوري واعضائه في الكونغرس ومؤيديه من كبار المتمولين والمكتتبين في المصارف الأميركية الكبرى.

ويمنع قانون «دود – فرانك» ممارسات مالية كانت سائدة، ويعتقد اقتصاديون، وخصوصاً اليساريين منهم، أنها ساهمت في الفقاعة الاقتصادية وفي الركود الكبير في خريف العام 2008، مثل تقديم قروض ميسرة لكن بفوائد عالية جداً لأشخاص تعرف المصارف انه لن يكون باستطاعتهم تسديدها. وكانت المصارف تحقق ارباحاً طائلة من هذه القروض السيئة إذ كان المصرفيون يقتطعون عمولتهم على القروض عند التوقيع، ومن ثم لا يكترثون حول مصير القروض أو المقترضين.

وعارضت يلين، البالغة من العمر 67 عاماً، هذه الممارسات المالية وأيدت ضبطها بشدة، وفق ما تظهر مشاركاتها في اجتماعات مجلس حكام الاحتياط الفيديرالي وحسب اطلالتها العلنية.

ويعتقد البعض انه لو قُيّد لمنافسها لاري سمرز الفوز بمنصب حاكم مجلس الاحتياط الفيديرالي، خلفاً لبن برنانكي، لكان تغاضى عن بعض التشريعات التي تهدف إلى ضبط حرية المصارف. وكان سمرز من فريق الرئيس الديموقراطي السابق بيل كلينتون، وعمل على الاطاحة بقوانين فولكر المالية، ولكنه ساهم في إعادتها تحت إشراف أوباما، على رغم اعتقاد البعض انه وافق على بعضها مرغماً أو على مضض.

وكانت يلين أطلت على السياسة المالية في العام 1996 بعدما عيّنها الرئيس السابق بيل كلينتون في مجلس الاحتياط لاعتقاده انها ستساهم في تعديل مواقف الحاكم السابق اليميني آلان غرينسبان، الذي كان مولعاً بالقضاء على التضخم إلى حد انه اقترح يوماً خفضه من اثنين إلى صفر في المئة. إلا أن يلين اقترحت إبقاءه عند معدل 2 في المئة سنوياً، معتبرة أن ذلك يؤدي إلى امتصاص حجم الصدمات الاقتصادية مستقبلاً.

وكانت يلين إحدى الداعمين للابقاء على برنامج طباعة التقد الذي ينتهجه المصرف المركزي حالياً، وتوقعت أن لا يرتفع مستوى التضخم على رغم ضخ المال في الأسواق، وهو توقُع يبدو أنه صائب اذ لم تتعد نسبة التضخم الأميركي واحداً في المئة على رغم شراء سندات بقيمة 85 بليون دولار شهرياً، منذ كانون الثاني (ديسمبر) 2012.

وتعد يلين بأنها ستعمل على تحسين قدرة المستهلكين والاستمرار في العمل على خفض البطالة. ونظراً إلى سياساتها الماضية، يُتوقع أن تعمل على إبقاء برنامج شراء السندات وضخ السيولة في الأسواق حتى إشعار آخر. أما إنهاء هذا البرنامج، فسيكون على الأرجح تحت إشراف يلين، أو على حد تعبير برنانكي ان «هناك آخرين أيضاً ممن يمكنهم الإشراف على إنهاء هذا البرنامج»
.

مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي يتوقع انخفاض الدَيْن إلى 68 في المئة من الناتج

واشنطن - حسين عبدالحسين

توقع مكتب الموازنة التابع للكونغرس الأميركي، انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من 73 في المئة حالياً إلى 68 في المئة بحلول عام 2018، لترتفع مجدداً وتصل إلى 100 في المئة عام 2038. وقدم المكتب تقريره المحدّث بعد التعديل الذي أجراه مكتب التحليلات الاقتصادية في تموز (يوليو) الماضي وأعاد النظر إيجاباً في نسب النمو الاقتصادية الأميركية. ويبني مكتب الموازنة توقعاته على القوانين الضريبية المرعية وعلى تقديرات أخرى مرتبطة بالنمو السكاني وتركيبة الأعمار للأميركيين.

المشكلة الرئيسة التي تواجهها الولايات المتحدة، وفق التقرير، هي «الشيخوخة التي تصيب السكان وتفرض ارتفاعاً في الإنفاق الحكومي في مرتبات المتقاعدين وفاتورتهم الصحية». وأشار التقرير إلى أن «الإنفاق الفيديرالي لبرامج الرعاية الصحية الرئيسة وصندوق الضمان الاجتماعي سيبلغ 14 في المئة من الناتج المحلي عام 2038، ما يشكل ضعف معدل نسبة الإنفاق ذاتها في السنوات الـ 40 الماضية وهي لم تتعد 7 في المئة».

الارتفاع الكبير في الإنفاق المذكور فضلاً عن الزيادة الكبيرة في كلفة خدمة الدين المتوقع، سيُلزمان الحكومة الأميركية تقليص نفقاتها في الأبواب الأخرى لتبلغ 7 في المئة من الناتج المحلي، وهو أدنى من معدل 11 في المئة للإنفاق الحكومي لغير الرعاية الاجتماعية على مدى الأعوام الـ 40 الماضية، وسيكون الأدنى منذ ثلاثينات القرن الماضي. ولم يستبعد التقرير أن تصل تكاليف خدمة الدين خمسة في المئة من الناتج المحلي عام 2038، مقارنة بـ 2 في المئة في السنوات الـ 40 الماضية.

ومنذ انتهاء الركود الكبير عام 2009 وعودة الاقتصاد إلى النمو، عمدت الحكومة الأميركية أحياناً من تلقاء نفسها وفي أوقات أخرى تحت ضغط من الحزب الجمهوري الذي يسيطر على غالبية مجلس النواب في الكونغرس منذ عام 2010، على تقليص النفقات المتنوعة. لكنها لم تقترب من صناديق الرعاية لأسباب سياسية، إذ يمثّل المتقاعدون الأميركيون شريحة واسعة من الناخبين، وتتوسع مع مرور الأيام، ولا يرغب أي من الحزبين في خوض معركة سياسية قاسية لإصلاح هذه الصناديق أو تخصيصها أو انتزاع أي من الامتيازات التي تحصل عليها شريحة، يمكن أن تعاقب أياً من الحزبين بإبقائه خارج السلطة.

