الأربعاء، 31 ديسمبر، 2014

أوباما لم يعد متأكداً أن إيران تريد «تسوية» و... قبول عرضه

| واشنطن – من حسين عبدالحسين |

قد يبدو قول الرئيس باراك أوباما انه يمكن لإيران ان تكون «قوة إقليمية ناجحة جدا»، بمثابة اغراء يقدمه لطهران لحضّها على قبول الحل المعروض عليها والقاضي بتحويل برنامجها النووي الى برنامج «متواضع»، على حد قول الرئيس الأميركي. وقد يبدو أوباما مراهناً على قبول إيران عرضه. لكن مقارنة ما قاله الرئيس الأميركي في مقابلته الأخيرة مع اذاعة «ان بي آر» وما قاله في مارس الماضي في مقابلة ادلى بها الى «شبكة بلومبرغ»، تظهر انه (الرئيس الأميركي) لم يعد متأكدا ان الإيرانيين سيقبلون عرضه.

ففي مارس الماضي، قال أوباما: «إذا نظرنا الى تصرفات الإيرانيين، (لرأيناهم) استراتيجيين، غير متهورين، ولرأينا ان لديهم رؤية للعالم، ويرون مصالحهم، ويتفاعلون مع التكاليف والفوائد». اما في مقابلته الأخيرة، فلا يبدو ان الرئيس الأميركي مازال متأكدا ان إيران دولة تستطيع تحديد مصالحها واتخاذ خياراتها على اساسها، اذ يقول أوباما: «حتى ننفتح على إيران، علينا التوصل الى حل في الموضوع النووي، وهناك فرصة لذلك، والسؤال هو ان كانت إيران مستعدة لاغتنام هذه الفرصة».

إذا، لم يعد أوباما متأكدا ان الإيرانيين يدرون ماذا يفعلون، لذا، صار يلجأ الى اغرائهم لحضّهم عل قبول الاتفاقية المعروضة على إيران، والتي تقضي بالسماح لها بتشغيل أربعة الاف طرد تخصيب يورانيوم مركزي، والاحتفاظ بمخزون صغير من اليورانيوم المتدني التخصيب لأغراض بحثية، واستلام الوقود النووي مصنّعا من الخارج لتشغيل معامل توليد الطاقة النووية التي تسعى لإنشائها.

«اعتقد ان هناك عناصر داخل إيران ممن تدرك الفرصة وتريد ان تغتنمها»، يقول أوباما، مضيفا انه يعتقد في الوقت نفسه ان داخل إيران أيضا «بعض المتشددين ممن يخيفهم التوصل الى حل لأنهم متوغلون سياسيا وعاطفيا في كونهم ضد أميركا وضد الغرب، وهو ما يخيفهم ان ينفتحوا على العالم بهذا الشكل».

أوباما يحتار كيف يغري الإيرانيين فمرة يبعث برسالة شخصية الى مرشد الثورة علي خامنئي ملمحا له ان في قبول إيران التسوية فوائد، يتصدرها التعاون معها في العراق للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وهو اعتراف أميركي ضمني بوصاية إيرانية على العراقيين وحكومتهم وشؤونهم الأمنية، وفي مناسبة أخرى، يرسل أوباما مدير شؤون الخليج في «مجلس الأمن القومي» روبرت مالي، وصديق الرئيس السوري بشار الأسد، ليظهر مرونة أميركية حيال «الوقوف على خاطر» إيران في الموضوع السوري وقبول حلول يمكن ان ترضي الإيرانيين.

وفي مقابلته مع «ان بي آر»، يغدق الرئيس الأميركي المديح على الإيرانيين، ويحاول ان يساعدهم في اتخاذ قراراهم، فيقول ان لدى الإيرانيين «فرصة لكسر العزلة، وعليهم ان يغتنموها، لأنهم ان فعلوا ذلك، فداخل إيران كمية هائلة من المواهب والموارد الأولية والتطور»، ما يمكن الإيرانيين، حسب الرئيس الأميركي، ان يتحولوا الى «قوة إقليمية ناجحة»، وهذا «أمر إيجابي للجميع، وهو سيكون امرا جيدا للولايات المتحدة، وللمنطقة، والأهم من ذلك كله، للإيرانيين أنفسهم».

وعلى الفور، اثارت تصريحات أوباما حول تمسكه بتسوية مع إيران وتحويلها الى قوة إقليمية ردود فعل كثيرين، فرد البعض ان قول أوباما انه يرى في المفاوضات «فرصة سانحة»، يتناقض مع قول سابق لنائبه جو بايدن استبعد فيه التوصل الى حل، في وقت تلقف الجمهوريون المقابلة، وشددوا على السؤال حول إمكان فتح سفارة أميركية في طهران في السنتين المتبقيتين من حكم الرئيس الأميركي، وانتقدوا أوباما لعدم استبعاده هكذا سيناريو.

وابتداء من الأسبوع المقبل، تؤول السيطرة داخل مجلس الشيوخ للحزب الجمهوري، ليصبح الكونغرس بغرفتيه معارضا لأوباما وحزبه الديموقراطي، وهو ما يجعل من مهمة أوباما تأمين الغطاء السياسي لاستمرار المفاوضات والتوصل الى اتفاقية مع إيران أمرا أكثر عسرا، وهو ما يبدو انه يدفع الرئيس الأميركي لاستعجال الإيرانيين لقبولهم العرض الدولي قبل ان يجد نفسه وسط مواجهة سياسية عنيفة مع الجمهوريين حول سياسته تجاه إيران.

كوبا ستنتقل تدريجاً من الشيوعية إلى الرأسمالية

واشنطن - حسين عبدالحسين

قد تبدو كوبا نداً للولايات المتحدة في المحافل الديبلوماسية الدولية، لكن الندية تتبخر في عالم التجارة والاقتصاد بين كوبا، التي يبلغ ناتجها المحلي السنوي 72 بليون دولار، والولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم مع ناتج محلي سنوي يبلغ 17 تريليون دولار.مع ذلك، يعتقد الخبراء الأميركيون أن كوبا قد تتحول إلى «سوق صغيرة» للصادرات الأميركية، تدر الأرباح على بعض الشركات وتساهم في خلق بعض الوظائف.

وتشير التوقعات إلى أن قيمة الصادرات الأميركية إلى كوبا ستبلغ 6 بلايين دولار مقارنة بصادرات إلى المكسيك وكندا بلغت 277 و208 بلايين دولار على التوالي. كما تشير التوقعات إلى أن الولايات المتحدة ستستورد من كوبا ما قيمته سبعة بلايين دولار سنوياً، أي أن التجارة الأميركية – الكوبية ستؤدي إلى عجز في الميزان التجاري الأميركي بواقع بليون دولار سنوياً.

لكن على رغم صغر سوقها، تشكل كوبا هدفاً تجارياً لبعض الشركات الأميركية. وفي هذا السياق، يعتقد الخبراء الأميركيون أن الاستثمارات الخارجية المباشرة في كوبا سترتفع، من بليون دولار حالياً إلى 17 بليوناً في السنوات القليلة المقبلة بسبب قرب إنهاء واشنطن القطيعة الطويلة مع هافانا.

ومن الإجراءات الأولية التي رافقت إعلان الرئيس باراك أوباما إعادة العلاقات مع كوبا عن الجزيرة الجارة رفع كمية التحويلات المسموحة لكل كوبي يعمل في الولايات المتحدة من 500 دولار كل ثلاثة أشهر إلى ألفي دولار. كما رفعت الحكومة الأميركية الحظر على بيع مواد تحتاج إليها كوبا بشدة، مثل مواد البناء المطلوبة لصيانة المباني الكوبية التي قاربت الانهيار. وسمحت أميركا بتصدير معدات وماكينات زراعية تحتاجها كوبا.

كذلك، وافقت واشنطن على رفع الحظر عن بيع الأدوات التكنولوجية للكوبيين، مثل الهواتف الذكية والكومبيوترات، على رغم الاعتقاد أن غالبية المواطنين الكوبيين لا يملكون ثمنها. وصار مسموحاً أيضاً للأميركيين السفر إلى كوبا والعودة منها مع كميات محدودة من السيغار الكوبي الشهير للاستهلاك الفردي فقط.

ومن آثار نهاية العداء الأميركي الكوبي تمكين المؤسسات الدولية من تحويل أموال مستحقة للكوبيين، مثل الأمم المتحدة التي تعذر عليها تسديد مستحقات الأطباء الكوبيين الذين شاركوا في مكافحة وباء الإيبولا في دول غرب أفريقيا. ويخشى بعض الخبراء الأميركيين من أن لا يؤدي الانفتاح على كوبا إلى تحسين وضعها الاقتصادي أو إلى انتقالها بسهولة من حكومة شيوعية إلى أخرى رأسمالية. وكان رئيس كوبا راوول كاسترو أجرى أخيراً بعض الإصلاحات، مثل رفع الحظر عن بيع الأملاك غير المنقولة والسماح بالملكية الخاصة.

