الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

لندن تدير حواراً غير مباشر بين واشنطن و«حزب الله»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بدأ الحوار بين واشنطن و«حزب الله» اللبناني، وان بشكل غير مباشر. فمكافحة ارهاب «القاعدة»، والاستقرار الامني، واجراء مناقصات من اجل منح تراخيص لمسح واستخراج الغاز في المياه اللبنانية مع ما يحتاج ذلك من تشكيل حكومة، وتأمين جلسة انتخاب هادئة لخلف الرئيس اللبناني ميشال سليمان العام المقبل، كلها نقاط تتلاقى فيها واشنطن تماما مع «حزب الله» اللبناني. وباستثناء مشاركة الحزب في الاعمال القتالية في سورية، وفي ظل التقارب الاميركي - الايراني، يبدو الحوار بين اميركا و«حزب الله» نتيجة متوقعة لمسار الامور.
في هذا السياق، قالت مصادر ديبلوماسية رفيعة ان ديبلوماسيين بريطانيين يعقدون جلسات «تبادل آراء» مع قياديين في «حزب الله»، وان البريطانيين ينقلون فحوى هذه اللقاءات الى نظرائهم الاميركيين ويعملون على انشاء قناة تواصل غير مباشر بين الحزب اللبناني وواشنطن.
وكانت العلاقة بين ايران وبريطانيا تدهورت الى ادنى مستوياتها في نوفمبر 2011 عندما اقتحم ايرانيون السفارة البريطانية في طهران، لتعود المياه الى مجاريها في 11 من الشهر الجاري، عندما اعلنت المملكة المتحدة تعيين قائم بالاعمال غير مقيم لها في ايران. والاسبوع الماضي، تحادث رئيس حكومة بريطانيا ديفيد كاميرون والرئيس الايراني حسن روحاني في مكالمة هاتفية كانت الاولى من نوعها منذ العام 2003.
وفي موازاة تحسن العلاقات البريطانية - الايرانية، باشرت لندن منذ فترة على اعادة فتح قنوات، لم تغلقها كليا في الماضي، مع «حزب الله» في بيروت. 
وتقول المصادر الديبلوماسية في العاصمة الاميركية ان الحوار المذكور «يهدف الى مواكبة التغيرات في المنطقة والعالم، والعودة المرتقبة لايران الى المجتمع الدولي»، وان لا جدول اعمال محددا حتى الآن، بل «تعزيز اواصر العلاقة مع الجناح السياسي للحزب، وتبادل لوجهات النظر حول قضايا لبنان وسورية والمنطقة عموما».
وتضيف المصادر انه بسبب انقطاع العلاقة بالكامل بين «حزب الله» والمسؤولين الاميركيين، الذين تضع بلادهم الحزب على لائحة التنظيمات الارهابية وترفض التمييز بين جناحيه السياسي والعسكري على عكس البريطانيين، فانه «لا يمكن قانونا للمسؤولين الاميركيين اجراء اي حوارات مباشرة مع اي عضو في هذا الحزب».
لكن البريطانيين، حسب المصادر، يبلغون واشنطن بفحوى حواراتهم، فيما يبدي الاميركيون استعدادا لسماع وجهات نظر الحزب والعمل على «تسخين العلاقة المباشرة معه مستقبلا».
وتشترط اي علاقة مباشرة بين واشنطن و«حزب الله» رفع الاولى الاخير عن لائحة التنظيمات الارهابية، وهو امر ممكن ولا يتطلب اكثر من مذكرة يعممها وزير الخارجية جون كيري. 
وكانت مؤسسات اعلامية اميركية مغمورة نقلت عن مسؤولين في تحالف «14 مارس» قولهم ان لقاءات تعقد بين مسؤولين اميركيين و«حزب الله»، الا ان الاوساط الاميركية نفت اي لقاءات من هذا النوع نفيا كاملا، وقالت ان لقاءات كهذه تعرّض اي مسؤول يشارك بها الى ملاحقة قانونية في الولايات المتحدة.
وكانت ادارة الرئيس جورج بوش عرضت علنا، في العام 2005، الانفتاح على الحزب ورفعه عن لائحة الارهاب، على شرط «اعلان رفضه للعنف»، وهو ما اعتبره الحزب آنذاك شرطا غير مقبول.
لكن التغييرات في علاقات ايران مع اميركا وبريطانيا والغرب عموما قد تغير من قواعد اللعبة، حسب المصادر الديبلوماسية في واشنطن.
وكانت ادارة الرئيس باراك أوباما وجدت نفسها «على نفس الضفة السياسية» مع الحزب في عدد من الاحداث الماضية. ففي اثناء المواجهات في مدينة صيدا الجنوبية في يونيو الماضي بين «الجيش اللبناني» و«حزب الله»، من جهة، والمجموعة المسلحة التي كان يقودها الشيخ احمد الأسير، اعلنت واشنطن تأييدها للجيش، وضمنيا لموقف «حزب الله»، رغم ان لا الاسير ولا مجموعته كانا على اللائحة الاميركية للتنظيمات الارهابية.
وفي التفجيرات التي طالت مناطق تسكنها غالبية مؤيدة للحزب، بما فيها التفجير الانتحاري الذي استهدف السفارة الايرانية في بيروت الاسبوع الماضي، عمدت واشنطن الى ادانة التفجيرات من دون تحميل الحزب مسؤولية التفجيرات بسبب مشاركة مناصريه في الاعمال القتالية في سورية، على غرار ما فعل بعض السياسيين اللبنانيين، خصوصا من تحالف «14 مارس».

متى ستعيد واشنطن افتتاح سفارتها في طهران؟

حسين عبدالحسين

عمد الفريق الأميركي المتابع للمفاوضات النووية مع إيران إلى القول للصحافيين في واشنطن، أثناء الجلسات العديدة المغلقة التي عقدها على مدى الأيام الماضية، إن الرئيس باراك أوباما أشرف شخصياً ووافق على النص النهائي للاتفاقية المؤقتة مع طهران.

طبعاً فات مساعدو الرئيس الأميركي القول إن واشنطن كانت وافقت على نص مغاير تماما في جولة 7 تشرين الثاني الماضية، وإنه لولا الإصرار الفرنسي، لما تراجعت إيران وقبلت باتفاقية تحصر تقريباً كل نشاطها النووي بمنشأة نطنز، وبتعليق شبه كامل للعمل في فوردو، وبوقف بناء مفاعل آراك.

التباين في النصين وقبول واشنطن بهما قد يشي بأن أميركا لا تكترث كثيراً للتفاصيل النووية أبعد من الإيحاء علناً بأن برنامج إيران النووي قد تم تجميده. أما سراً، فإن القنوات المتعددة بين واشنطن وطهران هي الضمانة، وهي التي ساهمت في التوصل الى تسوية، بدلاً من ان يؤدي العداء التاريخي بين البلدين الى عرقلتها.

الثقة المفقودة بين اميركا وايران منذ 34 عاماً، والتي يتحدث عنها أوباما دوماً، يبدو أنها لم تعد مفقودة، فالكثير تغير منذ اندلاع الثورة الايرانية وحتى اليوم: انهار الاتحاد السوفياتي، انتهت الحرب الباردة، وتحول النفط الى سلعة دولية من مصلحة الجميع - مصدرين ومستوردين - تدفقها إلى السوق. هذا التغيير، الذي طال أوجهاً عديدة من السياسة الخارجية الاميركية، لم يشمل علاقتها مع ايران طوال سنوات قبل أن يتبدل أخيراً.

لعل حلفاء اميركا الذين ينتابهم الخوف من ايران الاسلامية هم من ساهموا في ابقاء واشنطن متحفزة ومعادية لطهران. وكلما زادت حدة الخطاب الاميركي تجاه ايران، كلما خاف النظام الايراني من امكانية اقدام واشنطن على قلبه، فيما لم تسعف حربا العراق وافغانستان، وفي وقت لاحق ليبيا، في التخفيف من مخاوف حكام ايران من النوايا الاميركية والغربية ضد بعض الانظمة حول العالم.

لكن باراك أوباما وصل الى الرئاسة بتبنيه افكارأ في السياسة الخارجية هي بمثابة النقيض للافكار التي كانت سائدة حتى العام 2008.

قبل انتخاب أوباما رئيساً بأسابيع قليلة، بدأ السيناتور الجمهوري الذي كان أعلن نيته التقاعد وعدم خوضه اي انتخابات مقبلة جولة لتسويق كتاب مذكراته. ذلك السيناتور، تشاك هايغل، كان صديقاً مقرباً للسيناتور أوباما المرشح الرئاسي، ولا سيّما أثناء خدمة الاثنين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ. هايغل، وهو مقاتل سابق في فيتنام، جمع لنفسه ثروة بتأسيسه شركة اتصالات في الصين الشيوعية التي كانت اميركا انفتحت عليها في النصف الأول من السبعينات. 

لم تتحول اميركا والصين الى افضل الاصدقاء دولياً، بل كللت المنافسة خطابيهما، واستمرت الهجمات الكلامية الصينية الشيوعية ضد أميركا ورأسماليتها. لكن ذلك لم يمنع البلدين من التحول إلى أكبر شريكين في التجارة العالمية، وهو ما قلّص من مخاطر الحرب بينهما، وسمح للاقتصاد الاميركي والشركات الاميركية بالاستفادة من الانفتاح، حسب رأي هيغل الذي كان يسوق كتابه حينها.

فكرة هايغل حول ايران هي التي تبناها أوباما، واضافها الى خطته لانهاء حربي العراق وافغانستان. صحيح ان وعد أوباما بإرسال وزيري خارجيته ودفاعه الى طهران لم يتبلور بعد، ولكن الفكرة لم تعد بعيدة، وفي اروقة القرار الاميركي حديث، وإن همساً، عن اختيار الحي الذي ستعيد واشنطن افتتاح سفارتها فيه في طهران وعن التأثير الاقتصادي الايجابي للانفتاح على ايران.

في الجلسات المغلقة، لا شعور أميركياً بالذنب تجاه الحلفاء. أميركا كانت حليفة اسرائيل والسعودية وايران وتركيا في الوقت نفسه حتى العام 1979، على الرغم من أن العلاقة بين هذه القوى تتقلب، منذ عقود، بين العداء والجفاء والصداقة. 

حتى ذلك التاريخ، كان في مصلحة اميركا إبقاء الخلافات بين هذه الدول مضبوطة خوفاً من تسلل الشيوعية الى إحدها. اليوم، لا سبب يوجب على واشنطن تنظيم العلاقات بين هذه الدول.

إذاً أميركا لن تتدخل بعد الآن في صراعات الشرق الأوسط أو صداقاته، بل ستحافظ على علاقات ثنائية جيدة مع كل بلدانه بما يخدم مصلحتها المباشرة، وتحمي الأنظمة الصديقة من "أي خطر داهم".

أما هذا النوع من المخاطر فيتلخص بالأسلحة النووية والكيماوية، فإن تم سحبها، فلا ضرورة لاستخدام القوة العسكرية الاميركية. وما يرسخ من "عقيدة أوباما" هذه، هو التأييد الشعبي الساحق الذي تحوزه من الرأي العام الأميركي، ومن الحزبين.

في العلاقة مع ايران، ربما لم تكن أميركا تنتظر انتخاب حسن روحاني رئيساً، بل كانت تنتظر إعادة انتخاب أوباما، فهو في ولايته الثانية، شبه محصن في قراراته.

كذلك، ستمنح السنوات الثلاثة المتبقية في ولاية الرئيس الأميركي المدة الزمنية الكافية لبناء علاقة وثيقة مع إيران، فالرئيس يملك صلاحيات مطلقة في رفع كل العقوبات عن إيران بمراسيم تنفيذية يجددها سنوياً، حتى لو اعترض الكونغرس أو أقر عقوبات جديدة.