ومنذ بدء التخفيضات الحكومية عام 2010، تراجع الإنفاق الحكومي الأميركي إلى 22 في المئة من الناتج المحلي عام 2012، مقارنة بمعدل 20.5 في المئة من الناتج المحلي في الـ 40 عاماً الماضية. لكن بسبب ارتفاع الإنفاق الاجتماعي، توقع التقرير بلوغ الإنفاق الحكومي 26 في المئة من الناتج المحلي مع حلول عام 2038. كذلك، عمدت حكومة الرئيس باراك أوباما وحزبه الديموقراطي على فرض زيادات ضريبية ولو طفيفة، بسبب عدم شعبيتها والمعارضة الشرسة للحزب الجمهوري الذي يطالب بخفض الضرائب والإنفاق في الوقت ذاته.

يُذكر أن معدل الدخل الحكومي من الناتج المحلي بلغ 17.5 في المئة على مدى العقود الأربعة الماضية، وهو كان وصل إلى 15 في المئة نتيجة قرار الرئيس السابق جورج بوش خفض الضريبة ونتيجة ركود عام 2008، الذي أطاح بثمانية ملايين وظيفة، مع ما يعني ذلك من إطاحة لضرائب الدخل الناتجة منها. وأوضح التقرير أن تحصيل الحكومة المالي سيصل إلى 17.5 في المئة من الناتج المحلي العام المقبل، ويُتوقع بلوغه 19.5 في المئة مع حلول عام 2038، ما يدفع عجز الموازنة السنوي إلى 6.5 في المئة من الناتج وهو الأعلى بين الأعوام 1946 و2008، عندما بلغ 10 في المئة استثنائياً بسبب الأزمة المالية.

ويرى مكتب الموازنة أن في حال وصل الدين العام الأميركي، الذي يقارب 17 تريليون دولار اليوم، إلى نسبة 100 في المئة من الناتج العام عام 2038، فسيؤثر ذلك سلباً في النمو الاقتصادي. إذ سيستهلك الدين الجزء الأكبر من رأس المال المتوافر للاستثمار، وستضطر الحكومة إلى الاستدانة بفوائد مرتفعة ما يدفع المستثمرين إلى الإحجام عن تمويل المشاريع الاقتصادية وتجميد أموالهم في سندات حكومية تدر عليهم أرباحاً أكبر.

لذا يقترح المكتب أن تحاول الحكومة والكونغرس لجم الدين العام وإعادته إلى النسبة التي كان عليها عام 2008، أي 39 في المئة من الناتج المحلي، ما سيستدعي «مزيجاً من الزيادة في المداخيل والاقتطاع من الإنفاق غير خدمة الدين، بنسب تصل إلى 2 في المئة من الناتج المحلي أو ما يعادل 350 بليون دولار بحسابات عام 2014».

وهذا المبلغ الذي ستحتاج إليه الموازنة سنوياً توازي 11 في المئة زيادة في المداخيل، التي سترتفع من 17.5 في المئة إلى نحو 28 في المئة. أما في حال اختارت الحكومة توفير هذه الأموال الإضافية من طريق تقليص الإنفاق، فسيتطلب ذلك خفضاً بقيمة 10.5 في المئة من الناتج المحلي لفترة 2014 - 2038، ما يعني أن إنفاق الحكومة الفيديرالية سينخفض إلى 12 في المئة.

ونظراً إلى الانقسام الحزبي بين الديموقراطيين الذين يؤيدون زيادة الضرائب والإنفاق، والجمهوريين الذين يطالبون بخفض الضرائب والإنفاق، يُرجح أن يتوصل الحزبان إلى اتفاق يقضي بزيادة في الواردات الحكومية بواقع 5 في المئة من الناتج المحلي للفترة 2014 - 2038، وخفض الإنفاق بالنسبة ذاتها.

لكن أي تسوية من هذا النوع ستعتمد على هوية الحزب الذي سيدفعه الأميركيون إلى الرئاسة والكونغرس عام 2016، وحتى ذلك الحين لا خوف على العجز السنوي أو نسبة الدين إلى الناتج المحلي، لأن الاثنين سيواصلان الانخفاض، على الأقل حتى عام 2018، ما سيعطي أصحاب القرار الأميركيين الوقت الكافي لاستنباط حلول تعيدهم إلى موازنة سليمة.

الخميس، 17 أكتوبر، 2013

النووي الإيراني: نصف حل

حسين عبدالحسين

في جنيف حاولت طهران قلب الطاولة على الغرب فاعلنت موافقتها على توقيع البروتوكول الاضافي الخاص بـ"معاهدة حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل"، الذي يعطي مفتشي "وكالة الطاقة الذرية" حرية القيام بزيارات مفاجئة الى المفاعلات النووية الايرانية، ويسمح لهم بفرض نظام ضمانات يتضمن تركيب كاميرات فيديو للمراقبة في داخلها. 

لكن الوفد الايراني، الذي ترأسه وزير الخارجية جواد ظريف، اعتبر ان البروتوكول يشمل تفتيش المنشآت المتفق عليها فقط، اي انه لا يحق للمفتشين اجراء زيارات مفاجئة لمواقع قد يشتبهون بأن إيران تجري فيها اعمال تخصيب او تسليح نووي.

وأمهلت ايران المجموعة الدولية حتى 7 تشرين الثاني المقبل، موعد انعقاد الجولة المقبلة بين الطرفين في جنيف للرد على عرضها، الذي قدمته بعنوان "نهاية ازمة غير ضرورية وبداية افق جديد".

"نصف الحل" الذي قدمه الوزير الايراني، بالانكليزية في مطالعة الكترونية امام وفود مجموعة دول "5+1" (الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا)، يبدو انه يهدف الى شق الصف الدولي بين قائل بأن الحل الايراني المطروح كافٍ ويستأهل رفع العقوبات الاقتصادية التي يفرضها مجلس الأمن، وبين متخوف من ان تقوم ايران بنقل تخصيبها النووي الى مواقع سرية.

التخوف الغربي، وخصوصاً الاميركي، مبني على خلفية محاولة ايران في الماضي اخفاء مفاعل فوردو، المحصن داخل الجبال قرب مدينة قم، قبل ان تكتشف المفاعل اجهزة الاستخبارات الغربية، وتعلن ذلك في ايلول/سبتمبر 2009.

اما الشق الذي يتفق عليه الايرانيون والمجتمع الدولي، حسب مصادر اميركية، فهو يتضمن ما تسميه ايران "حق التخصيب"، الذي تتمسك به، وابقاء مفاعل فوردو يعمل، والحفاظ على كمية اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة، والتي يقدر ان ايران تملك منها ما يقارب 185 كيلوغراماً. على ان طهران عرضت ان لا يتخطى التخصيب الذي تقوم به مستقبلاً نسبة الخمسة في المئة.