وفي هذا السياق، كتب الخبيران غاري هوفبار وباربرا كوتشوار أن «رفع الحصار لن يؤدي ببساطة إلى ضمان بيئة اقتصادية وسياسية في كوبا تسمح بعودة السوق الحرة وحقوق الإنسان».

وأضافا «عوضاً عن ذلك، على الإدارة الأميركية تبني مقاربة هادئة وتدريجية تشجع بموجبها كوبا على بناء مؤسسات اقتصادية وسياسية صلبة، تمنع انتقال كوبا من الديكتاتورية الشيوعية إلى الأوتوقراطية الأوليغاركية». والأتوقراطية الأوليغاركية تشبه النموذج الروسي، حيث ينفرد حاكم واحد بالقرارات كافة ويحصل على دعم مجموعة من رجال الأعمال المحيطين به الذين يستفيدون وأعمالهم من قربهم إليه.

ويقول هوفبار وكوتشوار، وهما مؤلفا كتاب «التطبيع الاقتصادي مع كوبا»، أن «مزيداً من تراخي العقوبات الاقتصادية على كوبا يجب أن لا يضيع فرصة ذهبية من شأنها أن تضمن تغيرات ذات معنى في البنى الاقتصادية والسياسية الكوبية». ويتابعان أن المطلوب هو مزيد من المفاوضات الأميركية مع كوبا لضمان أن «الشركات الأميركية والعمال ينالون حصتهم العادلة في اقتصاد كوبا الجديد، والأهم من ذلك أن يستفيد العمال والمستهلكون الكوبيون من ذلك».

في الإطار الصحيح، يتابع الخبيران، «يمكن للولايات المتحدة أن تقدم مروحة عريضة من السلع والخدمات، بما في ذلك تحرير قطاع السياحة الكوبي، فضلاً عن تقديم مساعدات تقنية ومالية، في المقابل، يمكن لكوبا أن تمنح السلع والخدمات والاستثمارات الأميركية، وأن تمنح الشركات الأميركية، معاملة شبيهة للتي تمنحها حالياً للشركات الأوروبية والكندية والصينية».

ويختم الباحثان، في مطالعة، أنه إذا منح أوباما كوبا رفعاً فورياً للعقوبات، قد يتحول انتقال كوبا إلى الليبرالية تحولاً بطيئاً، وقد يسمح بازدهار الفساد والمحاباة، وقد يدفع بالمستثمرين الكوبيين الجدد وبالشركات الأميركية إلى الهامش، ما يعني أن على الإدارة والكونغرس التعاون معاً لضمان كيفية التدرج في رفع العقوبات عن كوبا بطريقة تضمن نتائج إيجابية للبلدين.

الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2014

خطة إماراتية – مصرية – روسية لإنقاذ الأسد

حسين عبدالحسين

لم يكن إعلان تمسك رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، هادي البحرة، بمقررات "مؤتمر جنيف 1"، بدلاً من جنيف الثاني، من قبيل المصادفة. ولم تكن إطلالته الإعلامية التي نفى فيها ما يتردد عن وجود مبادرات روسية ومصرية من باب المناورة. والبحرة كان صادقاً في قوله لصحيفة "الشرق الأوسط" إن "مصر تضغط لحل سياسي".

الحركة الديبلوماسية المكثفة، التي تجري خلف الكواليس لفرض حل سياسي في سوريا يؤدي لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، تقف خلفها كل من الامارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.

الخطوة الأولى المطلوبة هي "تذويب" البحرة ومجموعته في جبهة معارضة واسعة تتضمن فصائل متعددة لا تمانع التوصل الى اتفاق سياسي في سوريا لا يؤدي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد. لذا استضافت مصر لقاء موسعاً للمعارضين، بعد سعي حثيث قام به نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، لإقناعهم بالذهاب إلى القاهرة وإنشاء جبهة موحدة تشارك في "مؤتمر موسكو" المزمع عقده الشهر المقبل.

ويبدو أن الهدف من لقاء القاهرة هو تحويل مجموعة البحرة إلى أقلية صغيرة في جبهة معارضة أكبر، فتصبح معارضته بقاء الأسد في الحكم أقل وزناً، ويصبح ذهاب المعارضة إلى موسكو للقاء وفد الأسد وتنفيذ مطالبه أمراً مؤكداً.

وذهاب المعارضة السورية إلى موسكو هو بمثابة انتصار سياسي مؤكد للأسد وداعميه الدوليين. فالبحرة قال إن لا أجندة حتى الآن لمؤتمر موسكو، وهذا صحيح، فالمؤتمر المذكور سيبنى على مقررات "مؤتمر جنيف" الثاني، لا الأول. أما في حال رفضت المعارضة السورية البناء على مقررات "جنيف 2"، فتظهر بمظهر معرقلة الحلول.

أما الفرق بين مؤتمري جنيف الأول والثاني فهو على الشكل التالي: في الأول، تفاجأت الولايات المتحدة قبول الروس عبارة تشكيل حكومة سورية مؤقتة تشرف على العملية الانتقالية، واعتبروا ان الحكومة المذكورة تعني حكماً تحييد الأسد واجراء الانتقال في غيابه. في مؤتمر جنيف الثاني، وتحت ضغط من الروس والأميركيين، ارتكبت المعارضة السورية خطأ بتراجعها عن مقررات "جنيف 1"، لكن عنجهية وفد الأسد انقذت المعارضين السوريين من هفوتهم.

ماذا حصل في مؤتمر جنيف الثاني؟ يروي السفير الأميركي السابق في سوريا، روبرت فورد، الذي كان من أبرز المشاركين في المؤتمر: "ذهبنا إلى جنيف في كانون الأول وشباط، ووضعت المعارضة على الطاولة أمام الأمم المتحدة اقتراحاً مكتوباً لحكومة وحدة انتقالية، ولم يطلب الاقتراح من بشار التنحي".

وتابع فورد في مقابلة أجرتها معه مجلة "بروسبكت" في وقت سابق من هذا الشهر: "حاولت الأمم المتحدة حمل النظام على قبول التفاوض كمخرج للأزمة السورية، لكن النظام رفض قطعياً التفاوض، لذا في ظل هذه الظروف، ليس غريباً أن نتوقع أن يفاوض النظام فقط إن شعر بالمزيد من الضغط العسكري".

ومما قاله فورد، يبدو أن الأسد كان يعتقد أن سبيله الوحيد للبقاء في الحكم يكمن في تحقيقه نصراً عسكرياً مؤكداً على الثوار. لكن بعد مرور قرابة العام، وبعدما بدا أن انتصار الأسد عسكرياً صار متعذراً، وبعدما أبدت دول كانت في مصاف مقاطعي الأسد ليونة في التعاطي معه، يبدو أن الأسد صار يدرك أن رياح الديبلوماسية الدولية تجري في مصلحته.

هكذا، سارع نظام الأسد إلى تأييد المشاركة في مؤتمر موسكو، حتى في غياب جدول أعمال للمؤتمر، فالأسد يدرك أن انعقاد المؤتمر، هو أمر في مصلحته. ولن يكون غريباً أن نسمع وفد الأسد يشيد بمقررات "جنيف 2"، ويدعو للتمسك بها في موسكو كنقطة إنطلاق للحل السياسي المزعوم.

أما في واشنطن، وبضغط ديبلوماسي هائل ونشاط اللوبي التابع للإمارات العربية المتحدة، تراجع الأميركيون المتمسكون برحيل الأسد، وصار فريق الرئيس باراك أوباما يتحدث عن النتائج المرجوة فقط: وقف إطلاق نار وهدنة إنسانية. أما كلام الولايات المتحدة عن ضرورة رحيل الأسد، فصار من الماضي، حتى أن أبرز الديبلوماسيين الذين حملوا هذا الشعار على مدى السنوات الثلاثة الماضية، صاروا جميعهم خارج وزارة الخارجية، فالسفير جيفري فيلتمان أصبح مستشار أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية، وفرد هوف تحول إلى محلل سياسي في "مركز رفيق الحريري" التابع لمركز أبحاث "مجلس الأطلسي"، فيما انضم فورد الى مركز أبحاث "معهد الشرق الأوسط".

عندما التقى المعارضون السوريون في مصر، وخصوصاً المتمسكين من بينهم برحيل الأسد، وجدوا أنفسهم في ضيافة ديبلوماسية مصرية لا تميز بينهم وبين عدائها لجماعة الإخوان المسلمين. هكذا، مارست القاهرة الضغط على البحرة وصحبه لتبني "جنيف 2" كأساس لحل يتم التوصل إليه في موسكو. أما البحرة، فوجد أن خلاصه الوحيد أمام عدوانية القاهرة كان يكمن في القول إن لا جداول أعمال ولا مبادرات، لذا لا مؤتمر في موسكو. وأطل البحرة عبر الإعلام العربي في ما بدا وكأنها محاولات دق نواقيس الخطر الداهم.

