الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

أميركا: تحسّن المؤشرات لا ينعكس بحبوحة

واشنطن - حسين عبد الحسين

فجّر الاقتصاد الأميركي مفاجأة سارة للرئيس باراك أوباما وفريقه الاقتصادي بتسجيله نمواً بلغ 4.1 في المئة للفصل الثالث من هذه السنة، وهي الأعلى منذ نهاية 2011 وثاني أعلى نسبة منذ تولي أوباما الحكم مطلع 2009. ودفعت تقارير النمو الصادرة عن «مكتب التحليلات الاقتصادية» التابع للحكومة الفيديرالية، سوق الأسهم الأميركية إلى الارتفاع إلى مستويات قياسية، وترافق ذلك مع مؤشرات اقتصادية إيجابية أخرى مثل تلك التي أشارت إلى أن نسبة البطالة انخفضت في 27 من أصل الولايات الخمسين، فيما تجمع التوقعات على مزيد من الانخفاض في نسبة البطالة على مستوى البلاد ككل إلى ما تحت نسبة 7 في المئة التي تسجلها حالياً.

كل هذه التقارير الإيجابية دفعت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد إلى القول إن الصندوق سيعيد النظر في نسبة النمو المتوقعة للاقتصاد الأميركي للعام المقبل، والتي يقدرها حالياً بـ2.5 في المئة. وأوضحت لاغارد أن النهوض الاقتصادي الأميركي سينعكس إيجاباً على الاقتصاد العالمي. لكنها لم تحدد نسبة التوقع الجديدة للاقتصاد الأميركي للعام المقبل. واعتبرت غالبية الخبراء أن «الرقم السحري» المرجو لنمو الاقتصاد الأميركي هو 3 في المئة، وأن تحقيق نمو بهذه النسبة أو أكثر قد يشير إلى أنه عاد إلى النمو في شكل طبيعي لأول مرة منذ الأزمة المالية منتصف أيلول (سبتمبر) 2008.

بالنسبة لأوباما، فإن «الأخبار الجيدة» تكمن في أن النمو الذي يتحقق اليوم يأتي فيما دأبت الحكومة الفيديرالية، على مدى العامين الماضيين، على عصر النفقات وتقليص العجز، ما من شأنه نظرياً أن يؤدي إلى انكماش اقتصادي، أو أن يؤثر سلباً في النمو. أما النمو الأميركي الحالي الذي يأتي في خضم تقشف الحكومة، فيعني أن الاقتصاد يتعافى فعلاً، وأن النمو يقوده القطاع الخاص، بصرف النظر عن مستويات الإنفاق الحكومي.

وترافقت التقارير عن نسبة النمو المرتفعة للفصل الثالث من هذه السنة مع أخرى أشارت إلى نمو في الصادرات، فاق النمو في الواردات، ما أدى إلى تقلص في العجز التجاري وتحسن في ميزان المدفوعات. وأشارت التقارير إلى عودة المستهلك الأميركي إلى شهيته السابقة في الإنفاق، مع العلم أن الإنفاق الاستهلاكي يشكّل أكثر من ثلثي الناتج الاقتصادي الأميركي سنوياً.

وعلى رغم التقشف الحكومي إلا أن النمو الاقتصادي خلق ثقة لدى الأميركيين عموماً، والاحتياط الفيديرالي خصوصاً الذي أعلن نيته بدء الإنهاء التدريجي لبرنامج شراء السندات وضخ السيولة النقدية في الأسواق بمعدل 85 بليون دولار شهرياً. وكانت تلميحات مسؤولي الفيديرالي حول إنهاء هذا البرنامج في الماضي أدت إلى زعزعة الثقة وإلى هبوط في أسواق المال. إلا أن معدلات النمو الحالية صارت تفسح المجال للاحتياط الفيديرالي بإنهاء البرنامج تدريجاً من دون الخوف على مصير سوق الأسهم، أو على عملية التعافي التي كانت متأرجحة حتى الأمس القريب.

لكن طريق أوباما إلى دخول نادي الرؤساء الأميركيين الذين يذكرهم التاريخ بسبب النمو الاقتصادي والبحبوحة في عهودهم لا يزال طويلاً ومعقداً، فأوباما حتى الآن ما زال الرئيس الذي شهدت البلد في خمس سنوات من حكمه أدنى مستويات نمو اقتصادي منذ عهد الرئيس الراحل هاري ترومان، إذ بالكاد بلغ معدل النمو في زمن أوباما 1.6 في المئة، أدنى حتى من معدل مستوى النمو الاقتصادي في زمن سلفه جورج بوش، والذي بلغ 1.7 في المئة بين 2000 و2008.

ويتصدر الرئيس الراحل جون كينيدي ونائبه وخلفه ليندون جونسون الرؤساء الذين شهد الاقتصاد الأميركي أعلى نسبة نمو في عهدهم منذ الحرب العالمية الثانية، إذ بلغت 5.2 في المئة، تلاه بيل كلينتون بمعدل نمو بلغ 3.7 في المئة، فجيمي كارتر بـ3.4 في المئة، فرونالد ريغان بـ3.3 في المئة، فريتشارد نيكسون ونائبه وخلفه جيرالد فورد بـ2.7 في المئة، فدوايت آيزنهاور بـ2.3 في المئة. وفي نادي الرؤساء الذين لم يبلغ معدل النمو في حكمهم الاثنين في المئة جورج بوش الأب بـ1.9 في المئة، وترومان بـ1.8 في المئة، وبوش الابن بـ1.7 في المئة.

وما زالت أمام أوباما فرصة لتحسين صورته، فأمامه ثلاث سنوات، أو 12 فصلاً، وإذا صحت التوقعات واستمر معدل النمو بنسبة 3 في المئة أو أكثر، يمكن معدل أوباما أن يرتفع من 1.6 حالياً إلى 2.1 في المئة مستقبلاً، وهو ما من شأنه إخراجه من نادي الرؤساء ذوي الأداء الاقتصادي المزري.

أما على أرض الواقع، فنسبة نمو بمعدل 3 في المئة من شأنها أن تخالف نظريات عدة قدمها اقتصاديون تشير إلى أن النمو ينخفض بنسبة 1 في المئة عقداً بعد عقد، وأنه انخفض من 4 في المئة في الثمانينات، إلى 3 في التسعينات، فـ2 في المئة في العقد الماضي، ثم إلى حوالى 1.5 في المئة منذ وصول أوباما إلى الحكم.

أخبار النمو الأميركي أعادت بعض الثقة إلى الأميركيين وحكومتهم، وقلصت الإحباط الذي أصابهم بسبب ما تصوره البعض نهاية قوتهم الاقتصادية وصعود قوى أخرى حول العالم منذ عام 2008. «إياكم أن تراهنوا ضد الولايات المتحدة»، هو القول المعروف لثاني أغنى رجل أميركي البليونير المعروف وارن بافيت الذي حقق معظم ثروته من نجاحه في قراءة الأسواق المالية ومضاربته فيها.

فريد هوف ينتقد السياسة الأميركية القائمة على «نصف دعم» للمعارضة السورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في مسلسل «حمام الهنا» السوري، يلقن غوار الطوشة (دريد لحام) حسني البرازان (نهاد قلعي) درسا، فيتوصل الاخير الى نتيجة مفادها ان في كل ما يقوله غوار قطبة مخفية، او مقلبا، وان افضل وسيلة للتعامل مع صاحب المقالب هو القيام بعكس ما يقوله تماما. هكذا هي سياسة الولايات المتحدة تجاه سورية اليوم: القيام بعكس كل ما قامت به في العراق منذ العام 2003. 
ومايزيد الطين بلة ان غالبية الديبلوماسيين الاميركيين، السابقين والحاليين، المعنيين بالازمة السورية، سبق ان عملوا في العراق واكتسبوا فيه تجربة ساهمت في تشكيل، او اعادة تشكيل، رؤيتهم اومفهومهم للشرق الاوسط ككل. اما الديبلوماسيون الاميركيون الوحيدون الذين مازالوا يبدون رأيا سديدا في الازمة السورية، فهم ممن لم يتعاطوا بالملف العراقي على مدى العقد الماضي.
فروبرت فورد، السفير الاميركي في سورية الذي غادرها لاسباب أمنية، سبق ان عمل في العراق وتوصل الى نتيجة مفادها ان لا حل عسكريا للخروج من الازمة فيه، وانه لابد من حل سياسي يرضي جميع الفرقاء، وهو الحل الذي يعتقد فورد ان لا مناص منه في سورية، بغض النظر عن ميزان القوى العسكري على الارض بين الرئيس بشار الاسد ومعارضيه. 
لكن ابرز الديبلوماسيين ممن سبق ان عملوا في العراق ويتحدث اليوم بطلاقة حول الموضوع السوري فهو السفير السابق في بغداد ريان كروكر، الذي دعا عبر صحيفة «نيويورك تايمز» الى الانفتاح على الأسد لأنه اهون الشرين، والتنسيق معه في محاربة التنظيمات الاسلامية الاصولية المتطرفة في سورية مثل «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام».
ووصف كروكر قبول بقاء الاسد بالسيناريو الاكثر واقعية، معتبرا انه «حان الوقت للتفكير بمستقبل لسورية من دون الاطاحة بالأسد، لأن الارجح ان هذا ما سيحدث مستقبلا». 
واضاف كروكر: «لأنه احسن تسليحا وتنظيما، ودعما، وحماسة، لن يرحل الاسد، والارجح انه سيستعيد البلاد، شبرا دمويا بعد شبر دموي، وربما يحافظ تنظيم القاعدة على جيوب في الشمال، لكن (الاسد) سيحافظ على دمشق». وختم: «وهل نريد البديل حقا، بلد رئيسي في قلب العالم العربي في ايدي القاعدة؟».
اما فرد هوف، وهو ديبلوماسي مخضرم عمل على الملف السوري منذ وصول أوباما الى الحكم وحتى خروجه من وزارة الخارجية قبل نحو عام، فهو، على الرغم من تاريخه الطويل في التعاطي مع الشرق الاوسط، لم يكن منخرطا في حرب العراق، بل كان من الفريق الاوبامي الذي باشر بتسويق سياسة «الانخراط» مع الاسد، وانهاء عزلة دمشق، وابعاد النظام السوري عن ايران عن طريق التوصل الى تسوية سلمية تعيد الجولان الذي تحتله اسرائيل الى السيادة السورية.
لكن هوف وجد نفسه فجأة في وسط عملية سلمية متهالكة، ومسار سوري - اسرائيلي متوقف، وصادف ان اندلعت الثورة السورية في مارس 2011، فتحول الى ارفع ديبلوماسي مكلف متابعتها، خصوصا التنسيق مع الاوروبيين، بمن فيهم الروس والاتراك، في الشأن السوري، فعايش الديبلوماسي الاميركي اولى سنتين للاحداث السورية، وتوصل الى استنتاجات تتضمن تعاطفه الانساني مع ضحايا الاسد من السوريين، الى جانب الحسابات البراغماتية المطلوبة للسياسة الاميركية.
ولأن هوف، على عكس كروكر، لا يرى الحلول السورية باردة وغير انسانية ومحصورة بين شرين، فهو يعتقد انه يمكن للولايات المتحدة التأثير في ما يحدث بطريقة ايجابية. 
والمراقب لمواقف هوف قد يلاحظ صمته اثناء خدمته في الخارجية، والتزامه بسياسة بلاده المتخبطة نحو سورية، حتى يوم تقاعده. بعد ذلك، اطلق الديبلوماسي الاميركي العنان لمخيلته وآرائه التي تخالف صراحة آراء حكومته.
وكتب هوف في موقع «مركز رفيق الحريري» التابع لـ «مجلس الاطلسي»، حيث يعمل كبيرا للباحثين، ان «المدنيين السوريين يجدون انفسهم تحت رحمة نظام متوحش واسلاميين عنفيين لأن الغرب قدم نصف دعم للوطنيين السوريين، واختار ان يترك موضوع تسليح مقاتلي المعارضة السورية في ايدي آخرين». 
وتابع ان «اتفاق (نزع) الاسلحة الكيماوية سمح بطريقة ضمنية للأسد باستئناف حرب من دون ضوابط ضد المدنيين السوريين، ومؤتمر جنيف اعطى النظام واصدقاءه تاريخ 22 يناير ليقوموا بأسوأ ما يمكنهم القيام بهم».
وختم هوف: «لم يكن اي من هذا مقصودا من الرئيس باراك أوباما، ولا شك انه يشعر برعب ما يحدث، لكن رغم ذلك، كل شيء يحدث في وضح النهار».
ديبلوماسيو واشنطن ممن عملوا في العراق يعتقدون بضرورة التواصل مع كل الاطراف لتحقيق هدف واحد: إلحاق الهزيمة بالتنظيمات الاسلامية المتطرفة. ذلك كان الهدف الذي سعوا الى تحقيقه في العراق، وهو ما يسعون الى تكراره في سورية، حتى لو كان ذلك يعني اعادة وصل ما انقطع مع الاسد. 
اما الديبلوماسيون الذين عاشوا مراحل الازمة السورية، من دون ظلال عراقية، فيرون في الازمة السورية مشكلة اجرام نظام بحق مدنيين عزل، ويرون ارتباكا اميركيا وغربيا ساهم في الوصول الى الوضع الحالي الذي صار يميل الى اعطاء الأسد اجازة ممارسة حرب من دون ضوابط تحت عنوان مكافحة الارهاب، وهو العنوان الذي يمثل نقطة ضعف لدى الاميركيين.
اما الكلمة الفصل بين المدرستين الديبلوماسيتين الاميركيتين فبيد أوباما وحده، والاخير يبدو انه عديم الخبرة في السياسة الخارجية، ويحاول الابتعاد عن كل المآزق التي وقع بها سلفه جورج بوش. لكن يبدو كذلك ان اوباما لا يعرف الفرق بين الابتعاد عن مآزق بوش والابتعاد عن اتخاذ قرارات مطلوبة ادى عدم اتخاذها الى تأزيم الوضع اكثر، وبدلا من ان ينجح أوباما في تفادي مشكلة في سورية، وجد نفسه في مشكلة اكبر، تكللها اليوم دعوات الى العودة الى حضن الأسد، الحضن نفسه الذي اوصل الى اندلاع الثورة السورية اصلا.