ويقول الخبراء الاميركيون إن ما تسميه إيران "حق التخصيب" مضمون لجميع دول العالم طالما هو يجري تحت اعين مفتشي "وكالة الطاقة الذرية"، وان لا مشكلة في استمرار عمل مفاعل فوردو، الذي لم تتجاوز نسبة التخصيب فيه الخمسة في المئة، وان حفاظ ايران على كمية اليورانيوم العالي التخصيب، من دون اضافة اي كميات جديدة اليها، يمكن التعامل معه. هذا يعني ان البروتوكول الاضافي، واصدار وكالة الطاقة بيانات حول تجاوب طهران، يمكن ان يضمن سلمية البرنامج الايراني.

لكن المشكلة تكمن في محاولة إيران حصر التفتيش بالمواقع المتفق عليها، وهو ما يخالف البروتوكول اصلاً. غالبية المسؤولين الاميركيين، كما معظم مسؤولي المجموعة الدولية، يحرصون على عدم تسريب تفاصيل العرض الايراني. 
وفي هذا السياق، قال مسؤولون اميركيون لصحافيين في العاصمة الاميركية إنهم لن يدلوا بأية تصريحات "قبل ان تقوم الادارة بدراسة العرض وتقديم الرد رسمياً عليه".

وكانت واشنطن، في اشارة الى جديتها في التوصل الى تسوية مع طهران، اضافت الى وفدها المفاوض، وللمرة الاولى منذ بدء المفاوضات قبل سنوات، دبلوماسيين يتمتعون بخبرة تتعلق بالعقوبات الدولية المفروضة على الجمهورية الاسلامية.
كذلك، حرص الاميركيون على الاطباق على أي تسريبات من الاجتماع الثنائي الاميركي - الايراني، الذي جمع الوفد الاميركي برئاسة وكيلة وزير الخارجية ويندي شيرمان ونظيرها الايراني برئاسة عباس عراقجي.

ومع ان التكهنات اشارت الى احتمال ان يكون الاجتماع الاميركي - الايراني تركز حول الانسحاب الاميركي المقرر من افغانستان العام المقبل، الا ان المصادر الاميركية نفت ذلك، وقالت إنه "مجرد ان ظريف كان مسؤولا عن قناة افغانستان بين البلدين لا يعني ان اللقاء تركز حول ذلك". واعتبرت ان الاجتماع ، الذي دام ساعة واحدة، "تطرق الى العلاقات الثنائية والى مواضيع اقليمية".

على ان المسؤولين الاميركيين والدوليين لم يترددوا في الثناء على اداء الوفد الايراني على الاقل في الشكل، بعد مطالعة ظريف بالانكليزية، واعتبر بعضهم انها دلت على جدية ايرانية مقارنة بمطالعات سلفه سعيد جليلي، والتي كانت طويلة وترتكز على ما يعتبره مظالم الغرب بحق ايران، وكان يدلي بها بالفارسية، مع ما يستغرق ذلك من وقت اضافي تسببه الترجمة.

كذلك قال مسؤولون شاركوا في اللقاءات إن الجزء الاول من جولة المفاوضات تضمن نصائح دولية للوزير الايراني بكيفية العناية بظهره سيما وانه يعاني من الام مبرحة اجبرته على حضور اللقاء على كرسي متحرك.

في هذه الاثناء، من المتوقع ان تنتقل شيرمان إلى اسرائيل في الايام القليلة المقبلة لاطلاع المسؤولين الاسرائيليين على تطورات المفاوضات النووية مع الايرانيين. وكان مسؤولون في اسرئيل قالوا إنه، بالنظر لما تسرب حول لقاءات جينيف حتى الآن، لا يبدو ان نوايا ايران جدية في التوصل الى تسوية. 

وكانت المصادر الاسرائيلية نفسها حذرت من ان تقدم المجموعة الدولية على عقد اتفاق مع ايران يكون بمثابة اتفاق ميونيخ في العام 1938، والذي تنازل بموجبه الحلفاء المانيا النازية مناطق في اوروبا اعتقاداً منهم ان ذلك سيثني الاخيرة عن الحرب، لكن ما حصل كان العكس تماماً.

الأربعاء، 16 أكتوبر، 2013

من الضعيف.. أميركا أم رئيسها؟

حسين عبد الحسين

في «نادي واشنطن» الفاخر والقريب من البيت الأبيض، وقف الصحافي المعروف ديفيد إغناتيوس يتحدث إلى مجموعة من كبار الدبلوماسيين الأميركيين والمعنيين بالسياسة الخارجية. رفع إغناتيوس كتابا وقال: «هل تعرفون ما هذا الكتاب؟» ليجيب بأنه أطروحة الدكتوراه لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، والتي تتناول صعود قوى في أوروبا في القرن السابع عشر، وعن معاهدة ويستفاليا التي سمحت لهذه القوى بالتعايش مع القوى الموجودة قبلها، وأن معاهدة مماثلة قد تكون مطلوبة اليوم للسماح بدخول دول مثل إيران والصين نادي الدول الكبرى.

ويقول إغناتيوس، وهو نائب رئيس تحرير «واشنطن بوست»، إنه لطالما عقد جلسات حوار مع مسؤولين كبار في إدارة الرئيس باراك أوباما، وقدم لهم أفكار كيسنجر هذه. ويضيف أنه في إحدى الجلسات، التفت إليه أحد المسؤولين وقال له: «تعرف بمن يذكرني حديثك هذا يا ديفيد، إنه يذكرني بحديث الرئيس».

هكذا، يستنتج إغناتيوس على أنه على عكس الانطباع السائد، فإن لدى أوباما «رؤية كبرى» و«خطة متكاملة» لسياسة أميركا الخارجية، ولدورها حول العالم، بما في ذلك في الشرق الأوسط.

استحسن غالبية الحاضرين كلام الصحافي الأميركي، ولكن أقلية كانت تعرف أن كلام إغناتيوس – المقرب من الإدارة – هو من باب المراءاة، وأن إغناتيوس نفسه، سبق أن انفلت من عقاله وشن هجمات عنيفة، في مقالاته المتكررة، ضد الرئيس الأميركي وفريقه.
فإغناتيوس، الذي كال لأوباما المديح الأسبوع الماضي، سبق أن كتب أن أوباما «يحكم عن طريق ورشات العمل». كما اتهم الرئيس الأميركي بالتردد في الرأي والتقلب. فأوباما بعدما أرسل أساطيله إلى قرب الشاطئ السوري، استدار فجأة وقرر أن يأخذ موضوع استخدام القوة العسكرية ضد أهداف بشار الأسد إلى الكونغرس.

