الأحد، 31 أغسطس، 2014

التأخر في الإجابة عن أسئلة الوكالة الذرية وراء رزمة العقوبات الجديدة على إيران

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تأخرت طهران في تسليم وكالة الطاقة الذرية إجابات على اسئلتها فعاجلت وزارة الخزانة الأميركية إيران برزمة عقوبات فرضتها على 25 شخصاً ومؤسسة بتهم تتراوح بين دعمهم البرنامج النووي الإيراني ومساهمتهم في تسليح قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

ويأتي التصعيد الأميركي عشية اللقاء المقرر عقده بين ممثلة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، في فيينا، تمهيدا لاستئناف جلسات المفاوضات بين مجموعة دول «خمس زائد واحد» وإيران حول ملف الاخيرة النووي. كما تأتي العقوبات الأميركية قبل أيام من صدور التقرير الفصلي لوكالة الطاقة الذرية حول برنامج إيران النووي.

وعلمت «الراي» من مصادر أميركية ان واشنطن تحركت بعدما بلغها ان الإيرانيين تأخروا في تسليم المعلومات المطلوبة الى الوكالة الذرية، وأن الإدارة شعرت أن الإيرانيين لا ينوون الإفصاح عن المعلومات المطلوبة، كما بدا جليا من تصريح وكيل وزير الخارجية، المقرب من «الحرس الثوري الإيراني»، عباس عرقجي، الذي قال في لقاء مع سفراء إيرانيين في طهران ان «الجمهورية الإسلامية في ايران دخلت المفاوضات بجدية ونية حسنة»، وانها «واثقة من انه لو تابع الطرف الآخر المفاوضات بجدية ونية حسنة، وكذلك تفادي الافراط في الطلبات، يصبح التوصل الى اتفاق في 24 نوفمبر امرا عمليا».

وردا على عرقجي، قال مسؤولون أميركيون، رفضوا الإفصاح عن هويتهم، لـ «الراي» أن «الطريق الى جهنم معبدة بالنوايا الحسنة»، وأن «الجدية تقضي بالتزام إيران مواعيد تسليم المعلومات الى وكالة الطاقة الذرية».

هكذا، لم تتأخر وزارة الخزانة في الرد، فأعلن مساعد الوزير ديفيد كوهن، في بيان، ان «خطوة الخزانة هي ضد 25 كيانا وفردا متورطين في توسيع برنامج إيران للانتشار (النووي)، ودعم الإرهاب في المنطقة، ومساعدة إيران على التهرب من العقوبات الدولية، وهي (خطوة) تعكس تصميمنا المستمر على التحرك ضد أي كان، وفي أي مكان، ممن يخترق العقوبات».

وفي قوله «أي مكان»، إشارة أميركية ضمنية الى موسكو، التي كانت بعض شركاتها النفطية أعلنت نيتها توقيع اتفاقيات شراكة مع نظيراتها الإيرانية لتطوير الإنتاج الإيراني.

ومن الكيانات التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في هذه الجولة مصرفا يعرف بـ «بنك آسيا»، ومقره موسكو، وعللت الخزانة العقوبات عليه باتهامه بتحويل 13 مليون دولار نقدا الى الحكومة الإيرانية من خارج الإفراجات المتفق عليها في اتفاقية جنيف الموقتة الموقعة في 24 نوفمبر الماضي، والتي قضت بتجميد إيران جزءا من نشاطها في تخصيب اليورانيوم مقابل رفع جزئي للعقوبات المفروضة عليها.

ولم تكتف حكومة الولايات المتحدة بفرض عقوبات على من تعتقد بارتباطهم بالبرنامج النووي الإيراني فحسب، بل شملت عقوباتها «خطوط طيران معراج»، التابعة للحكومة الإيرانية، بتهمة نقلها أسلحة وعتادا ومواد أخرى الى نظام الأسد في سورية، وكذلك على «خطوط طيران قزوين» لنقلها أعضاء في «الحرس الثوري الإيراني» وأسلحة الى سورية.

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الإيراني جابر الحسيني، وهو مسؤول إيراني رفيع، بتهمة تنسيق الشحنات الإيرانية «لدعم نشاطات إرهابية خارج إيران».

ولم توفر الخزانة شركات نفط إيرانية وعاملين فيها من رزمة عقوباتها التي تأتي بمثابة تصعيد في وقت ساد اعتقاد ان التقارب بين واشنطن وطهران في العراق، وفي مناطق أخرى من منطقة الشرق الأوسط، كان يترافق مع انفراجات في المفاوضات النووية.

في هذه الاثناء، تستمر الأوساط الأميركية في مراقبة النشاطات النووية الإيرانية، وتبدي قلقها من تركيب إيران طرودا مركزية من الجيل الثامن، وهي أسرع بكثير من الجيل الأول التي تملكها إيران حاليا. ومع ان طهران لم تضع الطرود الجديدة قيد الخدمة بعد، لكن الطرود الأكثر سرعة تعني انه يمكن لإيران تخفيض عدد الطرود العاملة لديها في شكل كبير، حسبما تطلب المجموعة الدولية، من دون ان يؤثر ذلك في كمية اليورانيوم أو ان يعيق درجة التخصيب.

على ان المسؤولين في واشنطن لا يعتقدون ان إيران ترسل اشارت سلبية فقط، فطهران كانت أعلنت افتتاح مفاعل جديد في أصفهان وظيفته تحويل اليورانيوم المخصب بدرجات اعلى من 5 في المئة الى يورانيوم مؤكسد لا يمكن استخدامه الا في الأبحاث. وفي الوقت نفسه، أعلنت طهران انها اعادت تصميم مفاعل آراك حتى ينتج كميات بلوتونيوم تبلغ كميتها واحد على ثمانية من الممكن انتاجها حاليا، ما يبعد فرضية استخدامه لتصنيع قنبلة.

بعض الخبراء الاميركيين، بدورهم، شككوا بإعادة التصميم في آراك، وقالوا انه من غير الممكن التدقيق بصحة الادعاء الإيراني.

التصعيد المستجد بين اميركا وإيران لم يوفر ظريف، المعروف بأنه من المسؤولين الإيرانيين المعتدلين، الذي أطل لدى استقباله نظيره الروسي سيرغي لافروف، في طهران الجمعة الماضي، ليقول متحديا ان «البرنامج النووي الإيراني لم ينحدر بسبب العقوبات»، في وقت تحدث لافروف عن «الحق الإيراني في التخصيب»، وهو موضوع مازال مدار جدل في المفاوضات بين إيران والعالم المتوقع استئنافها غدا واستمرارها على مدى الشهر المقبل في نيويورك على هامش اعمال الجمعية العمومية السنوية للأمم المتحدة.

«داعش» أجرى أبحاثاً على أسلحة بيولوجية

| واشنطن – من حسين عبد الحسين |

ذكرت مجلة «فورين بوليسي» على موقعها على الانترنت أنها حصلت على محتوى كمبيوتر يعود لشاب تونسي خريج قسمي الفيزياء والكيمياء يدعى محمد س، كان انضم الى «الدولة الإسلامية» (داعش) في العام 2011، وان كمبيوتره يحوي أبحاثاً حول كيفية اعداد أسلحة بيولوجية لشن هجمات بقنابل يمكنها نشر امراض مثل الطاعون.

وكتب مراسلان للمجلة انهما قاما بنسخ المعلومات عن جهاز كمبيوتر شخصي استولى عليه مقاتل في «الجيش السوري الحر» بعد احتلال مجموعته أحد المباني العائدة لـ «داعش» في سورية في يناير الماضي.

وجاء في التقرير ان محمد حفظ ملفا من 19 صفحة حول كيفية استخدام فيروس الطاعون وتجربته على فئران صغيرة، وان في الكمبيوتر كذلك فتوى من 26 صفحة صادرة عن سعودي في السجن يدعى ناصر الفهد يحلل فيها استخدام أسلحة دمار شامل ضد الكفار، «حتى لو قتلتهم جميعهم ومسحتهم ونسلهم عن وجه الأرض».

وقال المراسلان انهما اتصلا بالجامعة التونسية للتحقق من هوية المدعو محمد س، وان موظفة في الجامعة أكدت انه كان يدرس في قسمي الفيزياء والكيمياء من دون ان تقدم المزيد من التفاصيل.

وأضاف التقرير ان الموظفة قالت ان الجامعة اضاعت كل أثر له في العام 2011، ثم سألت بشكل مفاجئ «هل وجدتم أوراقه في سورية؟» لتضيف بعد ذلك ان على المراسلين الاتصال بالأمن التونسي للحصول على أي تفاصيل بشأنه. وقام الموقع بنشر صورة غير واضحة للمدعو محمد مأخوذة من كمبيوتره الشخصي.

ولفت الموقع الى تقرير سابق مشابه كان نشره موقع قناة «سي ان ان» التلفزيونية في العام 2002 حول معلومات حصلت عليها في أفغانستان تظهر ان تنظيم «القاعدة» اجرى ابحاثا حول أسلحة كيماوية، وأن احدى التجارب أدت الى مقتل ثلاثة كلاب.

كذلك جاء في تقرير «فورين بوليسي» ان حكومة الولايات المتحدة خصصت موارد هائلة للتعامل مع هذا الخطر بالخصوص، معتبرا ان المعلومات الأخيرة من كمبيوتر محمد تظهر ان «الجهاديين يعملون بجهد في الوقت نفسه للحصول على الأسلحة التي تسمح لهم بقتل آلالاف بضربة واحدة».

لكن المشكلة لدى الارهابيين، حسب الخبير ماغنوس رانستروب، تكمن في أنه يصعب الحصول على سلاح يمكنه توزيع أي عوامل كيماوية او بيولوجية، وهو ما حدا بمحمد التونسي الى تخزين تقارير تدعو لاستخدام قنابل يدوية في أماكن مكتظة مثل مترو الانفاق أو الملاعب الرياضية، ورمي هذه المواد امام فتحات التدفئة والتبريد لنشرها في أكبر مسافة ممكنة.