الأربعاء، 25 ديسمبر، 2013

هل انتصر سنودن؟

حسين عبدالحسين

المقالة التي أعلن فيها المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية، ادوارد سنودن "فوزه" في صحيفة "واشنطن بوست" في إشارة إلى تمكنه من كشف وثائق بحوزته من دون الوقوع في قبضة السلطات الأميركية، جاءت في أكثر من أربعة آلاف كلمة، لكنها لم تذكر تفصيلاً أساسياً هو أن سنودن وأباه ومحيطه ينتمون إلى التيار السياسي المعروف بـ "الليبرتاريين"، وهو تيار محسوب على الحزب الجمهوري اليميني، ولكنه في الواقع متطرف، معروف بعدائه لمبدأ وجود الحكومة الفيدرالية وعملها.

التيار، هو نفسه الذي يعتبر المحرك الأساسي لحركة "حفلة الشاي"، التي تتمتع بكتلة من قرابة 50 عضواً في مجلس النواب، وحفنة من الأعضاء في مجلس الشيوخ، يتصدرهم السيناتور عن ولاية تكساس، تيد كروز، وهم من قادوا عملية تعطيل الحكومة الفيدرالية 17 يوماً في تشرين الأول الماضي، وفي 17 منه، حاولوا إجبارها على التخلف عن سداد ديونها. وهو ما كان من شأنه أن يطيح لا بالسمعة المالية للحكومة الأميركية وتصنيفها الائتماني فحسب، بل بالاقتصاد الأميركي -- وربما العالمي -- برمته.

والليبرتاريون هم مدرسة فكرية فلسفية في الحكم قائمة على مبدأ الحرية الفردية، أو ليبرتي، ومن أبرزهم المرشح السابق للرئاسة رون بول ونجله السيناتور راند بول، يعتقدون أن من شأن الحكومة، أي حكومة، أن تنتقص من هذه الحرية.

كذلك، يعتقدون، أن الثورة الأميركية قامت على نجاح العموم، أو الأهالي من الأميركيين من سكان المستوطنات في القرن الثامن عشر، بإلحاق الهزيمة بحكومة الملك البريطاني جورج الثالث أثناء الثورة الأميركية.

هذا التيار يكاد يقدس الثورة الأميركية وأحداثها. ومن قرأ مقابلة سنودن مع صحيفة "واشنطن بوست"، يمكن أن يلاحظ قيام سنودن بتشبيه تنصت "وكالة الأمن القومي" الأميركية على مواطنيها بقانون "مذكرات التفتيش" الذي أصدرته بريطانيا في زمن حكمها لأميركا، الذي سمح للبريطانيين بتفتيش الأميركيين وممتلكاتهم من دون أي إذن صادر عن محكمة مخولة.

وكما يتصور سنودن ثورته ضد الادارة الاميركية على انها شبيهة بانتفاضة الاميركيين في وجه "التفتيش" البريطاني التعسفي في القرن الثامن عشر، كذلك يطلق التيار السياسي الذي يتماهى معه اسم "حفلة الشاي" على نفسه. و"حفلة الشاي" هي واقعة قيام أميركيين باعتلاء سفينة راسية في مرفأ بوسطن وإلقاء حمولتها من الشاي في البحر، بعد أن فرضت الحكومة البريطانية ضريبة جمركية على الشاي. تلك الحادثة كانت الشرارة التي أطلقت الثورة الأميركية ضد ملك بريطانيا، الحاكم المستبد، وحكومته.

وفي مقابلة سنودن نفسها، نجد تجاهله لمبدأ الانتخابات عندما يسأله مراسل الصحيفة حول من كلفه القيام بما قام به، ويردد سنودن انه قام بذلك باسم عموم الأميركيين، وباسم مصلحة الديموقراطية ضد الحكومة الجائرة.

القيام بأعمال يعتقد أصحابها أنها مبررة عقائدياً، حتى لو كانت منافية للقوانين أو نتيجتها تدمير الحكومة مالياً، هو نوع من الشعوبية التي تلقى رواجاً عند فئات محدودة من اليمين الأميركي، لكنها فاعلة ونجحت في محطات عديدة على إجبار الحزب الجمهوري على اللحاق بها إلى ما قبل أسابيع، عندما انتفضت القيادة الجمهورية في ما يبدو أنها مواجهة ساخنة اندلعت بين الطرفين.

فسنودن، الذي مجدّه الليبرتاريون، لم يلق الكثير من الشعبية بين الجمهوريين عموماً، الذين أدانوا تسريباته التي اظهرت الحكومة الاميركية في موقع المتجسس على حلفائها، مثل حكام ألمانيا والبرازيل، ما أضر حكماً بالمصلحة الأميركية، وكشف قنوات التجسس التي كانت تستخدمها. 

سنودن انطلق من عداء مطلق للحكومة الأميركية، فيما يعادي الجمهوريون إدارة باراك أوباما الديموقراطية، لا الحكومة الفيدرالية برمتها.

في الماضي، لطالما أفاد الجمهوريون من حماسة وعقائدية الليبرتاريين من أمثال سنودن، فهم استخدموا موضوع التجسس لمهاجمة أوباما، وهم يستخدمون الأفكار الليبرتارية في محاربتهم للضرائب وسعيهم تخفيضها محاباة للشركات الكبرى، على مثل ما فعل الرئيس الراحل رونالد ريغان. كذلك، استخدم الحزب الجمهوري الأفكار نفسها لتقويض مبدأ الاتحادات العمالية، والتمسك بمبدأ الفردية، وهو ما جاء أيضا لمصلحة كبرى الشركات.

وبالطريقة نفسها، يستخدم لوبي السلاح مبدأ "ليبرتي" للإبقاء على حرية شراء وحمل السلاح الفردي، من دون أي قيود حكومية، مستعيداً في كل مرة فكرة سوء الحكومة وإمكانية تحولها إلى حكومة ظالمة وجائرة قد تفرض على المواطنين انتفاضة مسلحة عليها بأسلحتهم الفردية، كما في القرن الثامن عشر ضد الانكليز.

على أنه لعقيدة سنودن و"حفلة الشاي" والليبرتاريين نتائج تكون ايجابية أحياناً. فكشف سنودن لممارسات "وكالة الأمن القومي" أجبر بعض المحاكم الأميركية على شطب بعض الصلاحيات التي كانت الوكالة تتمتع بها، وأجبر الكونغرس على ممارسة دور رقابي أكبر، وأجبر أوباما على إصدار مجموعة توجيهات جديدة في محاولة منه لإصلاح صورة حكومته التي شوهها سنودن.

في هذه الأثناء، سارعت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل وياهو، إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في حماية الخصوصية الفردية في وجه أي محاولات حكومية للتنصت أو التجسس، وكذلك فعلت شركات الهاتف، إذ لا تريد هذه الشركات أن تكتسب صورة المتواطئة مع الحكومة ضد خصوصيات المواطنين.

هل انتصر سنودن؟ قد تكون تسريباته أثارت نقاشاً عاماً أدى إلى إجبار الحكومة الأميركية على التراجع في بعض مساحات المراقبة والتجسس، لكن هذه التسريبات لم تؤد حتماً إلى انتفاضة أميركية شعبية شاملة ضد حكومتهم، بل أدت إلى تشديد المراقبة ضد موظفي الحكومة تحسباً لانشقاقات مماثلة، وأدت إلى مواجهة بين الليبرتاريين وغالبية الأميركيين، من غير المرجح أن تنتهي بفوز سنودن ومجموعته.

اتفاق الجمهوريين والديموقراطيين على الموازنة ليس خاتمة حتمية لورطة أميركا

حسين عبد الحسين

للوهلة الأولى قد يبدو اتفاق الحزبين الديموقراطي والجمهوري خاتمة الانقسامات السياسية التي فعلت فعلها في المشهد الاقتصادي الأميركي وأدت إلى خفض تصنيف الدولة الائتماني مرة، وكادت ان تجبر الحكومة الأميركية على التخلف عن تسديد ديونها مرة أخرى.

لكن الاتفاق بين الرئيسة الديموقراطية للجنة الموازنة في مجلس الشيوخ باتي موراي ونظيرها الجمهوري في مجلس النواب بول رايان قد لا يكون العصا السحرية التي تحتاجها واشنطن لإنهاء مآسي انقساماتها حول السياسات الاقتصادية.

الاتفاق المذكور يستبدل اتفاقاً سبقه معروفاً بالاقتطاع، أو سيكويستر، كان أقر خفض الإنفاق السنوي غير الملزم (أي الذي لا يتضمن صناديق الرعاية الاجتماعية وخدمة الدَّين) بواقع 1.2 تريليون على مدى العقد المقبل، وحدد إنفاق الحكومة الفيديرالية السنوي بأقل من تريليون دولار بقليل، أو ما بين 945 و967 بليوناً.