ولم يكن أحد يعتقد أن أوباما كان يتحرك وفقا لخطة أو رؤية، حتى إن وزيري خارجيته ودفاعه جون كيري وتشاك هيغل لم تجري استشارتهما، فيما حاولت مستشارته للأمن القومي سوزان رايس ثني أوباما عن الذهاب إلى الكونغرس، ولكنه لم يستمع.
ثم أطل الرئيس الأميركي في «خطاب إلى الأمة»، وبدا فيه أوباما فصيحا، لكن أفكاره كانت متناقضة جدا، فهو تحدث عن «الاستثناء الأميركي»، وعن دور أميركا في الدفاع عن المدنيين العزل وعن الأطفال حول العالم، ليقول في الخطاب نفسه إنه لا شأن لبلاده في التدخل «في حروب الآخرين الأهلية».

لكن وقفة تأمل بسيطة تشير إلى أن كلا من روسيا وإيران لا تزالان بعيدتين كل البعد عن منافسة القوة الأميركية، فالأرقام تتوقع أن ينمو الاقتصاد الروسي بأقل من نقطتين مئويتين هذا العام، وهذه نسبة ضعيفة.
وروسيا ليست من الدول المتقدمة، مثل أميركا، بل هي في مصاف الدول النامية، حسب البنك الدولي. كذلك تعاني روسيا من شيخوخة السكان وتناقص في أعدادهم، ومن تراجع في مستويات التعليم والتكنولوجيا والصناعات، ومن فساد حكومي مستشر على المستويات كافة، مما يعطل الاستثمارات الخارجية وخصوصا في القطاع النفطي، عماد روسيا. وعلى الرغم من أن حجم الاقتصاد الروسي هو الثامن عالميا، فإن إمكانات تقدمه تبدو متعثرة.

وموسكو تعلم أن قوتها لا تقارن بأميركا، فالقوة النارية للأسطول الروسي بأكمله توازي القوة النارية للأسطول الأميركي السادس وحده، لذا عندما اقتربت السفن الحربية الأميركية من الشاطئ السوري، انسحب الروس، لكنهم عادوا من بوابة الدبلوماسية مستندين خصوصا إلى حقهم في النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.

وإذا كانت القوة الروسية ضعيفة مقارنة بأميركا، فإن إيران أضعف بكثير، فبيانات المصرف المركزي الإيراني أظهرت أن التضخم في شهر أغسطس(آب) الماضي بلغ 40 في المائة، وأن أسعار المأكل تضاعفت، وأن الإيرانيين يعانون من العقوبات الدولية المفروضة عليهم بسبب إخفاء قيادتهم لبرنامجها النووي عن أعين وكالة الطاقة الذرية.

وكان دكستر فيلكنز نشر في مجلة «نيويوركر» مقالا مطولا حول شخصية الرجل الذي يدير سياسة إيران في منطقة الشرق الأوسط، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. وأظهر المقال أن سليماني يعمل بموازنة 20 مليون دولار شهريا يرصدها له حليفه رئيس حكومة العراق نوري المالكي من واردات النفط العراقية. هذه الأموال كافية لشن حروب ميليشيات، لكنها لا تكفي لفرض النفوذ على دول بأكملها مثل سوريا.
كذلك أظهر المقال أنه إبان الحرب الأميركية في العراق، شعر الإيرانيون بالذعر من قوة الأميركيين وحاولوا التوصل إلى اتفاق معهم مخافة اجتياح أميركي محتمل يطيح بالنظام.

إذن ماذا حدث للقوة الأميركية التي أجبرت الإيرانيين على الحوار في عام 2003 وأجبرت الروس على فتح المجال للأساطيل الأميركية التي كانت تستعد لتوجيه ضربة لنظام بشار الأسد؟
الإجابة هي أن القوة الأميركية ما زالت موجودة، لكنها اليوم بإمرة رئيس ضعيف ومتردد وعديم الخبرة في السياسة الخارجية، خصوصا مقارنة بأقرانه الإيراني علي خامنئي، القيادي منذ 34 عاما، والروسي فلاديمير بوتين، الذي يترأس روسيا منذ 13 عاما، فيما بالكاد تصل خبرة أوباما الخارجية إلى خمسة أعوام.

في إحدى المقابلات التي أجراها أوباما على أثر الاتفاق مع روسيا حول نزع ترسانة الأسد الكيماوية، قال منفعلا إن البعض في واشنطن يقيّمون سياسته الخارجية على أساس الأسلوب، فيما هو لا يكترث بالأسلوب بل يسعى إلى النتائج. ما فات الرئيس الأميركي هو أنه في السياسة، الخارجية كما الداخلية، الجزء الأكبر يعتمد على الأسلوب، فلو اعتقدت روسيا أو إيران للحظة أن أوباما ينوي استخدام القوة في سوريا، لاتخذ الصراع هناك منحى مختلفا تماما، لكن أوباما الحديث العهد بالسياسة لا يعرف كيف يخبئ أوراقه قريبا إلى صدره، حسب التعبير الأميركي، لذا حول القوة الأميركية الهائلة إلى سفن متمركزة في عرض المتوسط من دون خطة أو هدف.