وكما في القاهرة، كذلك في موسكو، سيجد البحرة التمسك بخروج الأسد من الحكم أمراً بالغ الصعوبة، وسيجد الائتلاف السوري نفسه في مواجهة روسيا ووفد الجامعة العربية ووفد الأسد ومؤتمر "جنيف 2"، وسط تقاعس أميركي، بل تواطئ مع الأسد وداعميه.

ديبلوماسيون سوريون عادوا إلى السفارة السورية في الكويت لتصريف الأعمال، والإمارات وعمان لم تقطعا علاقاتهما بالأسد يوماً، وكذلك العراق والجزائر والسودان ولبنان، واليوم تونس.

في مؤتمر القمة العربية المقرر انعقاده برئاسة مصر في القاهرة في آذار/مارس المقبل، قد يجد الأسد نفسه في موقع جيد للعودة ليشغل كرسي سوريا الذي تقرر إعطاءه في قمة الكويت 2014 للمعارضة، وقد تجد المعارضة السورية نفسها في مواجهة عالم يقف ضدها، باستثناء بعض العواصم العربية التي صارت تبدو، بشكل متزايد، غير قادرة على فرض نفوذها وحماية المعارضين السوريين من تغلب الأسد عليهم ديبلوماسياً، بعدما فشل في إلحاق الهزيمة بهم شعبياً وعسكرياً.

الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

دولة خليجية تدفع واشنطن لقبول بقاء الأسد ضمن تسوية مع المعارضة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

بعدما بدا ان روسيا قدمت مبادرة ديبلوماسية جديدة تقضي بالتوصل الى حل في سورية يترافق مع خروج الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، وبقاء نظامه، ودخول النظام في تحالف مع المعارضة لمواجهة المجموعات المتطرفة والقضاء عليها، يبدو ان الجديد في المواقف لن يأتي من موسكو، بل من واشنطن، التي صارت تبدي استعدادا أكبر لقبول تسوية تترافق مع بقاء الأسد، تحت ضغط لوبيات مقربة من دولة خليجية تنشط في العاصمة الأميركية منذ سنتين.

في هذا السياق، يأتي لقاء المعارضة السورية، بشقيها الخارجي والداخلي، في مصر، التي تدعم حكومتها السيناريو الروسي -الخليجي القديم - الجديد.

فرانك ويزنر هو السفير الأميركي السابق في القاهرة، وهو يعمل في شركة لوبي «باتون بوغز» وينسق عن كثب مع دولة خليجية. في فبراير 2011، أقنع ويزنر إدارة الرئيس باراك أوباما ان بإمكانه «التوصل الى حل» مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وبعد زيارته القاهرة ولقائه الرئيس السابق، خرج ويزنر ليقول ان الحل يكمن في مرحلة مصرية انتقالية تتطلب بقاء مبارك في الحكم وتتم تحت اشرافه.

على الفور، تبرأت إدارة أوباما من ويزنر، الذي عاد في وقت لاحق ليحشد التأييد للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في المرحلة التي سبقت توليه الحكم في مصر.

ومع ان ويزنر مختص بالشأن المصري ويعمل بإيعاز من دولة خليجية، حسبما تظهر وثائق معاملات اللوبي التي قدمتها شركته للحكومة، الا انه كان لافتا جدا ان السفير الأميركي السابق قام بنشر مقالة في صحيفة «ذا دايلي بيست»، في يناير الماضي، علّق فيها على مجريات مؤتمر «جنيف - 2»، المنعقد في حينه للنظر في الأزمة السورية، حيث اعتبر ان المؤتمر مصيره الفشل، وان الإدارة الأميركية كانت تعرف ذلك سلفا.

لذا، اقترح ويزنر على إدارة أوباما ان تقوم «بإعادة تعريف الأهداف الأميركية في سورية»، معتبرا ان «الهدف الأول والمفتاح هو العمل على دعم التعاون بين نظام الأسد والثوار المعتدلين ضد التطرف الجهادي، وهو الخطر الأكبر على كل السوريين والجوار».

وهذا الشق من الاقتراح، أي تعاون النظام والمعارضة المعتدلة ضد المجموعات المتطرفة، لا يختلف عن موقف الحكومة الأميركية ورؤيتها للحل السوري.

لكن ما يختلف عن رؤية أوباما حول الحل السوري، مما ورد في مقالة ويزنر، يكمن في قوله التالي: «يجب ان يكون هناك ترتيب عمل بين السوريين المعتدلين وحكومة الأسد، حتى لو تضمن ذلك الأسد، على الأقل في الوقت الراهن».

بقاء الأسد الذي دعا اليه ويزنر يختلف تماما عن مواقف أميركا والسعودية والمعارضة السورية المعتدلة، ويتطابق تماما مع مواقف روسيا وإيران والأسد نفسه.

وكتب ويزنر انه «من شأن هذا الهدف الجديد ان يخدم الأولوية الأميركية الثانية القاضية بإقامة مناطق إنسانية»، متابعا ان أيا من الهدفين الاميركيين «لا يتطلبان تسوية سياسية سابقة لأوانها في جنيف حول أي حكومة مؤقتة او مستقبلية»، أي ان لا ضير البحث في القضاء على الإرهاب والشأن الإنساني من دون البحث في مصير الأسد.

الولايات المتحدة بدأت بتطبيق وصية ويزنر، على الأقل في شقها الثاني الانساني، وهو ما يقع في صلب نشاط مبعوث الأمم المتحدة الى سورية سيتفان دي ميستورا، الذي قدم خطة تقضي بـ «تجميد القتال» في المناطق السورية والسماح بمرور قوافل الإغاثة الإنسانية.

وعمل دي ميستورا يتم بتنسيق مباشر مع «مجلس الأمن القومي» الأميركي، وخصوصا «كبير المدراء للخليج الفارسي» روبرت مالي، صديق الأسد الذي التقاه مرارا في دمشق قبل العام 2011. ومالي، المعين في منصبه في فبراير الماضي، تحول فجأة الى مسؤول الملف السوري الارفع في العاصمة الأميركية، وهو شارك قبل أسبوعين في لقاء وفدي اميركا وإيران النوويين في جنيف، بما يشي ان اللقاء لم يتناول الشؤون النووية، بل تركز حول شؤون الشرق الأوسط، وخصوصا سورية.

ومنذ عودة مالي من لقاء الإيرانيين، تزايد نشاط ديبلوماسية موسكو، التي نجحت في اقناع المعارضة السورية بما صار يسمى «المبادرة الروسية»، فيما اقنعت الدولة الخليجية حليفتها مصر باستضافة المعارضة للخروج بموقف موحد لتقديمه في «مؤتمر موسكو» المزمع عقده.

ومع ان مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية أكدوا مرارا لـ «الراي» ان خروج الأسد سيكون في صلب أي اتفاق في موسكو، الا انه يبدو ان الخارجية باتت كالزوج المخدوع، تتحدث عن سيناريو ما، فيما مالي وصحبه يعملون على سيناريو مختلف يسمح للأسد بالبقاء في الحكم ويجبر المعارضة على الدخول في تسوية معه تكون، في الغالب، بمثابة تنازل منها لبقائه.

وحدها السعودية مازالت تعارض سيناريو بقاء الأسد وتصر على ان أي تحالف بين المعارضة المعتدلة والنظام يجب ان يتم شرط خروجه من الحكم. لكن هل تنجح السعودية في وقف المد الدولي - العربي الماضي في تبني وجهة نظر الأسد في «مؤتمر موسكو» بعد عام على إصرار الأسد على تمسكه بخطته في «مؤتمر جنيف»؟

الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

صديق للأسد يقود السياسة الأميركية تجاه سوريا

الصورة: السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى (الرابع من اليسار) يجلس قبالة روبرت مالي في حفل عشاء بمنزل مصطفى

حسين عبدالحسين

البلبلة التي احدثتها مقالة الصديق دافيد كينير في "فورين بوليسي"، والتي نشرها تحت عنوان "إعادة كتابة الحرب السورية"، جاءت بمثابة المفاجأة للبعض، وجاء فيها ان الصحافي السابق والباحث في مركز أبحاث "الحوار الإنساني" نير روزين قدم تقريراً يصف نظام الرئيس السوري بشار الأسد بغير الطائفي، ويطلق صفة التطرف السني على المعارضة بأكملها، ويدعو الى وقف إطلاق نار. ويقول كينير إن تقرير روزين جاء بعد لقاءاته مع مسؤولين أميركيين، وان التقرير انتشر في أوساط الإدارة الأميركية، وتحول الى أساس خطة مبعوث الأمم المتحدة الى سوريا ستفان دي ميستورا الداعية الى "تجميد القتال".