لكن سيكويستر، كما الاتفاق الأخير، يحتاج إلى إعادة تجديد سنوياً في الكونغرس قبل حلول 1 تشرين الأول (أكتوبر) وهو يوم بدء العمل بالموازنة السنوية.

في إعادة التجديد الأخيرة، ربطت الغالبية الجمهورية في مجلس النواب موافقتها بموضوع لا يتعلق بالموازنة وطلبت تعديلاً يقضي بتعطيل بدء العمل بقانون الرعاية الصحية، فيما أصر الديموقراطيون على تنفيذ الجمهوريين التزامهم بسيكويستر وإقرار «القانون المتتابع» الذي يسمح بتجديده، بغض النظر عن قانون الرعاية الصحية.

هذا يعني ان في العام المقبل، وعلى غرار ما حصل في تشرين الأول الماضي، لا شيء يمنع الجمهوريين من التنصل من اتفاق موراي - رايان، الذي استبدل الاقتطاعات العشوائية السابقة بتخفيضات في الموازنة مدروسة أكثر. كذلك سمح الاتفاق برفع الإنفاق العام السنوي غير الملزم إلى ما يقارب تريليون دولار، وسمح في الوقت ذاته بانتهاء مفاعيل إعفاءات ضريبية، بعضها للمرة الأولى منذ 1949، ما يعني مداخيل حكومية إضافية وما يعني أنه حافظ على العجز السنوي عند نسبته الحالية ذاتها.

ونص الاتفاق على إنهاء دعم الحكومة لإنتاج الحليب، وعلى تجميد عفو على ضرائب كانت مفروضة على تذاكر الطائرات وكانت الحكومة وافقت على تجميدها بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي هزت قطاع الطيران وكبدته خسائر كبيرة بسبب إحجام الأميركيين عن التنقل جواً في الأشهر التي تلت تلك الهجمات.

وعلى رغم ان الاتفاق حاز غالبية كبيرة في الكونغرس بمجلسيه، وتمتع بموافقة الرئيس باراك أوباما ودعمه، إلا أنه نظرياً لا يوجد ما يمنع تملص أي من الحزبين من تنفيذ بنوده بما يؤدي إلى اندلاع مشكلة العام المقبل تؤدي إلى إغلاق القطاعات غير الأساسية للحكومة الفيديرالية، على غرار ما حدث في تشرين الأول الماضي.

كذلك لا يتطرق الاتفاق إلى مشاكل عالقة أخرى، مثل ضرورة إصلاح صناديق الرعاية، التي يتوقع ان تنفد أموال بعضها أواخر العقد الحالي، ما يعني ان مشكلة ارتفاع الدَّين العام ستستمر في السنوات المقبلة وتتفاقم مع الزيادة المتوقعة في عدد المتقاعدين.

ولم يحل الاتفاق أيضاً مشكلة سقف الاستدانة الذي يفرضه الكونغرس على الحكومة الفيديرالية، مع ما يتطلب ذلك من تسويات لإقرار رفعه بين حين وآخر كما في المرة الأخيرة في 17 تشرين الأول الماضي عندما حُدِّد بنحو 17 تريليون دولار، على رغم مطالبات الإدارات المتعاقبة، الديموقراطية الحالية كما سابقتها الجمهورية، بإلغاء السقف والسماح بالاستدانة كلما دعت الحاجة، ومجابهة تضخم الدَّين العام بمعالجة مسبباته لا بالمجازفة بالتخلف عن تسديد مستحقات الحكومة.

على ان الإيجابية التي تُحسب لاتفاق موراي - رايان تكمن في جو الثقة التي ولّدها بين الحزبين، وفي تخفيف التوتر السياسي وقلب الصورة التي تظهر ان واشنطن معطلة تماماً بسبب الانقسام الحزبي الذي يسودها والذي يؤثر سلباً في اقتصادها عموماً.

وفي الشق السياسي أيضاً، سيحاول الجمهوريون استخدام الإيجابية المتولّدة عن الاتفاق لشن مواجهة سياسية مع الأقلية المتطرفة من بينهم، والمعروفة بحزب الشاي، والتي تتمتع بكتلة من حوالى 50 عضواً في مجلس النواب من أصل 435 صوّت كل أعضائها ضد الاتفاق.

ختاماً، تأمل موراي وحزبها كما يأمل رايان وحزبه بأن يشكل الاتفاق انفراجاً يسمح بالتوصل إلى اتفاقات أخرى حول خفض الإنفاق الإلزامي وإنهاء الإعفاءات الضريبية، ما يؤدي حتماً إلى تقليص دائم للعجز ووقف لارتفاع الدَّين العام، وتالياً إعادة المالية العامة الأميركية إلى سابق عهدها وتوازنها.

الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

أميركا: توافر التأمين الصحي للجميع قد يزيد تنافسية اليد العاملة

واشنطن - حسين عبدالحسين

في الولايات المتحدة غالباً ما تعاني قطاعات كثيرة ظاهرة الفقاعة، وكان أشهرها فقاعة المنازل السكنية عام 2008، وقبلها فقاعة «دوت كوم» في نهاية القرن الماضي، وبين الاثنتين عانت الجامعات الأميركية العريقة من مغالاة في الاستثمار وتضخم موازناتها وانعكاس ذلك على كلفة العلم فيها، ما أدى إلى هبوط حاد في موازناتها.
ولم يسلَم قطاع أميركا الصحي من هذه الظاهرة، فنما بنسب سنوية زادت على نمو الناتج المحلي وبات ينذر بأزمة. وتُعدّ موازنة أميركا الصحية الأكبر في العالم، إذ في وقت يعتقد بعضهم أن موازنة وزارة الدفاع التي تناهز نصف تريليون دولار سنوياً هي الأكبر أميركياً، إلا أنها تحتل المرتبة الثانية بعد موازنة وزارة الصحة البالغة قيمتها 850 بليون دولار.

وكان المرشح السناتور باراك أوباما يدرك وجود خلل ما في القطاع الصحي الأميركي كما القطاع المصرفي، وأن الاثنين يحتاجان إلى تشريعات تنظم عملهما وتمنع المضاربة فيهما، للتخفيف من حصول فقاعات اقتصادية في أي منهما. وعلى رغم أن فاتورة أميركا الصحية هي الأكبر في العالم، إلا أن ذلك لا يعني أنها توفر أفضل رعاية للأميركيين، كما أن ما يزيد على 20 مليون أميركي من أصل عدد السكان البالغ 330 مليوناً، كانوا يعيشون من دون تغطية صحية. وتشير الأرقام الأميركية أيضاً، إلى أن من أصل 3.5 مليون حالة إفلاس على مدى العقد الماضي، 2.2 مليون منها كانت نتيجة مشكلة صحية أصابت هذه العائلة أو تلك واضطرتها إلى بيع الغالي والنفيس لتوفير تكاليف العلاج الباهظ لتعلن الإفلاس بعد ذلك.

ولأن المال السائب يعلم الناس الحرام، باتت المستشفيات وبعض الأطباء يطلبون تكاليف كبيرة للاستشفاء، كثير منها غير مبرر. إذ ما معني أن يكون راتب مدير مستشفى نحو مليون دولار سنوياً مقارنة بمديري أكبر المصارف الذين يتقاضون راتباً يعادل نصف مليون؟

وعلى مدى العقدين الأخيرين، كانت التغطية الصحية الأميركية تأتي من مصدرين، هما شركات التأمين الخاصة وصناديق التعاضد الحكومية التي تغطي تكاليف استشفاء المتقاعدين والفقراء فقط. لكن هذا الترتيب لم يغط جميع الأميركيين بل فقط القسم الأكبر منهم وبأسعار مخفضة، ما جعل تكاليف الاستشفاء للذين لا يحملون بوالص تأمين باهظة جداً.

ولأن المستشفيات والأطباء يتقاضون أموالهم على قدر العمل الذي يقدمونه بغض النظر عن النتيجة، اقترح الأطباء علاجات غير مطلوبة للمرضى أو يكررون طلبهم إجراء فحوص مختلفة، لعلمهم أن القيام بمزيد من المعاينات والبقاء مدة أطول في المستشفى بحاجة أو من دونها، فإن ذلك يعني مزيداً من الأموال.

ولتسديد فواتير الأطباء والمستشفيات الكبيرة والمتزايدة، باتت شركات التأمين تطلب أموالاً باهظة من أرباب العمل لقاء تأمين موظفيهم، وأصبحت تتدخل في القرارات الاستشفائية للمرضى فلا تغطي معاينة ما أو تحليلاً. وفي أوقات تتحايل على المريض وتعتبر أن حالته سابقة للتأمين فلا تدفع نفقاتها، أو تضع سقفاً للحد الأقصى لتكاليف الاستشفاء التي تغطيها، ما يترك بعض المرضى من دون تأمين في بعض الحالات ويجبرهم على تسديد فواتير باهظة جداً وربما رهن منازلهم وفي ما بعد إشهار إفلاسهم.

ودفعت هذه الفوضى أوباما إلى محاولة مواجهتها في قانون الرعاية الصحية الذي أُقرّ عام 2009 ويُعتبر إنجازه الأكبر. القانون يمنع شركات التأمين من التدخل في كيفية المعاينة، ويفرض عليها تغطية كل نفقات الاستشفاء. ويقدم قانون الرعاية الصحية أيضاً والذي تغطي الحكومة جزءاً من تكاليفه، بوالص تأمين مع شركات خاصة مختلفة لكل غير المضمونين. ويفرض القانون على كل مواطن شراء بوليصة تأمين، بحسب دخله، أو تكبد ضرائب جزائية في حال تخلفه.

وحتى قبل أن يدخل قانون الرعاية الصحية حيز التنفيذ مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، راح المعنيون في القطاع الصحي يغيّرون من عاداتهم وممارساتهم استعداداً وتحسباً، فانخفضت نسبة نمو الفاتورة الصحية الأميركية للمرة الأولى منذ عقود لتبلغ 1.3 في المئة من حجم الاقتصاد الأميركي العام الماضي.

ويعتقد خبراء أميركيون إمكان أن يؤدي توافر التأمين الصحي في المدى القصير لكل فرد أميركي، إلى زيادة في تنافسية اليد العاملة الأميركية. إذ بات يمكن الشركات التي لا يتجاوز عدد العاملين فيها 50، توظف مواطنين يتمتعون بتأمين ولا يكبدون الشركات الصغيرة والمتوسطة تكاليف إضافية على شكل تأمين صحي.

أما جايمس سوراويكي فكتب في مجلة «نيويوركر»: «من الصعب الوقوف في وجه التغيرات التي رأيناها تحصل في السنوات الماضية، إذ يبدو أن كل واحد منا صار يدرك أن إنفاقنا على الرعاية الصحية كبير جداً مقارنة بالنتائج التي نحصل عليها (...) حان وقت التغيير وعلى رغم المعارضة الشرسة التي يلقاها القانون من الحزب الجمهوري، يبدو أن التغيير حاصل لا محال، كما أن لجم الفاتورة بدأ فعلاً، مع الأفضلية التنافسية التي يعطيها ذلك للاقتصاد الأميركي داخلياً كما على صعيد العالم.