الخميس، 10 أكتوبر، 2013

هل سيفضّل خامنئي «تجرّع كأس السم» الأميركي لإخراج بلاده من عزلتها الدولية؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قد يكون من حسن حظ العاملين في وزارة الخارجية ومجلس الامن القومي الأميركيين انه تم تصنفيهم على انهم جزء من الكادر الاساسي للادارة الاميركية، والذي لم يتأثر باغلاق الحكومة المستمر منذ الاسبوع الماضي. وفيما علق الرئيس باراك أوباما رحلاته الخارجية حتى التوصل الى تسوية داخلية مع الجمهوريين، عكف العاملون على ملفات السياسة الشرق أوسطية على رصد النقاش الايراني المندلع منذ المكالمة الهاتفية بين أوباما ونظيره حسن روحاني، الشهر الماضي.
يقول المعنيون بالملف الايراني ان ابرز التصريحات جاءت على لسان مرشد الثورة علي خامنئي، الذي وصف «بعض ما جرى» في نيويورك بأنه غير مقبول. واوضح بعض المسؤولين الأميركيين ان خامنئي «ربما ترك تصريحه مبهما حتى لا يكشف موقفه الفعلي حتى جلاء الامور اكثر».
التصريح الايراني الثاني في اهميته، الذي التقطه الاميركيون، جاء على لسان قائد الحرس الثوري الايراني محمد علي جعفري الذي اجرى مقارنة بين خامنئي وسلفه روح الله الخميني، الذي قال جعفري انه وافق على قبول القرار 598 القاضي بوقف اطلاق النار مع العراق في العام 1988 على عكس رأيه، وبتوصية من مجموعة من المحيطين به الذين كانوا يخالفونه الرأي في ذلك.
ويقول الاميركيون ان اللافت ان عددا كبيرا من الخبراء الاميركيين سبق ان استخدم المقارنة نفسها بين الخميني، الذي قال انه كان يفضل ان يتجرع «كأسا من السم» بدلا من ان يوقف الحرب، وخامنئي الذي قد يعمد الى الاسلوب نفسه لاخراج ايران من عزلتها الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، والتي ارهقت كاهل معظم الايرانيين.
وفي هذا السياق، رصد الاميركيون البيانات الصادرة عن بنك ايران المركزي، والتي اظهرت ان نسبة التضخم في البلاد تجاوزت 40 في المئة في الفترة الممتدة بين 22 اغسطس و22 سبتمبر، مقارنة بالفترة نفسها قبل عام. 
وقال مصدر اميركي انه «فيما كان الشيخ روحاني يهم بركوب الطائرة في طريقه الى نيويورك للمشاركة في اعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ربما قرأ بيانات المصرف المركزي التي تظهر ان اسعار الطعام والشراب في ايران ارتفعت بنسبة 51 في المئة، وان اسعار الطاقة ازدادت بنسبة 20 في المئة، فيما وصلت الزيادة في اسعار الملابس والاحذية الى اكثر من 60 في المئة».
يقول المصدر انه في اغسطس 2013، صار راتب المواطن الايراني العادي يساوي نصف راتبه قبل عام. وتوقع المصدر ان «يستمر التضخم، وربما يحصل بوتيرة اسرع في المستقبل القريب»، وان «يعاني الايرانيون متاعب اقتصادية اكبر في حال استمرار العقوبات الدولية التي يفرضها مجلس الامن».
وكان الاميركيون رصدوا، الاسبوع الماضي، تصريحات روحاني على اثر اجتماع عقدته حكومته، وصفوها بالايجابية، وقال فيها انه يعتقد ان الادارة الاميركية هي ضد العقوبات على ايران، وانه يأمل ألا يلعب الكونغرس دور المعرقل في هذا المجال.
ويبدو ان روحاني لا يعرف ان لدى الرئيس الاميركي سلطة بتجاوز العقوبات التي يفرضها الكونغرس، وانه في حالة ايران، يحتاج الامر الى قرارات في مجلس الامن، وان أوباما وعد - حلفاء اميركا خصوصا - ان واشنطن لن توافق على رفع اي عقوبات قبل اتمام اتفاق مع ايران يقضي بوضعها لبرنامجها النووي السلمي تحت مراقبة دولية شاملة.
على ان المسؤولين الاميركيين قالوا انه بعد تصريح خامنئي «لا نعرف ان كان روحاني سيستمر في ايجابيته تجاهنا». وتوقع المسؤولون ان «تبادل واشنطن طهران الايجابية بايجابية»، ولكنهم قالوا انه يصعب عليهم «التنبؤ الى اي حد ستصل ايران في ايجابيتها».
وتعول غالبية المسؤولين الاميركيين على «الخطة» التي يتوقعون ان ايران ستقدمها في الاجتماع المقرر بينها وبين مجموعة دول خمس زائد واحد في جنيف يومي الثلاثاء والاربعاء المقبلين. ويقول الاميركيون انهم يريدون خطة فيها خطوات محددة وجدول زمني، «على غرار تلك التي توصلنا اليها مع الروس لنزع ترسانة نظام (الرئيس السوري بشار) الاسد الكيماوية».
ومن النقاط التي يأمل الاميركيون في ان يقدمها الايرانيون اغلاق مفاعل فردو قرب مدينة قم بالكامل، ووضع سقف لتخصيب اليورانيوم لايتعدى الخمسة في المئة، والتخلص من كميات اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة التي تختزنها ايران، وتوقيع البروتوكول الاضافي الذي يسمح لخبراء وكالة الطاقة الذرية باجراء عمليات تفتيش متواصلة ومفاجئة لاي مواقع تعتقد الوكالة انها مرتبطة بالبرنامج النووي.
في اللحظة التي تفيد فيها وكالة الطاقة الذرية بتجاوب ايران، تعمد الدول الكبرى الى رفع العقوبات في مجلس الامن، و«تبدأ عملية تأهيل العلاقة بين اميركا وايران»، حسب المسؤولين الاميركيين. عملية التأهيل، هذه، تتضمن شؤونا من قبيل العلاقة الثنائية بين البلدين واعادة «فتح خط طيران مباشر بين البلدين، وكذلك امور اقليمية يمكن ان تساهم ايران في التوصل الى حلول لها، مثل سورية».

الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

أميركا: أزمة الموازنة مبارزة سياسية بزيّ اقتصادي

واشنطن - حسين عبد الحسين


لا تبدو أزمة الحكومة الفيديرالية في الولايات المتحدة وإغلاق دوائر حكومية وممتلكات عامة، مفهومة لدى كثيرين حول العالم، فبعضهم يعتقد بأنها متعلقة بتعثر الاقتصاد الأميركي ونقص في السيولة المتوافرة لدى الحكومة، والبعض الآخر يخالها مرتبطة بتضخم الدين العام والخلاف في الكونغرس حول امكان رفع سقفه، الا ان الواقع هو ان الأزمة هي مبارزة سياسية مختبئة خلف شؤون اقتصادية.

في بعض الدول، مثل لبنان، تستمر الحكومة بالانفاق حتى لو لم ينجح مجلس النواب في اقرار موازنة وذلك بموجب «القاعدة الاثني عشرية»، ومن دون الحاجة الى موافقة برلمانية. اما في الولايات المتحدة، فيجبر الكونغرس الحكومة على الالتزام بموعد سنوي للانفاق يبدأ في الأول من تشرين الأول (اكتوبر) وينتهي في الثلاثين من أيلول (سبتمبر) من العام التالي. اما اذا فشل الكونغرس في المصادقة على القانون الذي يجيز الانفاق، يصبح متعذراً على الحكومة انفاق ولو دولار واحد، حتى لو كانت السيولة متوافرة لدى وزارة الخزانة.

العام الماضي، وبعد المواجهة السياسية بين الحزبين، الديموقراطي الذي يسيطر على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ، والجمهوري الذي يسيطر على مجلس النواب، والتي عرفت بمبارزة «حافة الانهيار»، اتفق الحزبان على اقتطاع نسبي من كمية الانفاق الحكومية من دون تمييز بين موازنة هذه الوكالة او تلك. وحددا سقف الانفاق الحكومي السنوي بـ 986 بليون دولار.