أميركا:تحسن الاقتصاد والقلق من الدَيْن يربكان مجلس الاحتياط الفيديرالي

حسين عبدالحسين - واشنطن 

يتواصل صدور التقارير الاقتصادية الإيجابية في واشنطن، والتي أشار آخرها إلى قفزة بلغت 22.6 في المئة في إجمالي طلبات السلع المعمرة وهي الزيادة الشهرية الأكبر منذ بدأت وزارة التجارة إصدار هذا النوع من التقارير في 1992.

ونتيجة هذه الزيادة ارتفعت مؤشرات الأسواق المالية، في وقت أعادت وحدة الدراسات في «بنك باركليز» النظر في توقعاتها للنمو الأميركي في الفصل الثالث من 2.4 إلى 2.7 في المئة، بالتزامن مع توافر ما يشبه الإجماع على أن الولايات المتحدة ستنهي هذه السنة بمعدل نمو يبلغ ثلاثة في المئة.

وتوقع «باركليز» أن يشير تقرير الوظائف لهذا الشهر الذي سيصدر الأسبوع المقبل إلى خلق الاقتصاد 200 ألف وظيفة، ما يخفض البطالة إلى 6.1 في المئة، و5.8 في المئة مع نهاية السنة، وإن حصل هذا السيناريو فستصل هذه النسبة إلى حدها الأدنى الذي بلغته منذ العام 2008.

ويأتي التقرير بعد آخر سبقه وأشار إلى زيادة في الثقة لدى المستهلكين الأميركيين في آب (أغسطس) إلى 92.4، بارتفاع 2.1 عن الشهر الماضي. والقراءتان هما الأعلى منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2007.

التقريران المذكوران لا يخرجان عن سياق سيل التقارير الأخرى الصادرة في واشنطن على مدى الأسابيع العشرين الماضية، والتي دفعت الخبراء إلى إصدار تكهنات مفادها أن مجلس الاحتياط الفيديرالي، الذي كان أعلن تقليص سياسة الإنعاش النقدي بهدف إنهائها، سيعمد إلى رفع الفائدة على السندات ذات المدى القصير، والتي تراوح في أدنى مستوياتها منذ أكثر من ست سنوات.

ويعتبر رفع الفائدة للجم التضخم مؤشراً إيجابياً في الدورة الاقتصادية، لكنه يثير القلق في الحال الأميركية، إذ من شأنه أن يؤدي إلى زيادة كلفة الدين العام الذي يبلغ 17.7 تريليون دولار، ويرتفع بواقع 2.37 بليون دولار يومياً. وأصدر مركز «هتشنز» للبحوث الاقتصادية، التابع لمعهد «بروكنغز»، وثائقياً يشير إلى أن واشنطن نجحت في السيطرة عليه، وهو يبلغ اليوم 75 في المئة من الناتج المحلي، بسبب إقرار زيادة في الضرائب على الأميركيين ذوي الدخل المرتفع، والاقتطاع في الإنفاق في موازنة الحكومة الفيديرالية السنوية. لكن الشريط يشير إلى توقع بلوغ الدين العام 80 في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2024، وأن يمضي بوتيرة تصاعدية مقلقة بعد ذلك.

ويبني الوثائقي على تقرير أعده فريق من المعهد في آذار (مارس) الماضي، ويشير إلى أن عائدات الحكومة الفيديرالية هذه السنة بلغت 16.5 في المئة من الناتج المحلي، فيما بلغ الإنفاق من دون فوائد الدين 19 في المئة، ومع زيادتها يصبح 20.5 في المئة.

وعام 2024، ووفق التقرير ذاته، ترتفع العائدات إلى 18 في المئة من الناتج، ويبقى الإنفاق في حدود 19 في المئة فيما تساهم خدمة الدين في رفع الإنفاق أربعة في المئة ليصل إلى 23 في المئة.

وستبلغ فوائد الدين العام الأميركي أربعة في المئة في 2024، وهي نسبة تساوي العجز السنوي المتوقع في العام ذاته وفق مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو أمر مثير للقلق ولا يخفى أنه أحد العوامل التي تدفع رئيسة مجلس الاحتياط، جانيت يلين، إلى التريث في رفع الفائدة على رغم تعالي الأصوات داخل المجلس مطالبة برفعها خوفاً من زيادة مفاجئة في التضخم.

ولاحظ مراقبون أن يلين في خطابها الأخير تحدثت عن الشيء وعكسه، على سبيل المثال ذكرت عودة الاقتصاد إلى عافيته لكنها في الوقت ذاته لفتت إلى أن البطالة لم تعد إلى أدنى مستوياتها، ما يحتم على «الاحتياط الفيديرالي» الاستمرار في الحوافز عبر إبقاء الفائدة منخفضة على الأقل. لكن يلين تدرك أن إبقاء الفائدة منخفضة يرتبط بأمور أخرى، إذ من شأن رفعها إجبار الحكومة على الاستدانة بفائدة أعلى لسنداتها ذات المدى القصير، ما يساهم في رفع كلفة الدين العام. ومن شأن رفع الفائدة أيضاً أن يقتنص بعض المستثمرين من أسواق المال، ما سيتسبب بهزات في الأسواق وخلق بعض التعثر للاقتصاد، ما يعني أن الحكومة الفيديرالية تخسر من عائداتها.

هذه التعقيدات تساهم في حيرة يلين و «مجلس الاحتياط»: هل يرفع الأخير الفائدة على رغم الارتدادات السلبية لذلك على المالية العامة؟ أم يتركها منخفضة ويجازف بإمكان خروج التضخم عن السيطرة ما قد يؤذي الاقتصاد بطرق مجهولة؟

التقارير الاقتصادية الأميركية إيجابية، لكن ارتفاع الدين العام يجعل من الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياط الفيديرالي خطوة تشوبها الحيرة.

الخميس، 28 أغسطس، 2014

أوباما يحسم موقفه من ضرب «الدولة الإسلامية» في سورية ... غداً أو بعده

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تتواصل الاجتماعات في العاصمة الأميركية على أعلى المستويات، وكان آخرها الثلاثاء الماضي، للتباحث في إمكانية توجيه ضربات لأهداف تعود لتنظيم «الدولة الإسلامية» داخل سورية. ومن المتوقع ان يعقد اليوم فريق الامن القومي الموسع، برئاسة الرئيس باراك أوباما، اجتماعا في البيت الأبيض، في وقت يعتقد كثيرون ان الرئيس الأميركي سيحسم موقفه من الموضوع خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وعلمت «الراي» ان اجتماع الثلاثاء، الذي جمع ما يعرف بـ «لجنة الرؤساء»، أي كبار المسؤولين من الوزارات المعنية كالخارجية والدفاع وأجهزة الاستخبارات، شهد نقاشا مستفيضا حول محاسن ومساوئ كل الخطط المطروحة، وتضمن أسئلة حول ان كان لدى القوات الأميركية سلسلة معروفة من الأهداف التي تعود لـ «الدولة الإسلامية» والتي يمكن ضربها.

كذلك، تضمن النقاش تقديم السيناريوات المحتملة على إثر الضربة، من قبيل ان كانت تعطي لقوات الرئيس السوري بشار الأسد تفوقا على «الدولة الإسلامية» وتسمح لها باستعادة أراض خسرتها في الماضي القريب، ام ان ضربة داخل سورية ستدفع مقاتلي الدولة الى مناطق أخرى تسمح لهم بالاستمرار في نشاطهم.

ويقول المطلعون على فحوى اللقاء ان المجتمعين اتفقوا على حتمية عدم اجراء أي تنسيق عسكري او استخباراتي مع الأسد في هذا الشأن، وعدم تحويل الضربة الى فرصة لقواته لاستعادة المبادرة في مواقع خسرتها، وهو ما يعني ان الولايات المتحدة تجد نفسها مجبرة على البحث عن شركاء – كما في العراق – يقومون بمؤازرة الحملة الجوية على الأرض.

وحتى الآن، لم تجر واشنطن أي اتصالات بقيادة «الجيش السوري الحر» او الفصائل التي تصنفها معتدلة حتى تقوم هذه بالاستيلاء على المناطق التي ستطرد واشنطن مقاتلي الدولة منها. لكن مسؤولين أميركيين قالوا انه من المبكر الاتصال بالمعارضة السورية في هذا الشأن قبل ان يحسم الرئيس الأميركي أمره، ويقرر توجيه الضربة فعليا.

والمقربون من الرئيس الأميركي يقولون ان أوباما متردد لأنه يعتقد ان «الدولة الإسلامية» ربما تنكفئ على إثر ضربات العراق بشكل لا يضطر الاميركيين الى توسيع الضربة الى داخل سورية. على ان كثيرين داخل الإدارة وخارجها لا يعتقدون بأن «الدولة الإسلامية» ستخفض من نشاطاتها الحربية، ويشير هؤلاء الى هجومها واستيلائها على مطار الطبقة العسكري في مدينة الرقة السورية، وكذلك شنها هجوما ضد مدينة طوزخورماتو العراقية، على الرغم من العملية الجوية الأميركية.

كذلك، يقول عاملون في الإدارة ان تردد أوباما انسحب على عدد من اركان فريق الأمن القومي، كان في صدارتهم رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي، الذي بعدما ادلى بتصريح قال فيه ان وجود «الدولة الإسلامية» في سورية يشكل خطرا على الولايات المتحدة لأن من شأنه ان يتحول مقرا للإرهابيين لشن هجماتهم ضد اهداف أميركية، عاد وتراجع عن تصريحه هذا بالقول ان لا خطر داهماً تشكله الدولة.

وسبب تراجع ديمبسي، حسب مصادر الإدارة، هو حرص الجنرال الأميركي على «عدم فرض واقع» على أوباما يجبر الأخير على تبني تقييم ان الدولة خطر داهم وان على واشنطن توجيه ضربة لها على وجه السرعة.

من المرجح ان يتخذ أوباما قراره حول إمكانية توسيع الضربة الجوية الأميركية ضد اهداف «الدولة الإسلامية» لتشمل سورية غدا أو بعد غد، وان يبلغ اركان فريقه القرار يوم الاثنين بعد عطلة نهاية الأسبوع. وفي حال قرر الرئيس الأميركي توجيه ضربة، وقتذاك سيجد الفريق الرئاسي نفسه مجبرا على وضع خطة متكاملة تشمل اعداد المبررات القانونية، والتواصل مع زعماء الكونغرس من الحزبين، في وقت يقدم له العسكريون أكثر من خطة تحدد حجم الضربة وعدد أهدافها.