الأحد، 22 ديسمبر، 2013

لماذا ترفض موسكو فكرة دعوة «حزب الله» للمشاركة في «جنيف - 2»؟

| لندن - من حسين عبدالحسين |

علمت «الراي» من مصادر ديبلوماسية في العاصمة البريطانية ان القوى المشرفة على الاعداد لمؤتمر جنيف 2، الذي سيخصص للبحث في الازمة السورية في 22 يناير المقبل، طرحت فكرة توجيه دعوة الى «حزب الله» اللبناني من اجل المشاركة بصفته متورطا في النزاع. وقالت المصادر نفسها ان فكرة حضور «حزب الله» لاقت استحسانا لدى البعض، ولكنها جوبهت بالرفض من روسيا، بشكل اساسي، ومن واشنطن بدرجة اقل.
وتابعت المصادر ان «المعدين للمؤتمر يسعون الى دعوة كل المتورطين في الازمة السورية، من قريب او من بعيد، من قوى محلية واقليمية وتنظيمات مقاتلة وحكومات داعمة لها»، وان «القيمين على المؤتمر يعتقدون ان جلوس مسؤولي حزب الله وجها لوجه مع خصومهم كممثلي الجبهة الاسلامية، من شأنه ان يسهل في التوصل الى وقف اطلاق نار على الارض كخطوة اولى لحل نهائي».
وكانت واشنطن وعواصم اوروبية ارسلت وفودا الى تركيا للقاء ممثلين عن «الجبهة الاسلامية» لدعوتها للمشاركة في «جنيف 2» والمساهمة في الحل النهائي.
واضافت المصادر الاوروبية ان حل الازمة السورية يتضمن شقين: واحد ذو ابعاد اقليمية ودولية والمطلوب ان تشارك فيه حكومات دول معنية مثل السعودية وايران وقطر وتركيا، وآخر ذو ابعاد محلية يتعلق بالتوصل الى اتفاق حول قيام حكومة سورية انتقالية كاملة الصلاحية، «وهذا شأن سوري بحت وعلى السوريين وحدهم الاتفاق حوله، فيما دور داعميهم الاقليميين يقتصر على الموافقة على شكل الحل العام».
وتقول المصادر الاوروبية ان بريطانيا، التي «تتمتع بقناة اتصال مفتوحة مع الجناح السياسي في حزب الله، فاتحت الحزب بهذا الموضوع بشكل غير مباشر، وان مسؤولي الحزب اجابوا انهم سيعودون برد في حال تلقوا دعوة رسمية الى جنيف 2».
وتضيف ان فوائد اخرى ترتبط بحضور «حزب الله» المؤتمر منها انه سيكون اعتراف ضمني من الحزب بحل مبني على «وثيقة جنيف 1»، التي تنص على ضرورة نقل صلاحيات الاسد الى حكومة انتقالية كاملة الصلاحية.
وحسب المصادر نفسها، فان مسؤولي «حزب الله» لم يبدوا حتى الآن تمسكا ببقاء الاسد، «وهم غالبا ما يرددون ان هذا شأن سوري لا علاقة لهم به».
لكن المصادر نفسها تقول ان المسؤولين الروس كانوا اول من ابدى اعتراضا على حضور «حزب الله» المؤتمر، اذا اعتبروا ان القوة الوحيدة من غير الحكومات المخولة حضور جنيف 2 هو وفد يمثل المعارضة السورية، اما المجموعات من غير الدول فلا شأن لها ولا تمثيل. 
وتعتقد المصادر الاوروبية ان «الروس متوجسون من مشاركة ايران اصلا، ومن مشاركة حزب الله كذلك، وهم رفضوا حضور الحكومات الاوروبية، ويبدو ان روسيا تعتقد ان مؤتمرا حول سورية يتطلب حضورهم والاميركيين فقط». 
وتعتقد المصادر ايضا ان «روسيا تخشى من ان يعطي جنيف 2 افضلية لايران وحزب الله على حساب حليفها الاسد»، وان «يتحول المؤتمر الى تكملة لمفاوضات جنيف النووية بين المجتمع الدولي وايران».
اما الولايات المتحدة، فتقول المصادر الاوروبية انها ترفض حضور «حزب الله»، من حيث المبدأ، لانه سيجبر ممثليها قانونا على عدم حضور الجلسات او المشاركة في المؤتمر بسبب تصنيفها للحزب اللبناني كتنظيم ارهابي.
وتنقل المصادر عن اميركا قولها ان ليس كل الاطراف المنخرطة في الصراع في سورية مدعوة للحضور، وتنظيمي «جبهة النصر» و«الدولة الاسلامية في العراق والشام» هما ابرز مثال على ذلك.
كذلك، تعتقد واشنطن، حسب المصادر الاوروبية نفسها، انه «على الرغم من ان حزب الله قوة مقاتلة وفاعلة على الارض السورية، الا انه لا يتمتع بقرار مستقل، وهو يتبع في قراره لايران في الدرجة الاولى وللـ (الرئيس السوري بشار) الاسد في الدرجة الثانية»، ما يعني انه في حال التوصل الى اتفاق مع ممثلين عن النظام وبموافقة ايرانية، سيكون حزب الله ملتزما حكما بهذا الاتفاق.
الاوروبيون، وخصوصا البريطانيين، يخالفون الاميركيين الرأي، ويعتقدون ان «حزب الله» يمكن ان يتصرف باستقلالية في قراره اذا ما تم الحوار معه مباشرة والاعتراف به كطرف في الازمة السورية.

عندما ترّيث اردوغان

حسين عبدالحسين

لم يتوان رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، عن مواصلة إطلاق التصريحات النارية حول الأزمة السورية منذ اندلاعها في ربيع ٢٠١١ وحتى الصيف الماضي. 

في واشنطن، لم يكن يمر أسبوع أو اثنين من دون حضور إعلامي للزعيم التركي: مرة يوزع البيت الأبيض صورة تثير جدلاً وتظهر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وهو في مكتبه البيضاوي يتحادث مع أردوغان هاتفياً ويمسك بمضرب بايسبول، ومرة أخرى يوزع الإعلام الرئاسي صوراً تظهر الزعيمين ووزيري خارجيتهما في عشاء خاص تخلله ما بدا أنه حوار ساخن بينهم. 

لكن فجأة، غاب أردوغان عن الصورة. غابت تصريحاته ضد الرئيس السوري، بشار الأسد، وغابت التغطية الإعلامية شبه المستمرة لتواصله المستمر مع أوباما. 

حضر وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلو، إلى واشنطن الشهر الماضي وعقد اجتماعات رفيعة المستوى. وفي اللقاءات الخاصة والمغلقة التي تخللت زيارته، أدلى المسؤول التركي بتصريحات بدت كأنها انقلاب تام على مواقف أنقرة السابقة.

ومما قاله داوود أوغلو، إنه التقى المسؤولين الإيرانيين، وأن هؤلاء أكدوا له قبول إيران تماماً ببحث مصير الأسد، في مقابل ضمان مصالح طهران و"حزب الله" في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. 

بناء عليه، انقلب الموقف التركي من مؤيد لحسم عسكري ومطالب بتدخل عسكري خارجي إلى موقف يفضل الحل السياسي عن طريق مؤتمر جينيف المزمع عقده الشهر المقبل.

كذلك أبدى داوود أوغلو تأييد بلاده التوصل إلى تسوية دائمة بين المجتمع الدولي وإيران حول ملف الأخيرة النووي، وقال إن بديل الحل هو الحرب، وأن الحرب تؤذي الجميع بما فيها بلاده، في وقت اعتبر فيه مطلعون أن لتركيا نصيباً من الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية، وأن السماح بتجارة الذهب للإيرانيين تتم عبر الأتراك وذلك يعود عليهم بعائدات مالية محترمة.

التغير في الموقف التركي قد يبدو ظاهره تغير الظروف الدولية، ولكن الأرجح أن باطنه تغيرات داخل تركيا، على حد قول مراسل جريدة "حرييت" التركية في واشنطن، تولغا تانيش، في حديث لـ"المدن".

تانيش وهو من معارضي أردوغان وحكومته وسياساتهما، يعتقد أن الموقف الفعلي لأردوغان لا يزال مؤيداً للمعارضة السورية المسلحة، بل أن الحكومة التركية مازالت تعمل بصمت على دعمها. 

وكان تانيش كشف في تقرير أن تركيا تزود المعارضين السوريين بما لايقل عن ٢٥ طناً من الأسلحة شهرياً حتى اليوم، وهو حاول الحصول على تعليق وزارة الخارجية التركية في هذا الشأن، إلا أنها رفضت الإدلاء بأي تصريحات.

ويقول تانيش إن صمت أردوغان لا يعني بالضرورة تغيراً جذرياً في مواقفه وسياساته، بل إن سبب صمته هو الأزمات الداخلية التي يواجهها والتي تفرض عليه العمل بتأنٍ، فالانقسام التركي حول الموقف من الأزمة السورية عميق، وأردوغان مقبل على انتخابات بلدية في آذار المقبل، وهو لا يريد إثارة حساسيات حول السياسة الخارجية يمكن أن تكلفه بلدية هنا أو محافظاً هناك.

كذلك، تظهر التقارير الإعلامية أن الزعيم التركي في مواجهة قاسية مع "حركة خدمات" التابعة للداعية الإسلامي فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية.

وعلى الرغم من محدودية التأييد الشعبي لغولن داخل تركيا، إلا أنه قد يتمتع بقدرات ترجيحية في أي انتخابات مقبلة من شأنها أن تؤدي إلى فوز المعارضة العلمانية، وهو ما دفع أردوغان إلى إرسال وفود للقاء غولن وتحذيره من أن الانقسامات تنعكس سلباً على الطرفين وقد تؤدي إلى عودة العلمانيين إلى الحكم. 

لكن اللقاء بين الطرفين "لم يخرج بنتيجة إيجابية"، حسب الأوساط التركية في العاصمة الأميركية.
أردوغان منشغل بقضاياه الداخلية. طبعاً ذلك لا يعني انقلاباً جذرياً في مواقفه، ولكنه يعني تراجع دوره وحضوره إقليمياً وعالمياً. وحتى يقرر رئيس حكومة تركيا العودة إلى سابق عهده، سيفوض أمره إلى حليفته واشنطن، فهو لا يريد أن تصمم واشنطن وطهران شرق أوسط جديداً من دون تركيا بسبب غيابه، لذا يظهر موافقاً على تسوية مع إيران وحول سوريا، وإن بخفر، إلى أن يعود وتعود تصريحاته وصوره لتملأ الأثير وصفحات الصحف.