يبدو أن إيران كانت أول من فهم التغيير الاميركي الذي فرضته حربان مكلفتان. نظام إيران لا يخشى بعد الآن على وجوده وبقائه، ما يعني ان حاجته للسلاح النووي تلاشت، وما يعني ان الوقت حان للتفاوض حول هذا البرنامج والخروج بأكبر قدر ممكن من التسويات الاميركية والدولية مقابل التخلي عنه.

اسرائيل ستعترض. فهي تعترض أصلاً على معظم القرارات الأميركية إن كانت مبادرات سلام مع العرب، أو بيع سلاح أميركي نوعي للسعودية، أو حتى الإطاحة بأنظمة عربية صديقة أو عدوة تساهم في تثبيت أمن حدودها مع اسرائيل. ثم إن الاعتراض الاسرائيلي يسهل من تسويق الاتفاقية داخل ايران، حسب بعض المسؤولين الاميركيين.

ومع العلاقة الاميركية - الايرانية، يصبح ممكناً الحديث عن مصالح مشتركة اخرى، مثلاً في سوريا، وهذه فكرة وردت صراحة على لسان أكبر مسؤولي الخارجية في الجلسات المغلقة، على الرغم من أن هؤلاء يرددون في العلن إنه لا يمكنهم التكهن بانعكاس تقاربهم مع إيران على الأزمة السورية.

ختاماً، ستساهم الصداقة الاميركية الايرانية بعودة تدفق النفط الايراني، وتالياً تخفيض سعر النفط عالمياً، وهو ما يقلص من العجز التجاري الاميركي ويساهم في زيادة النمو الاقتصادي. كذلك، تقدم إيران، الثابتة أمنياً بسبب نظامها، فرصاً ممتازة للاستثمارات الخارجية، ومنها الأميركية.

كل هذه الأفكار تدور في أروقة القرار الأميركية منذ صيف العام 2008. اليوم، خريف العام 2013، بدأت بوادرها تلوح، وربما مع حلول الصيف المقبل، تتبلور نتائجها، أو هكذا يعتقد أوباما والمسؤولون في إدارته.

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

ذعر الأقليات العرقية والدينية

جريدة النهار

للأقليات العرقية والدينية أنماط متشابهة في السلوك السياسي، فهي تختصر تاريخها بمحطات مجيدة وغالبا متخيلة، وتنصّب اميراً او اكثر في التاريخ وتنسج لهم سيرة تقارب القداسة. وغالبا ما تصور الاقليات نفسها موضع هجوم من مجموعات سكانية اخرى تعتبرها ادنى منها حضاريا، كما تعتبر الاقليات ان تزايد أعداد الآخرين هو بمثابة تهديد وجودي لها.
التغيير الديموغرافي غالبا ما يكون حتميا ويصعب وقفه او عكسه، وهو يؤدي الى استبدال نفوذ الاقلية المتهالكة بنفوذ أكثرية صاعدة، ما يدفع الاقلية الى محاولة ابعاد الكأس المرّة عنها، فتتمسك بماضيها، وتحاول اعادة احيائه على شكل حاضر لا يتسع للقادمين الجدد، وهنا ينشأ صراع بين مجموعتين: الاكثرية السابقة والاكثرية الحالية. اما التمسك بالماضي فهو الذي يجعل من غالبية الاقليات يمينية محافظة سياسيا، ويجعل من المجموعات المتكاثرة والمطالبة بالتغيير يسارية حكما.
في الولايات المتحدة، تشير الاحصاءات السكانية التي تجرى كل عقد الى حتمية خسارة البيض اكثريتهم السكانية التي تمتعوا بها على مدى القرنين الماضيين. اما المجموعات الاميركية الصاعدة فهي التي تنحدر من جذور اميركية لاتينية وشرق آسيوية.
وما يقلق غالبية بيض اميركا هو ان انحسار نسبتهم سكانيا بدأت تؤثر سلبا في وزنهم الانتخابي، وتاليا السياسي، وهو ما اجبرهم على الانقسام الى مجموعتين. الاولى، وهي "الاستابلشمنت" في الحزب الجمهوري، تعتقد ان على الحزب ان يواكب التغيير ويفتح ذراعيه للمجموعات العرقية والدينية المختلفة، كما عليه ان يتبنى التغيرات المجتمعية مثل قبول حقوق المثليين والاجهاض.
اما المجموعة الثانية، المعروفة بتيار "حزب الشاي"، فترى ان الحل يكمن بالمزيد من التشدد، والحد من الهجرة الوافدة، وفرض قوانين صارمة على كيفية التصويت الانتخابي لعرقلة الكتل الناخبة من غير البيض، ووقف التمويل الحكومي للفقراء وللتعليم الرسمي، والالتزام بتطبيق "التقاليد اليهو- مسيحية" مثل فرض الصلاة الصباحية في المدارس الحكومية.
المشكلة ان انصار "حزب الشاي" هم عادة اكثر عقائدية ونشاطا ومشاركة في الانتخابات الحزبية، وهو ما يعطيهم حجما اكبر بكثير من الواقع. هذا الحجم يفرض على كل المرشحين الحزبيين الجنوح يمينا للفوز بترشيح حزبهم، ما يقلص من حظوظهم في الانتخابات العامة حيث الوسطية هي الغالبة.
لهذا السبب، يحافظ الحزب الجمهوري على غالبية مجلس النواب في الكونغرس، حيث الدوائر فردية وصغرى، ويتعثر في انتخابات مجلس الشيوخ التي تجري على مستوى ولاية، كما يتعثر في انتخابات الرئاسة التي تجري على مستوى البلاد. وكانت انتخابات 2012 شهدت حصول الديموقراطيين على اجمالي اصوات اكثر، لكن ذلك لم يمنحهم غالبية مجلس النواب في الكونغرس بسبب القانون الانتخابي.
على ان "الاستابلشمنت" الجمهوري يبدو ان كيله طفح من الاقلية المتطرفة، التي كادت تطيح بالاقتصاد الاميركي لولا استدارة الربع ساعة الاخيرة التي قام بها رئيس الكونغرس جون باينر، ابن الاستابلشمنت، الذي اتكأ الى اصوات الديموقراطيين لرفع سقف الاستدانة، وهو ما قد يكلفه منصبه، لكن باينر اثبت ان حفاظه على المصلحة الاميركية يأتي قبل حزبيته وحسابات بقائه في السلطة.
ذعر الاقلية الاميركية يتطابق مع ذعر الاقليات في دول اخرى، منها لبنان، مع فارق ضعف الاستابلشمنت وغياب شبيه لباينر بين مسيحيي لبنان.
اما اوجه الشبه بين الاقليتين فكثيرة، فمثلما تمجد الاقلية الاميركية البيضاء معركة الاستقلال (التي كانت شرارتها رمي الثوار لاكياس الشاي في مرفأ بوسطن في ما عرف بحفلة الشاي)، وتمجد ابا الاستقلال والرئيس الاول جورج واشنطن، والرئيس الراحل رونالد ريغان، وعقدي الخمسينات والثمانينات عندما شهدت البلاد طفرة بين الطبقة المتوسطة البيضاء وازدهار الضواحي اقتصاديا وسيطرة الجمهوريين سياسيا، كذلك تمجد الاقلية المسيحية اللبنانية الرئيس الرحل فؤاد شهاب كأب "لمؤسسات" الدولة، وبشير الجميل ومجتمعه ذا النقاء المسيحي الذي استمر حتى مطلع التسعينات.
وكما تبدي الاقلية الاميركية البيضاء تخوفا من المجموعات الاخرى، وخصوصا طرق معيشتها وثقافاتها، كذلك يخشى مسيحيو لبنان من المسلمين، تكفيريين ام على مذهب ولاية الفقيه، ومما يعتقدونه اسلوبهم المختلف في الحياة.
والخوف المجتمعي يفتح باب الشعبوية، فحزب الشاي يرى الوطن الاميركي ابيض خالصا على شاكلته ويتمسك بوطنية غامضة معانيها. كذلك عدد لا بأس به من مسيحيي لبنان يتمسك بطقوس مثل الارزة و10452 كلم2، مع غياب كامل لاي رؤية واضحة لمفهوم الوطن، ودور الدولة، وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، ومبادئ تداول السلطة (حتى الحزبية) وحكم القانون والحرية الفردية، والمبادئ الاخيرة ضرورية لمصلحة الاقليات قبل غيرها.
كذلك يبدو الانعزال المجتمعي فكرة مقبولة لدى الاقليات، فحزب الشاي هو وريث الكونفدراليين المهزومين في الحرب الاهلية، ومعظم مناصريه ما زالوا يكنون افكارا انفصالية، او على الاقل يطمحون لتقليص دور الحكومة المركزية واعطاء دور اكبر لحكومات الولايات، والفكرة نفسها رائجة لدى كثيرين من مسيحيي لبنان الذين يغازلون باستمرار افكارا تقسيمية تراوح بين الفيديرالية والكونفيديرالية.
ان النتائج السياسية لذعر الاقليات هي نفسها، فمثلما يسيطر الجمهوريون على دوائر انتخابية صغيرة، كذلك الاقلية المسيحية اللبنانية تكتسح انتخابيا في اقضية مثل كسروان والمتن، ولكنها تعاني على مستوى لبنان ككل، مع انحدار سكاني يشير الى المزيد من التناقص في الوزن السياسي، ما يدفع الى توتر داخل المجموعة المسيحية التي تنقسم بين ضرورة الانفتاح المحدود على الآخرين، واخرى ترى في الدوائر المسيحية الخالصة مهمة اسهل انتخابيا، يكفيها خطاب شعبوي، ولا تتطلب تواصلا مع الآخرين.
ذعر الاقليات المختلفة ينتج سياسات متشابهة. اما الحل الامثل فقد يكون بضرورة الانفتاح ومواكبة التغيير، فالذي لا يتغير يموت، او هكذا يعلمنا المبدأ الدارويني الشهير.

الأحد، 24 نوفمبر، 2013

الاتفاق الإيراني - الغربي بـ «الشروط الفرنسية» وبيرنز أدار قناة خلفية مع طهران أتاحت التوصل إليه