من هم المسؤولون الأميركيون؟ ومن هو روزين؟ ولماذا انقلبت سياسة واشنطن من مطالبة برحيل الأسد بموجب حل سياسي الى موافقة على بقائه مع تجميد القتال؟


في شباط/فبراير الماضي، صدر عن البيت الأبيض قرار قضى بتعيين روبرت مالي في مركز "كبير المدراء" المكلفين "شؤون الخليج الفارسي". لم يثر تعيين مالي في منصبه اهتمام متابعي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. والأسبوع الماضي، شارك مالي، وهو غير معني بالشؤون النووية الإيرانية، للمرة الأولى في اول لقاء ثنائي، بغياب أوروبي، بين وفدي الولايات المتحدة وإيران في جنيف.


كان لافتاً على أنه على الرغم من ان عنوان اللقاء كان الملف النووي، الا ان الخبراء الاميركيين في الشؤون النووية والعقوبات الاقتصادية غابوا عن اللقاء، فيما حضر مالي، في الغالب كمتابعة لرسالة أوباما الأخيرة الى مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، والتي دعاه فيها ضمنا الى تخلي طهران عن برنامجها النووي، في مقابل موافقة اميركا على مشاركة نفوذها في الشرق الأوسط مع إيران.


لماذا تعتقد الإدارة الأميركية أنه يمكن لمالي حض الإيرانيين على قبول ما لم ينجح عتاة الديبلوماسية الغربية في حمل الإيرانيين على قبوله؟ الإجابة تكمن في المكانة المميزة التي يحتلها مالي في عيون "محور الممانعة"، فمالي من أبرز أصدقاء الأسد في العاصمة الأميركية، وهو التقى الرئيس السوري في دمشق مراراً، وكان يتمتع بصداقة متينة مع السفير السوري السابق في واشنطن عماد مصطفى، وعاون مالي مصطفى في شن حملة ديبلوماسية أدت الى تغيير واشنطن موقفها من نظام الأسد مع حلول العام 2009، بعد أربعة أعوام من القطيعة والعزلة التي قادتها الولايات المتحدة ضد النظام السوري، على إثر اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري.


وعمل مالي كأحد مستشاري السياسة الخارجية في حملة السناتور أوباما في العام 2008، لكن قربه من الأسد ومن حركة "حماس" الفلسطينية أجبر أوباما على الابتعاد عنه علناً وعدم مكافأته بأي منصب ديبلوماسي بعد وصوله الى الرئاسة، على غرار استبعاد أوباما لمستشارين آخرين من أصحاب العلاقات مع نظام الأسد كالسفير الأميركي السابق في إسرائيل، دان كيرتزر.


ومع اندلاع ثورات "الربيع العربي"، عدّل مالي وأمثاله من خطابهم المؤيد لدمشق وطهران، لكن مع وصول الصراع السوري المسلح الى ما يشبه التعادل، عاد مالي أدراجه، وبدأ يقود حملة – هذه المرة من قلب "فريق الأمن القومي" الأميركي – يدعو فيها إلى "إعادة تأهيل" الأسد على انه أهون الشرور، خصوصا في مواجهة المجموعات السنية المتطرفة في سوريا.


ومع عودة مالي الى دعم الأسد، عادت الشبكة القديمة الموالية للأسد في العواصم الغربية للعمل، وخصوصاً في واشنطن وبرلين، وعاد أمثال روزين الى التسويق، سراً وعلناً، لسيناريوات حلول، طبعاً مستفيداً مما يبدو الذاكرة المعطلة لكثيرين. فروزين سبق ان زود النظام السوري بمعلومات عسكرية عن الثوار في حمص، حسبما ورد في رسائل بريد إلكترونية تعود للأسد نجح معارضون باختراقها وتسريبها.


"من مصدر مجرب التقى قيادات في جماعات باباعمرو اليوم ان شحنة كبيرة من الأسلحة القادمة من ليبيا ستصل الى شواطئ احدى الدول المجاورة خلال ثلاثة أيام ليتم تهريبها الى سوريا، وهي أسلحة متطورة وعلى الاغلب ان يكون أحد موانئ طرابلس غير الشرعية"، كتب صاحب الاسم المستعار خالد الأحمد الى الأسد المعروف بـ "سام الشهباء"، حسب بريد إلكتروني في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2011. "استطاع الصحافي نير روزن الدخول الى بابا عمرو (المغلقة) وأعلمني ان عدة وفود صحافية غربية دخلت الى المنطقة بعد عبورها غير الشرعي عبر الحدود اللبنانية، منها وفد صحافي فرنسي والماني"، كتب خالد للأسد.

في شباط (فبراير) 2012، قتلت قوات الأسد الصحافية الأميركية مالي كولفين وزميلها الفرنسي ريمي اوشليك في مناطق المعارضة في حمص، وبعد ذلك بشهر، أوقفت السلطات اللبنانية قرب مرفأ طرابلس سفينة ليبية محملة بالأسلحة التي كانت حمولتها متجهة الى المقاتلين المعارضين في حمص.


كذلك، ورد في رسالة إلكترونية للمدعوة هديل، الى الأسد، أن روزين يكتب إيجابياً عن العلويين وضد المجموعات المسلحة، وانه صحافي أميركي من نيويورك من أب إيراني (لم تذكر هديل ان روزين يهودي الديانة). وحثت هديل الأسد على منح روزين مقابلة، وان كانت غير علنية.


تلك كانت مآثر روزين، الذي لم ينفِ ما جاء في الايميلات، بل كتب تعليقاً طويلاً محاولاً حفظ ماء الوجه بالقول انه مؤيد للثورة السورية ويحاول استخدام علاقاته مع النظام لمصلحتها. لكن إخبارية روزين للأسد كانت كفيلة بإقصائه من عالم الصحافة، فاختفى لسنوات، قبل ان يطل بثوب الباحث الذي أعاد التواصل مع الفريق الأميركي المؤيد للأسد بقيادة مالي، صديق الأسد.


أما الفريق الذي يعاون دي ميستورا بصورة غير رسمية، فيتضمن "باحثين وباحثات" من المقربين للأسد ولمستشاره اللبناني القابع في السجن ميشال سماحة، ولمسؤولين في "حزب الله". هؤلاء هم من يدبرون لقاءات دي ميستورا، ويزودونه بالأفكار، ويروجون لخطته، ويستقدمون رعاية أميركية لها، على أعلى مستوى، بهدف إعادة وصل ما انقطع مع الأسد.


كينير كشف القليل من عودة نشاط الفريق الأميركي المؤيد للأسد. أما ما خفي، فأعظم.

الاثنين، 22 ديسمبر، 2014

طفرة الغاز الصخري وسياسة «المركزي» أبعدتا شبح الركود عن الاقتصاد الأميركي

واشنطن - حسين عبدالحسين

شهد الناتج المحلي للاقتصاد الأميركي، على رغم تقلصه في الربع الأول من العام الحالي، نمواً قوياً في الربعين الثاني والثالث للمرة الأولى منذ 2002، وترافق ذلك مع بيانات إيجابية متعددة تصدرتها بيانات سوق العمل التي حققت نمواً قياسياً، إذ أوجدت أكثر من 300 ألف وظيفة جديدة الشهر الماضي، بعد 55 شهراً متواصلة من إيجاد الوظائف، وهو رقم قياسي كذلك.

وترافق النمو الأميركي، المتوقع أن يقفل على معدل ثلاثة في المئة هذا العام، متجاوزاً معدل اثنين في المئة المسجل على مدى العقد الماضي، مع انخفاض معدل البطالة إلى 5.8 في المئة، وهو الأدنى منذ ما قبل الانهيار المالي في خريف 2008. وترافق النمو مع بيانات إيجابية أخرى، منها ارتفاع كبير في حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة داخل الولايات المتحدة، وتضاعف حجم الصادرات الصناعية الأميركية مقارنة بعام 2009، وانخفاض طفيف في العجز التجاري، وانخفاض العجز السنوي للموازنة إلى ثلث ما كان عليه في 2010، وتباطؤ نمو الدين العام الذي قارب 18 تريليون دولار.


تشاؤم اليمين وتفاؤل اليسار

أما الأسباب التي أعادت أميركا إلى الصدارة كأبرز قوة اقتصادية في العالم، في وقت تعاني أوروبا الركود واليابان الانكماش والصين تباطؤ النمو، فمتعددة ويختلف الخبراء الأميركيون حولها.