الخميس، 19 ديسمبر، 2013

لندن تتقدم واشنطن بأشواط في الانفتاح على إيران و«حزب الله»

| لندن - من حسين عبدالحسين |

في لندن يتقدم الانفتاح على ايران و«حزب الله» بأشواط ما هو عليه في واشنطن. لا اثر هنا لمجموعات ساهمت في الدخول في حرب العراق ويمكن ان تدفع اليوم في اتجاه مواجهة عسكرية مع ايران. الحكومة اليمينية المحافظة بزعامة ديفيد كاميرون هي التي تقود اعادة العلاقات بسرعة مع طهران، فالسفارة البريطانية التي اقتحمها الحرس الثوري الإيراني في العام 2009 فتحت ابوابها مجددا، وعينت لندن قائما بالأعمال في طهران، واستأنفت العلاقات الديبلوماسية معها.
وإذا كان اليمين البريطاني هو الذي يدفع باتجاه تسوية مع الإيرانيين، يصبح من غير المتوقع ان يلعب اليسار المؤيد تقليديا للانفتاح على حكومات العالم اي دور معرقل. 
هذه الصورة مقلوبة تماماً في الولايات المتحدة: الرئيس باراك أوباما وحزبه الديموقراطي هما اليسار المؤيد لصفقة مع ايران، فيما اليمين الجمهوري يحذر من مخاطر اي اتفاقية ومن نوايا النظام الإيراني. 
لكن الدافع البريطاني للتطبيع مع إيران يبدو نفسه في واشنطن: الاقتصاد يعاني من فترات ركود وتقلص والحكومة تسعى حول العالم لفتح أسواق عالمية جديدة في وجه شركاتها وزيادة التبادل التجاري وتبادل الاستثمارات، ولندن في عجلة من أمرها اكثر من واشنطن لان الاخيرة اقتصادها يتعافى بشكل اكبر وأسرع والانفتاح على ايران سيكون بمثابة مكافأة اقتصادية للأميركيين لا كخشبة خلاص كما هو الحال بالنسبة للبريطانيين.
ويقول مصدر في الحكومة البريطانية في حوار مع «الراي» ان ذهاب حكومة بلاده الى السلم مع ايران هو لسبب ذهابها الى الحرب في العراق نفسه، مضيفا: «في العراق، أردنا ان تعطينا حكومة ما بعد صدام حصة من الاستثمارات وعقود اعادة الاعمار، وكذلك نسعى اليوم لحفظ حصة لنا في ايران ما بعد النووي وما بعد رفع العقوبات».
في العراق، أملت حكومة طوني بلير في حينه في ان تساهم عودة العراق الى ضخ وبيع نفطه الى انخفاض في السعر العالمي، وهو ما يفيد حكما اقتصادات الدول الصناعية مثل اميركا وبريطانيا والصين وفرنسا. في ايران كذلك، تأمل حكومات الدول الصناعية في ان تؤدي زيادة ايران لإنتاجها من 700 الف برميل يوميا في الوقت الحالي الى سابق عهدها، اي اربعة ملايين برميل يوميا، الى انخفاض ملحوظ في سعر النفط، مع ما يعني ذلك من فائدة اقتصادية للدول الكبرى التي تعاني اقتصاداتها منذ أزمة خريف العام 2008 المالية.
واوضح المصدر ان «اقتصادنا في حاجة ملحة اكثر من الأميركيين الى عودة الإيرانيين الى السوق»، مضيفا: «على عكس اميركا، ليست لدينا مجموعات ضغط سياسية تذكر تسعى الى عرقلة الانفتاح على الإيرانيين، ما يجعل من مهمتنا في الانخراط مع طهران وحلفائها اسهل بكثير من مهمة اصدقائنا في ادارة أوباما».
«الراي» سألت المصدر البريطاني عن أين أصبحت المحادثات مع الإيرانيين وحلفائهم، فأجاب «في مراحل متقدمة جدا»، ولكنه استدرك قائلا انه «لا يمكن لحكومة المملكة المتحدة التوصل الى تسوية منفردة مع الإيرانيين، بل نحن ننتظر التسوية ان تصدر عن مجموعة دول خمس زائد واحد».
اذا، لما الانخراط في حوارات طالما انها غير مضمونة في ظل غياب الحل النهائي حتى الآن؟ يقول المصدر البريطاني: «نحن نستعد للتسوية التي يمكن ان تحصل اليوم، او بعد عشر سنوات، او ربما لا تحصل أبدا، ولكننا نتحسب لجميع النتائج ونستعد لتسوية ممكنة».
الحوار على مستوى سفراء وديبلوماسيين في حال «حزب الله» اللبناني، وعلى مستوى وكلاء وزيري الخارجية في النقاش مع ايران، حسب مصدر بريطاني آخر.
ويؤكد المسؤولون البريطانيون انهم «يقارنون ملاحظاتهم» في النقاش مع الإيرانيين مع شركائهم الأميركيين، «كما نبقيهم في الصورة لناحية حواراتنا مع بيروت (اي حزب الله) فهم (الأميركيون) لا يتحاورون مع حزب الله مباشرة لأنهم يصفونه تنظيما إرهابيا فنقوم نحن بنقل وجهات النظر بين الطرفين».
المسؤولون البريطانيون يصفون الحوار مع الإيرانيين بالبسيط، ويقولون: «المعادلة سهلة، قلنا لهم تخلوا عن النووي تماماً، نرفع العقوبات تماماً، وتصبح كل الأمور السياسية الاخرى قيد الحوار والاتفاق والاختلاف كما هي الحال بين كل دول العالم».
اما عن فحوى الحوار مع «حزب الله» ودور بريطانيا كقناة حوار غير مباشر، يجيب المسؤول البريطاني: «الحوار مع الجناح السياسي لحزب الله اكثر تعقيدا فهو ليس حكومة ولكنه في الوقت نفسه لاعب إقليمي في سورية ولبنان ويصعب الحديث عن حلول من دونه». 
وختم: «اما عن القول اننا قناة لحوار أميركي غير مباشر مع حزب الله، لا اعتقد ان الوصف ممكن بهذا الشكل، نحن نتحاور وحزب الله منذ سنوات، والفارق الآن ان الأميركيين اليوم يهتمون بمعرفة ما نقوله للحزب اللبناني وما نسمعه منهم، وفي الوقت نفسه يقدمون لنا رأيهم، وحزب الله صار اليوم أيضاً مهتما بالرأي الأميركي وصار يسمعه منا كما من حلفائه الإيرانيين، وربما من أطراف اخرى».

أميركا: خلافات حول زيادة محتملة للأجور

واشنطن - حسين عبد الحسين

أظهر تقرير صادر عن «مركز بحوث شؤون العمل» في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن معدل الراتب السنوي لمديري المصارف في الولايات المتحدة يبلغ نصف مليون دولار، وهو أكثر من 20 ضعفاً لمعدل راتب موظفي الخطوط الأمامية في المصرف، والذي لا يتعدى 24 ألفاً في السنة أو أقل من 12 دولاراً في الساعة، وهو مبلغ زهيد بالمقاييس الأميركية.

وعلى رغم تجاوز أرباح المصارف الأميركية 41 بليون دولار العام الماضي، إلا أن غالبيتها ترفض أي زيادة في الحد الأدنى للرواتب، ما دفع هؤلاء الموظفين إلى الاستعانة ببرامج الرعاية الاجتماعية للحكومة الفيديرالية، فاضطرت الأخيرة إلى إنفاق ما يقارب 900 مليون دولار العام الماضي من أموال دافعي الضرائب، ما أثار حنق كثير من الأميركيين.

كذلك يشير التقرير إلى أن عدد موظفي المصارف ممن يقبعون تحت خط الفقر ويستفيدون من الرعاية الاجتماعية الحكومية، 39 في المئة من إجمالي عدد موظفي القطاع.

التقرير يأتي في وقت يحتدم النقاش بين العمال وعدد من الشركات الكبرى، مثل مطاعم الوجبات السريعة، التي تعارض أي زيادة في الحد الأدنى للأجور على رغم تحقيقها أرباحاً هائلة في حين يبلغ أجر الموظف لديها أقل من 8 دولارات في الساعة. وعلى سبيل المثال، حققت سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» أرباحاً بلغت 5,5 بليون دولار العام الماضي. ويُذكر أن إقرار أي زيادات في الحد الأدنى لا تتحمله الشركة الأم بل أصحاب الامتيازات، ما يجعل من الصعب معرفة مدى تأثير هذه الزيادات على أرباح الفروع والشركة الأم.

لكن على رغم اعتراضات «ماكدونالدز» و «برغر كينغ» و «باباجونز»، تحقق شركات كبرى مثل تعاونيات «كوسكو» أرباحاً، وفي الوقت ذاته تمنح موظفيها رواتب يبلغ حدها الأدنى للساعة أكثر من 13 دولاراً، ما دفع العمال الأميركيين المعترضين، يؤيدهم الرئيس باراك أوباما في خطابه الأخير الذي خصصه للاقتصاد، إلى المطالبة بمضاعفة الحد الأدنى ليصل إلى 15 دولاراً في الساعة.

وقال أوباما إن هناك «هوة خطيرة وتتسع» بين الفقراء والأغنياء، وإن الأميركيين صاروا يفتقدون إلى «إمكان الصعود» اقتصادياً، وإن ذلك يهدد الطبقة الوسطى ومبدأ «أنك إذا عملت بجد، تحصل على فرصة للتقدم على الآخرين». وأضاف: أعتقد أن هذا هو التحدي الرئيس في زمننا هذا، وهو جعل الاقتصاد يعمل لمصلحة الأميركيين الذين يعملون».

أما التظاهرات العمالية، التي بدأت قبل أشهر في بعض سلسلات مطاعم الوجبات السريعة، توسعت اليوم لتشمل عدداً أكبر من الشركات العملاقة. فالأسبوع الماضي، وهو الأسبوع الذي يشهد خصومات ضخمة بمناسبة «عيد الشكر»، وإقبالاً جماهيرياً ساحقاً، تظاهر عمال سلسلة محلات «والمرت» أمام 1500 فرع في عموم الولايات المتحدة، مطالبين بزيادة في الأجور وبتحسينات في ظروف العمل وفي التقديمات الطبية والاجتماعية.

الشركات العملاقة بدورها، منقسمة حول الزيادة، فبعضها ممن تعامل موظفيها بشكل مقبول، لا تمانع الزيادات التي لن تكون كبيرة بالنسبة إليهم ولن تؤثر في أدائهم، أما منافساتها ممن تتمسك بالحد الأدنى، فستتأثر بالزيادات التي يمكن أن تؤثر في قدرتها التنافسية في السوق، لذا فهي تعارضها.

وتشير الشركات المعارضة للزيادات أنها، في حال إقرارها، إما ستأتي على حساب المستهلكين، إما ستؤدي إلى خفض في عدد العاملين لديها، ما يزيد نسبة البطالة بين الفقراء.

النقاش حول الحد الأدنى للأجور ما زال مستمراً. التظاهرات العمالية تتسع. بعض الشركات الكبرى يتمسك بالحد الأدنى الضئيل على رغم أرباحه الهائلة. الرئيس أوباما وحزبه الديموقراطي وكتلتاه في الكونغرس دخلتا في المواجهة لمصلحة العمال الذين يشكلون تقليدياً جزءاً كبيراً من قاعدتهم الناخبة. أما الحزب الجمهوري وممثلوه في الكونغرس وفي مجالس الولايات التشريعية والإعلام المحسوب عليهم، فيشنون هجوماً مضاداً على ما يسمونه «اشتراكية أوباما» ومحاولته إعادة توزيع الدخل والعبث بقدرة الأسواق على تنظيم نفسها.

الأحد، 15 ديسمبر، 2013

«البنتاغون» تطلب من الكونغرس الموافقة على عقد عسكري مع الكويت بـ 150 مليون دولار

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |
جريدة الراي

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) ان وكالة التعاون الدفاعي والامني التابعة لها اخطرت الكونغرس في الرابع من ديسمبر الجاري باحتمال تنفيذ صفقة مبيعات عسكرية خارجية لصالح الكويت تشمل خدمات هندسية فنية ومعدات مصاحبة وقطع غيار بالاضافة الى دعم لوجستي، لطائرات مقاتلة من نوع «اف اي - 18 سي/ دي»، بقيمة 150 مليون دولار.