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يقول الاعلاميون العائدون من جنيف انه ابان مغادرته فندق «انتركونتيننتال» حيث كانت تجري المفاوضات، نظر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس نحوهم ورفع ابهامه في اشارة الى التوصل الى اتفاق بين مجموعة دول خمس زائد واحد وايران حول ملفها النووي. 
بعدها بقليل، وكانت الساعة قد اصبحت الثالثة بعد منتصف الليل بتوقيت جنيف، خرج المجتمعون ليعلنوا اتفاقهم امام العالم، الذي جاء مطابقا للشروط الفرنسية كما اوردتها «الراي» قبل ايام: اغلاق مفاعل آراك، وشبه تعطيل لمنشأة فوردو، واكسدة كل مخزون ايران من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة، وحصر التخصيب الايراني بمنشأة ناتانز وبنسبة لا تتعدى الخمسة في المئة، والسماح للمفتشين الدوليين بمراقبة النشاطات الايرانية النووية عن كثب ويوميا.
في المقابل، تحصل ايران على قرابة 10 مليارات دولار، منها 4.2 مليار فورا من عائداتها النفطية المجمدة في بنوك دولية، والباقي على شكل مبيعات ذهب وبتروكيماويات. 
وكان البيت الابيض توقع ان تبلغ العائدات الايرانية من التعليق المحدود للعقوبات 7 مليار دولار، فيما سبق ان قدرت مستشارة الامن القومي سوزان رايس الرقم بنحو 10 مليارات. اما اصدقاء اسرائيل في واشنطن، فيقدرون العائدات الايرانية من الاتفاقية المؤقتة بين 20 و50 مليارا.
الرئيس باراك أوباما لم ينتظر عودة واشنطن الباردة من عطلة نهاية الاسبوع، فجمع الصحافيين في العاشرة والنصف مساء في غرفة الطعام في البيت الابيض، وكشف ضمنا ان قناة سرية بين الاميركيين والايرانيين ساهمت في التوصل الى الاتفاقية. 
خلف أوباما وقف رئيس موظفيه دينيس ماكدنو بحذاء رياضي وثياب غير رسمية وكأنه كان تم استدعاؤه على عجل لترتيب المؤتمر الصحافي.
وقال الرئيس الاميركي: «لقد لجأنا الى ديبلوماسية مكثفة ثنائية مع الايرانيين، وبالاشتراك مع شركائنا في مجموعة دول خمس زائد واحد»، في وقت كشفت مصادر في واشنطن ان وكيل وزير الخارجية وليام بيرنز يقود قناة خلفية مع الايرانيين منذ انتخاب حسن روحاني رئيسا في يونيو. 
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» اول من لفت الى وجود هذه القناة قبل اشهر، وتلاها امس موقع «آل مونيتور»، الذي نقل عن مسؤولين اميركيين قولهم ان بيرنز هو الذي رتب اجتماع وزيري الخارجية جون كيري ومحمد جواد ظريف الاول في نيويورك في سبتمبر الماضي، وهو الذي رتب مكالمة أوباما - روحاني، وهو كان يحضر دوما الى جنيف سرا، ويقيم في فندق غير الذي تنزل فيه الوفود المشاركة. ونقل الموقع ان بيرنز اقام قناة خلفية مع الايرانيين بمساعدة مسؤول الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي بانيت تالوار، الذي لمحه صحافيون اكثر من مرة في محيط فندق «انتركونتيننتال». 
يذكر ان اسم بيرنز لم يرد ولا مرة في البيانات التي اصدرتها وزارة الخارجية حول اسماء الوفد الاميركي الذي شارك في جولتين من المفاوضات في جنيف.
في الساعت الاخيرة قبل ابرام الاتفاق، كانت المصادر الاميركية تقول ان الوفد الايراني برئاسة ظريف اصر على ان يتضمن بيان الاتفاق عبارة تشير الى «حق الامة الايرانية» في تخصيب اليورانيوم، لكن القوى الدولية رفضت هذا المطلب، واعتبرت ان في الموافقة على التخصيب بنسبة 5 في المئة اعترافاً دولياً ضمنياً بهذا الحق. 
وتقول المصادر الاميركية ان كيري وعد الايرانيين بالحديث عن حقهم في التخصيب في التصريحات الاميركية، بما يكفل هذا الحق وان من دون نص، وهو ما يبدو ان أوباما تطرق اليه في خطابه المسائي.
واوضح أوباما: «في الاشهر الستة المقبلة. سنعمل من اجل التوصل الى حل شامل، وسوف نقارب هذه المفاوضات من مفهوم اساسي هو ان ايران، مثل اي دولة، يجب ان تصل الى طاقة نووية سلمية، ولكن بسبب تاريخها في تجاوز التزاماتها، على ايران ان تقبل شروطا مشددة على برنامجها النووي بطريقة تجعل من المستحيل تطوير سلاح نووي». واضاف أوباما ان الكرة في ملعب ايران كي «تبرهن للعالم ان برنامجها النووي سيكون لغايات سلمية حصرا»، معتبرا انه «في حال تلقفت ايران هذه الفرصة، سيستفيد الشعب الايراني من اعادة الانضمام الى المجتمع الدولي، ويمكننا التخلص من انعدام الثقة بين دولتينا، وهو ما سيعطي ايران الفرصة من اجل البدء من جديد في اقامة علاقات مع العالم». 
وكرر أوباما تعبير روحاني في الامم المتحدة في اشارته الى ان العلاقات الاميركية - الايرانية الجديدة ستكون «مبنية على الاحترام المتبادل».
وختم بالقول: «في وقت سنمضي قدما (في المفاوضات مع ايران)، ستقف الولايات المتحدة بحزم، وكذلك ستكون التزاماتنا لاصدقائنا وحلفائنا بمن في ذلك حلفاؤنا في الخليج، الذين لديهم اسباب موجبة للتشكيك في نوايا ايران». وفي البيت الابيض، وزع المسؤولون بيانا حول ما ورد في اتفاق جنيف من ان ايران التزمت بوقف اي تخصيب يتعدى الخمسة في المئة، وانها التزمت ابطال مفعول مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة في فترة الستة اشهر المقبلة، وان ايران وافقت على «وقف تقدمها لناحية مقدرتها على التخصيب» وذلك بعدم اضافتها طرود مركزية من اي نوع، وعدم استخدامها اي طرود من الجيل الثاني في التخصيب، وعدم تشغيل نصف الطرود في ناتانز، وعدم تشغيل ثلاثة ارباع الطرود في فوردو.
واضاف البيان ان ايران تلتزم انتاج طرودا مركزية جديدة فقط لاستبدال اي طرود ممكن ان تتعطل، وانها وافقت على عدم بناء اي منشآت تخصيب جديدة. واضاف البيان ان ايران وافقت على عدم زيادة مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة في فترة الاشهر الستة، واكسدة اي مخزون جديد.
عن مفاعل «آراك»، يقول البيان ان ايران التزمت عدم تشغيله، وعدم تزويده بالوقود، ووقف انتاج الوقود للمفاعل، وعدم اجراء اختبارات على الوقود، وعدم اضافة اي اقسام الى المفاعل، وعدم نقل اي وقود ومياه ثقيلة اليه، وعدم تشييد اي منشأة قادرة على اعادة التكرير، التي من دونها لا يمكن لايران فصل البلوتونيوم عن الوقود المستهلك.
وختم البيان ان طهران وافقت على زيارات يومية للمفتشين الدوليين لمفاعلي ناتانز وفوردو، ونصب كاميرات مراقبة، ومراقبة معامل انتاج الطرود المركزية واماكن تخزينها، والكشف عن خريطة تصميم مفاعل آراك للمرة الاولى منذ انشائه، والسماح «بالتفتيش بوتيرة اكبر لمفاعل آراك»، وتطبيق البروتوكول الاضافي من معاهدة حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل.







خبراء أميركيون: مخاوف خليجية من انسحاب أميركي من المنطقة

| واشنطن - «الراي» |

لم تكد الانباء حول امكانية التوصل الى اتفاقية اولية بين مجموعة دول خمس زائد واحد وايران تصل واشنطن حتى انكب المراقبون على محاولة تقديم سيناريوات لتأثيرها على الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط، وخصوصا في سورية، وعلى سياسات وتصرفات حلفاء اميركا مثل السعودية واسرائيل.
في هذا السياق، يقول الخبير اليميني الرصين والتر راسل ميد ان «السؤال التالي» لتوقيع الاتفاقية هو «هل يدفع خوف السعودية وكرهها لايران، فضلا عن غضبها ضد الولايات المتحدة، الى تقاربها مع قطر من اجل دمج القوات السنية في تنظيم واحد فعّال في الحرب السورية؟»
ويجيب ميد انه اذا لم تنجح السعودية وقطر بتوحيد جهودهما في سورية، «توقعوا ان يستمر تحسن اداء (قوات الرئيس السوري بشار) الاسد، خصوصا بالنظر الى ان اتفاقية نووية موقتة ستمنح ايران المزيد من الاموال»، التي يمكنها ان تنفقها من اجل انقاذ حليفها في دمشق.
تعليقات ميد تأتي وسط تقارير بلغت واشنطن مفادها ان المجموعات الاسلامية المقاتلة في سورية تعمل على انشاء جبهة موحدة لاستعادة الاراضي التي خسرتها امام قوات الاسد على مدى السنة الماضية. وتتضمن هذه الجبهة الفصائل التالية: «جيش الاسلام، واحرار الشام، وصقور الشام، ولواء الحق، ولواء التوحيد، وانصار الشام والجبهة الكردية الاسلامية». وتفيد التقارير نفسها ان هذه المجموعات اسلامية وغالبية مقاتليها من السوريين.
ويكتب المحلل تشارلز ليستر من مركز ابحاث «جاينز» البريطاني للأبحاث الدفاعية ان قوام الجبهة الاسلامية الجديدة يبلغ نحو 45 الف مقاتل، فيما يبلغ عديد مقاتلي «الجيش السوري الحر» التابع لهيئة الاركان برئاسة سليم ادريس 40 الفا. ويعتبر ليستر ان الجبهة الجديدة لا تضم تنظيمي «القاعدة»، اي «جبهة النصرة» و «الدولة الاسلامية في العراق والشام»، فيما لا يتوقع ان تقوم هذه الجبهة بخوض مواجهة مع اي من هذين الفصيلين بل «قد تنجح في استقطاب المقاتلين السوريين الاسلاميين بعيدا عن تنظيمي القاعدة».
واعتبر المعلق دايفيد اغناتيوس ان «انفتاح الولايات المتحدة على ايران سيؤثر على الانقسام الطائفي السني - الشيعي الذي اراق الكثير من الدماء في الشرق الاوسط». وكتب اغناتيوس، احد ابرز مؤيدي الاتفاقية مع ايران، في «واشنطن بوست» انه من الصعب التكهن بتأثيرها على الوضع في المنطقة، لكنه دعا بلاده الى الحذر في كيفية «ادارة انخراطها مع ايران الشيعية»، اذ من شأن ذلك ان يؤدي الى المزيد من المواجهات بين الفصائل المتطرفة من الجهتين في سورية وفي اماكن اخرى.
وتابع اغناتيوس ان الرئيس باراك أوباما كان محقا في ابتعاده عن الصراع السني - الشيعي، ولكن احدى النتائج غير المحسوبة للتقارب مع ايران ستأتي في حال ساد الاعتقاد ان واشنطن تعمل على «استبدال حلفائها السنة القدامى بشركائها الشيعة الجدد».
ويعتقد المحلل الاميركي ان ما يخيف «عرب الخليج والاسرائيليين هو ان يكون انخراط الولايات المتحدة مع ايران مترافقا بانسحاب اميركا من المنطقة»، اي ان تكون واشنطن تسلم دورها الشرق اوسطي الى الايرانيين. وما يزيد من خوف حلفاء اميركا ان واشنطن تحاول التأكيد لهم على التزامها أمنهم، لكنها في الوقت نفسه تسحب قواتها وتتراجع في اللحظة الاخيرة عن شن ضربة عسكرية ضد قوات الاسد، حسب الكاتب الاميركي، الذي يختم انه على الرغم من ان «اتفاقية مع ايران قد تكون من ابرز نجاحات أوباما، لكن يجب التفكير دائما بشكل غير تقليدي حول العواقب غير المحسوبة، خصوصا في الوقت الذي نحاول الاحتفال بنشوة الانتصار الديبلوماسي».

الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

باريس تشترط حصر التخصيب في منشأة ناتانز وتحت الـ 5 في المئة ... للقبول بالاتفاقية الأولية مع إيران

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لف الغموض مصير المفاوضات في جنيف بين مجموعة دول خمس زائد واحد وايران حول ملف الاخيرة النووي. وكان مقررا لهذه الجولة ان تنتهي اول من امس، الا ان الطرفين قررا تمديدها حتى اليوم ليتسنى لهما التوصل الى اتفاق.
ورغم تكتم معظم المعنيين على فحوى النقاش الحاصل، الا انه صار معلوما ان الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا والمانيا وافقت على اتفاق هو بمثابة مرحلة اولى، حسبما تم التوصل اليه في الجولة السابقة في جنيف بين السابع والتاسع من الشهر الحالي. فرنسا وحدها عارضت تلك الاتفاقية، ومازالت تعارضها.
وفي هذا السياق، علمت «الراي» من مصادر ديبلوماسية رفيعة في العاصمة الاميركية ان «تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتعدى الخمسة في المئة، وفي منشأة ناتانز فقط، هي السيناريو الوحيد الذي تقبل به فرنسا للموافقة على اي الاتفاقية الاولية مع ايران لمدة ستة اشهر، يتم البحث اثنائها في تفاصيل الاتفاقية النهائية بين طهران والمجوعة الدولية».
ومن دون موافقة فرنسا، لا يمكن للدول الست السير قدما في اي نوع من الاتفاقيات مع ايران، لان التوافق هو اساس عمل هذه المجموعة. والتوافق، حسب المصادر نفسها، عملت على تثبيته في الماضي كل من روسيا وايران لمنع الولايات المتحدة من القيام بأي عمل عسكري منفرد ضد ايران، ولاجبار واشنطن على الالتزام بموقف اجماعي موحد. هذا يعني، انه كما لا يمكن لاي من الدول الست توجيه ضربة احادية، لا يمكن لاي منها الانفراد بقرار تخفيف العقوبات بشكل ثنائي مع ايران.
وحتى توافق فرنسا على الافراج عن تخفيف العقوبات مؤقتا بما يقدم نحو 10 مليارات دولار للخزينة الايرانية، «على ايران تجميد التخصيب في منشأة فوردو المحصنة داخل الجبال قرب مدينة قم، وتجميد نشاط مفاعل آراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة من اجل انتاج البلوتونيوم، وتحويل 196 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة التي تملكها ايران الى قضبان ابحاث ووقود لانتاج الطاقة».
كذلك، تطالب فرنسا بالسماح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية بوضع المنشآت التي يتم الاتفاق على تجميد العمل فيها في فترة الاشهر الستة.
المطالب الفرنسية اعتبرها الايرانيون «تعديا على حقوق الامة الايرانية»، وقال الوفد الايراني ان طهران مستعدة للتعاون مع الوكالة لضمان سلمية برنامجها، من دون ان يعني ذلك حصر التخصيب في منشأة معينة. كذلك، اعتبر الايرانيون ان مطالب الفرنسيين هي بمثابة الاتفاق النهائي، وانه في حال وافقت ايران على الشروط الفرنسية، «لن يبقى شيئ للتفاوض عليه لرفع كامل للعقوبات الدولية عن ايران»،وفق قول المصادر التي تضيف ان الفرنسيين ردوا ان «في الاتفاقية الاولى تجميدا، وفي الاتفاقية النهائية تفكيكا للبنية التحتية النووية واغلاقا نهائيا للمنشآت موضع الجدل».
وتابعت المصادر ان الوفد الاميركي نفسه تحول الى «وسيط» بين الايرانيين والفرنسيين. فواشنطن موافقة على الاتفاقية بشكلها الحالي، وكذلك موسكو وطهران، ورئيس حكومة بريطانيا دايفيد كاميرون تحادث مع رئيس ايران حسن روحاني عبر الهاتف في اول محادثة من نوعها منذ سنوات. وحدها فرنسا مصرة على «تأكيد سلمية» البرنامج النووي الايراني، حتى اثناء المرحلة الاولية.
ويقول الفرنسيون، حسب المصادر الديبلوماسية، ان «تأكيد سلمية البرنامج النووي في فترة الستة اشهر هو امر طبيعي، اذ لا يعقل ان تنعقد مفاوضات فيما يلف بعض الغموض برنامج ايران النووي وبغياب تأكيدات ان وقت المفاوضات لن يتم استخدامه لتقليص المدة المطلوبة لانتاج القنبلة».
وفي حال استمرار المعارضة الفرنسية وعدم تراجع الايرانيين، فان ذلك قد يؤدي الى اغلاق النافذة الاميركية من اجل التوصل الى تسوية. صحيح ان ادارة الرئيس باراك أوباما تعمل لاقناع الكونغرس على تأجيل فرض المزيد من العقوبات المالية على ايران، الا ان ستة من اعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين اعدوا بندا، الثلاثاء، لالحاقة بقانون الدفاع الوطني، الذي يتم اقراره سنويا لتمويل القوات الاميركية حول العالم، وفي التعديل عقوبات جديدة على ايران.
ومن المقرر ان يقر مجلس الشيوخ قانون الدفاع قبل نهاية هذا العام، وهو ما حمل زعيم الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ السناتور الديموقراطي هاري ريد، الذي منع مناقشة او تصويت قانون اقره الكونغرس بغالبية 400 من اصل 435 صوتا لفرض عقوبات جديدة على طهران، لاعتبار ان 15 ديسمبر المقبل هو الموعد النهائي للتوصل الى اتفاقية مع الايرانيين. وتقول اوساط ريد انه بعد ذلك التاريخ سيسمح بالتصويت على قانون العقوبات الجديدة على ايران الملحق بقانون الدفاع.
هكذا، ينتظر مجلس الشيوخ نتائج مفاوضات جنيف، فان فشلت، يفرض عقوبات جديدة على ايران على شكل تجميد نحو 10 مليارات دولار موضوعة في بنوك دولية ولايران حتى الآن حرية التصرف بها. 
اما في حال التوصل الى اتفاق في جنيف قبل 15 ديسمبر، يؤجل مجلس الشيوخ العقوبات الجديدة، لكن اي اتفاقية نهائية مع ايران تحتاج الى موافقة الكونغرس، اذ يمكن لاي رئيس ان يعلق اي مجموعة عقوبات على اي دولة بمرسوم يتم تجديده سنويا، لكن اي تعليق دائم يحتاج الى قانون من السلطة التشريعية، وهو ما يعني ان أوباما سيحتاج الى استصدار موافقة الكونغرس على اي اتفاقية نهائية ودائمة مع ايران لرفع العقوبات بشكل دائم عنها.

الأربعاء، 20 نوفمبر، 2013

تركيا تسعى لحجز «مقعد» في «الشرق الأوسط الجديد»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ليس كل حلفاء واشنطن واصدقائها منزعجين من امكان المصادقة على اتفاق جنيف النووي بين مجموعة دول «خمس زائد واحد» وايران. ففيما تسعى كل من اسرائيل واحدى الدول العربية، كل على طريقتها، الى نسف الاتفاق الذي لا تثقان بأن طهران ستلتزم بنوده، تحاول حليفة واشنطن الثالثة الكبرى، اي تركيا، الدخول كشريك في الاتفاقية الاميركية - الايرانية المزمع عقدها، في حال حصلت اختراقات ديبلوماسية بعد جنيف.
الوفد التركي نفسه لم يحاول اخفاء هدف زيارة وزير الخارجية داود اوغلو الى واشنطن ولقائه نظيره الاميركي جون كيري.
تقول مصادر رفيعة مواكبة للزيارة ان «انقرة هي احدى القنوات التي تسعى الى التوصل الى تسوية بين اميركا وايران»، وان السعي التركي ليس مستجدا، بل يعود الى اعوام خلت، من قبيل ذلك المبادرة التي اطلقتها تركيا - بالاشتراك مع البرازيل في مايو 2010 - من اجل نقل اليورانيوم الايراني المخصب بنسبة 20 في المئة الى خارج ايران.
منذ ذلك الوقت والعلاقة التركية - الايرانية «ما زالت ممتازة، بل تعززت، رغم التباين في بعض الشؤون الاقليمية»، حسب احد اعضاء الوفد التركي.
وكان التقارب التركي - الايراني بلغ ذروته العام الماضي، حتى في وسط الخلاف حول سورية، عندما سربت الاستخبارات التركية لطهران اسماء عشر ايرانيين كانوا يعملون لمصلحة الموساد الاسرائيلي في التجسس على ملف ايران النووي. وادت تلك الخطوة التركية الى غضب اسرائيلي واميركي عارم، وقام الكونغرس بوقف شحنة من 10 طائرات تجسس من دون طيار كانت في طريقها الى تركيا لاستخدامها في مراقبة الحدود التركية مع العراق ومع سورية.
اذا، يمكن لانقرة التي تتمتع بعلاقات ممتازة في الوقت نفسه مع طهران وواشنطن ان تلعب دور وساطة بينهما، وان «تحجز لنفسها مقعدا في الشرق الاوسط الجديد» الذي سينشأ اثر التقارب الاميركي - الايراني الذي قد ينتج عن اتفاقية جنيف، حسب المصادر.
ما هي المصالح التركية المطلوب مراعاتها في اي اتفاق اميركي - ايراني؟ تؤكد المصادر ان اوغلو قال لكيري ان «اي تسوية في المنطقة يجب ان تتضمن ترتيبات جديدة خصوصا في سورية والعراق». وتضيف المصادر ايضا ان اوغلو قال لكيري ان «الايرانيين ليسوا متمسكين بأحد، وانهم مستعدون للنظر في ترتيبات جديدة وحكام جدد في دمشق».
ربما تخلي ايران عن الاسد هو ما يريد ان يسمعه كيري، الذي كرر في مقابلة مع «بي بي سي» البريطانية»، انه «لا يعرف مدى انعكاس اتفاقية جنيف على الوضع في سورية». لكن ما لم يقله كيري سبق لمسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الخارجية ان رددوه على مسامع الصحافيين في الجلسات المغلقة التي سبقت جولة جنيف الاولى هذا الشهر.
ومع ان السفير الاميركي في سورية روبرت فورد استبعد في مقابلة، امكان مشاركة ايران في مؤتمر جنيف حول سورية، معتبرا انها طرف في الصراع، وان قواتها تقاتل في سورية وكذلك المجموعات التي تمولها مثل «حزب الله» اللبناني، الا ان ما يقوله مسؤولو الخارجية الاميركية في السر يختلف عن العلن، ومن ذلك ان واشنطن تتوقع، في حال التوصل الى اتفاق حول النووي الايراني، الى التوصل الى تسويات مع الايرانيين حول ملفات اخرى في المنطقة، تتصدرها سورية.
ولا شك ان الاميركيين يعتقدون انه بامكان طهران التخلي عن الاسد، وهو ما أكده اوغلو امام كيري، الا ان «العبرة تبقى في التنفيذ»، وهو ما سمعه اوغلو من كيري.
ويعتقد بعض معارضي الاتفاق الدولي مع ايران، ان الاخيرة تقدم وعودا كثيرة، وانها لا تنوي الوفاء بمعظمها، وان هذه الوعود تتضمن امكانية تخليها عن الاسد.
موضوع آخر، وان اقل تعقيدا، تقول المصادر ان اوغلو اثاره مع الايرانيين وحمل اجابتهم الى واشنطن هو ضرورة رحيل رئيس حكومة العراق نوري المالكي عن السلطة. في هذه الحالة، تبدو ايران اقل تمسكا بالمالكي منها بالاسد، وتبدو اكثر استعداد للتخلي عنه، كما الولايات المتحدة، في حال كان ذلك مطلبا يرضي تركيا، التي تعمل بدورها على رعاية تحالف كردي - شيعي بمشاركة السنة، يطيح بالمالكي.
وكانت الاسابيع الماضية شهدت زيارة أوغلو الى النجف، ولقائه كبار مراجعها مثل آية الله علي السيستاني، وزعيم التيار الصدري رجل الدين مقتدى الصدر المعارض الشرس للمالكي. ووعد اوغلو بافتتاح قنصلية تركيا في النجف الجنوبية، على غرار قنصليتها في اربيل في الشمال.
وفي الوقت نفسه، اطل رئيس الحكومة التركي رجب طيب اردوغان مع رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني والمغني الكردي المعروف شيفان، وهما بالزي الكردي التقليدي، لتأكيد متانة علاقة انقرة بالكرد العراقيين والاتراك.
على مدى الايام الماضية، كانت واشنطن مسرحا لترتيبات وتسويات لشرق اوسط جديد مبني على اتفاقيات عدة، يتصدرها اتفاق بين اميركا وايران تحاول بعض الدول الانضمام اليه حتى لا يفوتها قطار التسوية.
وحدها اسرائيل والدول العربية خارج الاتفاق، على الاقل حتى الآن.