مجموعة الآراء الاقتصادية الأميركية، خصوصاً الصادرة عن الحزب الجمهوري اليميني ومسؤوليه ومراكز البحوث المؤيدة له، تعاني اليوم أزمة في صدقيتها، فالجمهوريين حذروا من أن إقرار «قانون الرعاية الصحية» من شأنه أن «يقتل سوق العمل والوظائف» في وقت تشهد هذه السوق نمواً قياسياً بعد عام على دخول القانون حيز التنفيذ. كذلك أخطأ خبراء الاقتصاد اليمينيون في التهويل بفداحة ارتفاع الدين العام وتأثير ذلك سلباً في النمو السنوي للناتج المحلي، إذ إن ارتفاع الدين لم يظهر حتى الآن أي انعكاس يذكر على النمو.

في الجهة اليسارية المقابلة، أي عند الرئيس باراك أوباما وحزبه الديموقراطي ومؤيديه من الخبراء والإعلاميين، نوع من الزهو ومحاولة إثبات الرأي وصحة السياسات التي صارت تنعكس نمواً وقاربت أن تسمح للاقتصاد الأميركي بتحقيق «سرعة الهرب»، وهي عبارة يستخدمها الأميركيون للدلالة على نمو اقتصادي صلب ومتواصل. ويضيف أهل اليسار أن قانون «الرعاية الصحية» ساهم في الإبطاء من نمو الفاتورة الصحية للبلاد، والتي ينعكس نموها سلباً على النمو الاقتصادي. كذلك يعتقد اليساريون أن سبب تباطؤ النهضة الاقتصادية الأميركية بعد ركود 2008، كان بسبب سياسات الجمهوريين التعطيلية والمطالبة بتقليص الإنفاق الحكومي، حتى أثناء الركود. ويعتقد اليساريون أنه لو قيِّض للحكومة الفيديرالية الإنفاق في شكل أكبر، لنجحت في تقليص فترة الركود والتباطؤ الذي تلاها.

على أن الطرفين يجمعان على بعض الظروف التي ساهمت في انفلات الاقتصاد الأميركي من عقال نموه البطيء، وهذه العوامل تتصدرها طفرة الغاز الصخري الذي دفع الولايات المتحدة إلى المركز الأول في إنتاج الطاقة في العالم. وساهم نمو هذا القطاع في انخفاض سعر الطاقة، في وقت يعتقد الخبراء أن كل انخفاض يبلغ 10 دولارات من السعر العالمي لبرميل النفط يساهم في إضافة نصف نقطة مئوية إلى نمو الناتج المحلي.

وساهمت عودة مصافي النفط الأميركية إلى نشاطها بعودة عدد من الصناعات البتروكيماوية إلى الولايات المتحدة، بعدما هجرتها على مدى العقود القليلة الماضية. وجرّت هذه الصناعات معها صناعات أخرى، ساهمت كلها في إيجاد مزيد من الوظائف، وساهمت السيولة في أيدي الناس في زيادة الاستهلاك، وساهمت زيادة الطلب في مزيد من الاستثمارات ومزيد من الوظائف، وهكذا دواليك، تحولت الدورة الاقتصادية من خاملة ومتباطئة إلى نشيطة ومتسارعة.


دور أسعار الطاقة

ومع أن انخفاض سعر الطاقة عالمياً قد يهدد القطاع الصخري ويجعل من أرباحه غير كافية لاستمراره، إلا أن الولايات المتحدة تجد نفسها بين خيارين، كلاهما إيجابي، فانخفاض السعر العالمي للطاقة، حتى لو أدى إلى تعليق إنتاج الطاقة الصخرية الأميركية، سيؤدي حتماً إلى انتعاش اقتصادي أميركي. أما إن عادت أسعار الطاقة العالمية إلى الصعود، فتمكن آنذاك إعادة تشغيل القطاع الصخري الذي يساهم أيضاً في لجم ارتفاع الأسعار. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تجد نفسها في منأى من تقلبات أسعار الطاقة عالمياً، ويمكنها الإفادة في الحالتين: صعود السعر العالمي أو هبوطه.

وإلى الطاقة الصخرية، يعتقد الخبراء الأميركيون أن مجلس الاحتياط الفيديرالي ساهم في شكل واسع في دفع الاقتصاد الأميركي إلى الأمام، فمصرف أميركا المركزي وضع 13 تريليون دولار من النقد بتصرف المؤسسات المصرفية والمالية منذ اليوم الأول للركود الكبير في 15 أيلول (سبتمبر) 2008. وفي وقت لاحق، عمد المصرف إلى ضخ مزيد من النقد عبر برامج الحفز التي اختتمها أخيراً، في وقت تبحث أوروبا، وفي شكل متأخر عن الأميركيين، في وضع برامج حفز نقدية لإنقاذ منطقة اليورو وتفادي الانكماش.

وفي حال حقق الاقتصاد الأميركي «سرعة الهرب»، يمكن إذّاك مجلس الاحتياط البحث في رفع الفائدة مع حلول الصيف المقبل، وهو ما يعيد إلى المصرف الأدوات المطلوبة لمواجهة أي أزمة مستقبلية.

السبب الأخير للصعود الأميركي يتمثل في نجاح الكونغرس في تقديم ديون إلى الشركات الأميركية الكبرى لمنعها من الانهيار. وفي وقت لاحق، أظهرت المؤسسة الأميركية الحاكمة أن انقساماتها الحزبية لم تجعل الولايات المتحدة تتخلف يوماً عن تسديد ديونها، ما عزز الثقة في النظام المالي الأميركي وجعله ملجأ للأموال حول العالم، خصوصاً تلك الهاربة من اقتصاد روسيا المحاصر والمتهاوي ومن الصين المتباطئة.

على أن الطامة الكبرى للديموقراطيين تكمن في أن النهضة الاقتصادية حصلت وهم في الحكم، لكنهم لم ينجحوا في ترجمتها إلى انتصار شعبي أو انتخابي، فخسروا مجلس الشيوخ، ما أعطى الكونغرس بغرفتيه إلى الجمهوريين الذين حصلوا بذلك على وزن أكبر لفرض رؤيتهم الاقتصادية على أوباما وحزبه.

لكن السنتين المتبقيتين من حكم أوباما في ظل كونغرس جمهوري لن تكونا سيئتين بالضرورة، إذ إن واحدة من مرتكزات خطته الاقتصادية قد يكون أسهل تحقيقها مع الجمهوريين، وهي معاهدتا التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي ودول غرب المحيط الهادئ وأستراليا.

عام 2014 كان فأله حسناً على الأميركيين واقتصادهم، ويتوقع الخبراء مزيداً من التعافي والنمو لأكبر اقتصاد في العالم في العامين المقبلين. أما إذا نجح أوباما في استكمال سلسلة إصلاحاته بالتعاون مع الجمهوريين، فذلك سيعزز الثقة أكثر وسيعطي الاقتصاد الأميركي فرصة أكبر للبقاء في صدارة اقتصادات العالم في المستقبل المنظور.

السبت، 20 ديسمبر، 2014

الحرب الباردة تتقدم فجأة على أزمات الشرق الأوسط في واشنطن


فيما كان من المتوقع ان تسيطر أزمات الشرق الأوسط على الديبلوماسية الأميركية التي انهمكت بها اثناء المفاوضات النووية مع إيران في جنيف وفي لقاء وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في روما، تقدمت فجأة ملفات عالقة من سنين الحرب الباردة الى الصدارة لتحتل المشهد السياسي في العاصمة الأميركية.

أولى الملفات التي اعادت الحرب الباردة الى الاذهان كان الانخفاض الهائل في سعر صرف العملة الوطنية الروسية، الروبل، والذي بلغ انحداره، على مدى الشهور القليلة الماضية وحتى الأمس، مئة في المئة امام الدولار. والأزمة الروسية مدفوعة جزئيا بالعقوبات الأوروبية والأميركية على موسكو بسبب دورها السلبي في أوكرانيا، وجزئيا بسبب الانخفاض الكبير في سعر النفط العالمي.

لكن في المحصلة، أظهرت الأزمة الاقتصادية الروسية فشلا ذريعا لسنوات من محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اظهار وكأن بلاده عادت لتلعب دور القوة العظمى، فاذ بالأزمة تظهر روسيا على حقيقتها: أي انها دولة تعيش بشكل أساسي من ريع مبيعاتها النفطية.

وعلى رغم ان بوتين سعى لعقد اتفاقات بيع طاقة بأسعار مخفضة مع الصين للالتفاف على العقوبات الغربية، ثم سعى مع مجموعة دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا) الى انشاء مؤسسات تنافس العالمية، مثل بنك كان مقررا ان ينافس البنك الدولي، الا ان أحلام بوتين يبدو انها تحطمت.