وكانت مصادر أميركية نفت في شكل قاطع «وجود أي تعاون مباشر او غير مباشر مع نظام الأسد». ووصفت هذه المصادر لـ «الراي» الحديث عن تعاون مع الأسد لمكافحة الإرهاب في سورية كجزء «من الحملة الإعلامية التي يشنها النظام وحلفاؤه لتصوير نفسه وكأنه أصبح مقبولا لدى المجتمع الدولي».

وبلغة حازمة، أكدت المصادر الأميركية ان «لا تعاون مع الأسد الآن ولا في المستقبل»، معتبرة أن «المجتمع الدولي يعمل على اعداد ملفات لمحاكمة كل من تلوثت أيديهم بالدماء من نظام الأسد امام محاكم دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب»، وان «الأسد جزء من المشكلة، ولا يمكنه ان يكون جزءا من الحل».

وكانت وكالة «اسوشيتد برس» نقلت عن مسؤولين في الإدارة، ان واشنطن زودت نظام الأسد، عن طريق بغداد وموسكو، معلومات استخباراتية حول أماكن وجود مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» داخل سورية ليقوم النظام بضربها.

الا ان المسؤولين الذين تحدثت إليهم «الراي» نفوا الأمر، وقالوا ان واشنطن «لا تشارك لا بغداد ولا موسكو معلومات استخباراتية حول تواجد القوى المختلفة داخل سورية»، وأنه ليس لدى بغداد معلومات حول اماكن تواجد مقاتلي «داعش» حتى داخل العراق.

الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

'المنحبكجية'..داخل ادارة أوباما

حسين عبدالحسين

"لا يعني (ضرب الدولة الإسلامية داخل سوريا) تحالفا مع الأسد، بل ما نحتاجه ببساطة هو محاربة عدو للولايات المتحدة من دون التورط في الحرب الأهلية السورية"، يكتب السفير السابق في سوريا والعراق ولبنان ريان كروكر في "صحيفة نيويورك تايمز" هذا الأسبوع، مكرراً مقولة يرددها كثيرون داخل الإدارة الأميركية وخارجها ان مصير الأسد لا يعنيهم، بل أن دعوتهم لتوسيع الحرب الأميركية في العراق لتشمل أجزاء من سوريا يهدف فقط للقضاء على "الدولة الإسلامية". لكن كروكر يكذب.

ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، كتب كروكر في الصحيفة نفسها مقالة حملت عنوان "الأسد أقل الخيارات سوءا في سوريا"، وجاء "انه حان الوقت للتفكير بمستقبل لسوريا لا يتضمن الإطاحة بالأسد لأن هذا في الغالب ما سيكون عليه المستقبل". في تلك المقالة، اعتبر كروكر ان الرئيس باراك أوباما تجاوز "مبدأ أساسياً في الشؤون الخارجية" مفاده "أنك ان قدمت سياسة، عليك ان تتأكد ان لديك الوسائل لتنفيذها، وفي سوريا، من الواضح اننا لم نفعل ذلك".

وكتب كروكر في ديسمبر: "لقد اسأنا تقدير قدرة الأسد وعلينا ان نقبل انه لن يذهب، وان البديل هو وقوع بلد عربي أساسي في ايدي القاعدة". لكن النجم الدبلوماسي السابق قلل في المقالة نفسها من إمكانيات التنظيمات الإسلامية، واعتبر ان قوات الأسد الاحسن تسليحا وتنظيما ستستعيد كل سوريا، "ربما تحافظ القاعدة على بعض الجيوب في الشمال، لكنه سيحافظ على دمشق".

هذا السفير، الذي تعتقده واشنطن أبرز خبرائها في الشؤون الخارجية والذي عهدت اليه إدارة العراق، توقع قبل اقل من سنة ان تتقهقر التنظيمات الإسلامية امام الأسد. ثم في اليوم الذي تلى انتزاع "الدولة الإسلامية" مطار الطبقة العسكري في الرقة من قوات الأسد، بعد معركة دامية، كتب كروكر ان على أميركا ضرب الدولة بغض النظر عن مصير الأسد، وهذا ليس انقلابا في موقف كروكر فحسب، بل يشي بخوفه من نجاح الإسلاميين بالقضاء على الأسد، ويريد ضمنيا ان تشارك اميركا في منع انهياره، ولكنه هذه المرة لا يقول ذلك صراحة.

والانقلاب في الموقف من رافض للتدخل الى مطالب بضرب اهداف تابعة "للدولة الإسلامية" في سوريا، كما في العراق، ليس حكرا على كروكر وحده، بل يمثل موقف عاملين في فريق أوباما، وان كان هؤلاء يتفادون الادلاء بمواقفهم علنا.

في مقدمة هؤلاء يأتي مسؤول الشرق الأوسط داخل مجلس الامن القومي الأميركي روبرت مالي، الذي قدم تصورا للأزمة السورية، قبل أكثر من عام وقبل تعيينه في منصبه، شبيهاً بموقف كروكر السابق والقاضي بأن لا جدوى من أي تدخل عسكري أميركي، وأن الحرب في سوريا لا تتعلق بسوريا وحدها، بل هي جزء من مواجهة إقليمية أكبر وأوسع، وان لا مصلحة لواشنطن بالتدخل فيها.

ومالي مؤيد قديم للأسد، وهو زاره في دمشق مرارا قبل وصول أوباما الى الحكم، وكان من أكبر الداعين لتبني "سياسة الانخراط مع الأسد" قبل اندلاع الثورة في آذار 2011. وفي شباط الماضي، عين أوباما مالي في منصبه الحالي، ويقول عاملون في الإدارة الأميركية ان مالي اليوم يؤيد توسيع الضربات الأميركية في العراق لتشمل سوريا.

وتصوير الثورة السورية على أنها جزء من منظومة إقليمية سياسة بدأت مع الأسد نفسه، الذي حاول منذ اليوم الأول انتزاع وصف ثورة عن الانتفاضة المطالبة بإنهاء حكمه، وقام بفرض تسميات عليها تراوحت بين اعتبارها تدخلا إقليميا في الشؤون السورية او تصوير قمعه لها وكأنه جزء من الحرب العالمية ضد الإرهاب.

كروكر، مالي، وكثيرون غيرهم من المسؤولين الاميركيين الحاليين والسابقين، كرروا موقف الأسد نفسه، وقالوا انها ليست ثورة بل أزمة إقليمية، وان لا مصلحة لأميركا الدخول فيها، قبل ان ينقلبوا الى مطالبين بتدخل واشنطن لضرب "الدولة الإسلامية" التي يبدو انها صارت تهدد الأسد ونظامه الى حد ما، اذ على الرغم من تفوق قوات الأسد، وخصوصاً في الجو، انتزعت الدولة منه كامل محافظة الرقة تقريباً.

والى كروكر ومالي، يبرز رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي، الذي خاض معارك شرسة اثناء اجتماعات فريق الأمن القومي برئاسة أوباما مصرّاً على ضرورة بقاء أميركا خارج الحرب في سوريا، قبل ان ينقلب في ليلة وضحاها الى مطالب بتدخل أميركي فوري وسريع في العراق، وهو كان الشخص الذي لعب دورا محوريا في اقناع أوباما بضرورة التدخل جويا في شمال العراق الغربي.

بعد التدخل في العراق، قال ديمبسي ان قواته قد توسع ضرباتها لتشمل اهداف "الدولة الإسلامية" داخل سوريا، فلاقى هجوما من سياسيين كبار كان في طليعتهم السناتور الجمهوري جون ماكين، المؤيد للتدخل الأميركي العسكري في سوريا منذ الأشهر الأول للثورة، الذي اتهم ديمبسي بالتقلب، فما كان من الأخير إلا ان تراجع نوعا ما، معتبرا ان الإسلاميين في سوريا لا يشكلون خطرا على أميركا في الوقت الحالي، وان خطرهم إقليمي فقط، وانه سيقدم توصيات بضرب أهدافهم في سوريا اذا ما شكلوا خطرا على بلاده.

لكن موقف ديمبسي شكل تناقضاً مع موقف رئيسه وزير الدفاع تشاك هايغل، الذي قال الأسبوع الماضي ان لدى "الدولة الإسلامية" جهوزية تناهز مقدرات "تنظيم القاعدة" قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وان خطر الدولة على واشنطن داهم، وان على أميركا التدخل لدرء هذا الخطر.

مثل الفريق المتناسق، يقف مؤيدو الأسد في واشنطن داخل الإدارة وخارجها، يتبنون الموقف نفسه، وينقلبون الانقلاب نفسه، وغالبا ما تكون مواقفهم صدى لمواقف يقرأها كثيرون او يسمعونها من الأسد ونظامه، او أن ذلك من باب المصادفة فحسب.

الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

«قلّة ذوق» أوباما «الانتهازي» تضاف إلى لائحة الانتقادات الأميركية بحقه

| واشنطن – من حسين عبدالحسين |

يقول كورنل ويست، وهو أحد أبرز الشخصيات الأميركية من أصل افريقي، ان الرئيس باراك «أوباما مزيف». وفي مقابلة مع مجلة «صالون»، وجّه المؤيد السابق للرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لأول رئيس أميركي من أصل افريقي بقوله «أردنا رئيسا تقدميا، فحصلنا على (بيل) كلينتون ذي وجه اسمر... حصلنا على انتهازي آخر».

ومع ان الهجوم ليس الأول من قواعد الحزب الديموقراطي او قياداته ضد أوباما، خصوصا بعد انتقادات وزيرة خارجيته السابقة والمرشحة الرئاسية للعام 2016 هيلاري كلينتون لسياسته الخارجية، الا ان هجوم ويست هو الأول من أميركي من أصل افريقي من الديموقراطيين، وهو صادف مع امتعاض واسع من شخصية الرئيس الأميركي وتصرفاته في الأسبوعين الأخيرين، وخصوصا اثناء تمضيته اجازته الصيفية في «دالية مارثا» في ولاية ماساشوستس الشمالية.