تباعد أميركا وإسرائيل

حسين عبدالحسين

كرر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، موقف بلاده من عدم الاعتراف بشرعية المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية امام مضيفه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. لكن مع ذلك، لا تجد اسرائيل صديقاً افضل من فرنسا، أو على حد وصف نتنياهو "الصديق الوحيد لاسرائيل" في مجموعة دول الـ5+1 التي تتولى التفاوض مع ايران حول برنامجها النووي. أما السؤال فهو لماذا تبحث تل ابيب عن اصدقاء؟ واين هي الولايات المتحدة، عرابة اسرائيل على مدى العقود الماضية؟

تقول صحيفة "واشنطن بوست" في افتتاحيتها ان الشرخ الذي تعانيه العلاقة الاميركية - الاسرائيلية هو الأسوأ منذ ثلاثين عاماً. 
الصحيفة نفسها، والتي سطرت مئات، بل آلاف، الافتتاحيات في الماضي في الدفاع عن اسرائيل وفي دعوة حكام واشنطن للوقوف إلى جانبها، ظالمة كانت أم مظلومة، يبدو أنها تخلت هذه المرة عن تل أبيب.

في المدى المنظور، تقول الصحيفة، "الأرجح أن لا طريقة ممكنة لرأب الصدع بين القدس (المحتلة) وواشنطن، إلا إذا رفضت إيران نفسها العرض السخي الذي تقدمه أميركا والمجموعة الدولية، فالإدارة رفضت اعتراضات نتنياهو على اتفاقية مؤقتة، والكونغرس لا يبدو مستعداً للتجاوب مع اللوبي الإسرائيلي لفرض المزيد من العقوبات قبل اجتماع جينيف".

لذا، تعتقد "واشنطن بوست"، أن نتنياهو "سيكون حكيماً" إذا قبل الاتفاقية المؤقتة، التي يبدو أنها ستتم على الرغم من معارضته، وفي وقت لاحق يمكن له أن يلقي اللوم على إيران في حال رفضتها.

الافتتاحية ليست الأولى ولا الوحيدة التي تظهر تباعداً أميركياً - إسرائيلياً. فالكاتب اليهودي الأميركي المعروف في "نيويورك تايمز" توماس فريدمان، افترق عن الإسرائيليين منذ أعوام، وهو يحمّل إسرائيل مسؤولية المتاعب التي تواجهها أميركا في الشرق الاوسط. وفي آخر مقالاته، أثنى على اتفاقية جنيف، داعياً إلى توقيعها وتجاهل المخاوف الاسرائيلية.

المعروف أن فريدمان هو أقرب صحافي إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو من أكثر الإعلاميين الذين يقضون معه وقتاً، وهو ما يطرح احتمالين: إما أن فريدمان يؤثر في رأي الرئيس الأميركي، أو أنه يتكلم باسمه. وفي الحالتين، يبدو أن تمسك أوباما باتفاقية جنيف مع إيران ثابتاً، ولا سيّما أنه طالب الكونغرس الأميركي ب"عدم تشديد العقوبات على إيران" كما نقلت "رويترز" عن المتحدث باسم البيت الأبيض، جاي كارني، الثلاثاء.

صحافي آخر معروف بقربه من إدارة أوباما وهو نائب رئيس تحرير "واشنطن بوست"، دايفيد اغناتيوس، كان لديه التوجه نفسه حيال مسألة مخاوف إسرائيل من الاتفاق المؤقت حول ملف إيران النووي.

على أن أبرز المؤشرات التي من شأنها أن تثير هلع اسرائيل وأصدقائها الأميركيين هي استطلاعات الرأي التي صارت تشير إلى أن الغالبية الساحقة من الأميركيين لم تعد تخشى قوة أو نفوذ اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

ففي أحدث استطلاع للرأي أجرته "العصبة اليهودية ضد التمييز"، وهي من أصدقاء اسرائيل، ظهر أن أربعة في المئة فقط من الأميركيين يعتقدون أن اللوبي الموالي لاسرائيل هو صاحب النفوذ الاكبر عند الادارة الاميركية، فيما حل أولاً لوبي النفط بـ 28 في المئة، يليه لوبي صناعة الأدوية بـ 24 في المئة، وأخيراً "الجمعية الوطنية للبندقية" أو لوبي السلاح الفردي بـ 22 بالمئة.

"إن سمعة اللوبي الموالي لاسرائيل في واشنطن كقوة كاسحة لا يبدو انها تتناسب مع الحقائق"، يقول المعلق ماكس فيشر، الذي يشير إلى قيام هذا اللوبي برمي ثقله خلف ضربات اميركية محدودة ضد اهداف في سوريا، "ولكن من دون أن ينجح في تحريك الإبرة ولو قليلاً".

ويضيف فيشر أن فشل لوبي اسرائيل يبدو اكبر إذا ما قارناه بالنجاح الباهر لمؤسسة "أولاد غير مرئيين"، وهي مجموعة أقل تمويلاً وتتمتع بعلاقات أقل بكثير، ولكنها مع ذلك نجحت في حمل الكونغرس والبيت الأبيض على ارسال جنود إلى وسط إفريقيا لاصطياد أمير الحرب جوزيف كوني.

على ضوء استطلاع الرأي العام ورأي النخبة الاميركية، وفي وسط "غياب الكيمياء" بين أوباما ونتنياهو وقيام الاخير باحباط مبادرات سلام متعددة قامت بها واشنطن في السنوات الاخيرة، لم يكن مستغرباً أن يبدي أوباما، يوماً، وفي غفلة منه واثناء حديثه مع الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، أمام مايكروفون ظنّه الرجلان مقفلاً، امتعاضاً كبيراً من المسؤول الاسرائيلي.

وليس مستغرباً ايضاً أن تتعالى اليوم الاصوات الاميركية المطالبة بتفادي مواجهة عسكرية مع ايران، بأي ثمن، حتى لو كان ذلك يغضب اسرائيل وأصدقاءها الاميركيين من أصحاب النفوذ.

وفي وقت تكرر اميركا نيتها تقليص دورها في الشرق الاوسط، ما يعطي للقوى الاصغر حجماً مثل روسيا وايران وفرنسا مساحة للعب دور متقدم اكثر، لم يعد لدى اسرائيل الا التمسك بفرنسا والاختباء خلف نفوذها التعطيلي للاتفاقية مع ايران، حتى لو جاء ذلك على حساب تجميد الحكومة الاسرائيلية لبناء مستوطنات جديدة وتجاهل انتقاد هولاند الحاد للسياسة الاستيطانية وتأثيرها السلبي على حظوظ السلام مع الفلسطينيين.

حتى فرنسا نفسها، القوة الغربية المقبلة في غياب الاميركيين، تفترق عن اسرائيل قليلاً حول إيران، فاسرائيل تطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم الايراني، أما فرنسا، فتطالب بإغلاق مفاعلي فوردو وآراك، في حين أنها لا تمانع في استمرار التخصيب في نتانز، بنسب لا تتعدى الخمسة في المئة، وهو ما يعني انه حتى باريس مستعدة لقبول اتفاقية تراعي "حق الامة الايرانية بالتخصيب"، وهو ما يبدو انه لسوء حظ نتنياهو.

الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

تباطؤ تقدم الصين على أميركا

واشنطن - حسين عبدالحسين

في سباقها الاقتصادي مع الصين، بدأت واشنطن تتنفس الصعداء. فالترجيحات في الامس القريب كانت تشير الى ان الاقتصاد الصيني سيصبح الاكبر عالمياً بدلاً من الاميركي في 2018. ثم تبدلت الترجيحات لتشير الى 2021، والعام الماضي، رجح «مجلس الامن القومي» ان الصين ستصبح الاولى، ولكن في 2030.

ومع تباطؤ الاقتصاد الصيني بسبب اعتماده الزائد على الاستثمارات والصادرات، وبسبب ارتفاع اسعار اليد العاملة نظراً إلى تحسن دخل العمال الصينيين واقتراب سكان الصين من الشيخوخة مع نهاية هذا العقد، ومع التحسن المطرد للاقتصاد الاميركي في وقت تشير فيه بيانات انتاج النفط الاميركية الى وصولها الى معدلات لم تشهدها منذ 1986 وتأثير ذلك ايجاباً في النمو الاميركي، صار اكثر المعنيين الاميركيين يشعرون ان بلوغ الصين المركز الاقتصادي الاول لم يعد حتمية كما كان عليه الحال قبل اعوام.

ويعزز الثقة الاميركية ما يبدو انه أداء مخيب للآمال للحزب الشيوعي في جلسته العامة الثالثة بقيادة الرئيس الصيني شي جيبينغ، الذي يعول عليه كثيرون للقيام بإصلاحات جذرية تسمح «للمعجزة» الاقتصادية الصينية بالاستمرار. اما ابرز المتوقع من شي فهو قيامه بإصلاحات تقلص من دور «اقتصاد الدولة»، وهو ما يتضمن تحرير سوق العملات وترك السوق تحدد سعر العملة الصينية. وهذا إن حدث، سيرفع قيمة العملة الصينية، ما سيساهم في تقوية القدرة الشرائية للصينيين ويخفف من اعتماد الصين على التصدير فقط .

وكان متوقعاً ايضاً من شي ان يحد من نفوذ الشركات العملاقة التي تملكها الدولة، والتي تحصل على امتيازات وأفضلية تقضي على قدرتها التنافسية. لكن البيان الختامي للجلسة الثالثة العامة لم يشر الى نية لتقزيم دور هذه الشركات، ربما بسبب خوف شي من نفوذ اركان الحزب الشيوعي الذين يشغلون المناصب الرئيسة فيها. وكان متوقعاً من شي الحد من سيطرة الحزب الشيوعي على سلطات الدولة، خصوصاً القضاء، وهو امر لا يبدو ان القيادة الصينية تنوي او تقدر على القيام به.

«واشنطن تراقب الجلسة والسياسات التي ستنتج عنها»، تقول الباحثة في «مجلس العلاقات الخارجية» ليز ايكونومي، وتضيف ان «القيادة الصينية ما زالت غير قادرة على تقديم مسار واضح للإصلاح الاقتصادي للسنوات الخمس او العشر المقبلة». وتقول ان بيان الجلسة «يعطي شيئاً لكل طرف، فبينما يقول ان الشركات المملوكة من الدولة واقتصاد الدولة سيلعبان دوراً رئيساً في الاقتصاد، ستلعب السوق دوراً حاسماً في تحديد كيفية توزيع الموارد.

وعلى رغم ذلك تابعت الولايات المتحدة إصلاحاتها الاقتصادية من خلال إعادة ترتيب بيتها المالي. وقدم «مكتب الموازنة في الكونغرس»، اخيراً، توصياته الى المشرعين في تقرير بعنوان «خيارات من اجل تقليص العجز: 2014 - 2023».

وتناول التقرير بالتفصيل مواضيع تتعلق بإنفاق الحكومة الإلزامي، وإنفاقها غير الالزامي، كما قدم خيارات ممكنة لزيادة مدخول الدولة، ولتقليص إنفاقها الكبير على القطاع الصحي.