وبدلا من ان تعود أميركا وروسيا الى زمن الحرب الباردة، اعادت أزمة روسيا الاذهان الى عقد التسعينات الذي تلى انتهاء هذه الحرب بفوز أميركا على روسيا. وليزيد الرئيس باراك أوباما من مشاكل غريمه بوتين، قال أوباما ان بلاده تنوي فرض مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، في وقت تراجع بوتين وفتح قنوات اتصال سرية مع نظرائه الاوروبيين، وابدى استعدادا للتوصل الى حل في أوكرانيا، وهو ما بدا جليا في وقف انفصاليي أوكرانيا إطلاق النار واعلانهم الاستعداد للدخول في مفاوضات مع كييف.

ولم يكد أوباما يظهر زهوه بانتصار سياسته على عناد بوتين حتى أعلن البيت الأبيض مفاجأته حول انهاء أكثر من نصف قرن من القطيعة والعداء مع الجارة كوبا، وحول قرب عودة العلاقات الديبلوماسية والتجارية بين البلدين.

وكوبا لا تتمتع بثقل دولي يذكر في الاميركيتين غير المشاكسة الديبلوماسية والإعلامية، فحجم ناتجها المحلي السنوي هو بحجم ناتج سورية، وعدد سكانها لا يتجاوز 12 مليون نسمة. وبعد نهاية الحرب الباردة والتهديد الذي كان يمكن ان تشكله كوبا كشوكة شيوعية في الخاصرة الأميركية وكمنصة إطلاق صواريخ ضد الولايات المتحدة، تراجعت أهمية كوبا واستمر الحصار الأميركي المفروض عليها بسبب المجهود الكبير الذي قام به اللوبي الكوبي المعادي لنظام كاسترو الحاكم، خصوصا ان ولاية فلوريدا – حيث للكوبيين المهاجرين ثقل انتخابي وازن – هي من الولايات المتأرجحة انتخابيا والتي يشتبك الحزبان الديموقراطي والجمهوري فيها كل سنتين في معارك انتخابية ضارية.

لكن اللوبي الكوبي لم ينجح في وقف أطماع الشركات الأميركية في العودة الى السوق الكوبية، ولا في وقف السياح الأميركيين الذين دأبوا على زيارة الجزيرة الجارة التي تتمتع بشواطئ دافئة سرا بسبب حظر القانون الأميركي على المواطنين السفر الى كوبا او شراء أي منتوجات كوبية، منها السيجار الكوبي الشهير.

وكوبا هي ثان ديكتاتورية يعيد معها أوباما العلاقات الديبلوماسية، بعد بورما، في وقت كرر المقربون من الإدارة – عبر الوسائل الإعلامية المختلفة – القول ان المصالحة الأميركية مع كوبا وبورما يجب ان تبرهن لإيران جدية إدارة أوباما في طوي واشنطن لصفحات الماضي وفتح صفحات جديدة مبنية على إعادة العلاقات، الديبلوماسية منها وخصوصا التجارية.

وبين أزمة روسيا وانفراج كوبا أطلت أزمة أقل جدية مع كوريا الشمالية الشيوعية، التي قام «هاكرز» تابعون لها باختراق حسابات شركة «سوني» الهوليوودية العملاقة للإنتاج السينمائي، حسبما أعلنت الحكومة الأميركية.

وفي التفاصيل ، ان «سوني» كانت تنوي عرض فيلم «المقابلة»، وهو فيلم فكاهي يحكي قصة شابين منحهما زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون فرصة لإجراء مقابلة معه، فطلبت منهما «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي ايه) القيام بمحاولة اغتياله.

وقام «الهاكرز» الكوريون بنشر مراسلات داخلية لشركة «سوني» أظهرت بعضها ان الشركة عرضت الفيلم على موظفين في وزارة الخارجية الأميركية، الذين أبدوا رضاهم. وفي وقت لاحق، هدد الكوريون الشماليون بتهكير كل صالات السينما الأميركية التي ستعرض الفيلم، ما دفع «سوني» والصالات الى التراجع عن العرض وسحب الفيلم، رغم تأكيدات الحكومة الأميركية للشركة والصالات انه يمكن لهم عرضه بأمان، وأن الحكومة تكفل حقهم بذلك بموجب بند حقوق الانسان الذي ينص عليه الدستور الأميركي.

وفيما كان متوقعا ان يتصدر المشهد الشرق أوسطي الأسبوع الأميركي، أقفل الأسبوع فيما الاعلام الأميركي يضج بروسيا وكوبا وكوريا الشمالية في مشهد أوحى وكأن الحرب الباردة عادت الى الصدارة فجأة.

الخميس، 18 ديسمبر، 2014

إيران تحتاج 148 دولاراً سعراً للنفط لتحقيق التوازن في موازنتها العامة

واشنطن - حسين عبدالحسين

أوقعت العقوبات على التجارة الدولية والمالية، التي فُرضت في شكل متصاعد منذ منتصف عام 2012، «أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني»، بحسب «معهد التمويل الدولي» وهو مؤسسة غير حكومية مقرها واشنطن. وكشف المعهد في تقرير بعنوان «إيران: مصير الاقتصاد يتعلق بنتيجة المفاوضات»، أن الناتج المحلي الإيراني «تقلص 6.6 في المئة عام 2012 - 2013، وتراجع 2 في المئة عام 2013 - 2014». ولفت إلى أن «صادرات النفط بلغت 1.1 مليون برميل يومياً منذ فرض عقوبات تموز (يوليو) 2012، مقارنة بـ 2.1 مليون برميل يومياً عام 2011 - 2012».

وبعد أخذ الانخفاض الكبير في سعر صرف العملة المحلية الرسمي وفي السوق السوداء، «سجل الناتج المحلي الاسمي وفق تقديرات المعهد، انخفاضاً من ذروته البالغة 514 بليون دولار عام 2011 - 2012، إلى 342 بليوناً عام 2013 - 2014»، الذي ينتهي في 21 آذار (مارس) 2014، ما يعني أن التراجع بلغ 57 بليون دولار، أو 730 دولاراً لكل مواطن إيراني».

ونتيجة إلزام العقوبات إيران على تقليص صادراتها النفطية إلى النصف، رصد التقرير «انقلاب فوائض ما قبل العقوبات إلى عجز يوازي 1.5 في المئة من الناتج المحلي، ما يعني أن إيران باتت تحتاج إلى وصول سعر برميل النفط إلى 148 دولاراً لتحقيق التوازن في موازنتها، مقارنة بـ 102 دولار للبرميل كانت تكفيها قبل العقوبات لهذا التوازن».

ومن السلبيات الأخرى التي أشار إليها التقرير، «منع العقوبات إيران من استخدام نصف احتياطها المالي البالغ 92 بليون دولار قبل العقوبات». وبسبب إخراجها من النظام المالي العالمي، «أصبحت إيران تواجه مشاكل جدية في الحصول على أي واردات يمكن تحقيقها من صادراتها».

وعن احتياطات المصارف الإيرانية، أبرز التقرير أنها «تقلصت في شكل يعرضها للأزمات وسط ارتفاع في نسبة القروض غير المسددة إلى 14.4 في المئة من القروض الإجمالية في البلاد، ما يعكس نقصاً حاداً في السيولة في قطاع الشركات». ولم يغفل «الصعوبات التي تواجه الأعمال والمتمثلة في الحصول على قروض بسبب محدودية السيولة، وحذر المؤسسات المالية مع تدهور ظروف الإقراض والنقص الحاد في العملات الصعبة».

«ماذا سيكون التأثير الاقتصادي لرفع العقوبات؟»، سؤال طرحه معهد التمويل الدولي، مؤكداً أن «اتفاقاً يؤدي إلى رفع العقوبات تدريجاً بدءاً من تموز (يوليو) 2015، سيسمح بعودة صادرات النفط إلى ما كانت عليه قبل العقوبات مع نهاية عام 2017». كما سيفضي السماح لإيران بالعودة إلى النظام المالي العالمي بـ «تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة والخبرات المطلوبة منذ وقت طويل، إلى قطاع الطاقة ما يرفع إنتاج إيران من النفط إلى معدلات تتجاوز تلك المسجلة قبل العقوبات».

وتوقع التقرير أن «يستعيد الاقتصاد عافيته في شكل كبير في العامين اللذين يليان الاتفاق»، مرجحاً أن «ينمو الناتج المحلي لعامي 2015 - 2016 و2016 - 2017، بنسبة تتراوح بين 5 و6 في المئة على التوالي»، مدفوعاً بـ «صادرات النفط والاستثمارات في القطاع الخاص».