وكان الاعلام الأميركي، الجمهوري والديموقراطي والوسطي، وجه انتقادات لاذعة بعدما خرج أوباما لممارسة رياضة الغولف على إثر إعلانه شجبه لقيام تنظيم «الدولة الإسلامية» بقتل الصحافي الأميركي جيمس فولي، الأربعاء الماضي. ذاك اليوم، أطل أوباما شاحبا، واستنكر عملية القتل، وعبر عن أسفه، واتصل بأبوي الصحافي المقتول. لكن بعد ذلك بساعات، كان أوباما على ملعب الغولف حيث التقطت كاميرات الصحافيين صوره باسما.

اثارت ابتسامات أوباما ولعبه الغولف حفيظة الاميركيين، من الحزبين. عزرا كلاين، نائب رئيس تحرير موقع فوكس واحد أبرز مؤيدي أوباما منذ العام 2008، علق على الموقف بتغريدة بالقول ان «الغولف اليوم هو قلة ذوق». وأيد كلاين الكثير من الصحافيين الموالين للحزبين، كما انتقدت أوباما برامج التوك شو.

لكن الرئيس الأميركي لم يستمع للاعتراضات الأميركية، وخرج في اليوم التالي الى ملعب الغولف متحديا ليلعب جولة جديدة. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مساعدين للرئيس الأميركيين انه «لم يعد يعير الانتقادات الموجهة اليه اهتماما»، وهو ما جعله يخرج ليلعب الغولف يوم الخميس للمرة الثامنة في 11 يوما قضاها على الجزيرة.

وما ساهم في توسيع الانتقادات بحق الرئيس الأميركي، الذي لم يقطع اجازته، ان رئيس حكومة بريطانيا دايفيد كاميرون قطع اجازته وعاد الى مقر عمله في «10 داونينغ ستريت» فور اعلان خبر مقتل فولي، اذ ان لهجة القاتل الذي ظهر في الفيديو بريطانية، وهو ما حمل لندن على مباشرة التحقيقات للتوصل الى كشف هويته، في وقت اشارت المعلومات الأولية انه صار لدى البريطانيين تصور حول هوية الشخص الذي ظهر في الفيديو.

اما السبب الثاني للانتقادات التي طالت أوباما فسببها ما بدا ابتعاده عن متابعة احداث الشغب في ولاية ميزوري الجنوبية على إثر مقتل مايكل براون، ذي الأصل الافريقي وغير المسلح، على يد الشرطي الأبيض دارن ويلسون بست طلقات، وهو ما أشعل انتفاضة في ذلك الحي حملت أبعادا عرقية واعادت الى الاذهان العلاقة المتأزمة تاريخيا بين السود والبيض.

وعلى عكس مقتل المراهق من أصل افريقي تريفون مارتن على يدي مدني مسلح يدعى جورج زيمرمان العام 2012، عندما أطل أوباما مرارا وتحدث مطولا حول الأزمة بين الأعراق، وقال انه لو كان لديه ابن، لكان مثل مارتن، بقي أوباما بعيدا هذه المرة.

في أزمة ميزوري هذه، غلبت البرودة على تعليقات أوباما. لم يقل إن براون كان ممكنا ان يكون هو في أيام شبابه، او ان يكون ابنه اليوم لو كان لديه ابن. فقط دعا الى تطبيق القوانين بشكل عام. ثم ذهب ليلعب الغولف.

ولعبة الغولف هذه كانت ورطت الرئيس السابق جورج بوش الابن، الذي أدلى للصحافيين بتعليق شديد اللهجة ضد عملية تفجير في إسرائيل العام 2002، ثم قال لهم «الآن شاهدوا هذه الضربة»، وقام بتسديد الكرة بمضربه. على إثر تلك الحادثة والانتقادات التي اثارتها، أعلن بوش انه علق لعبة الغولف حتى نهاية رئاسته. فهل يحذو أوباما حذو سلفه؟

على أن أزمة أوباما صارت أعمق من لعبة الغولف وحدها، فسياسته الخارجية المرتكزة على ما يشبه العزلة وعدم التدخل في شؤون العالم يبدو انها تنهار مع صعود «داعش» في العراق وسورية، فيما يعتقد مراقبون ان التدخل العسكري الأميركي في العراق جاء متأخرا، وأن «داعش» تابعت تمددها ان كان في استيلائها على مطار الطبقة العسكري في الرقة او في شنها هجوماً على طوزخرماتو بالكاد نجحت قوات البشمركة الكردية في صده.

وداخليا، كما خارجيا، يعاني أوباما، فحزبه الديموقراطي يقترب من خسارة الغالبية التي يسيطر عليها في مجلس الشيوخ بسبب انهيار شعبية الرئيس، وسياسة اصلاح قانون الهجرة، التي أعلنها أوباما مرتكزا لولايته الثانية، يبدو انها تنهار كذلك، ما يهدد الولاء الكبير الذي تمنحه الكتلة الناخبة من أصول أميركية جنوبية للديموقراطيين.

كذلك، يواجه أوباما انتقادات بسبب عدم قيامه بإعداد خلف له قبل سنتين من انتخابات الرئاسة، ومع أن كلينتون تبدو ذات حظوظ وافرة للفوز بترشيح حزبها، الا انه يتوجب على أوباما - كما على بقية الرؤساء تقليديا - تحفيز القاعدة وتحضير الأرضية لمرشح الخلافة.

كل هذه الانتقادات والأزمات الداخلية والخارجية، المتعلقة بشخصية أوباما، دفعت أحد المعلقين الى القول انه «ربما أوباما كان يفضل لو ان مدة ولايتيه ست سنوات تنتهي هذا الخريف، بدلا من ان يضطر للتعايش مع سنتين إضافيتين من الازمات والانتقادات والخيبات».

الادّعاء العام في نيويورك يطلب السجن مدى الحياة لأبو غيث

| واشنطن – من حسين عبدالحسين |
طلب الادعاء العام في قضية محاكمة صهر زعيم تنظيم «القاعدة» والناطق باسم التنظيم سليمان ابو غيث، الكويتي المولد، حكم السجن مدى الحياة بتهمة توجيه «تهديدات» مفادها بان «القاعدة ستستمر في القيام بهجمات إرهابية باستخدام الطائرات» حتى بعد هجمات 11 سبتمبر العام 2001.

والمحاكمة بحق أبو غيث هي الأرفع بحق مسؤول في تنظيم «القاعدة»، وهي بمثابة سابقة لمحاكمة «مقاتلين أعداء» امام محاكم أميركية من شأنها ان تسمح للولايات المتحدة بمحاكمة معتقلي سجن غوانتانامو بعد أكثر من عقد من الجدال حول مصيرهم.

واظهرت الوثائق التي قدمها المدعي العام امام محكمة مانهاتن في نيويورك، والتي تنظر بجرائم بحق الاميركيين تم ارتكابها خارج الولايات المتحدة، ان الادعاء رفض تعليلات الدفاع باعتبار ان المتهم ابو غيث قضى 10 سنوات من محكومية السنوات الـ 25 التي يطلبها الادعاء في إيران «في ظروف شديدة» اثناء اعتقاله هناك. واعتبر الادعاء انه اثناء وجوده في إيران، تمتع ابوالغيث بحرية الاتصال بعرب آخرين، حتى انه تزوج من امرأتين وأنجب منهما أطفالا.

وفي نص الادعاء، الذي قدمه المدعي العام قبل نحو الشهر من الموعد الذي كان مقررا لتقديمه في 23 سبتمبر المقبل، ان «الإرهاب جريمة مع عواقب حاسمة والتخلص منها أمر بالغ الصعوبة»، مضيفا ان ابو غيث «جلس بفخر الى يمين بن لادن» في فيديو انتشر بعد هجمات 11 سبتمبر، وشارك مرارا في فيديوهات دعائية كانت تهدف الى تجنيد المزيد من المقاتلين للانضمام لصفوف «تنظيم القاعدة».

واوضح القرار الاتهامي ان ابو غيث «أصدر تهديدات يندى لها الجبين، بشكل متكرر ومن دون مواربة ان القاعدة ستستمر في القيام بهجمات إرهابية باستخدامها الطائرات».

واضاف أيضا انه «ببساطة، دعم المتهم بحماس القاعدة وقتلها الجماعي لأميركيين»، وان «أهمية الكلمات التي ادلى بها ابو غيث لا يمكن الخطأ فيها»، وان «متكلمين ملهمين ويتمتعون بكاريزما مثل أبو غيث يسمحون للقاعدة بإعادة ملء صفوفها بالانتحاريين باستقطاب المزيد من الإرهابيين المستقبليين الى مهمة القاعدة الاجرامية».

بدوره، رد محامي الدفاع ستانلي كوهن بالقول ان موكله لم يكن لديه «سابق علم او دور في تخطيط او تنفيذ هجمات 11 سبتمبر او أي عمل إرهابي او تفجيري آخر. وقال ان دور ابو غيث اقتصر على «الكلام بعد وقوع الهجمات».

وكان ابو غيث تحدث في جلسة سابقة عن استدعاء بن لادن له الى كهف مظلم حيث سأله زعيم القاعدة الراحل عن رأيه عما ستكون عليه ردة الفعل الأميركية، ليجيب المتهم بالقول انه «في حال ثبت أن للقاعدة دورا، فان الولايات المتحدة لن تهدأ قبل ان تنجز امرين، قتل بن لادن وقلب نظام الطالبان في أفغانستان».

واستند الدفاع الى رواية ابوالغيث هذه للقول ان موكله لم يكن على علم بالهجمات مسبقا، ما ينفي ضلوعه فيها ويحصر جريمته بالتكلم باسم تنظيم إرهابي.

ومن المتوقع ان تنظر المحكمة في القضية مع منتصف سبتمبر المقبل وان تصدر حكما قبل نهايته، حسب ما ذكرت مصادر قضائية في وزارة العدل الأميركية.