الجمعة، 15 نوفمبر، 2013

مشروع العقوبات الجديدة على إيران يُشعل مواجهة بين أوباما والكونغرس

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

اشتعلت بين ادارة الرئيس باراك أوباما والكونغرس، فدفعت الحكومة، على مدى الاسبوع الماضي، بأبرز اسلحتها في المواجهة مع السلطة التشريعية: نائب الرئيس جو بيدن ووزير الخارجية جون كيري، وكلاهما خدم في مجلس الشيوخ لعقود، ليعقدا لقاءات في مبنى الكابيتول لاقناع المشرعين بجدوى الاتفاقية الاولية مع ايران، ولثنيهم عن تبني مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية على طهران. 
المشروعون، بدورهم، عقدوا جلسات استماع مغلقة، في الشيوخ، ومفتوحة، في النواب، لنسف الاتفاقية، فيما مضى بعضهم في تسويق قانون العقوبات الجديدة.
في مجلس الشيوخ، الذي تسيطر عليه غالبية من حزب أوباما الديموقراطي، انسحب الجمهوريون من جلسة مغلقة عقدتها لجنة الشؤون الخارجية للاستماع الى كيري. كان الانسحاب بمثابة رفض مطلق للاتفاق مع ايران. زملاؤهم الديموقراطيون بقوا في الجلسة، «حتى لا نعطي ادارتنا انفا ينزف دما»، وفق قال احد اعضاء اللجنة لـ «الراي».
لكن على الرغم من التزامهم بحدود اللباقة السياسة بهدف اظهار وحدة حزبهم الديموقراطي، قال معظم اعضاء اللجنة الديموقراطيين، بمن فيهم رئيسها روبرت مينينديز، انهم ماضون في اقرار قانون العقوبات الجديدة. 
واول من امس، حضرت مساعدة كيري للشؤون السياسية ويندي شيرمان، وهي تترأس الوفد الاميركي المفاوض في جنيف، جلسة مغلقة اخرى بهدف استمهال مجلس الشيوخ حتى الاربعاء المقبل، موعد انعقاد جلسة المفاوضات المقبلة بين دول خمس زائد واحد وايران.
«اذا كانت الاتفاقية جيدة، لماذا عرقلتها فرنسا؟» سأل احد المشرعين شيرمان، فاجابت الاخيرة ما معناه ان الفرنسيين قد يكونوا احسوا انفسهم مستثنين من المفاوضات بعدما عقد كيري ونظيره الايراني محمد جواد ظريف، ووفداهما، جلسة مفاوضات مضنية استغرقت ساعات، وافضت الى الاتفاقية. ونقل مطلعون على مجريات الجلسة قولهم انه منذ نهاية الاسبوع الماضي، تحدث أوباما ونظيره الفرنسي فرانسوا هولاند، وتم تذليل الاختلاف في وجهات النظر، واصبحت باريس مستعدة لتبني الاتفاقية الاولية مع ايران.
في مجلس النواب، الذي تسيطر عليه غالبية جمهورية، عقدت لجنة الشؤون الخارجية برئاسة الجمهوري اد رويس جلسة استماع بحضور خبراء، اثنان منهم من المحسوبين على اليمين الجمهوري، وواحد من اليسار الديموقراطي. رويس حدد رقم الاموال الايرانية، التي ستفرج عنها اتفاقية جنيف، بـ 50 مليار دولار، فيما اعتبرت غالبية المتحدثين الجمهوريين ان الاتفاقية - في افضل احوالها - تؤخر انتاج ايران للقنبلة باسابيع قليلة، وهي اسابيع لا تستأهل الافراج عن هذه الكمية من الاموال لمصلحة طهران.
كولن كال، وهو مساعد وزير الدفاع السابق في ادارة أوباما الاولى وكان من مؤيدي الانفتاح على «حزب الله» اللبناني، قدم وجهة نظر أوباما في جلسة الاستماع التي ترأسها رويس، واعتبر ان الاموال التي ستحصل عليها طهران بموجب الاتفاقية لن تتعدى 10 مليارات دولار. 
في المقابل ستؤدي الاتفاقية الى «استغراق ايران ضعف المدة اللازمة» لانتاج يورانيوم عالي التخصيب لصناعة قنبلة نووية، وان تؤدي الى جولات تفتيش دولية اكثر واقسى. وختم كال بالقول ان اتفاقية جنيف النووية مع ايران «تخدم مصالح الولايات المتحدة واسرائيل».
واضاف المسؤول السابق ان الاتفاقية تجبر ايران على تجميد التخصيب بنسبة 20 في المئة، وتبطل مفعول المخزون بنسبة 20 في المئة الذي بحوزتها حاليا، وتحصر انتاجها اليوارنيوم المنخفض التخصيب، وان كل ذلك يحصل على مدى ستة اشهر، وتحصل ايران مقابله على 10 مليارات من الافراج عن ودائع مجمدة، ومبيعات ذهب وبتروكيماويات وسيارات، من دون ان يمس ذلك بالعقوبات المفروضة على قطاعها النفطي او مصرفها المركزي. وختم ان الاتفاقية تلغى في حال لم تلتزم ايران او تراجعت.
هل تحصل ايران على 10 ام على 50 مليار دولار بموجب جنيف؟ وهل تؤدي الاتفاقية الأولية الى تأخير صناعتها القنبلة لاسابيع او لستة اشهر؟ 
النقاش مستمر في واشنطن، وكذلك السباق: ادارة أوباما تسعى الى توقيع الاتفاق بحلول الخميس المقبل، والكونغرس يسعى الى اصدار قانون يقيد يديها في ذلك ويضيف سلة جديدة من العقوبات.
على ان اعتبارات جديدة بدأ يطرحها المشككون في الاتفاقية، على شكل تأثيرها، وان كان بحدها الادنى، على الحرب في سورية. 
وفي هذا السياق، قال معلقون ان حتى مبلغ 10 مليارات دولار من شأنها ان تسعف ايران، التي ترسل قواتها وقوات حلفائها اللبنانيين والعراقيين الى سورية، في القضاء على المعارضين تماما.
وقال احد اعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين من المعارضين لاتفاقية جنيف في احدى الجلسات انه «يمكن لاتفاقية جنيف المؤقتة ان تقلب الموازين في سورية... بعد ذلك، حتى وان تراجعت ايران عن جنيف، تكون على الاقل قد انقذت حليفها (الرئيس السوري بشار) الاسد»،.
في الايام المتبقية قبل العودة الى جنيف، وفي وقت يبدو ان فرنسا لن تعرقل الاتفاقية في هذه الجولة ما سيسمح بمرورها، سيحاول الكونغرس تمرير قوانين تفرض على الرئيس الاميركي الحصول على موافقة السلطة التشريعية قبل قيامه بتخفيف اي عقوبات اقتصادية على ايران. 
وحتى ينجح الكونغرس في مسعاه، على الغرفتين ان تصوتا بأغلبية الثلثين، ما يحرم أوباما المقدرة على ممارسة حق النقض الفيتو، ويجبره على توقيع القانون. اما السؤال فهو ان كانت الادارة قادرة على اقناع الديموقراطيين بالامتناع عن التصويت، وهي ان نجحت في كسر غالبية الثلثين في احد المجلسين، يمكن للرئيس حينذاك نقض القانون وعدم توقيعه.
لكن بما ان ابرز مؤيدي الادارة، من امثال السناتور مينينديز، يعارضون جنيف، فمن غير الواضح ان كان الديموقراطيون سيلتزمون بحزبيتهم ام لا. 
كذلك، بالنظر الى قوانين العقوبات السابقة على ايران، يتضح ان معظمها تمت الموافقة عليها في المجلسين بغالبية ساحقة، وهو ما يعقد من مهمة ادارة أوباما ويجعلها في سباق مع الوقت لوقف قوانين الكونغرس. حتى بعد الاتفاقية، يمكن للكونغرس اجبار الرئيس على التخلي عنها، وهو ما يعني ان طريق التسوية مع ايران مازالت تعاني من عراقيل كثيرة.

اميركا: معارضة متصاعدة للتفاهم مع ايران

حسين عبدالحسين

في وقت بثت فيه الدعاية الأميركية المعارضة لاتفاق الولايات المتحدة مع إيران حول البرنامج النووي الإيراني مقاطع تشير إلى ما وصفته تطابقاً في المواقف بين الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وأمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصرالله، لجهة حديث الاثنين عن ضرورة التوصل إلى اتفاق بين مجموعة دول الـ5+1 وإيران حول برنامجها النووي، والتحذير من أن البديل سيكون مواجهة عسكرية، احتدم النقاش داخل العاصمة الأميركية حول كيفية العودة إلى جنيف لجولة مقبلة من المفاوضات يومي الأربعاء والخميس المقبلين.

"لا يهم مدى قوتنا العسكرية، الخيارات العسكرية تؤدي دائماً إلى فوضى، وهي دائماً صعبة، ولديها عواقب غير إرادية. وفي هذه الحالة غير كاملة لجهة التأكيد أنهم (الإيرانيون) لن يذهبوا بعدها بشكل حازم أكثر للحصول على أسلحة نووية في المستقبل". هذا ما قاله أوباما للصحافيين في البيت الأبيض، الخميس. 

في قول أوباما هذا ما يشبه الإقرار بعدم جدوى الخيار العسكري في إجبار إيران على التخلي عن صناعة قنبلة نووية، على الرغم من قول الرئيس الأميركي إن "الخيار العسكري لا يزال على الطاولة".

وانتقد معارضو الاتفاق موقف أوباما، وذكّروا باعتبار أوباما للتحركات العسكرية الأميركية قبالة الشواطئ السورية أنها هي التي أجبرت نظام الرئيس السوري بشار الأسد، على التنازل عن ترسانته الكيماوية، وأنه ليس مستحيلاً تكرار السيناريو مع إيران.

وكان أوباما، الذي عملت إدارته على مدى الأسبوع الماضي على إقناع الكونغرس بجدوى اتفاق جنيف وتأجيل رزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، دعا السلطة التشريعية إلى إعطاء المحادثات السلمية فرصة، بقوله: "دعونا نختبر مدى نيتهم حل هذه (الأزمة) دبلوماسياً وسلمياً".

وأضاف أوباما: "لن نخسر شيئاً إذا اتضح، في آخر المطاف، أنهم (الايرانيين) غير مستعدين لتزويد المجتمع الدولي بدلائل قاطعة، وضمانات ضرورية، كي نعرف أنهم لا يسعون لسلاح نووي".

في هذه الأثناء، استمرت المعارضة الشرسة لاتفاق جنيف داخل الكونغرس، ووقع 63 عضواً في مجلس النواب، من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، رسالة إلى قيادة مجلس الشيوخ، طالبوا فيها السماح بإجراء تصويت حول إقرار عقوبات جديدة على إيران.

ومما جاء في الرسالة أن قانوناً أقره مجلس النواب في تموز الماضي بغالبية ساحقة مؤلفة من 400 من أصل 435 عضواً، "تم تصميمه لإجبار إيران على التخلي عن سعيها للأسلحة النووية"، وتم إرساله إلى مجلس الشيوخ حيث وضعه زعيم الغالبية الديموقراطية السناتور هاري ريد في الادراج، ورفض مناقشته والتصويت عليه.

وأضافت الرسالة أنه "في وقت تجري مفاوضات جينيف، نشعر أنه من المهم ابقاء الضغط على إيران من أجل تحسين الموقف الاميركي إلى حده الاقصى"، وأنه "بسبب العقوبات الأميركية القاسية ضد إيران، جاءت طهران إلى طاولة المفاوضات، فالأمن في الشرق الأوسط وحول العالم يعتمد على قيادة أميركية قوية ضد إيران نووية".

الرؤية الاميركية لاتفاقية جنيف اليوم يمكن تلخيصها بكلمات المسؤول الرئاسي السابق عن الملف الإيراني، دينيس روس، الذي كتب في مطالعة أن ما يحصل في جنيف هو "وضع سقف (للعقوبات) مقابل سقف (للبرنامج النووي) ".

ويعتقد روس أن هذه المعادلة حلت محل أخرى كان اقترحها الأوروبيون في العام 2007 ورفضها الايرانيون، وكانت تقضي "بتجميد (العقوبات الدولية) في مقابل تجميد (ايران لتخصيب اليورانيوم)".