عدم التوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة دول خمس زائد واحد حول ملفها النووي، لم يستبعد التقرير أن «يواجه الاقتصاد الإيراني مزيداً من الضعف مع استمرار ارتفاع معدل البطالة». و»بموجب هذا السيناريو، ربما يكون هناك تشديد للعقوبات على التجارة والمعاملات المالية، ما يؤدي إلى تقليص أكبر لصادرات النفط الإيرانية ويدفع سعر صرف العملة الوطنية إلى مزيد من التراجع أمام العملات الأجنبية في السوق السوداء، إلى جانب تضخم أكبر».

ورأى التقرير أن إيران «تحتاج إلى معدل نمو يتراوح بين 5 و6 في المئة سنوياً، كي تنجح في خفض معدل البطالة البالغ 14 في المئة حالياً. ونقل المعهد عن «تقرير التنافس العالمي» أن إيران «تحل في المرتبة 83 دولياً من أصل 144 دولة، متقدمة على لبنان ومصر، وهذه مرتبة خلف كل الاقتصادات النامية صاحبة المداخيل المتوسطة. كما تحتل المرتبة 130 من أصل 189 عالمياً، بحسب «البنك الدولي»، على سلم «سهولة الأعمال التجارية» بسبب تدني مستوى إيران في حقول «تسجيل الممتلكات» و»حماية المستثمرين» و»نقص السيولة».

عن الوضع السياسي داخل إيران تجاه أي اتفاق مع المجتمع الدولي، اعتبر «معهد التمويل الدولي»، أن لدى «المعارضة المؤلّفة من الحرس الثوري (خصوصاً فيلق القدس)، مصالح مالية ضخمة تتأذى في حال الانفتاح على الغرب».

ولفت إلى أن «بطلب من المرشد الأعلى (للثورة علي) خامنئي، التزم معارضو الاتفاق الصمت طالما المفاوضات جارية، لكنهم لم يعبروا عن موافقتهم، ناهيك عن غياب دعمهم لأي مصالحة مع الولايات المتحدة».

وخلُص تقرير المعهد إلى أن «نفوذ إيران في لبنان وتورطها في الحرب الأهلية في سورية ودورها الحاسم في العراق، هي أدوار ربما لن تختفي في حال التوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي»، ما يعني أن «تطبيق الاتفاق النووي ربما يترك أخطاراً كثيرة من دون الإجابة عنها، ما قد يعود إلى الانعكاس سلباً على عملية تطبيق الاتفاق ذاته».

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

هل تنجح روسيا بإقناع الأسد التخلي عن إيران؟

حسين عبدالحسين

النشاط الذي يقوم به نائب وزير خارجية روسيا ميخائيل بوغدانوف، يأتي، في معظمه، بالتنسيق مع واشنطن، وهو يهدف لاستكمال الحل السياسي في سورية بإقامة "مؤتمر موسكو"، ويكون مبنياً على مقررات "جنيف 1" و"جنيف 2 " ويكون بمثابة "جنيف 3". الحل الروسي يستعيد مبادرة، يقول بعض المسؤولين الأميركيين، إن قطر وتركيا قدمتاها في الاسابيع الأولى للثورة وتقضي بمصالحة بين الرئيس السوري بشار الأسد ومعارضيه، يتخلى بموجبها عن بعض صلاحياتها، وربما يتحول الى رئيس لحكومة وحدة وطنية.

المسؤولون الأميركيون يقولون ان الأسد كلف في حينه نائبه فاروق الشرع بالتواصل مع معارضين في دمشق كخطوة أولى لحل سياسي، لكن طهران أوفدت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، سعيد جليلي، الذي قال للأسد ان أي تنازل للمعارضة سيراه البعض كمؤشر ضعف، وسيدفع المعارضين الى تقديم المزيد من الطلبات التي لن تتوقف قبل خروجه نهائيا من الحكم، على غرار ما حصل مع رئيس مصر السابق حسني مبارك. ووعد جليلي بالتزام إيران بالقضاء على المعارضة كليا وإعادة الأمور الى ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011، مثلما فعلت إيران بقضائها على "الثورة الخضراء".


بعد ثلاث سنوات من المواجهات الدموية المسلحة، ضعف الأسد عسكرياً إلى الحد الذي صار يعتمد وجوده بالكامل على إيران والميليشيات اللبنانية والعراقية الموالية لها. ومع ان طهران تعتقد انه يمكنها القضاء التام على المجموعات المسلحة في سوريا، الا ان موسكو صارت تعتقد انه هدف لا يمكن تحقيقه، بل ان إطالة الحرب السورية يساهم في إعطاء فرصة أكبر للمعارضة المسلحة، وخصوصاً المتطرفة منها مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة"، في تطوير قدراتها وشبكاتها المالية، وتسمح لها بالمزيد من التجنيد.


لذا، ينقل المسؤولون الأميركيون عن نظرائهم الروس قولهم ان الهدف الوحيد في سوريا حاليا يجب ان يكون وقف القتال، وبَدءُ الحوار المباشر بين نظام الأسد والمعارضة السورية المعتدلة لتشكيل حكومة انتقالية يكون هدفها الأول القضاء على التنظيمات المتطرفة مثل "داعش" و"النصرة"، وهو ما يتطلب عقد "مؤتمر موسكو".


لكن مشاركة المعارضة في أي حكومة يتطلب بعض التنازلات من الأسد، كبيرة كانت ام صغيرة، وهو ما ترفضه تماما طهران، وتحاول موسكو اقناع الأسد بضرورته لأن الحل على الطريقة الإيرانية يذهب في درب لا تحمد عقباها.


وفي الوقت الذي تتنافس فيه موسكو وطهران على رعاية الأسد ونظامه، يزداد الأمر تعقيدا مع قرار واشنطن "الوقوف على خاطر" إيران في أي خطوة تقوم بها في سوريا. من هذا القبيل، لم تبدأ أميركا حملتها الجوية ضد "داعش" و"النصرة" داخل سوريا، قبل إخطار النظام بشكل غير مباشر، حتى يطفئ أجهزة دفاعه الجوية ويسمح للمقاتلات الأميركية بالاغارة على هواها، بل إن نظام الأسد كال المديح للحملة الأميركية.


وقبل أسابيع، أرسل وزير الدفاع الأميركي المستقيل، تشاك هيغل، بريداً إلكترونياً الى مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، تساءل فيه عن موقف المقاتلات الأميركية في حال هاجمت قوات الأسد قوات المعارضة، التي تنوي واشنطن تدريبها وتأمين الغطاء الجوي لقتالها ضد "داعش" و"النصرة". "ان حصلت مواجهة بين قوات المعارضة حليفتنا وقوات الأسد، هل نقدم الدعم الجوي للثوار ضد الأسد كما نقدم لهم ضد داعش؟" تساءل هيغل، ليأتيه الجواب من الرئيس باراك أوباما بالطرد.


إذا، لا عداء أميركيا ضد الأسد، والموقف الوحيد المطالب بتنحيه هو نزولا عند رغبة حلفاء أميركا العرب والترك. لكن الموقف الأميركي ضد الأسد لا يعني ان أوباما ينوي القيام بأي ما من شأنه الإطاحة بالرئيس السوري، وهو ما يعني ان لموسكو حرية اقناع المعارضة بدخول تسوية مع الأسد تفضي الى مواجهة الاثنين لـ"داعش" و"النصرة".


مشكلة أخرى تكمن في محاولة روسيا إبقاء الدول العربية، كما إيران، خارج أي حل، فيما تعتقد أميركا نفسها مجبرة بأخذ رأي حلفائها بعين الاعتبار. ربما يرضى الحلفاء العرب بتنازلات يقدمها الأسد ولا ترضى إيران، وقتذاك يتحول الروس الى راعين للأسد ونظامه، ويمكن ان يؤدي اخراج إيران من المعادلة الى وقف المواجهة المسلحة.


على ان المشكلة الأكبر التي قد تواجه "مؤتمر موسكو"، في حال انعقاده، هي سلسلة الانتصارات التي حققتها مؤخرا "النصرة" ضد المعارضة المعتدلة والأسد، فإذا ما أصبحت سوريا تحت سيطرة الأسد و"داعش" و"النصرة"، يصبح "مؤتمر موسكو" لا فائدة منه، اذ يصعب تطبيق قراراته بغياب لاعبين من الثلاثة الكبار. لكن يبدو ان روسيا تأمل في ان تستغل عداء أميركا لـ"داعش" و"النصرة" لمحاصرة هاتين المجموعتين مالياً وسياسياً وعسكرياً، ما يسمح لجبهة مؤلفة من نظام الأسد والمعارضة المعتدلة بالقضاء عليهما.