وقالت الوزارة على موقعها على الانترنت ان حكومة الكويت تطلب استمرار عقد الخدمات الهندسية الفنية وعقد خدمات الصيانة وعقد خدمات الدعم في مجال المآوي المخصصة لاختبار الطائرات من دون صوت، والدعم لمكتب الارتباط الخاص ببرنامج طائرات «اف اي 18 سي/ دي» الكويتي، بما سيشمل قطع اصلاح وقطع غيار وخدمات دعم فني وعناصر اخرى من الدعم اللوجستي.


وأوضحت الوزارة في بيانها ان «المبيعات المقترحة ستساهم في تعزيز السياسة الخارجية والامن القومي للولايات المتحدة من خلال تعزيز الامن في بلد صديق كان وسيستمر في كونه قوة مهمة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في الشرق الاوسط».


وقالت ان المبيعات المقترحة لخدمات الدعم ستمكن القوة الجوية الكويتية من ضمان الاداء والموثوقية لطائراتها من نوع «اف اي - 18 سي/ دي»، مضيفة ان هذه المبيعات لن تغير ميزان القوى الاساسي في الشرق الاوسط.


واشار البيان الى ان المتعاقدين الرئيسيين في هذه المبيعات سيكونون شركات «كاي اند اسوشييتس» في بوفالو غروف في ايلينوي، و«بوينغ» في سانت لويس في ميسوري، و«اندستريال اكوستيكس كوربوريشن» في وينتشيستر في انكلترا، و«جنرال الكتريك» في لين في ماساتشوستس، مضيفا ان ليس هناك اتفاقات بالباطن معروفة لدى الوزارة في هذه المبيعات المحتملة.


وذكرت الوزارة ان تنفيذ هذا العقد سيتطلب سفر 275 ممثلا للشركات المتعاقدة والحكومة الاميركية الى الكويت خلال فترة ثلاث سنوات لتوفير هذا الدعم، مشيرة الى انه لن يكون هناك اي تأثير على الجهوزية الدفاعية للولايات المتحدة نتيجة لهذه المبيعات.


المفاوضات الغربية - الإيرانية تخلط السياسة الإقليمية بالاقتصاد العالمي

واشنطن - حسين عبدالحسين

في السيناريوات التي بدأ خبراء الاقتصاد الأميركيون رسمها في حال التوصل إلى اتفاق شامل يؤدي إلى رفع العقوبات عن إيران ويعيدها إلى المجتمع الدولي سياسياً واقتصادياً، تتصدر أربع دول هي الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند لائحة الدول التي ستستورد النفط الإيراني. لكن في الأمر إفادة لبقية الدول الصناعية ومنها الولايات المتحدة.

ويعتبر محللون أن انخفاض عشرة دولارات في السعر الدولي لبرميل النفط يؤدي إلى نصف نقطة مئوية من النمو الاقتصادي العالمي. وبما أن اقتصاد الولايات المتحدة هو نحو ربع اقتصاد الكوكب، يعني ذلك أن لأميركا حصة في النمو العالمي الذي سينتج عن أي انفتاح دولي على إيران.

وبسبب الفورة في إنتاج الطاقة الصخرية، تراجع الاستيراد الأميركي للنفط إلى نحو 7.5 مليون برميل يومياً، ما يعني أن انخفاض 10 دولارات في سعر البرميل الواحد يوفر على الأميركيين نحو 2.25 بليون دولار شهرياً، ما يفضي إلى تراجع نسبته عشرة في المئة في العجز التجاري الأميركي.

ومع أن عودة إيران التي تملك نحو 9 في المئة من الاحتياط النفطي العالمي لن يعيد إنتاجها فوراً إلى ما كانت تنتجه قبل العقوبات، أي 4 ملايين برميل يومياً، إلاّ أن رفع الإنتاج الإيراني من 700 ألف برميل حالياً إلى مليونين في اليوم، وهو الرقم الذي يرجحه الخبراء، سيكفي الزيادة في حاجة السوق لعام 2014، والمتوقع ارتفاعها مليون برميل يومياً.

وفي المدى المتوسط أي مع حلول عام 2020، وبسبب الزيادة العالمية في إنتاج النفط في العراق وأميركا وربما إيران، ونتيجة تراجع الطلب الأميركي في ضوء تحسن تقنية محركات الآليات، والصيني بسبب تباطؤ الاقتصاد، لا يستبعد الخبراء انخفاض السعر العالمي للبترول أكثر من 10 دولارات للبرميل، ما يعود بفوائد مؤكدة على الاقتصاد الأميركي.

هذا في الإفادة المباشرة في حال عادت إيران إلى إنتاج النفط وتصديره بكميات أكبر من الوقت الحالي.

أما في الإفادة غير المباشرة، فللولايات المتحدة مصلحة لا بأس بها استناداً إلى توقعات غالبية خبراء الاقتصاد الأميركيين، إذ يمكن أي تسوية شاملة مع إيران أن تؤدي إلى نمو الاقتصاد الإيراني في شكل ضخم وسريع. وكان اقتصاد إيران شهد انكماشاً تراوح بين 1.5 و 2 في المئة على مدى العامين الماضيين، بسبب تشديد العقوبات الدولية على الحكومة الإيرانية.

ويعني ذلك أن إنهاء هذه العقوبات والسماح لإيران بالعودة إلى المجتمع الدولي، سيتسببان بنمو الناتج المحلي الإيراني، وهو لن يقل عن 10 في المئة في السنوات الخمس الأولى، وفق تقديرات الخبراء.

ويبلغ الاقتصاد الإيراني حالياً نحو 500 بليون دولار (مقارنة بـ750 بليوناً لكل من السعودية وتركيا)، ومن شأن أي نمو أن يدخل إيران نادي الدول العشرين الأكبر اقتصادياً في العالم، ومن شأن النمو السنوي للاقتصاد الإيراني أن يمنح عقوداً ضخمة، لا للشركات النفطية فحسب، بل أيضاً لمعظم الشركات الصناعية مثل صناعات الطائرات والسيارات والبنية التحتية، والخدماتية مثل المصارف وشركات التأمين العالمية والأميركية.

ومعلوم أن الولايات المتحدة هي صاحبة أكبر كمية من الأموال المستثمرة في الخارج، إذ تتجاوز 3 تريليون دولار. كما تستقبل أكبر كمية من الأموال المستثمرة داخلها بكمية تبلغ نحو تريليونين ونصف تريليون دولار.

ويبدو أن هذه الآمال والطموحات الاقتصادية هي التي تحرك عالم السياسة، إذ أطلّ الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا الأسبوع ليتحدث إلى الإيرانيين بمناسبة مرور 100 يوم على تسلمه الحكم، ويقول إن بلاده كانت تعاني من «ستاغفلايشن»، أي ركود وتضخم في الوقت ذاته وللمرة الأولى في تاريخها الحديث.

ويبدو أن وعود روحاني تتمحور حول نهضة اقتصادية ينوي القيام بها في إيران، لكن ليس واضحاً إذا كان يمكن الرئيس الإيراني مقايضة أي نهضة اقتصادية بتراجع حكومته عن بعض سياساتها غير الاقتصادية.

في أميركا كما في إيران، يتحلّق حول السياسيين وأصحاب القرار مستشارون يقدمون أنفسهم خبراء في الشؤون السياسية، فيما يستعد بعضهم في الواقع للانخراط في عقود مستقبلية في إيران في حال التوصل إلى اتفاق مع طهران. وكان وزير الدفاع تشاك هايغل خلال تقاعده من مجلس الشيوخ في خريف عام 2008، نشر كتاباً دعا فيه إلى انفتاح غير مشروط على إيران. هايغل الذي جنى ثروة في السنوات الأولى لانفتاح أميركا على الصين مطلع سبعينات القرن الماضي بعد عودته من حرب فيتنام وتأسيس شركة اتصالات في بكين، يعتقد أن في إمكان إيران السير على خطى الصين الشيوعية التي تخلّت عن العقيدة في مقابل المصلحة المالية والاقتصادية.

وعلى مستوى الخطاب لم توقف بكين هجماتها الكلامية على أميركا الرأسمالية، «لكن ذلك لم يمنع أياً من البلدين من التحول إلى أكبر شريكين تجاريين في العالم»، على ما يردد هايغل في جلساته الخاصة.

في المفاوضات مع إيران، تختلط السياسة الإقليمية بالاقتصاد العالمي، فهل تنفرج على صعيد الاثنتين أم في واحدة فقط على حساب الأخرى؟

الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2013

الواقعية الاميركية تخرب المفاوضات

 حسين عبد الحسين
المدن

في احتفال سنوي ضخم لإحدى ابرز المؤسسات العاملة على التوصل الى حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي في واشنطن، كرر مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، فيليب غوردون، موقف الحكومة الأميركية القائل بلا شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، على وقع تصفيق حاد للفلسطينيين وأصدقائهم، فيما ساد الوجوم بين الإسرائيليين الحاضرين ومؤيديهم.

تلك اللحظة مثّلت العملية السلمية بأدق تفاصيلها: عشاء فاخر يحضره الفلسطينيون والإسرائيليون ومؤيدو الطرفين، يتخلله خطابات تصر على أهمية قيام دولة فلسطينية مستقلة وتثني على مبدأ حسن الجوار الذي يعززه تاريخ طويل من التعايش حتى بداية القرن الماضي. ثم في لحظة، يطلق الوسيط الأميركي تصوراً حول حل النزاع فيؤدي إلى انقسام حاد بين الطرفين وإلى "عودة إلى المربع الأول"، حسب التعبير الأميركي، ما يجبر وزير الخارجية جون كيري على الاعلان عن نيته العودة إلى الشرق الأوسط من جديد هذا الأسبوع.

على أن هذا الانقسام الحاد لا يثني ادارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، غير الواقعية عموماً في فهمها للسياسات الدولية والعالمية، ولا مسؤوليها من أمثال غوردون وكيري، المعروف عنه الإفراط في ثقته بنفسه وبمقدراته الدبلوماسية، عن الإصرار على ان الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيلين هو في متناول اليد مع حلول الصيف كحد أقصى. وهو الموعد نفسه الذي تتصور الادارة الأميركية انه سيشهد إتمام الرئيس السوري، بشار الأسد تدمير ترسانته الكيماوية، كذلك الانتقال من الاتفاق المؤقت بين مجموعة دول خمسة زائد واحد وإيران إلى اتفاق دائم حول برنامج الأخيرة النووي.

إذاً هو صيف شرق أوسطي واعد ستتحقق مع حلوله حلولٌ لمشاكل، بعضها، مثل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مستمر منذ ٦٥ عاماً، أو هكذا على الأقل تعتقد إدارة أوباما.

لكن الكلام أسهل من الواقع، فعلى الرغم من نجاح كيري في اعادة الطرفين الى مفاوضات كانت متوقفة منذ سنوات بعدما توصل الى اتفاق بناء ثقة بينهما يقضي بإفراج اسرائيل عن عدد من المعتقلين الفلسطينيين في مقابل تجاوز السلطة الفلسطينية لمطلبها القائل بضرورة اعلان الإسرائيليين تجميدهم لبناء مستوطنات، لا يبدو أن في جعبة الوزير الأميركي المزيد من المغريات لدفع العملية السلمية قدماً.

"الأفكار لا تزال هي نفسها وكذلك وجوه المفاوضين وتكتيكاتهم وتصريحاتهم، كلها لا تزال هي نفسها منذ ما يقارب العقدين"، يقول مسؤول عربي رفيع في العاصمة الأميركية يتابع تطورات العملية السلمية منذ فترة طويلة، ويضيف: "كيف نتوقع نتائج مختلفة مستقبلاً في ظل ظروف مشابهة للماضي وعلى أيدي المسؤولين أنفسهم؟".