الخميس، 21 أغسطس، 2014

الحرب وحدها لن تنهي «داعش» والمطلوب خطب ود... العشائر


أبدت دوائر القرار في العاصمة الأميركية قلقها من الأداء الجيد الذي يمارسه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في حكم الأراضي التي استولى عليها. ويقول خبراء ان كسب تأييد المناطق التي يحكمها هذا التنظيم تجعل من الصعب ازاحته منها، اذ لا يمكن فعل ذلك بعمل عسكري فقط، بل يتطلب تواصلاً مع سكان هذه المناطق وتأليبهم ضد التنظيم.

وكما «خطة زيادة القوات» التي اعتمدتها الولايات المتحدة العام 2008 لإنهاء العنف الذي ساد معظم مناطق العراق، ترتكز الاستراتيجية الحالية الى خطب ود سكان المناطق التي احتلها «داعش»، خصوصا ود العشائر التي يمكنها تقديم مقاتلين يعرفون الأرض جيدا ويمكنهم، أكثر من القوات الحكومية العراقية، طرد «داعش». كذلك، عندما ينقلب الرأي العام المحلي ضد أي تنظيم، يصبح من الصعب اختباء مقاتليه او حصولهم على مؤن او مساعدة من السكان.

دايفيد كيلكولن، هو ضابط استرالي سابق تعرف مصادفة على قائد القوات الأميركية في العراق في حينه الجنرال دايفيد بترايوس، الذي أعجب بمقدرته على تقديم حلول نظرية وعملية لمعالجة مشكلة التمرد التي كان يعاني منها الاميركيون في العراق. وتحول كيلكولن الى أبرز مستشاري بترايوس، وساهم في تأليف «دليل خوض الحروب في وجه مجموعات غير نظامية» للجيش الأميركي.

واستراتيجية كيلكولن، التي يقدمها في كتابه «مكافحة التمرد»، تعتمد على ثلاثة عوامل: الأول استخدام قوة عسكرية ساحقة لطرد متمردين من بلدة ما، وفي الوقت نفسه التواصل مع السكان وكسب ودهم وتحسين ظروفهم المعيشية ومد رجالهم بالمال والسلاح. وفي المرحلة الأخيرة، يقوم الجيش بتسليم البلدة المذكورة الى سكانها الذين يمكنهم مواجهة المتمردين ومنع عودتهم.

ولكن يبدو هذه المرة ان «الدولة الإسلامية» قرأت هذا الدليل وهي تعمل بموجبه، اذ يعتقد كيلكولن انها تتصرف كدولة الى حد بعيد، وتعمل على تقديم الخدمات الأساسية للسكان، وعلى الإبقاء على الكادر الحكومي المختص في جمع النفايات وتشغيل الكهرباء والمياه وفرق الصيانة. كما تستثمر الدولة في البنية التحتية وتجمع الضريبة، وهي انشأت محاكم، وتصدر وثائق ممهورة بختمها.

لذا، يعتبر الخبير الأسترالي ان الغارات الأميركية أدت الى تغيير جذري في طريقة عمل داعش. ويقول كيلكولن في مقابلة مع شبكة «اي بي سي» التلفزيونية انه عندما عمل في العراق في العامين 2006 و2007، كان المتمردون ميليشيات يتحركون ليلا بسيارات مدنية وبثياب مدنيين ويقومون بتفجيرات وبقطع رؤوس.

لكن على مدى الأشهر الستة الماضية، يتابع كيلكولن، كان «داعش» يعمل بطريقة مختلفة كليا في العراق، «فهم يعملون في وضح النهار، ولديهم أسلحة ثقيلة على ظهور مركبات... ودبابات، وعربات مصفحة، وهم يتصرفون كثيرا مثل الطالبان قبل الاجتياح الأميركي العام 2011، وهو ما يجعلهم عرضة للخطر امام أي قوة جوية».

هكذا، غيرت الغارات الأميركية من طبيعة عمل «الدولة الإسلامية»، ودفعت مقاتليها الى الاختباء في المدن، وهو ما سيجعل من الصراع معها صراعا طويل الأمد.

ويتابع الخبير العسكري بالقول ان القوات الحكومية العراقية لا قدرة لديها لاستعادة الأراضي التي خسرتها لمصلحة داعش، كذلك تفتقر قوات البشمركة الكردية الى التدريب والتسليح المطلوبين من اجل حسم أي معركة مع «داعش»، وهو ما يعني ان المتحاربين سيصلون طريقا مسدودة في المدى المنظور، وهو ما دفع الحكومة الأميركية الى محاولة استقطاب العشائر العراقية لإخراج داعش من الموصل والبلدات العراقية التي تسيطر عليها.

لكن خطر «داعش» لن يزول بخروجها من العراق، حسب أجهزة الاستخبارات الأميركية، التي رصدت لقاء في ليبيا لعدد من المجموعات الإسلامية المتطرفة تباحث فيه إمكانية تخليها عن القاعدة ومبايعة داعش. ويعتقد الخبراء الاميركيون ان النجاحات العسكرية التي حققتها داعش هي بمثابة مغناطيس يجذب المجموعات الأخرى، وان وقف هذه النجاحات ربما يحد من ذلك. وتقدر الأجهزة انه في الأسبوع الماضي وحده، انضم الى «داعش» أكثر من ستة آلاف مقاتل.

اما المجموعات التي قد تعلن الولاء لـ «داعش» فموجودة في اليمن والصومال وليبيا والساحل، وهو ظاهرة تثير قلق المراقبين من إمكانية توسعها.

ويختم الخبير الأسترالي «هذا صراع على مدى أجيال»، يقول كيلكولن، الذي يعتقد ان الحملة الجوية الأميركية ستستمر لأشهر متعددة، مثل حرب كوسوفو، ولا يستبعد استخدام قوات أرضية. «لكن هذا سيكون في هذه العملية فقط، وان لم ننظر الى هذه المواجهة من منظور أوسع، فاعتقد اننا سنكرر هذا الحوار نفسه بعد 20 او 30 عاما حول خطر التطرف الإسلامي حول العالم، والذي اعتقد ان علينا ان نميزه عن المسلمين الذين لا يشكلون مشكلة... المتطرفون مجموعة صغيرة عدديا، ولكن لا حاجة لأعداد كبيرة للإبقاء على هذا النوع من الصراع لفترة طويلة».

واشنطن فشلت في إنقاذ رهائن أميركيين لدى «داعش» في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أعلن البيت الأبيض ووزارة الدفاع الـ(بنتاغون) ان 24 عنصرا من القوات الأميركية الخاصة هبطت في أراض تسيطر عليها قوات «الدولة الإسلامية» (داعش) داخل سورية لتحرير رهائن أميركية تم تحديد مكان تواجدها بناء على تقارير استخباراتية. لكن لدى وصول الاميركيين، لم يجدوا أي رهائن، فاشتبكوا مع «داعش» وقتلوا عددا منهم، وخرجوا من موقع العملية سالمين، مع تعرض جندي واحد من القوات المساندة لجروح طفيفة بسبب اطلاقات نارية تعرض لها الأميركيون في طريقهم الى المغادرة.

ويأتي الإعلان إثر اطلالة للرئيس باراك أوباما، من مقر عطلته الصيفية في «دالية مارثا»، دان فيها قتل «داعش» للصحافي الأميركي جيمس فولي، الذي انقطعت اخباره في سورية العام 2012. واتصل أوباما بوالد ووالدة فولي، وأعرب لهما عن أسفه، ووعدهما ان حكومته لن تألو جهدا لمعاقبة الفاعلين.

وقال أوباما ان «العالم روعته الجريمة الدموية بحق جيمس فولي على ايدي المجموعة الإرهابية (داعش)»، واصفا «داعش» بأنهم غزوا مدناً وقرى، وانهم «يقتلون مدنيين أبرياء غير مسلحين، ويرتكبون اعمال عنف جبانة».

وأضاف ان مقاتلي «داعش» يختطفون «نساء وأولاداً، ويعرضونهم للتعذيب والاغتصاب والعبودية، وهم قتلوا مسلمين، سنة وشيعة، بالآلاف، ويستهدفون المسيحيين والأقليات الدينية، ويخرجونهم من ديارهم، ويقتلونهم لا لسبب الا لأنهم يمارسون ديانة مختلفة، وأعلنوا نيتهم ارتكاب مذبحة بحق شعب قديم». وتابع أوباما ان «(داعش) لا يتحدث باسم أي دين، ضحاياهم في غالبهم من المسلمين، ولا ديانة تعلم ارتكاب المجازر بحق الأبرياء».

وختم الرئيس الأميركي بالقول ان الولايات المتحدة ستفعل ما عليها لحماية مواطنيها، ودعا الشعوب والحكومات في الشرق الأوسط الى المشاركة في المجهود «لاستئصال هذا السرطان حتى لا ينتشر».

وبعد ساعات من اطلالة أوباما، عقد مسؤولون رفيعو المستوى في وزارة الدفاع جلسة مغلقة تحدثوا فيها للصحافيين عن المجهود الذي تقوم به الولايات المتحدة لحماية مواطنيها، وفي هذا السياق جاءت عملية انقاذ رهائن أميركية لدى «داعش قبل» أسابيع.

وتحفّظ المسؤولون الأميركيون عن الادلاء بأي تفاصيل بهدف عدم كشف مصادر معلوماتهم او طرق عملهم، ولكنهم قالوا انهم يكشفون عن العملية غير الموفقة في هذا الوقت لأن الانباء حولها كانت ستظهر الى العلن عاجلا ام آجلا. وقالوا ان تحديد مكان تواجد الرهائن الأميركيين، الذين يرجح ان فولي كان منهم، تم بعد مقابلات مكثفة أجرتها الاستخبارات الأميركية مع ستة رهائن أوروبيين كان «داعش» افرج عنهم في وقت سابق.

ومن التفاصيل التي قدمها المسؤولون الأميركيون، ان العملية تمت في منطقة خارج المدن، أي غير مكتظة بالسكان، وشارك فيها 24 عنصرا من القوات الخاصة، فضلا عن وحدات عسكرية أخرى كالمروحيات والمقاتلات التي بقيت تحلق فوق مكان العملية لتقديم الدعم والاسناد اللازمين ولتأمين الانسحاب في الوقت المطلوب.