مقايضة "وضع السقف" هذه أدت إلى انقسام الأميركيين إلى مجموعتين: الأولى تعتبر أن كمية الأموال الايرانية التي سيتم الافراج عنها في المرحلة الاولى من الاتفاق، على شكل السماح لايران باستخدام ودائعها المجمدة في بنوك العالم، وبيع ذهب وبرتوكيماويات وسيارات، ستعود على الخزينة الإيرانية بمبلغ يعتقد المعارضون انه يتراوح بين 20 و50 مليار دولار.

أما وضع إيران سقفاً لبرنامجها النووي، على مدى ستة أشهر، فسيؤدي إلى تأخير حصول إيران على القنبلة النووية بضعة أسابيع فقط.
في هذا السياق، شكك السناتور عن ولاية نيويورك، تشاك شومر، وهو ثالث الديموقراطيين في أهمية في مجلس الشيوخ، بما أسماه التناسب في صفقة جنيف، معتبراً انه بينما تقلص الولايات المتحدة العقوبات، فإن إيران لا تقلص برنامجها النووي.

لكن أوباما نفسه رد على هذه المجموعة المشككة عندما وصف تخفيف العقوبات بأنه "تخفيف متواضع جداً على هامش العقوبات التي وضعناها"، مضيفاً: "الأهم أننا سنبقي قلب العقوبات، التي أثبتت فعالية قصوى في تأثيرها على الاقتصاد الإيراني، قائماً، ولا سيما لناحية العقوبات على النفط وعلى البنوك والتمويل".

وكان مساعد وزير الدفاع السابق، كولن كال، قال في جلسة استماع هذا الأسبوع، أن الأموال التي ستحصل عليها طهران بموجب الاتفاق لن تتعدى 10 مليارات دولار، فيما سيؤدي الاتفاق إلى "استغراق إيران ضعف المدة اللازمة" لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب لصناعة قنبلة نووية.

وختم كال بالقول إن اتفاق جنيف النووي مع إيران "يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل"، وذلك في محاولة لتهدئة حالة الغضب الاسرائيلية من الاتفاق، والتي لخصها وزير الاقتصاد الاسرائيلي، نفتالي بينيت، زعيم "حزب البيت اليهودي" الديني المتشدد . الأخير اتهم الولايات المتحدة، في حديث امام معهد بروكينغز سابان للدراسات حول سياسة الشرق الاوسط في واشنطن، بأنها تقامر بأمن إسرائيل.

الخميس، 14 نوفمبر، 2013

أوباما الضعيف داخليا في طريقه ليصبح «بطة عرجاء»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لم تشغل المفاوضات النووية مع ايران الاوساط السياسة في العاصمة الاميركية، التي ينصب اهتمامها في شكل متزايد على انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل، وانتخابات الرئاسة العام 2016، والتي تبدأ انتخاباتها التمهيدية في يناير 2015، مع ما يعني ذلك من انحسار لقوة الرئيس باراك أوباما، الذي صار يتحول في شكل متسارع الى ما يعرف بـ «البطة العرجاء». 
المعركة الرئاسية بدأت مع اعادة انتخاب الجمهوري كريس كريستي، الاسبوع الماضي وبفارق شاسع من الاصوات، محافظا لولاية نيوجيرزي ذات الغالبية الديموقراطية. كريستي، وهو من الجمهوريين المعتدلين، يعد الاوفر حظا للفوز ببطاقة حزبه لانتخابات 2016، ليواجه خصما ديموقراطيا، يعتقد كثيرون انه سيكون وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.
على ان انتخاب كريستي، والذي تزامن مع انتخاب الديموقراطي روبرت ماكوليف محافظا لولاية فيرجينيا المتأرجحة بين الحزبين انتخابيا، اعاد الحديث عن ضعف الجمهوريين وانقسامهم، واستمرار تقدم فصيل «حفلة الشاي» على حساب المؤسسة الجمهورية الرسمية. 
و«حفلة الشاي» تحرز نجاحات على مستوى الانتخابات الداخلية في الحزب بسبب تطرف مرشحيها يمينيا، ولكن هؤلاء عندما يترشحون خارج الحزب، يعانون من ضيق قاعدتهم الانتخابية، ما يسهل فوز الديموقراطيين عليهم، وهو ما دفع كبير القادة الجمهوريين المستشار الرئاسي السابق كارل روف الى انتقاد «حفلة الشاي»، والقول ان هؤلاء يدفعون عقائديين الى الواجهة من دون التفكير بحظوظهم الانتخابية عموما، ما يؤثر على اداء الحزب ككل. لكن ضعف الجمهوريين لا يبدو انه يضمن تقدم الديموقراطيين عليهم، وبسبب الانحدار الكبير في شعبية أوباما، والذي صار الخبراء يطلقون عليه لقب السياسي «المسموم»، اي ان كل من يرتبط بالرئيس الاميركي حاليا من شأنه ان يعاني شعبيا وانتخابيا.
اما ضعف أوباما فسببه الرئيسي فضيحة فشل الموقع الالكتروني لتطبيق «قانون الرعاية الصحية»، والذي بدأ العمل به مطلع الشهر الماضي. حتى بيل كلينتون، الرئيس السابق الاكثر شعبية من دون منازع، والذي لعب دورا مركزيا في دعم أوباما في ولايته الاولى وفي اعادة انتخابه، خرج ليطلب من أوباما «اصلاح» المشاكل الناجمة عن القانون. وطالب كلينتون أوباما بالالتزام بوعد كان قطعه للاميركيين بامكانية احتفاظهم ببوليصاتهم للتأمين الصحي بعد صدور القانون، ليفاجأ عدد كبير منهم ان شركات التأمين اوقفتها بسبب احكام القانون الجديد.
اما دعوة كلينتون، فيبدو ان سببها رغبته في الابتعاد عن أوباما، «المسموم» انتخابيا، للمحافظة على الفرص الانتخابية لزوجته هيلاري العام 2016.
يضاف الى تقهقر أوباما داخليا، واقتراب موعد انتخابات الكونغرس، الضعف الذي اظهره في عدد من السياسات الاخرى، والخسارات التي تكبدها في قوانين حيازة الاسلحة والهجرة، كذلك ارتباك «الفريق الأوبامي» في السياسة الخارجية، واعلانه نيته شن حرب على سورية، ثم ذهابه الى الكونغرس، ثم خروجه منه من دون تصويت ومع تقديم تنازلات للروس. 
سورية لا تؤثر في وضع الرئيس السياسي داخليا، ولكن ما يؤثر في المشهد السياسي - بسبب النفوذ الذي تمارسه اسرائيل واصدقاؤها - هو ملف المفاوضات مع ايران، فأوباما ظهر وكأنه يحاول التوصل الى اتفاق مع الايرانيين بأي شكل، حتى لو كان ذلك يعني تقديم تنازل على شكل تجميد بعض العقوبات، من دون الحصول على تنازلات تذكر في المقابل من الايرانيين.
الضعف في المفاوضات مع ايران، حسب بعض الاميركيين، دفع اعضاء الكونغرس من الحزبين الى الابتعاد عن أوباما وادارته، التي ظهرت بمظهر المعزولة، حتى داخل واشنطن، في وقت تحتاج فيه الى دعم داخلي وعالمي من اجل اتمام اي صفقة مع الايرانيين.
اذاً، تهاوي أوباما سياسيا سيؤدي الى المزيد من الضعف لادارته، وسيفرض عليه المزيد من الابتعاد عن شؤون الخارج، والتفرغ اكثر لشؤون الداخل.
ومن المرجح ان ينفق أوباما ما تبقى من وقته في الرئاسة في اجراء اصلاحات في نظام الرعاية الصحية، القانون الذي يعتبره أوباما حجر الزاوية لسيرته الرئاسية. كذلك، قد يحاول الرئيس الاميركي تحريك بعض القوانين العالقة مثل قانون الهجرة، لكن اقتراب موعد انتخابات الكونغرس سيبعد كثيرين عن تبني هكذا مشروع مثير للجدل.
وفي الوقت المتبقي له، قد يحاول أوباما التوصل الى صفقة مع الجمهوريين حول موازنة جديدة تساهم في اصلاح برامج الرعاية الاجتماعية والحد من مصاريفها بهدف تقليص العجز السنوي في الموازنة ولجم الدين العام، ولكن كما القوانين الاخرى، سيكون من الصعب على رئيس يفتقد الى رصيد سياسي يذكر، بسبب انحدار شعبيته، ان يتوصل الى اي اتفاقيات من هذا النوع.
في الشرق الاوسط، حيث طموح أوباما هو «سياسة متواضعة»، على حد تعبير مستشارته للأمن القومي سوزان رايس، سيستمر وزير خارجيته جون كيري في بهلوانياته الديبلوماسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
صحيح ان كيري اطلق مجموعة من الوعود التي يفترض ان تتبلور الربيع المقبل، منها الانتخابات العراقية في ابريل، وتسليم الترسانة الكيماوية السورية في مايو، والتوصل الى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين في يونيو، ونهاية ولاية الرئيس السوري بشار الاسد في يوليو، وتوقيع اتفاقية مع الايرانيين حول برنامجهم النووي قبل حلول اغسطس، الا انه صار من الواضح ان برنامج كيري هو حبر على ورق.
من غير الواضح ان كانت المفاوضات بين مجموعة دول «خمس زائد واحد» وايران، في جنيف الاربعاء المقبل، ستثمر، ولكن الترجيحات تشير الى نتيجة عقيمة، وان كان الحال كذلك، يعني ان ادارة أوباما وصلت ذروتها الديبلوماسية يوم السبت، حينما وصل كيري الى جنيف وهو يبتسم ابتسامة المنتصر لاقترابه من تحقيق اختراق ديبلوماسي مع ايران يمكنه ان يصبح جزءاً من السيرة السياسية له ولرئيسه. 
لكن الفرنسيين نسفوا الاتفاق. منذ تلك اللحظة، يبدو، ان حقبة أوباما دخلت فصلها الاخير في وقت بدأ الرئيس عملية تحوله الى «بطة عرجاء»، حسب التعبير الاميركي، وصار يقترب من موعد خروجه من البيت الابيض ودخوله كتب التاريخ.