حتى الوسطاء لا يزالون أنفسهم ويتصدرهم اليوم ما يعرف بفريق بروكنغز، نسبة لمركز الأبحاث الأميركي، فالمبعوث الأميركي الحالي مارتن أنديك، سبق أن عمل سفيراً لبلاده في اسرائيل وشارك في جولة مفاوضات "واي ريفر" اثناء إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، والحكومة الاولى لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أن يتقاعد أنديك وينتقل لإدارة مركز "صابان" في "معهد بروكنغز"، وهو المعهد نفسه الذي كان يعمل خبيراً فيه غوردون المسؤول الأرفع في البيت الأبيض عن ملف المفاوضات.

الفرق هذه المرة يكمن في أن واشنطن بإدارة أوباما تعتقد أن بإمكانها تبسيط الأمور لحلها: في إيران الحل يرتبط بالنووي حصراً، وفي سوريا بالكيماوي، وفي اسرائيل بهاجسها الأمني. لذا تعتقد واشنطن اليوم ان "ضمان أمن اسرائيل" بإسكات جميع هواجسها من شأنه ان يسحب كل ذرائعها ويجبرها على الانتقال الى مرحلة التفاوض حول رسم الحدود بين الدولتين، وهو ما يؤدي حكماً الى اعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام مع جارتها، ما يؤدي تالياً إلى إنهاء الصراع.

إلا ان اسرائيل، التي يبدو انها تتمتع بخبرة أكبر بكثير من الأميركيين حول ما يمكن للفلسطينيين قبوله وعدم قبوله، قدمت شرطاً معقداً يقضي بإبقاء تواجد عسكري لها في وادي الأردن داخل الدولة الفلسطينية المستقلة المزمع قيامها، وهو طلب أثار حفيظة الوفد الفلسطيني وأجبره على الانسحاب والتهديد بتعليق المفاوضات برمتها.

لم يفهم كيري سبب الغضب الفلسطيني، فالقواعد العسكرية أمر مألوف بين الدول، ولا سيما حسب التجربة الأميركية، فحاول الضغط على الفلسطينيين للقبول مصوراً لهم ثمن قبول المطلب الاسرائيلي بالزهيد في مقابل حصولهم على دولة مستقلة تحصل على مساعدات مالية ضخمة مع حلول الخريف المقبل.

إلا أن الفلسطينيين استمروا في رفضهم، ما حمل كيري على إعلانه نيته الحضور شخصياً لإقناعهم واستئناف المفاوضات والتوصل إلى حل نهائي من شأنه، في حال حدوثه أن يدخل كيري وأوباما التاريخ. فهل تنجح إدارة أوباما حيث فشلت كل الإدارات المتعاقبة التي سبقتها؟

الاثنين، 9 ديسمبر، 2013

مسؤول أميركي مطمئناً «الحلفاء»: دور إيران كعدوّ ... غيره كصديق

| واشنطن - من حسين عبد الحسين |

ما قاله الرئيس الأميركي باراك أوباما في المؤتمر السنوي لمعهد «صابان» التابع لمركز أبحاث بروكنغز ليس تطمينا لإسرائيل مفاده ان عودة العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مستحيلة، فلو كان الامر كذلك لما احتاج أوباما ووزيرا خارجيته جون كيري ودفاعه تشاك هيغل الى شن حملة سياسية لقول ذلك.
فالعداء المستمر منذ 34 عاما بين أميركا وايران هو من نوافل الأمور، لكن اعادة العلاقات مع طهران هي التي تحتاج الى حملات كسب ود وتأييد لدى أصدقاء أميركا وحلفائها. هكذا أطل أوباما وكيري في اكبر مؤتمر سنوي يحضره يهود اميركا وكبار المسؤولين الإسرائيليين، فيما كان هيغل في المنامة يستعرض خدمات بلاده العسكرية.
ورغم ان التصريحات التي أطلقها أوباما في مؤتمر «صابان» بدت وكأنها تشدد في المواقف ضد ايران، الا أنها كانت في الواقع تكرارا لكل مواقفه السابقة والتي تلت محادثته الهاتفية مع نظيره الإيراني حسن روحاني في سبتمبر الماضي.
أوباما كرر ان «كل الخيارات»، اي بما فيها العسكرية، «مازالت على الطاولة»، وهو قول قد يبدو شديد اللهجة، ولكنه سبق ان قاله لدى استقباله رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الشهر الماضي.
في «صابان»، أضاف الرئيس الأميركي مقولة كيري ان «لا اتفاقية أحسن من اتفاقية سيئة» مع ايران، وهو قول يبدو متشددا ولكنه يعتمد على من يقوم بتصنيف الاتفاقية وكيف، فاتفاقية 24 نوفمبر الموقتة حمالة أوجه: أوباما وصحبه اعتبروها ممتازة وتؤخر البرنامج النووي الإيراني مقابل مبلغ لا يتعدى سبعة مليارات دولار، فيما اسرائيل وأصدقاؤها اعتبروها صفقة تبقي على البرنامج النووي الإيراني من دون تغييرات تذكر، في مقابل رفع العقوبات عن ما لايقل عن 20 مليار دولار من شأنها ان تنقذ الاقتصاد الإيراني المتهاوي، وربما تساعد ايران في إنقاذ حليفها في سورية بشار الأسد. 
أقوال أوباما وأركان إدارته لا تهدف الى «هز العصا» للإيرانيين، ولا هي بمثابة وضع ايران في «محور الشر» على غرار ما فعل سلفه جورج بوش واثار حنق طهران.
تصريحات أوباما تبقى في الإطار الذي يبدو ان أميركا وإيران تعارفتا عليه أخيراً من خلال قنواتهما الكثيرة المباشرة المفتوحة منذ أشهر، والتي تسمح للطرفين باستخدام «بعض العبارات غير الديبلوماسية»، على حد تعبير مسؤول أميركي سابق مطلع على مجريات المفاوضات الدائرة بين البلدين.
ويقول المسؤول المذكور: «لو كنت اسرائيل، لأقلقتني كل القنوات المفتوحة بيننا وبين الإيرانيين، والتي يبدو ان حكومتنا أبقتها طي الكتمان حتى امام اقرب حلفائنا مثل الفرنسيين الذين ثاروا ضدها واطاحوا باتفاقية 7 نوفمبر».
أوباما لا يقلقه قلق اسرائيل او حلفائه العرب من إمكانية ان تطلق اي اتفاقية بين أميركا وإيران يد الاخيرة في شؤون الشرق الأوسط، بل ان بعض أفراد الادارة يعتقدون ان فرصة ذهبية سانحة، لا امام الإيرانيين الذين يعانون من وطأة العقوبات الاقتصادية الدولية، بل امام واشنطن التي ستتمكن من اعادة الاتكاء الى الدور الإيراني في مهمات أمنية شرق أوسطية، كما قبل العام 1979، فضلا عن الإفادة المالية من الانفتاح اقتصاديا على طهران.
ربما اسرائيل تفكر من منظور أحادي وهو أمنها وسلامتها من الخطر الإيراني، لكن أوباما يأخذ موضوع أمن اسرائيل على عاتقه ولا يرى تضاربا في اعادة العلاقات مع ايران والحفاظ على امن اسرائيل والحلفاء العرب في الوقت نفسه.
هل يعني ذلك إطلاق أميركا يد ايران في سورية مثلا؟ يقول مسؤول في ادارة أوباما في حواراته « التطمينية» مع الإسرائيليين ان «دور ايران كعدو يختلف عن دورها كصديق»، ويحثهم على التفكير كيف تكون العلاقات بين الأصدقاء.
ويوضح المسؤول: «هذا ما نفعله اليوم. نستكشف إمكانية اعادة بناء الثقة بيننا وبين الإيرانيين، فان نجحنا، يصبح التفكير في الشرق الأوسط مختلفا، ولا تعود قواعد اليوم سارية».
اما من يسيطر على النبك ومن يستعيد دير عطية في سورية «فتفاصيل لا تعني المصالح الأميركية كثيراً» الا لناحية التأكد ان اياً من المقاتلين المتورطين لا ينتمي الى اي من «مجموعات الجهاد العالمي»، يختم المسؤول حواره «التطميني».

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

واشنطن تريد أن تتولى الحكومة الانتقالية السورية قيادة قوات حكومية - ثورية لطرد «القاعدة»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

من هي القوات الاسلامية التي اجبرت واشنطن على ايفاد سفيرها الى سورية روبرت فورد ليتحاور معها ويقنعها بضرورة القبول بالمشاركة في مؤتمر «جنيف - 2» والقبول بمبدأ تسوية سلمية تؤدي الى اقامة حكومة سورية منتخبة وممثلة للمذاهب المختلفة؟
الفصائل الاسلامية السبعة التي اعلنت اندماجها في 22 نوفمبر الماضي تحت اسم «الجبهة الاسلامية» هي حركة أحرار الشام الاسلامية، وكتائب انصار الشام، ولواء الحق، وصقور الشام، ولواء التوحيد، وجيش الاسلام والجبهة الكردية الاسلامية، حسب التقارير المتواترة في العاصمة الاميركية.
وتتألف قيادة «الجبهة الاسلامية» من ستة مناصب تم توزيعها على خمسة من الفصائل السبعة، فتم اعلان ابو عيسى الشيخ من «صقور الشام» قائدا لمجلس الشورى، وابو عمر زيدان من «لواء التوحيد» نائبا له، وحسن عبود من «احرار الشام» مديرا للمكتب السياسي، وابو العباس الشامي من «احرار الشام» ايضا مديرا لمكتب الشريعة، وزهران علوش من «جيش الاسلام» قائدا للعمليات العسكرية، والشيخ ابوراتب من «لواء الحق» امينا عاما.
ورغم ان «الجبهة الاسلامية» اعلنت في ميثاقها انها تهدف الى اعلان دولة اسلامية في سورية قائمة على حكم الشريعة، الا انها لم تستوف الشروط التي ترشحها للوصول الى لائحة التنظيمات الارهابية الاميركية التي تشترط طابعا دوليا لنشاط اي مجموعة تعتبرها واشنطن متطرفة.
ويعتقد الخبراء الاميركيون ان حكومتهم ستتمهل قبل الاقدام على اي خطوة مثل تصنيفها للجبهة تنظيما ارهابيا اذ ان عدد مقاتليها كبير نسبيا، ويبلغ 45 الفا غالبيتهم الساحقة من السوريين، ما يعني ان ابقاءهم خارج اي تسوية في سورية يقضي الى حد بعيد على حظوظ هذه التسوية.
كذلك يعتقد الخبراء ان «الجبهة الاسلامية» قدمت اداء قتاليا مفاجئا في ضواحي دمشق وفي منطقة القلمون، وهي نجحت في استنزاف قوات النظام بتكتيكات الكر والفر التي ارهقته، فلا تكاد قوات نظام الرئيس السوري بشار الاسد تستولي على مدينة او قرية وتترك فيها نفرا قليلا من العسكريين لحراستها لتنتقل لاستعادة مدن اخرى، حتى يعود مقاتلو «الجبهة الاسلامية» لاستعادة الارض التي خسروها من قوات النظام على غرار ما حصل ومازال يحصل في معلولا ودير عطية.
ويقول الخبراء الاميركيون ان القوة القتالية لـ «الجبهة الاسلامية» هي التي ادت الى نجاح الثوار في كسر حصار الغوطة الشرقية. كما تعتقد معظم الاوساط الاميركية ان هذه القوات الاسلامية كادت تنجح في الاستيلاء على مناطق حساسة في العاصمة، الاسبوع الماضي، للمرة الاولى منذ اندلاع الثورة السورية في مارس 2011.
كذلك يقول الخبراء ان مقاتلي الجبهة نجحوا في صد هجمات شرسة ومتكررة لقوات الاسد وابقائها خارج بلدات عديدة مثل المعضمية وداريا. 
كل هذا البأس العسكري، والعدد الكبير لهؤلاء السوريين المقاتلين، ورفضهم لمؤتمر جنيف، واعلانهم ان اي مشاركين فيه من الثوار هم بمثابة خونة، عرقل خطة الديبلوماسيين الاميركيين لعقد «جنيف - 2»، واجبر واشنطن على التواصل مع هذه المجموعات واقناعها بضرورة المشاركة في المؤتمر المذكور.
كذلك، تخشى واشنطن من الموقف اللين الذي اتخذته «الجبهة الاسلامية» من التنظيمات التي تصنفها واشنطن ارهابية مثل «جبهة النصرة» و«الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش)، فالجبهة ترحب بقتال هذه الفصائل ضد الاسد، مع انها لا تتبنى رؤيتها للجهاد العالمي او لاعلان الخلافة، او لممارسة عنف بحق الاقليات او الفئات الثورية الاخرى.
وتعتقد واشنطن انه فور التوصل الى تسوية سلمية، من المفروض ان تسعى قوات ثورية وحكومية مشتركة، بقيادة الحكومة الانتقالية وبدعم المجتمع الدولي، الى محاربة الارهابيين واخراجهم من سورية، اما في حال عدم مشاركة قوة مثل «الجبه الاسلامية»، او في حال قررت الاخيرة الانخراط الى جانب المتطرفين، يصبح وقتذاك موضوع محاربتهم اصعب.
وفي موضوع متصل، سيحاول الديبلوماسيون الاميركيون الطلب من الجبهة تعديل بعض مواقفها، فميثاقها، على سبيل المثال، ينص على ضرورة حماية الاقليات من غير المسلمين ومعاملتهم كأهل ذمة، وهو مبدأ لا تستسيغه واشنطن وموسكو ومعظم عواصم العالم، وتعتبره بعضها انتقاصا للشرعة الدولية لحقوق الانسان ولميثاق الامم المتحدة.

الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

واشنطن ممتعضة من إغلاق باب «الكويتية» بوجه «بوينغ»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أبدت أوساط في الحكومة الاميركية امتعاضها من اعلان الخطوط الجوية الكويتية نيتها شراء 25 طائرة «ايرباص» اوروبية الصنع، واغلاق الباب كليا في وجه منافستها شركة «بوينغ» الاميركية.
وذكرت هذه الأوساط لـ«الراي» ان المسؤولين الاميركيين يعتزمون اثارة التغاضي عن «بوينغ» مع السلطات الكويتية في المستقبل القريب.
ويعمل مكتب «البرامج وسياسات التجارة» في وزارة الخارجية، بادارة مساعد وزير الخارجية بالوكالة بيل كرافت، على متابعة عقود التجارة الثنائية بين واشنطن وعواصم العالم. كما يعمل المكتب المذكور على تسويق الشركات الاميركية وفتح الابواب امامها في «الدول الصديقة»، مثل الكويت.
وتقول الأوساط الاميركية انها «تفاجأت» باعلان الخطوط الكويتية شراء طائرات الـ«ايرباص»، على الرغم من انها كانت على علم بنية هذه الخطوط تحديث اسطولها كخطوة اولى على طريق اصلاحات شاملة تؤدي الى خصخصة هذه الخطوط، او جزء منها.
وكان آخر عقد وقعته شركة «بوينغ» في الكويت يقضي بتزويد الحكومة الكويتية بطائرة نقل عسكرية من طراز «سي 17» في ابريل الماضي، بعدما حازت على موافقة الكونغرس المطلوبة لاتمام بيع اي معدات عسكرية او اسلحة الى دول اجنبية. واثناء الصفقة المذكورة، علم المسؤولون الاميركيون ان الخطوط الكويتية كانت في صدد اجراء محادثات مع شركات الطيران العالمية من اجل تحديث اسطولها البالغ عدد طائراته 17، بمعدل خدمة قاربت الـ18 عاما. وقتذاك، اوعز المسؤولون الاميركيون الى شركة «بوينغ» بإرسال وفد تقني لاجراء لقاءات مع مسؤولي الخطوط الكويتية من اجل تسويق نماذج «بوينغ» «ذات الجودة العالية والاسعار التنافسية»، على حد تعبير مسؤولين اميركيين.
ومع حلول الصيف، قام وزير الخارجية جون كيري بزيارة الى الكويت، تلى ذلك وصول وفد اميركي من «بوينغ» باشر بلقاءات مع الكويتيين من اجل «اقناعهم بشراء طائرات البوينغ للاسطول الجديد الذي يتوقع ان يصل عدد طائراته بين 35 و40 طائرة».
وفيما كان الانطباع الاميركي بأن الشركة الكويتية كانت ماتزال في مرحلة النقاش، وفيما توقع الاميركيون «المزيد من الاستفسارات الكويتية»، اذ بالخطوط الجوية الكويتية «تفاجئ» المعنيين الاميركيين وتعلن نيتها شراء 25 «ايرباص» واستئجار 12 اخرى.
اما الاسئلة حول تأثير صفقة «ايرباص» واستثناء «بوينغ» على الصفقات المقبلة بين الشركة الاميركية والكويت عموما، فختم المسؤولون الاميركيون انه «من المبكر الحديث عن تأثير استبعاد بوينغ على العقود الاخرى مع الكويت، ولكن اعتقد ان اصدقاءنا في الكويت عليهم ان يعلموا اننا نقرأ اخبار الخطوط الكويتية، واننا لسنا سعيدين جدا بما نراه او نسمعه».

سوريا: تعويم الحل السلمي

حسين عبدالحسين

لا حل عسكريا في سوريا. هي عبارة كررها امين عام "حزب الله"، السيد حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة. قبله قالها وزير الخارجية الاميركي جون كيري، اثناء استقباله نظيره القطري، خالد العطية، الشهر الماضي. 

وبين التصريحين زيارة لوزير الخارجية التركي، احمد داوود اوغلو، إلى واشنطن، التقى فيها كبار المسؤولين الاميركيين، وكرر امامهم انه سمع من الايرانيين وعوداً بتخليهم عن الرئيس السوري بشار الاسد، في مقابل التوصل الى تسوية سلمية في سوريا، أي من دون حسم عسكري لمصلحة أي من الطرفين.

نصرالله، الذي كشف أن حزبه استقبل موفداً قطرياً رفيع المستوى مؤخراً وانه اعاد الاتصال مع تركيا، قال كلاماً يعزز ما نقله داوود اوغلو الى الاميركيين. ففي حوار دام اكثر من ساعتين، تحدث نصرالله عن استحالة "تغيير الوضع القائم" في سوريا عسكرياً، لكنه لم يستبعد صراحة امكانيات التغيير الاخرى.

ومن ارض المعركة السورية تسلمت وزارة الخارجية الاميركية تقريراً استخباراتياً يظهر تزايد عدد مقاتلي "جبهة النصرة"، التي تضعها واشنطن على لائحة التنظيمات الارهابية، بخمسة الاف مقاتل. كما يظهر التقرير ازدياداً مشابها في عدد المقاتلين الأجانب لفرع القاعدة المعروف بـ "الدولة الاسلامية في العراق والشام".

التقرير نفسه أشار الى ان رئيس اركان "الجيش السوري الحر"، سليم ادريس، مستعد للمشاركة في جنيف 2، المقرر انعقاده في 22 من الشهر المقبل، "حتى يتم اثناءه مناقشة تسليم (الرئيس السوري بشار) الاسد للسلطة"، اي ان ادريس والمعارضة السورية من غير الاسلاميين اسقطت شرط رحيل الاسد قبل انعقاد المؤتمر، وتبنت فكرة ان المؤتمر هو الذي يحدد كيف تنتقل السلطة من الأسد الى حكومة مؤقتة كاملة الصلاحيات، حسب ما ورد في وثيقة جينيف 1.

إذاً، المواقف الدولية في واشنطن والدوحة وانقرة وطهران، والمحلية من ادريس ونصرالله، بدأت تتقارب، وعنوانها الرئيسي القضاء على الاسلاميين المتطرفين داخل سوريا، والذهاب الى جنيف للبحث في حل سلمي من دون حسم عسكري.

أما مصير الأسد في الحل السلمي، فيلفه الغموض حتى في تصريحات حلفائه. نصرالله الذي أكد عودة العلاقات الايرانية التركية الى سابق عهدها، لم يقل إن الأسد باق، بل قال إن السوريين هم من يحدد مصير مستقبلهم، على الرغم من أن مقاتلي حزب الله لا ينتظرون السوريين ليحددوا مصيرهم بأنفسهم على ارض المعارك.

وفي ظل تشابه المواقف الدولية والمحلية، تبقى دولتان معنيتان بسوريا خارج الاجماع الدولي المزعوم.

الاولى هي روسيا التي توقع مسؤولوها علناً ان يترشح الاسد لولاية ثالثة هذا الربيع، ورفضوا قبول اي تلميحات حول تغيير النظام السوري، وراحوا يضعون بين الفينة والاخرى عراقيل لانعقاد مؤتمر جنيف 2، وهو اصلا فكرة روسية - اميركية مشتركة. 

العراقيل الروسية تكمن في رفض روسيا مؤخراً طلباً اميركياً لمشاركة فرنسا وبريطانيا في جنيف 2، على الرغم من اعتبار نصرالله ان مشاركة كل الدول المعنية، ولا سيما الأوروبية من التي تزود المعارضين السوريين بالسلاح، ضروري في مؤتمر الحل السلمي، وعلى الرغم من التحسن المضطرد في العلاقات بين طهران ولندن.

الدولة الثانية التي يبدو انها مازالت خارج التوافق الذي يتشكل حول سوريا ومؤتمر جينيف 2 هي السعودية. تصريحات المسؤولين فيها لا تزال تشير الى اعتقادهم بامكان الحل العسكري، او على الاقل، حسب قول نصرالله، يدعمون المقاتلين لاضعاف الاسد قدر الامكان قبل حضوره جنيف 2.

المواقف المحلية السورية واللبنانية تتغير، وكذلك الاقليمية والدولية، والولايات المتحدة ليست استثناء، ففي ظل الاقنية المتعددة والبعيدة عن الانظار المفتوحة مع طهران، لم يعد الاميركيون يعتقدون ان ايران هي جزء من المشكلة في سوريا، بل صاروا يرددون انها جزء من الحل، وان مشاركتها في جنيف 2 ضرورية.

في السابق وضع المسؤولون الاميركيون، علناً، تبني ايران لوثيقة جنيف 1 شرطاً لمشاركتها في جنيف. هذه الايام، يقول المسؤولون الاميركيون، سراً، إنهم يعتقدون أن ايران ليست متمسكة بالأسد، وفي الحالة هذه، لا ضرورة لوضع أي شروط على مشاركتها ففي حضورها تعزيز للمؤتمر ومصلحة لمن يريد استبدال الأسد.

Since December 2008