ومساء أول من أمس، أصدرت مساعدة الرئيس لشؤون الأمن القومي ومكافحة الإرهاب ليزا موناكو بيانا جاء فيه ان «الرئيس اعطى الاذن للقيام بعملية انقاذ لمواطنين اميركيين كان داعش خطفهم ويحتفظ بهم عكسا لرغباتهم في سورية». وأضافت ان «الرئيس اعطى التفويض بعدما رأى تقييم فريق الأمن القومي الذي اعتبر ان الرهائن كانوا في خطر مع مرور كل يوم وهم لدى (داعش)».

وتابعت موناكو: «كان لدى حكومة الولايات المتحدة ما كنا نعتقده معلومات استخباراتية كافية، وعندما سنحت الفرصة، اعطى الرئيس تفويضا لوزارة الدفاع للتحرك بقوة لاستعادة المواطنين». وأضافت: «للأسف، تلك المهمة لم تنجح لأن الرهائن لم يكونوا هناك».

وختمت المسؤولة الأميركية بيانها بالقول ان «العملية تبقى مؤشرا لأولئك الذين يرغبون في ايذائنا ان الولايات المتحدة لن تتسامح مع خطف مواطنينا، ولن تألو جهدا لتأمين سلامتهم، ولمحاسبة خاطفيهم».

وقال المسؤولون الأميركيون ان «على مقاتلي (داعش) ان يتنبهوا الى ان هذه الحرب تختلف عن سابقاتها، وأن واشنطن ستطارد هذه المرة التنظيم فردا فردا، وستحضر الى العدالة المسؤولي عن خطف وقتل أميركيين، وستلاحق مسؤولين التنظيم في أماكنهم الآمنة وفي أسرّتهم واينما ذهبوا»، في إشارة الى ان أميركا تنوي هذه المرة استخدام قواتها الخاصة لمطاردة أعضاء «داعش» أكثر من الحروب السابقة، كما في العراق وأفغانستان، التي اعتمدت فيها على احتلال كامل.

وفي الوقت نفسه، أعلنت قيادة المنطقة الوسطى، اول من أمس، ان عدد الغارات الجوية التي نفذتها مقاتلاتها ضد اهداف داعش في العراق بلغت 84، منها 14 بعد قتل «داعش» للصحافي الأميركي فولي، حسب ما اعلنت القيادة العسكرية الاميركية التي تغطي منطقتي الشرق الاوسط ووسط آسيا.

واوضحت القيادة ان الغارات التي نفذتها طائرات مطاردة واخرى من دون طيار، تركزت على محيط سد الموصل الذي استعادته القوات الكردية الاحد من التنظيم المتطرف، ودمرت «ست (عربات نقل) هامفي وثلاثة مواقع للعبوات الناسفة، وانبوب هاون وشاحنتين مسلحتين» تابعة لمسلحين المتطرفين.

واوضح المصدر ذاته ان واشنطن نفذت 84 غارة جوية في العراق منذ الثامن من اغسطس منها 51 غارة بهدف اسناد القوات العراقية قرب سد الموصل.

واضاف ان «القوات العراقية والكردية تعمل معا لتوسيع سيطرتها في المنطقة».

في غضون ذلك (وكالات)،اعلن مسؤول اميركي كبير الاربعاء ان وزارة الدفاع تنوي ارسال «نحو 300» جندي اميركي اضافي الى العراق بناء على طلب الخارجية الاميركية.

وهذه القوات الاضافية التي ستساعد في حماية المقار الديبلوماسية الاميركية ترفع الى نحو 1150 عدد الجنود والمستشارين العسكريين الاميركيين الموجودين في العراق في وقت يواجه هذا البلد خطر مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية.

وردا على سؤال عن طلب وزارتها قالت الناطقة باسم الخارجية ماري هارف انها ليست على اطلاع على هذه المعلومات.

وينتشر حاليا في العراق نحو 850 جنديا ومستشارا اميركيا تتمثل مهمتهم في حماية الموظفين والمباني الديبلوماسية الاميركية واسناد الجيش العراقي والقوات الكردية ضد المتطرفين الاسلاميين الذين نفذوا هجوما كاسحا في العراق منذ بداية يونيو.

وعلاوة على ذلك شن سلاح الجو الاميركي 84 غارة جوية على مواقع لتنظيم الدولة الاسلامية المتطرف منذ الثامن من اغسطس في شمال العراق هدف معظمها الى حماية سد الموصل الاستراتيجي اكبر سدود العراق.

الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

واشنطن تسعى لتكرار الاتفاق مع إيران للإطاحة بالأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يكاد الخبراء في العاصمة الأميركية يجمعون على أن الرئيس السوري بشار الأسد صعّد من غاراته الجوية ضد اهداف تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) سعياً منه لإقناع حكومة الولايات المتحدة انها ستجد في نظامه - كما في الماضي شريكا يمكن الركون اليه في «الحرب على الإرهاب».

لكن حرب أميركا على الإرهاب في عهد الرئيس باراك أوباما تختلف عما كانت عليه في زمن سلفه جورج بوش. اليوم، لا تسعى الولايات المتحدة الى التنسيق مع أنظمة تتمتع بأجهزة بوليسية يمكنها ضبط الأمن في بلدانها، بل تحاول العثور على شركاء محليين في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون.

في الحالة العراقية، رفضت واشنطن التحالف مع حكومة لا تتمتع بتمثيل مكتمل، لأن أي تنسيق مع حكومة رئيس الحكومة المنتهية ولايته نوري المالكي كان من شأنه ان يرسل رسائل مفادها انحيازا أميركيا للحكومة ضد خصومها، وبذلك، تخلق واشنطن لنفسها خصوما جددا. عوضاً عن ذلك، رهنت أميركا مشاركتها في المجهود العراقي ضد «داعش» باستبدال المالكي برئيس حكومة يتمتع بتمثيل مقبول حتى يكون للحملة العسكرية فعالية أكبر وحتى تدوم نتائجها لفترات أطول.

طهران، بدورها، وافقت تماما على السيناريو الأميركي وقامت بالايعاز لحلفائها الشيعة بضرورة اخراج المالكي، موضوع الشكوى لدى الكرد والسنة، واستبداله بشخصية تضمن توسيع التمثيل الشعبي في الحرب ضد «داعش».

ومنذ تسمية حيدر العبادي رئيساً لحكومة العراق المقبلة، دأب المسؤولون الاميركيون في فريق الرئيس أوباما على تسريب انباء مفادها ان إيران تعاونت في العراق لأن الحل ضمن لها مصالحها، وانه يمكن اقناعها بالطريقة نفسها باستبدال حليفها الأسد بشخصية من صفوف نظامه تلقى قبولاً سورياً أوسع، بالضبط مثل العبادي، الذي عمل مطولا في عداد فريق المالكي وفي صفوف حزبه «الدعوة الإسلامية».

هكذا، يعتقد مسؤولو ادارة أوباما انه «يستحيل» ان يعود الأسد شريكا في «الحرب على الإرهاب»، وان أي شريك سوري في هذه الحرب يشترط ان يتمتع بتمثيل واسع وان يحوز على موافقة المعارضة والنظام في الوقت نفسه.

ويعتقد مسؤولو إدارة أوباما انه يمكن التوصل الى هذه التسوية في سورية، ومباشرة الحرب على الإرهاب، بتعاون إيراني وسعودي كامل، على غرار ما حصل في العراق.

لكن في تفكير فريق أوباما مشكلة، يعتقد الفريق المشكك بهذا السيناريو الأميركي، وخصوصا من بين أعضاء الكونغرس من الحزبين.

في الكونغرس، يعتقد بعض الأعضاء ان طهران «لم تذرف الكثير من الدموع» على المالكي، وأنها استبدلته بشخصية أكثر قرباً منها، «كما كان السوريون يستبدلون حلفاءهم بحلفاء آخرين في المناصب الرئاسية في زمن احتلالهم لبنان».

ويقول المشككون في نظرية فريق أوباما القائلة ان إيران ستتخلى عن الأسد كتخليها عن المالكي ان إدارة أوباما «تعيش في ارض الاحلام». اما السبب في هذا التشكيك فيعود الى اعتقاد بعض أعضاء الكونغرس المعنيين ان إيران انفقت الكثير من المال والدماء في سورية من اجل إبقاء الأسد نفسه في سدة الحكم، وأنها - على عكس العراق - تعتقد ان قواتها وقوات الأسد قادرة على القضاء على كل التنظيمات المعارضة والارهابية من دون تدخل أميركي.

«لماذا تشاركنا إيران في سورية حيث تعتقد انها تمسك بالوضع ويمكنها الفوز؟» يتساءل المشككون.

لكن التقديرات العسكرية الأميركية تشير الى شبه استحالة في ان ينجح الأسد في القضاء على «داعش»، حتى لو استعان بسلاحه الجوي، فالتنظيم يتمتع بقدرات تناهز مقدرة الجيوش النظامية، والغارات الجوية التي تقوم بها قوات الأسد تفتقر الى الدقة، وغالبا لا تشارك في مجريات المعارك بتقديمها غطاء جويا، بل تشن غارات عقابية وقصفا عشوائيا. هكذا، سيتعذر على قوات الأسد على الأرض استعادة أي أراض او القضاء على «داعش».

في العراق، الضربات الجوية الأميركية تتمتع بدقة هائلة، وتصيب آليات عسكرية ثقيلة تعود لـ«داعش» وارتال مقاتلين وتجمعاتهم، وتفعل ذلك بالتنسيق مع القوات المقاتلة على الأرض من البيشمركة الكردية والعشائر، وهو ما يمنحهم الوقت لاستعادة مساحات واسعة سيطر عليها هذا التنظيم، وأن يجبر مقاتليه على التخفي وعدم التنقل بتشكيلات يمكن للمقاتلات الأميركية رؤيتها.

إذا، في وقت لا يمكن للأسد الفوز من دون المقاتلات الأميركية التي تشكل عنصرا حاسما في المعركة، يمكن ان تجد إيران نفسها بحاجة الى معونة أميركية للتخلص من «داعش» في سورية، كما في العراق، وهو ما يعني تراجع طهران عن تمسكها بالأسد، وموافقتها على استبداله بآخر من نظامه كشرط على إقامة شراكة بين الجيش السوري، والمعارضة، بغطاء جوي أميركي، يقضي على «داعش»، ويتحول التحالف الى حكومة دائمة لمرحلة ما بعد الأسد.