الأربعاء، 13 نوفمبر، 2013

عضو بمجلس الشيوخ الأميركي: لحظة الاتفاق مع إيران... مرّت

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فجأة، توقفت الجلسات المغلقة التي دأب على عقدها كبار المسؤولين في البيت الابيض ووزارة الخارجية مع الصحافيين للحديث حول قرب التوصل الى اتفاق مع ايران. وحده وزير الخارجية جون كيري راح يدافع عن موقف حكومته التي قاربت توقيع المرحلة الاولى من الاتفاق مع طهران، قبل ان تنسفها باريس. 
كرر كيري ان واشنطن لم تكن لتسمح لايران بالحصول على السلاح النووي اصلا، ووجه اصابع اللوم الى الايرانيين في فشل الاتفاق.
لكن ارتباك كيري وادارة الرئيس باراك أوباما المتواصل صار يبدو وكأنه قاعدة في السياسة الخارجية: تبدأ الادارة باعلان هدف دخولها في مفاوضات، إما مع الروس حول سورية وإما مع الايرانيين حول النووي، وتنتهي مع تنازلها عن معظم اهدافها وخروجها باتفاق تحاول اقناع العالم بأنه لمصلحتها رغم اصرار الجميع، الاعداء والاصدقاء، على ان الاتفاق كان بمثابة خسارة فادحة لاميركا وحلفائها.
في جنيف، كان متوقعا ان تبطئ ايران تخصيبها لليورانيوم بوقفها تشغيل تسعة الاف من اصل الطرود المركزية الخمسة عشر الفا التي تملكها للتخصيب. كذلك، كان مطلوبا ان يحول الايرانيون معظم مخزونهم من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المئة الى قضبان لتوليد لطاقة والابحاث، وتجميد بناء مفاعل آراك للبلوتونيوم، وتجميد عملية اضافة المزيد من الطرود المركزية التي تخصب اليورانيوم.
في المقابل، يفرج المجتمع الدولي عن 3 مليارات دولار من الاموال الايرانية المجمدة حول العالم، ويسمح لايران ببيع ما يقارب 10 مليارات من الذهب وتسلم اموالها بالعملات الصعبة، وبيع ما يساوي 5 مليارات من البتروكيماويات، اي ان المصرف المركزي الايراني يحصل على نحو 18 مليارا مقابل الخطوات الايرانية.
تلك كانت المرحلة الاولى او التجريبية من اتفاقية كان من المتوقع ان تليها ستة اشهر من المفاوضات لتثبيت مفاعيلها، وتوسيعها، وتحويل التجميد الايراني المؤقت للبرنامج النووي الى وقف دائم، باستثناء نسبة ضئيلة من تخصيب اليورانيوم الى درجة 3.5 في المئة، حسب قول كبار المسؤولين الاميركيين المفاوضين قبل توجههم الى جنيف يوم الخميس الماضي.
كانت حسابات أوباما وكيري مبنية على ان خفض كمية التخصيب وتحويل اليورانيوم الايراني المخصب بدرجة 20 في المئة الى قضبان يبعد ايران عن موعد انتاج القنبلة. ومع ان حلفاء اميركا، مثل اسرائيل، كانوا يطالبون بأن تفضي اتفاقية جنيف الى التزام ايران بقرارات مجلس الامن، اي وقف التخصيب الايراني نهائيا، مقابل رفع العقوبات، الا ان الادارة الاميركية اعتقدت ان اتفاقية اولية يمكنها اسكات المعارضين للانتقال الى البحث في اتفاقية نهائية.
ولسبب ما، ظهر ان الاتفاقية الاولية تختلف حتى عما قاله المفاوضون الاميركيون للصحافيين في طريقهم الى جنيف، فايران لم تعد بتجميد تركيب طرود مركزية جديدة، وهي تضيفها بمعدل 500 في الشهر، ولم تقدم طهران وعدا بوقف بناء مفاعل آراك، وحافظت على عمل 9000 من الطرود لديها، وكل هذه الامور تشير الى ان ايران ماضية في تقليص المدة التي تحتاجها لبناء قنبلة نووية، وفوق ذلك، تحصل على 15 الى 20 مليارا من الدولارات من شأنها ان تنعش الاقتصاد الايراني المتهاوي، ما يعطيها المزيد من الوقت للمضي في برنامجها.
هنا تدخلت اسرائيل، اذ على عكس سورية، حيث تنازل كيري عن العمل العسكري وعن اصدار قرار مجلس الامن بالفصل السابع في الوقت نفسه، لم تكن تل ابيب لتسمح بتنازل نووي للايرانيين في صفقة وصفها رئيس حكومتها بـ «السيئة جدا جدا»، وهي عبارة راحت تتردد على ألسنة اعضاء الكونغرس من الحزبين، وباشر هؤلاء بشن حملة ضد أوباما، وراحوا يشيدون بفرنسا، التي يبدو انها نسفت الاتفاقية بعد تنسيق عن كثب مع الاسرائيليين.
وبدأ اعضاء الكونغرس حملتهم بحلقات دردشة مع الصحافيين، وقال السناتور الجمهوري مارك كيرك، الذي باشر العمل على اصدار قانون يشدد العقوبات على ايران، ان احتياطي ايران حاليا يبلغ 80 مليار دولار، منها 20 نقدا بحوزتها، و50 مودعة في حسابات مجمدة يمكنها استخدامها للمقايضة التجارية مع بعض الدول مثل الصين والهند واليابان، و10 مجمدة. وقال كيرك ان الافراج عن 20 مليار دولار للايرانيين يمثل 25 في المئة من حجم الاحتياطي الحالي، ويضاعف كمية النقد الاجنبي المتوفر لها حاليا. 
واضاف كيرك انه ان قامت مجموعة دول خمس زائد واحد بالسماح لدول مثل الصين والهند بتحويل المليارات الخمسين الى سيولة للايرانيين، يرتفع الاحتياطي الايراني النقدي من 20 حاليا الى قرابة 70، وهو ارتفاع كبير في ظل اتفاقية مؤقتة، ويسمح للايرانيين بالمماطلة في المرحلة الثانية للاتفاق، وبالمضي في «التوصل الى القدرة على بناء قنبلة».
واول من امس، توجه كيري الى الكونغرس، وباشر - مستندا الى تاريخه الطويل وعلاقاته - في حملة لمحاولة اقناع اعضائه بتأجيل اقرار المزيد من العقوبات على ايران، وفي اقناعهم بجدوى اتفاقية جنيف التي نسفها الفرنسيون. الا ان كيري سمع من احد الاعضاء، ساعة حضوره، التالي: «يا سيادة الوزير، الايرانيون جاؤوا ليفاوضوك في جنيف لا لاننا أجلنا اقرار العقوبات عليهم في الماضي، بل لأن عقوباتنا اجبرتهم على الحضور».
في الايام المتبقية قبل ان تلتأم مجموعة دول خمس زائد واحد في جنيف يومي الاربعاء والخميس المقبلين، سيحاول كيري في واشنطن، كما سيحاول ديبلوماسيوه في باريس وتل ابيب والرياض، «بيع الصفقة» مع الايرانيين للحلفاء والاصدقاء. 
لكن «اللحظة مرت»، يقول احد اعضاء مجلس الشيوخ.
على ان البعض في واشنطن، من امثال مسؤول ملف ايران السابق المبعوث الرئاسي دينيس روس، يعتقدون ان ما يحصل الآن هو تحويل معادلة «تجميد (التخصيب) مقابل تجميد (العقوبات)»، والتي رفضها الايرانيون في العام 2007، الى معادلة «وضع سقف (للتخصيب) مقابل وضع سقف (للعقوبات)». 
ويقول روس في مطالعة ان المشكلة تكمن في ان حلفاء اميركا يخشون من ان اي تراجع في العقوبات من شأنه ان يؤدي الى انهيارها كليا، من دون تنازلات ايرانية تذكر، وانه من المفيد لاميركا ان تشرح لحلفائها ولايران ان تعليق بعض العقوبات هو مؤقت فقط، ويمكن اعادته. 
عملية تواصل واشنطن مع حلفائها قد تكون ضرورية «خصوصا في وقت تحتاج الادارة الى ارسال رسالة غير تلك التي تقول فيها انها تقلص مصالحها في المنطقة، وان لديها مشاكل اكبر في مناطق اخرى من العالم»، وفق ما يرى روس.





عاشوراء قبل النووي الايراني

حسين عبدالحسين
ساحات التحرير

في ايام الصبا، كان جدي لأمي يقيم مجلس عاشوراء سنويا في مسقط رأسه بعلبك، وهي عادة كان يقول لي انه ورثها عن ابيه، الذي ورثها عن جده من قبله. كان القارئ رجلا متقدما في السن من آل نصرالله، نصرالله بعلبك، وهؤلاء ليسوا اسيادا في نسبهم، وكان زيّه غير ديني، وكان يعمل خبازا، وفي ايام عاشوراء، يقرأ الأجر، ومع نهاية الايام العشر، يكرمه اصحاب المجالس.

لم يكن لدى قارئنا مايكروفونا، ولا رايات، ولم يتشح الرجال الحاضرون بالسواد. كانوا يجلسون في الصالة. انا واقراني نوزع الشاي والبيتي فور، وهم يتحادثون، ثم يبدأ القارئ بالصلوات، ويفتتح قراءته بالقول: "السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا ابن حبيب الله، السلام عليك يا ابا عبدالله الحسين، يا سيدي، يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزا عظيما".

ويقرأ في سيرة الحسين، في مآثره، في اخلاقه، وفي الدقائق الاخيرة، يروي من معركة كربلاء، وهنا تتغير نبرة صوته الى شجن غير مبالغ به، ويطرق الحاضرون رؤوسهم متفكرين حزنا، ثم يختتم بالصلاة على محمد وآله، ويعود الحاضرون الى عالمهم والى دردشتهم، ثم ينفضون بعد مصافحات وتبادل عبارات "عظم الله اجركم" و"شكر الله سعيكم".

وفي السنوات الاولى من عقد الثمانينات، رسم احد الاقارب في الحي، وكان اسمه محمد سعيد وصاحب دكان حديد، جدارية على سور حديقته فيها السيدان موسى الصدر وروح الله الخميني، وصار يرتدي وعائلته قمصان سوداء في عاشوراء. ثم نصب اضاءة عملاقة وميكروفونا واقام مسرحا، وراح يقيم مجالس عزاء كان القارئ فيها يتصنع اللهجة العراقية بهدف ابكاء الحاضرين بشكل متواصل، ويروي لهم عن كربلاء روايات فيها من الخرافة الكثير، على شكل ان بنت الحسين كانت مع السبايا حين احست بجوعها وطلبت طعاما، فاحضروا لها طبقا، وعندما كشفت الغطاء، فاذ هو رأس الحسين، فبكت وقالت اريد طعاما لا رأس ابي. ثم في مجلس يزيد، تكلم رأس الحسين وشعر يزيد يشعر بالخزي.

ومع المبالغات في السيرة بدأت المغالاة في الشعائر، وانتشرت اللطميات على شكل تظاهرات كانت تسير من قلعة بعلبك الى رأس العين يوم المصرع.

ومع الانقلاب الذي طرأ على تقليد عاشوراء الذي مارسه البعلبكيون، وغيرهم من شيعة الشام وجبل عامل، عبر اجيال، سأل احد الحاضرين يوما القارئ نصرالله، وكان رجلا ورعا وعالما بشؤون الدين، حول اللطم، فأجاب انه يقرأ مجالسه من كتاب المجالس السنية للعلامة الراحل محسن الامين، الذي عمل على تنقية هذه المجالس من الخرافات والمبالغات. ونقل القارئ عن السيد الامين تحريمه اللطم اذ في اللطم ايذاء للنفس، وايذاء النفس معصية، و"لا تجوز طاعة الله من حيث معصيته".

السيد محسن الامين، المدفون في مقام السيدة زينب، كان عامليا درس في النجف، وانتدب نفسه لخدمة المجموعة الشيعية الصغيرة في الشام، وكانت بعلبك بمثابة "ريف الشام"، فكان مقلدوه في دمشق وبعلبك. والسيد محسن الامين كان كارها للخرافة الدينية، وكان مؤمنا بالعلم، واسس مدرسة، المحسنية،  مازالت تحمل اسمه، وعملت بمؤازرة اعيان شيعة دمشق من آل مرتضى وروماني وحلباوي والعضل وبيشلي.

وكان محسن الامين، مثل غالبية الشيعة السوريين واللبنانيين، مؤيدا للثورة السورية للاستقلال عن الفرنسيين. وتقول الرواية المتناقلة ان اركان الدولة السورية بعد الاستقلال قاموا بأول زيارة الى منزله، واطلقوا اسمه على الحي الذي كان يسكن فيه، وكان يعرف بحي الخراب الذي اصبح فيما بعد حي الامين.

مات محسن الامين، ومات جدي، ومات العلم، وسادت الخرافة، ولم تعد سيرة الحسين درسا في الصبر على الظلم والتمسك بالمبادئ، بل تحول الحسين الى رمز انتقام ودم، وصار للحسين رايات مقدسة وجيوش غاضبة، وظهر يزيد في داخل كل واحد من انصار الحسين، وصار العنف هو الحل.

لم يخرج الحسين الى الكوفة طلبا لحق الامة الايرانية بتخصيب اليورانيوم. ولم يخرج الحسين من اجل فلسطين، او من اجل الثلث المعطل في حكومة لبنان، او من اجل الحفاظ على العائلة الحاكمة في دمشق.

يوم كنا صغارا، كان الحسين كبيرا.

Since December 2008