في أيلول الماضي، كان الكونغرس يستعد لتمديد الاتفاق على الانفاق بالسقف ذاته الذي تم تحديده العام الماضي. وأراد الديموقراطيون زيادة طفيفة تدفع بالسقف الى تريليون و65 بليوناً، الا انهم تراجعوا، ووافقوا على التصويت على تمديد اتفاق العام الماضي كما هو، في ما يعرف بـ «قرار متابعة» لقانون مسبق.

الا ان جزءاً من المتطرفين اليمينيين من اعضاء الكونغرس من الجمهوريين، والمعروفين بـ «حزب الشاي» والبالغ عددهم حوالى 50، قرروا اثارة زوبعة سياسية ضد «قانون الرعاية الصحية» الذي اقره أوباما عام 2010 والذي دخل حيز التنفيذ تزامناً مع موازنة 2013-2014 التي تبدأ في الأول من تشرين الأول، فعمدوا الى اخذ الموازنة المتفق عليها رهينة، والحقوا بـ «قرار المتابعة» المطلوب لتصديقها، تعديلات تنص على سحب التمويل من قانون الرعاية الصحية للقضاء عليه.

ولأن اي قرار يحتاج الى موافقة مجلس الشيوخ، ثم توقيع الرئيس ليصبح نافذاً، صوتت غالبية الشيوخ الديموقراطيين ضده واعادته الى الممثلين، وتمت اعادة الحركة نفسها ثلاث مرات، ليتوقف بعد ذلك ضجيج المشرعين الأميركيين ومساعديهم، وليفشل الكونغرس في اقرار قانون موازنة 2013 - 2014، فاضطرت الحكومة للتوقف عن الدفع باستثناء الموظفين «الأساسيين»، مثل القوى الأمنية والجيش، ولتسديد اي ديون مستحقة على الحكومة على شكل سندات خزينة.

على ان استطلاعات الرأي اظهرت ان غالبية الاميركيين تعارض اغلاق الحكومة، ما صار يعني ان الاستمرار في اغلاقها يؤثر سلباً على احتفاظ الجمهوريين بغالبيتهم في مجلس النواب في انتخابات العام المقبل. وأظهر استطلاع اجرته «بي بي بي» اليسارية ان الجمهوريين يخسرون 24 مقعداً لو تمت الانتخابات غداً، ما يعني انهم يخسرون غالبية 235 التي يتمتعون بها في مقابل 200 مقعد للديموقراطيين.

وفي خضم المعركة السياسية، برز استحقاق آخر يحتاج الى موافقة غالبية الكونغرس، وهو رفع سقف الاستدانة ليتعدى 16 ترليوناً و700 بليون المسموح بها حاليا، والتي تقول وزارة الخزانة انها ستنفذ في 17 من الشهر الجاري، ما يجبر الحكومة على التخلف عن اعادة تغذيته.

لكن الرئيس أوباما قال انه ليس مسؤلاً عن الدين العام لوحده، وان اعادة تغذيته مسؤولية الكونغرس الذي اقر عبر عقود موازنات وسمح بالاقتراض، وان التخلف يؤذي السمعة المالية للدولة وربما يؤدي الى خفض درجاتها الائتمانية. لذا، كرر انه غير مستعد لأي مفاوضات حول سقف الدين العام، وان على الكونغرس تسديد الديون التي راكمها على مدى عقود.

كذلك، رفض أوباما وحزبه، التفاوض على موازنة حدد الجمهوريون سقفها العام الماضي وتم الاتفاق عليها. وقال ان الجمهوريون كانوا يرغبون بالاطاحة بقانون الرعاية الصحية، فعليهم ان يفعلوا ذلك بفوزهم بغالبية ساحقة في الكونغرس، بمجلسيه، تسمح لهم بذلك، وبعيداً من المناورات السياسية والشعبوية في خطاباتهم للأنصار.


تلاعب بالحقائق

وفي الوقت ذاته، قدم الديموقراطيون أمثلة تظهر تلاعب الجمهوريين بالحقائق، فسقف الموازنة وضعه الجمهوريون وهم يحاولون نسفه وتحميل الديموقراطيين مسؤولية العرقلة. كذلك، قام رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر بتوجيه اللوم الى الديموقراطيين لابقائهم اعضاء الكونغرس والحكومة ومساعديهم خارج «قانون الرعاية الصحية»، فيما تبين فيما بعد ان ذلك من فعل باينر نفسه الذي كان يبعث رسائل الكترونية خاصة الى المساعدين يعدهم بتأمين خاص غير حكومي.

على ان باينر يمكنه انهاء اغلاق الحكومة، الذي دخل اسبوعه الثاني، ويمكنه كذلك رفع سقف الدين العام، فهناك 30 عضواً في الكونغرس من الجمهوريين ممن يعرفون بالمعتدلين، وهؤلاء مستعدون للانضمام الى 200 عضو ديموقراطي، فتتوافر الغالبية المطلوبة، اي 218 صوتاً. لكن التصويت مشروط بموافقة باينر عليه.

وهو يخشى، في حال استند الى اكثرية من اصوات الديموقراطيين لكسر ارادة غالبية حزبه، ان يواجه حينذاك ثورة داخلية تطيح به كرئيس للمجلس في حال حافظ حزبه على الغالبية في انتخابات 2014. وكان باينر صرح ان الغالبية غير متوافرة في الكونغرس للموافقة على فتح الحكومة ورفع سقف الدين العام، ليرد عليه أوباما بأن اكثرية الاصوات، والتي تمثل تقنياً غالبية الشعب الأميركي، متوافرة، لكن باينر لا يسمح باجراء التصويت لحسابات حزبية، اي ان المسؤول الجمهوري يضع مصلحة الحزب فوق مصلحة الشعب، وهذه ثغرة سمحت للديموقراطيين بمهاجمة الجمهوريين بضرواة على مدى الأيام الماضية.

كيف تنتهي أزمة اغلاق المؤسسات الحكومية؟ مازالت الخطوط بين الديموقراطيين والجمهوريين للتوصل الى تسوية مقطوعة، لكن الاتجاه الأبرز يدل على ان الجمهوريين يحاولون الآن الخروج من مأزقهم الذي ورطتهم فيه أقلية متطرفة وشعبوية، وهم ربما سيحاولون اخفاء موضوع الموازنة خلف موضوع رفع سقف الاستدانة من اجل التوصل الى تسوية تجمع الاثنين، وتسمح للجمهوريين بالخروج بتسوية تحفظ لهم بعض ماء الوجه
.

الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

واشنطن: نعتقد أن خامنئي لم يقرر بعدصنع قنبلة نووية لكنه إن فعل فسيحتاج إلى عام

| واشنطن - «الراي» |

اكدت وكيلة وزير الخارجية الاميركية ويندي شيرمان ان وزير الخارجية الاميركي جون كيري اوضح لنظيره الايراني محمد جواد ظريف في اجتماعهما في نيويورك «اننا نريد اتفاقا يحترم حقوق الشعب الايراني في استخدام سلمي للطاقة النووية، وان تؤكد ايران للعالم انها ستفي بمسؤولياتها تجاه اتفاقية حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل وقرارات مجلس الامن».
وقالت شيرمان في شهادة امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ امس ان «وزير الخارجية ظريف قدم مطالعة عميقة، وقدم فيها افكارا لكيف نتقدم، وقال لنا ان ايران لا تسعى لسلاح نووي، وقدم الاسباب لذلك، فردينا عليه ان كلماته وحدها مرحب بها، ولكنها غير كافية، وتحتاج الى افعال». 
وكشفت شيرمان انه من المقرر ان تقدم ايران خطة الى مجموعة دول خمس زائد واحد وايران في الاجتماع المقرر عقده في جنيف في 15 و16 من الشهر الجاري، وقالت: «نتطلع الى الحكومة الايرانية كي تترجم اقوالها الى افعال شفافة وذات معنى ويمكن التأكد منها، وكما قال الوزير (جون) كيري، لا اتفاق مع ايران افضل من اتفاق سيئ معها، لذا، هذا هو الوقت كي نرى ان كان يمكن البدء بمفاوضات يتولد عنها نتائج ايجابية».
وقالت شيرمان ان «الايرانيين قدموا مهلة عام لاتفاق نووي، الا ان الاميركيين قالوا انه يصعب، بسبب امور تقنية، تطبيق الاتفاق في اقل من عام، ما حدا بالايرانيين عند ذاك الى الرد بأنه يمكن التوصل الى اتفاق في مهلة ستة اشهر، وبعد ذلك يمكن التطبيق».
ويبدو ان الاختلاف في وجهات النظر بين المجتمع الدولي وايران صار يتمحور حول موعد رفع العقوبات الدولية. هل يتم رفعها على اثر التوصل الى اتفاق، وهو امر يسير وممكن التوصل اليه في اقل من ثلاثة اشهر؟ او يتم رفعها على اثر تطبيق الاتفاق النووي كاملا، وهو ما سيأخذ عاما على الاقل؟
وفي الاجابة عن اسئلة اعضاء اللجنة حول المدة الزمنية التي تحتاجها طهران لانتاج سلاح نووي، قالت شيرمان: «لا اريد ايران ان تعرف ما هو تقييمنا لكمية الوقت المطلوبة لهم لصناعة قنبلة نووية، لدينا بعض الوقت ولكن ليس لدينا الكثير من الوقت». 
لكن المسؤولة الاميركية تابعت انه «من الوقت الذي يقرر المرشد (الاعلى للثورة الايرانية علي خامنئي) البدء في صناعة سلاح نووي، ونعتقد انه لم يقرر ذلك بعد، سيأخذ ذلك عام»، لكنها اعتبرت ان «هناك عوامل كثيرة قد تغير هذه الحسابات، لذا اعتقد انه علينا ان نناقش ذلك في جلسة مغلقة».
شيرمان ابدت اعتقاد الادارة انه بسبب الخطاب الذي ادلى به رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو امام الجمعية العمومية للامم المتحدة، العام الماضي، وقال فيه ان كمية اليورانيوم الايراني المخصب بدرجة 20 في المئة يقترب كثيرا من مراحل صناعة القنبلة، قامت طهران بالتخلص من كميات اليورانيوم العالية التخصيب.
وقالت شيرمان: «ما فعله الايرانيون انهم بدأوا يؤكسدون اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة (عن طريق تحويله الى قضبان)، وهم حتى لو ارادوا اعادته الى حالة ما قبل الأكسدة من اجل زيادة نسبة تخصيب الى نسبة اعلى من 20 في المئة في طريقهم الى انتاج سلاح نووي، سيأخذهم ذلك وقتا اطول».
وتابعت شيرمان بالقول ان «الايرانيين اذكياء، واوقفوا ساعة التخصيب» على اثر تصريحات نتنياهو، لذا «الساعة معقدة»، وهناك عوامل عدة ثؤثر فيها، لذا تفضل المسؤولة الاميركية الحديث عنها في جلسة خلف ابواب موصدة. 
واظهرت تعليقات شيرمان انها تعتقد ان الايرانيين يتابعون كل جلسات الاستماع الاميركية: «قلت للايرانيين اني سأدلي بشهادة، وانهم سيسمعون مني اني سأقول ان الكلمات لا تكفي، وان عليهم الحضور الى جنيف مع خطة». 
وفي الاجابة حول سؤال ان كانت سلسلة عقوبات جديدة على ايران، تتم دراستها حاليا في الكونغرس، مفيدة في سياق المفاوضات، اجابت شيرمان: «نعتقد انه من المفيد تأجيل العقوبات الجديدة، وهم (الايرانيون) يسمعون، اذا ما جاء 15 اكتوبر وقدمت ايران تعهدات يمكن تأكيدها وخلق انطباع ان هناك واقعا ايجابيا، فلا حاجة لعقوبات جديدة، واذا لم يفعل الايرانيون ذلك، يقوم الكونغرس بفرض عقوبات جديدة، ونحن سنجشع الكونغرس على ذلك، والجميع سيكون مستعدا للمزيد من الخطوات».