وفيما يستمر الجدل داخل واشنطن، وبين أميركا وإيران، يبدو جلياً أن الأسد يدرك ان عليه ان يظهر ضرورة بقائه وعدم الاستغناء عنه، لذا، قام بتكثيف غاراته الجوية ضد «الدولة الإسلامية»، بعد فترة طويلة على ما كان يبدو شبه اتفاق ضمني بين الطرفين على عدم الاشتباك في مواجهات مباشرة.

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

كيف تحول الدفاع عن قنصلية أربيل استعادة لسد الموصل؟

حسين عبدالحسين

"اليوم، بدعم منا، خطت القوات العراقية والكردية خطوة أساسية باستعادتها أكبر سد في العراق قرب مدينة الموصل"، قال الرئيس باراك أوباما، الذي قطع اجازته الصيفية وحضر الى البيت الابيض، بنبرة بدا عليها الملل وعدم الاهتمام. لكن كيف تحولت عملية محدودة كانت مقررة للدفاع عن القنصلية الأميركية في أربيل الى عملية جوية موسعة تشهد أكثر من أربعين طلعة جوية أميركية يومياً؟ وبعد ان أصبح مقاتلو الدولة الاسلامية بعيدين عن القنصلية المذكورة، الى متى تستمر الغارات الأميركية، وما هو هدفها؟

الإجابة قد تأتي من حصيلة اللقاءات الأميركية المتواصلة مع الإيرانيين، فالولايات المتحدة تعهدت المشاركة في إلحاق الهزيمة بالدول الإسلامية في حال تنحى رئيس حكومة العراق نوري المالكي وأقام العراقيون حكومة "أكثر تمثيلاً"، أي تضم الكرد والسنة.

أما إيران، التي لا تكنّ إعجاباً للمالكي، الذي لطالما رفض الإنضواء في "التحالف الوطني" من دون تزعمه، لم تقلق كثيراً لاستبداله، في وقت يعتقد البعض ان خليفته حيدر العبادي أكثر قرباً لإيران من سلفه.

"على مدى الأسبوع الماضي"، يقول أوباما، "رأينا تقدما تاريخيا مع تسمية العراقيين رئيس حكومة، حيدر العبادي، مع موافقة المالكي بالتنحي"، مضيفاً أن "الانتقال السلمي للسلطة يمثل خطوة كبيرة في مسار تطور العراق السياسي، ولكني اعتقد اننا كلنا نعي ان العمل لم يتم بعد".

وفي الاثناء، عمدت أوساط أوباما الى تسريب انباء مفادها انها هي التي تقف خلف وصول العبادي الى منصبه، وان العملية بدأت بإقناع السفير الأميركي في العراق للنائب احمد الجلبي بضرورة سحب ترشيحه الى منصب نائب رئيس مجلس النواب لمصلحة العبادي، كتمهيد لاختيار الأخير رئيساً للحكومة.

لكن تسلسل الأمور يشي بمبالغة أميركية، فلماذا يسعى الأميركيون لانتخاب العبادي نائباً لرئيس المجلس قبل اختياره رئيساً للحكومة، ما يعني أن جهة أخرى قدمته لرئاسة الحكومة. هذه الجهة هي قائد "فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني" قاسم سليماني، الذي عمد الى سحب حلفاء المالكي من بين يديه الى ان تمكن من اقناعهم بترشيح العبادي.

ومع اعلان ترشيح عبادي، وجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم مضطرين للالتزام بجانبهم من الاتفاق مع الإيرانيين، فوسعت واشنطن من ضرباتها الجوية، وتحركت العشائر السنية للمشاركة في القتال ضد داعش، وتابع المقاتلون الكرد تقدمهم بغطاء جوي أميركي.

بيد أن أولى بوادر غياب التمثيل في حكومة العراق الجديدة جاء من كردستان، حيث ذكرت تقارير في العاصمة الأميركية ان المالكي وعبادي رفضاً السماح لطائرات غربية محملة بالعتاد بعبور الأجواء العراقية الى أربيل لتزويد البيشمركة الكردية بالسلاح، وهو ما يشي بخوف عراقي، وخلفه خوف إيراني أكبر، من زيادة في مقدرة الكرد القتالية تساهم لاحقاً في انفصالهم عن العراق، وربما عن ايران في ما بعد.

وإذا ما بقيت الثقة غائبة بين الأطراف العراقية، ليس من المتوقع أن تقدم الحكومة العراقية المقبلة المال والسلاح اللازم لمقاتلي العشائر، على غرار ما فعل المالكي قبلا، خوفا من ارتفاع في مقدرتهم القتالية، وهو ما يعني ان "حكومة المشاركة" العراقية لن تتعدى اطارها الشكلي السابق.

إدارة أوباما تبدو غافلة عن كل هذه التفاصيل، بالضبط كمجلس الأمن الذي أصدر قراراً لضبط تمويل داعش عبر المصارف، وكأن أموال هذا التنظيم تمر عبر بنوك نيويورك. لكن إدارة أوباما تريد في الوقت نفسه تقديم نجاحات للرأي العام الأميركي، ربما بهدف حمله على الموافقة على المزيد من التوغل العسكري للقضاء تماما على الدولة الإسلامية.

من دون الرأي العام الأميركي، سيجد أوباما نفسه مجبراً على وقف الغارات الجوية في الأسبوع الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، لذا، عمد افراد فريقه الى الاتصال بزعماء الكونغرس من الحزبين لاقناعهم بضرورة اصدار قانون يسمح بتمديد العمليات العسكرية الى ما بعد ستين يوماً، تحت عنوان "الحرب على الارهاب"، التي كان أوباما نفسه هو من اعلن نهايتها بالقضاء على "تنظيم القاعدة". ثم قامت إدارته بتغيير تسمية "مكافحة الارهاب" الى "مكافحة العنف المتطرف".

اليوم، تعود الادارة نفسها لاستجداء الكونغرس لدعم حربها الجديدة ضد الارهاب. كذلك، حاولت أميركا عبر حلفائها في مجلس الأمن استصدار قرار ضد الدولة الإسلامية، لكن بسبب معارضة روسيا وخوفها من ان تتوسع العمليات الأميركية لتشمل أهدافا داخل سوريا، وربما أهدافا تابعة للنظام السوري، خرج القرار من دون بند عسكري كانت إدارة أوباما تعول عليه للمشاركة في تحالف دولي لا يحتاج لموافقة الكونغرس.

حتى الآن، خرجت إدارة أوباما من الكونغرس ومن مجلس الأمن بخفي حنين، فيما أطل أوباما ليقدم إنجاز استعادة سد الموصل لكسب الرأي العام الذي يتخوف من اضطراره للجوء اليه.

حتى نفاد مهلة الأيام الستين، سيستمر أوباما في التخبط، وستبقى خطته الوحيدة الاستناد الى ايران، وربما في وقت لاحق الى قوى أخرى في المنطقة، لإيصال عمليته العسكرية الى ختامها بالقضاء الكلي على الدولة الإسلامية.

الاثنين، 18 أغسطس، 2014

التعاون مع إيران يتسبب بانقسام في واشنطن

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وفقا لما أوردته «الراي» الأسبوع الماضي حول الاتفاق الأميركي مع إيران، والذي افضى الى تعيين حيدر جواد العبادي رئيسا لحكومة العراق، تستكمل كل من واشنطن وطهران تنفيذ بنود الاتفاقية الضمنية بينهما، التي كانت أولى بوادرها تخلي العبادي عن بعض صلاحيات سلفه نوري المالكي، وتوقيعه تعهدا يحدد ولايته باثنتين، وقطعه وعودا لزعماء السنة، خصوصا من العشائر، بمنحهم مناصب وزارية ومدهم بالمال والسلاح.

في هذه الاثناء، التزمت الولايات المتحدة الجزء المتعلق بتأمينها غطاء جويا لقوات البشمركة الكردية يبدو انه بدأ يعطي مفاعيله مع تراجع قوات «الدولة الإسلامية».

وفي وقت يندلع الجدال في العاصمة الأميركية بين مطالب بتوجيه ضربات جوية لـ«داعش» داخل سورية، وآخر يدعو الى توسيع هذه الضربات لتشمل قوات الرئيس السوري بشار الأسد، رصد الخبراء الاميركيون نوعا من التنسيق الضمني بين الولايات المتحدة والأسد في ساحة القتال، فيوم أول من أمس، تعرضت قوات «داعش» الى 60 غارة جوية، 43 منها داخل سورية شنتها مقاتلات الأسد، و17 في العراق قامت بها المقاتلات الأميركية.

وتقول التقارير المتواترة الى العاصمة الأميركية من العراق ان التنسيق هناك بين المسؤولين الاميركيين ونظرائهم الإيرانيين جار على قدم وساق، وهو ما دفع البعض في إدارة الرئيس باراك أوباما الى الإشارة الى فوائد التنسيق مع طهران بالقول انه افضى حتى الآن الى انفراجات واسعة داخل العراق ولبنان، ويساهم في قلب الصورة العسكرية ضد قوات «داعش».

وكان اول ملتقطي إشارات التنسيق بين واشنطن وطهران رئيس حكومة بريطانيا دايفيد كاميرون، الذي دعا الى ضم إيران الى الجبهة التي تسعى الى القضاء على «داعش».

لكن معارضي الرئيس أوباما يجدون الكثير من السذاجة في قول فريقه ان التنسيق مع الإيرانيين افضى الى قلب الأمور في وجه «داعش»، وان على العالم مكافأة إيران على تعاونها.

ويقول هؤلاء ان الجمهورية الإسلامية كانت مذعورة من «داعش»، وأنها حاولت وقف زحفها ذاتيا باستخدام مقاتلات السوخوي وارسال مستشارين عسكريين من «الحرس الثوري الإيراني» للإشراف على المعارك وتوجيهها. لكن بعد أسابيع من القتال، لم تستعد القوات الحكومية العراقية او الميليشيات الموالية لها، ذات التدريب والتسليح الإيراني، أي أراض، بل نجحت «داعش» في إيقاع المزيد من الخسائر في صفوف الجيش العراقي والميليشيات، وحققت المزيد من التوسع.

والحرب ضد «داعش»، يعتقد معارضو أوباما، هي حرب إيران أولا وأخيرا، ومشاركة المقاتلات الأميركية والعشائر السنية ضد «داعش» يساهم في تعزيز الموقف الإيراني. المفارقة، يضيف المعارضون الاميركيون، ان إيران نجحت في اقناع أوباما ان تسهيلها عملية تشكيل الحكومة العراقية ومكافحة «داعش» هي خدمة للغرب، وان على واشنطن مكافأة طهران عليها، ربما بالسماح لها بالإبقاء على المزيد من الطرود المركزية لتخصيب اليورانيوم ورفع المزيد من العقوبات الدولية عنها.

على ان فريق أوباما يعتقد ان في تخلي إيران عن المالكي مؤشر ليونة إيراني، ويقول عاملون في الفريق الرئاسي انه «ربما يؤدي التعاون في العراق الى تعاون شبيه في سورية، وتتخلى طهران عن الأسد لمصلحة غيره من النظام، على غرار ما جرى ببغداد».

هذه أماني بعيدة عن الواقع، يرد معارضو أوباما، الذين يعتبرون ان إيران حققت مكسبا كبيرا باستبدال المالكي برئيس حكومة عراقي أكثر قربا منها، وبإقحامها في الوقت نفسه أميركا في الحرب ضد «داعش».

أقل من أربعة أشهر تفصل العالم عن نهاية مسار المفاوضات النووية بين المجتمع الدولي.

المرشد الأعلى للثورة في إيران علي خامنئي وصف المفاوضات بـ «عديمة النفع»، وأسبغ عليها صفة التعاون التكتيكي مع الولايات المتحدة في شؤون محددة لإيران مصلحة فيها، ربما كان يقصد العراق ولبنان.

وفي الأثناء أطل، الأمين العام لوكالة الطاقة الذرية كريستيانو أمانو، ليعلن ان الإيرانيين متعاونون في مواضيع متعددة للمرة الأولى منذ العام 2011، بما في ذلك تقديم تفاصيل حول برنامجهم للصواريخ الباليستية. هل يعلن خامنئي خلاف ما تقدم عليه حكومته؟ وهل تتعاون إيران مع الولايات المتحدة وبقية العالم وتكشف عن تفاصيل برنامجها النووي سرا فيما المسؤولون الإيرانيون ينفون ذلك علنا؟

المسؤولون في الإدارة الأميركية يؤكدون التعاون الإيراني غير المسبوق في ملفها النووي، كما في ملفات إقليمية شرق أوسطية. المعارضون يصرون انه حتى الآن، لم تقدم إيران تنازلا واحدا يمكن الإشارة اليه، بل هي تناور وتوحي لأوباما وتمننه انها تقدم له تنازلات فيما الواقع يشي عكس ذلك.

في أقل من أربعة أشهر ينحسم الجدال بين الفريقين الاميركيين. اما يتوصل العالم وأميركا الى اتفاقية نووية مع إيران تتوسع لتشمل ملفات أخرى ورفع للعقوبات، او تتعثر المفاوضات وتنتهي. وحتى 24 أكتوبر، يستمر التواصل بين واشنطن وطهران ويستمر الانقسام بين الاميركيين حول جدوى هذا التواصل.

الأحد، 17 أغسطس، 2014

الاقتصادات الكبرى بدأت تفقد المرونة

حسين عبدالحسين - واشنطن

تعكس تصريحات نائب رئيس «مجلس الاحتياط الفيديرالي» (البنك المركزي) الأميركي، ستانلي فيشر، والتي أدلى بها أخيراً في ستوكهولم، قلقاً أميركياً حول وضع الاقتصاد العالمي عموماً. لقد مرت سنوات على «الركود الكبير» الذي بدأ في 2008، ومازالت اقتصادات كبرى عالمية تترنح، كما ظهر جلياً في بيانات نمو الفصل الثاني للاتحاد الأوروبي التي جاءت مخيبة للآمال.

القلق الأميركي لا ينحصر في اقتصاد الولايات المتحدة فحسب، بل في اقتصادات العالم ككل، فالتباطؤ في أوروبا ينعكس سلباً على الولايات المتحدة وصادراتها وعدد السياح الوافدين سنوياً. وارتباط نمو اقتصاد الصين بمشاريع الحكومة للبنية التحتية و «إدمان» بكين على الخطط المحفزة ينعكس سلباً كذلك على تجارة أميركا مع أكبر شريك لها.

أما خيبة الأمل الكبرى فجاءت من اليابان، حيث صارت التقارير تشير إلى تعثر «ابينوميكس»، أو الخطة التي وضعها رئيس الوزراء شينزو آبي والتي عول عليها كثر بعدما أظهرت في مراحلها الأولى نمواً جيداً، لكن التوقعات اليوم تشير الى نمو يقل عن 1.5 في المئة، ما قد يعني أن البلد في طريقه للعودة إلى عهده بالانكماش الذي عاشه على مدى العقدين الماضيين.

أما القلق الأكبر، فينبع من حيرة الاقتصاديين في فهم سر التباطؤ العالمي، ففيشر اعتبر في خطابه الأخير أن معظم التوقعات التي سرت في السنوات الخمس الماضية، تبين أنها خاطئة، معتبراً أن الاقتصاديين يتفادون إصدار توقعات على المدى البعيد، وصاروا أكثر التزاماً بتوقعات لا تتخطى أكثر من فصلين اقتصاديين. ويشير فيشر إلى أن الحيرة أصابته لأن من غير المعروف إن كانت الاقتصادات الكبرى تتباطأ لأسباب دورية أم بنيوية تتعلق بتغيير يطاول أنماط الإنتاج الذي يتطلب بنى اقتصادية، من بنية تحتية وموارد بشرية، تختلف عن تلك المتوافرة حالياً في معظم الدول.

وبهذا التحليل، يضيء فيشر على مدرسة من الاقتصاديين تعتبر أن التغييرات الحالية التي تطاول الاقتصادات العالمية أعمق كثيراً من دورات الصعود والهبوط المعروفة. ويعتبر هؤلاء أن البشرية عرفت، في فترات مختلفة من تاريخها، تبدلات في تقنياتها أدت إلى تغيرات كبيرة في معيشتها واقتصاداتها، مثل ما فعله اكتشاف الزراعة في المجتمعات البدائية، والثورة الصناعية في المجتمعات الزراعية.

واليوم، يعتقد هؤلاء الاقتصاديون أن العالم يشهد أولى ملامح الثورة المعلوماتية المرتكزة حول الإنترنت. ووفق هذه المدرسة، فإن المخاوف من الثورة المعلوماتية تتشابه مع تلك التي شابت مَن عاصروا الثورة الصناعية، إذ قضت الثورة الصناعية مثلاً على الخياطين واستبدلتهم بمعامل النسيج، وقضت المحركات العاملة بالبترول على الأحصنة والعربات، كما أنهت الكهرباء وظائف من عملوا في إضاءة الشوارع ليلاً بالكاز.

وتساهم الثورة المعلوماتية في إخراج كثر من سوق العمل، فالعاملون في خدمة الزبائن في المصارف تراجع دورهم لمصلحة أجهزة الصراف الآلي وانقلبت وظائفهم من وظائف ذات مرتبات عالية نسبياً إلى مرتبات تتساوى والحد الأدنى للأجور. ومثل الصرافات الآلية، حلت أجهزة مكان بدّالات الهاتف العاملة في خدمات الزبائن في الشركات الكبرى، وساهمت شركات مثل «أوبر» في تضييق السوق على سائقي سيارات الأجرة.

وفي «سيليكون فالي» في ولاية كاليفورنيا، تعمل كبرى شركات المعلوماتية على مشاريع من شأنها أن تغير كثيراً في أنماط المعيشة وأن تقضي على كثير من الوظائف والقطاعات المرتبطة بها. فشركة «غوغل» تجري منذ فترة بحوثاً على سيارة تقود نفسها، واشترت شركة «نست» التي تعمل على تطوير ربط الأجهزة الفردية والمنزلية عبر شبكة الإنترنت بالهواتف الذكية. وتوجد أجهزة طبية كآلات مراقبة الضغط، التي أصبحت موصولة بالمرضى بشكل دائم وتبث نتائجها لأطبائهم، ما انتزع من الممرضات دور قياس الضغط وفق الطريقة القديمة.

وعلى هذا النحو خرجت شركة «كوداك» العاملة في مجال التصوير من السوق بعدما حلت مكانها الكاميرات الرقمية في الهواتف المحمولة، وتكاد شركتا «مايكروسوفت» و«سوني» تلحقان بها بسبب تفوق «أبل» و«غوغل» و «فايسبوك» عليها، فيما أفلست أو تكاد شركات الهاتف الخليوي التي لم تواكب التطور مثل «موتورولا» و «بلاكبيري» و «نوكيا».

وتحتاج التغيرات في التقنية إلى تغيرات مماثلة في البنية التحتية الاقتصادية المرافقة. فالاتحاد السوفياتي السابق مثلاً، تحول إلى دول صناعية استثمرت كثيراً في معاملها وراحت تنتج من دون مراقبة، حاجات السوق، فأفلست الإمبراطورية وانهارت بالكامل. واليوم، فإن أي اقتصاد لا يُظهر مرونة سيعاني حتى يلحق بالقافلة فيعود إلى الحياة مجدداً.

بريطانيا لم تتبدل في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بل اعتقدت أن الخدمات المصرفية كفيلة بالتعويض عن تراجعها، وهي فرضية ثبت خطؤها. أما اليابان فيبدو أنها غارقة في شبكات مصالح داخلية تمنع التغيير. وحدها أميركا وألمانيا والصين تظهر مرونة سمحت لها باحتلال مراكز الصدارة في ترتيب الاقتصادات العالمية. لكن هذه المرة يبدو أن التغيير أسرع من الصين، وحتى من أميركا، ما يقلق فيشر وأقرانه.

Since December 2008