مسؤول أميركي كبير لـ «الراي»: إيران وروسيا تتسابقان لإنجاز التسوية السورية معنا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لم يكد الرئيس الاميركي باراك أوباما يعلن قبوله الحلول الديبلوماسية بديلا من استخدامه القوة العسكرية في سورية، حتى ظهرت بسرعة تسويات مرتبطة بجداول زمنية محددة. روسيا حددت مهلة تسعة اشهر لإنجاز تسليم الرئيس السوري بشار الاسد ترسانته الكيماوية وتدميرها، ثم اطل الرئيس الايراني حسن روحاني ليعلن ان تسوية طهران مع الغرب حول ملفها النووي ستحدث في فترة زمنية تتراوح بين ثلاثة وستة اشهر. 
وقال مسؤول اميركي رفيع المستوى لـ «الراي»، مشترطا عدم ذكر اسمه، انه «كلما ازدادت مؤشرات امكانية حدوث انفتاح اميركي - ايراني، خصوصا لناحية اضافة كرسي لطهران على طاولة المفاوضات السورية في جنيف، رأينا الحاحا اكثر لدى الروس، لا لتأكيد تنفيذ اتفاقية كيري - لافروف حول نزع الاسلحة الكيماوية واصدارها بقرار في مجلس الامن، بل رأينا الروس يسعون الى توسيع الاتفاقية لتشمل حلا سياسيا متكاملا».
وفي الاتفاق الاولي بين واشنطن وموسكو، كان من المفروض ان يصدر قرار في مجلس الأمن ينحصر بموضوع تسليم الاسد ترسانته الكيماوية، لكن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اصر على اضافة «الحل السياسي» الى الموضوع الكيماوي، وهكذا، جعل من اتفاقية جنيف الاولى اساسا للتسوية السياسية التي تم تثبيتها في قرار مجلس الامن رقم 2118.
اما اهمية اتفاقية جنيف الاولى، حسب المسؤولين الاميركيين، «فهي انها تنص على انتقال الصلاحيات التنفيذية بالكامل من الاسد الى حكومة انتقالية، وهو ما يعني ضمنا انتهاء دور الاسد كرأس هرم السلطة التنفيذية في سورية، اي خروجه منها».
ورغم ان القرار 2118 تضمن ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجوم الكيماوي في 21 اغسطس في ضواحي دمشق، الا انه اشار الى محاسبة «الافراد»، ما يقطع الصلة بين الرئيس والمرؤوس ويستثني المسؤولين ومن بينهم الاسد وكبار مساعديه، حتى لو كانوا هم من اصدر الامر بالهجوم، حسب المسؤول الاميركي. 
اما اصرار روسيا على استثناء «رؤساء الدول» من المحاسبة فلم يكن المرة الاولى، فقد سبق لموسكو ان اصرت على استثناء الاسد في قرار انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الصادر عن مجلس الأمن في العام 2007 تحت رقم 1757. ويعتقد عدد من المسؤولين الاميركيين ان سبب اصرار روسيا على الاستثناء لا يتعلق بسورية او بالاسد، بل برؤية الروس للامم المتحدة واعتقادهم ان لا دور لها في محاسبة رؤساء الدول.
اما لماذا اصرت موسكو على عدم اصدار القرار 2118 تحت الفصل السابع من ميثاق المنظمة، والذي يجيز استخدام القوة؟ يعتقد المسؤول الاميركي ان احد اسباب رفض لافروف سببه ان «الروس يدركون انه ان اصبحت الامور حول مصير الاسد تلقائية في المحافل الدولية، فان روسيا تخسر اداة اساسية في تأثيرها في قرار الاسد، الذي سيرتمي حينذاك تماما في احضان الايرانيين ويذهب في مواجهة لا مخرج له منها».
وقال المسؤول الاميركي ان «روسيا لا تريد ان تصبح سورية تحت نفوذ الولايات المتحدة او حلفائها في المنطقة، ولكنها لا تريد في الوقت نفسه ان تصبح سورية محافظة ايرانية».
اما مهلة التسعة اشهر، فهي المدة الزمنية المطلوبة التي اتفق عليها الخبراء الاميركيون والروس للتخلص من ترسانة الاسد الكيماوية. ويعقتد الخبراء انه من اصل الف طن مواد كيماوية سورية، 700 منها غير ممزوجة، اي انها في حالتها الطبيعية ويمكن التخلص منها بسهولة. كذلك، يمكن للأسد التسليم، وبسرعة، للادوات التي يستخدمها جنوده لقياس ومزج المواد الكيماوية ووضعها في رؤوس القذائف المدفعية او الصواريخ التي ينوي استخدامها كيماويا.
ويتابع المسؤول الاميركي ان بلاده «لمست اصرارا جديا من الروس بالتزام مهلة التسعة اشهر لتسليم وتدمير ترسانة الاسد النووية، وحتى الساعة، شهدنا التزاما منهم ومن الاسد في تسليم بيانات المواد الكيماوية في الموعد المحدد وفي السماح للمفتشين بدخول سورية على وجه السرعة، على عكس في المرات الماضية». 
في اثناء العمل على التخلص من ترسانة الاسد الكيماوية، يأمل الروس في عقد مؤتمر في جنيف بحضور الفصائل السورية المختلفة ورعاية دولية من اجل التوصل الى حل سياسي، حسب المسؤول الاميركي.
ويبدو ان ايران، التي حاول وفدها اثناء المفاوضات النووية مع مجموعة دول خمس زائد واحد اثارة الموضوع السوري على مدى السنتين الماضيتين، من دون ان يلقى ردة فعل ايجابية، ادركت ان التسوية الروسية - الاميركية يمكن ان تنجح في سورية من دون ايران، ما يقلص من فرص ايران في الابقاء على نفوذ لها في سورية في مرحلة ما بعد الاسد.
هكذا، قررت طهران التسريع في التوصل الى تسوية تسمح لها «ببناء الثقة» من اجل الانتقال الى التعاون في امور اخرى مثل سورية، على حد قول الرئيس باراك أوباما.
ولم تكد ايران تشهر جديتها في التوصل الى تسوية نووية من اجل مشاركتها في مؤتمر جنيف حول سورية، حتى اعلن المسؤولون الروس ان نظام الاسد لا يمانع مشاركة فصائل مسلحة في مؤتمر جنيف. وان ثبتت نية نظام الاسد الحوار مع المعارضة المسلحة، يكون سجل تراجعا عن موقفه السابق المتمسك بشرط مشاركة ما يسمى «معارضة الداخل» حصرا في مؤتمر جنيف.
«هو نوع من السباق على التسوية في سورية وعلى تثبيت النفوذ في مرحلة ما بعد التسوية»، يقول مسؤولون اميركيون، وهو ما يجعل من فرص التوصل الى تسوية اكبر». اما خيارات الاسد، «فهو لا يمكنه التخلي عن القوة التي تحميه دوليا»، اي روسيا، «ولا عن القوة التي تدعمه على الارض بتقديمها المال والسلاح والمقاتلين».
لكن ماذا يحدث عندما تدخل القوتان الداعمتان له في مبارزة لإثبات حسن النوايا لواشنطن وللسباق من اجل التوصل الى تسوية مع اميركا تسمح لأي منهما الانفراد في بسط نفوذهما على سورية في مرحلة ما بعد الأسد؟

Since December 2008