لكن أميركا، كما المعارضة السورية المعتدلة، تشترطان خروجاً، أو شبه خروج للأسد من الحكم مقابل بقاء نظامه وتنفيذ السيناريو الروسي، فيما يبدو ان موسكو تثق بمهارة ديبلوماسيتها الى درجة يمكنها تمييع هذه الخلافات الجوهرية وطمسها. الأميركيون لا يعتقدون ان الروس سينجحون في مساعيهم، وان مفتاح الحل السوري أصبح في يد إيران منذ فترة. لكن مؤتمراً في موسكو حول الأزمة السورية من شأنه ان يظهر وكأن أميركا مازالت تهتم وتقوم بما شأنه انهاء الأزمة. الشكل عند الأميركيين اليوم اهم من المضمون، ويبدو الأمر كذلك عند الروس الذين يعتقدون ان عقد مؤتمر في موسكو من شأنه تقديم روسيا وكأنه قوة عالمية فاعلة. وحدها طهران تحارب كثيراً في سوريا وتتكلم قليلاً عنها.

الاثنين، 15 ديسمبر، 2014

مساعي التسوية مع النظام السوري بلا رأسه على طاولة كيري ولافروف في روما اليوم

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يتصدر الملفان السوري والفلسطيني نشاط الديبلوماسية الأميركية المكثفة في أوروبا اليوم، حيث يلتقي وزير الخارجية الأميركي جون كيري نظيره الروسي سيرغي لافروف، فيما يعقد وفدا أميركا وإيران الى المفاوضات النووية لقاء ثنائياً، هو الأول من نوعه في جنيف، حيث من المتوقع ان يتركز الحديث فيه حول شؤون الشرق الأوسط، خصوصا سورية.

في روما، من المتوقع ان يقدم لافروف لكيري حصيلة لقاءات نائبه ميخائيل بوغدانوف مع الرئيس السوري بشار الأسد ومعارضيه، على مدى الأسابيع الماضية، من أجل عقد مؤتمر في موسكو يكون بمثابة «جنيف 3»، للتوصل الى حل للأزمة السورية، يكون مبنياً على مقررات «جنيف 1»، وهي مقررات خرجت بتوافق أميركي- روسي.

وتعتقد موسكو، حسب المصادر الأميركية، ان الأسد أصبح شديد الاعتماد على إيران ما يقوض استقلالية قراره، وان استمرار الحرب التي يخوضها ضد معارضيه من شأنها ان تزيد صلابة المجموعات التي تصنفها روسيا إرهابية، مثل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) و«جبهة النصرة». لذا، تسعى موسكو الى التوصل الى وقف سريع للحرب السورية حتى يتسنى للأطراف المتحاربة الدخول في تسوية وانشاء جبهة موحدة ضد المجموعات الإسلامية المتطرفة. اما أساس التسوية الروسية، فتقضي بخروج الأسد وبقاء نظامه، او أي صيغة شبيهة ترضي الطرفين.

واشنطن، بدورها، توافق على السيناريو الروسي، وتكرر انها لن تتراجع عن مطالبتها برحيل الأسد كجزء من أي حل.

في الموضوع الفلسطيني، من المتوقع ان يبحث كيري ولافروف في النشاط الفلسطيني الساعي لتقديم مشروع قرار في مجلس الأمن للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وتقول المصادر الأميركية ان كيري يحاول حث الروس على اقناع الفلسطينيين بعدم جدوى هذه الخطوة، وعلى ضرورة العودة الى المفاوضات غير المشروطة.

اليوم، أيضا، ينعقد في جنيف لقاء ثنائي هو الأول من نوعه بين وفدي المفاوضات النووية، الأميركي برئاسة وكيلة وزير الخارجية ويندي شيرمان والإيراني برئاسة نظيرها عباس عرقجي. وكانت اللقاءات الماضية من هذا النوع حصلت بمشاركة ممثلين عن الاتحاد الأوروبي.

وكان لافتا غياب أسماء أعضاء الفريق الأميركي من المكلفين شؤون حظر انتشار الأسلحة النووية والمسؤولين في وزارة الخارجية عن العقوبات. وكان لافتا أيضا مشاركة عضو «مجلس الأمن القومي» لشؤون العراق وإيران وسورية روب مالي في اللقاء. ومالي كان من المقربين من الأسد وسبق ان التقاه مرارا في دمشق قبل العام 2011. كما لعب مالي دور رأس الحربة في سياسة «الانخراط مع سورية» التي تبنتها إدارة أوباما بين الأعوام 2009 و2011.

وحضور مالي اللقاء الأميركي- الإيراني يشي بأن اللقاء النووي بين الوفدين لن يكون نووياً في غالبه، بل سيتمحور حول شؤون الشرق الأوسط عموما، وخصوصا في العراق وسورية.

ويتوقع المتابعون ان يسعى مالي الى إقناع إيران بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم الى درجات صناعية، وحصره بشقه البحثي، في مقابل «تعاون بين البلدين في شؤون المنطقة الأخرى، وخصوصا في الحرب على داعش».

كذلك، يتوقع متابعون ان يطلب الأميركيون من الإيرانيين ان يتخلوا عن الأسد وان يختاروا أي بديل له من نظامه حتى تتيسر المبادرة الروسية وحتى ينعقد مؤتمر موسكو، ربما بمشاركة إيرانية هذه المرة.

السبت، 13 ديسمبر، 2014

موسكو تسعى لحل يزيح الأسد مقابل إبقاء نظامه واتفاقه مع المعارضة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قالت مصادر أميركية رفيعة المستوى إن إكثار الرئيس السوري بشار الأسد ومعاونيه من ترداد معارضتهم لأي تدخل خارجي في شؤون سورية ينبع من معرفتهم بأن زيارة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف دمشق تهدف للبحث في مصير الأسد، وفي وجوب تنحيته، مقابل بقاء نظامه وتوصله لاتفاق مع المعارضة.

وأضافت المصادر أن موسكو تعمل على مبادرتها منذ فترة، وأنه تم بحثها أثناء لقاء الرئيسين باراك أوباما وفلاديمير بوتين في بكين الشهر الماضي، وأنه يتم تداولها بشكل متواصل بين العاصمتين، وهو ما أشار إليه المسؤول الروسي أثناء زيارته دمشق بصراحة بقوله «نحن نتواصل مع شركائنا الأميركيين» حول هذا الموضوع.

ورغم محاولة الأسد الإيحاء بأن موسكو تدعم بقاءه، إذ نقلت عنه وكالة «سانا» قوله إنه «لطالما وقفت روسيا في صف الشعب السوري وقدمت براهين أنها تدعم حق الشعب في تقرير مصيره»، وهي إشارة من الأسد أن روسيا سبق أن اعترفت بنتائج الانتخابات التي أقامها نظامه وفاز فيها بولاية رئاسية ثالثة مدتها سبع سنوات، إلا أن المصادر الأميركية لفتت إلى قول بوغدانوف، بديبلوماسية لبقة: «نريد أن نصل إلى اتفاق حول قضايا كثيرة مع سلطات دمشق»، وهذه إشارة إلى أن روسيا تختلف مع الأسد في عدد من القضايا، الأمر الذي يتطلب زيارة المسؤول الروسي سورية ومحاولته التوصل لاتفاق مع الأسد حولها.

وتابعت المصادر الأميركية أن هذه القضايا تتمثل في قبول الأسد مشاركة نظامه في مؤتمر ينعقد في موسكو ويتضمن حواراً وجهاً لوجه مع المعارضة السورية، التي أمضت موسكو الأسابيع الأخيرة في التنسيق معها. أما هدف موسكو، فهو التوصل لاتفاق بين النظام والمعارضة، من أجل مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) و«جبهة النصرة». أما ثمن إنهاء المواجهة بين المعارضة والنظام ودخولهما في تحالف لمواجهة التنظيمين المذكورين، فهو خروج الأسد من الحكم.

وتأتي الأنباء عن المبادرة الروسية برضى أميركي في وقت نقلت وكالة «ماكلاتشي» الأميركية للأنباء عن قوات المعارضة السورية المعتدلة في إدلب وريف حماه قولها إن الولايات المتحدة أوقفت الأموال والتسليح الذي كانت تقدمه لهذه القوات بسبب سيطرة «النصرة» على مخازن سلاح زودتهم بها واشنطن.

ونقلت الوكالة عن العقيد في «الجيش السوري الحر» فارس بيوش قوله: «في نوفمبر، تسلمنا كل أنواع الدعم، بما في ذلك المرتبات، أما هذا الشهر فتوقف الدعم تماماً». وأضاف بيوش أن ممثلاً عن وزارة الخارجية الأميركية أبلغه أن أميركا ستواصل تزويد الثوار السوريين بالطعام والمعدات الطبية، ولكنها لن تدفع رواتب مقاتلين ولن تزودهم بأسلحة. وقدرت الوكالة عدد المقاتلين من «الجيش السوري الحر»، الذين سبق أن دربتهم أميركا والذين انتقلوا إلى صفوف «جبهة النصرة» بسبب انقطاع المرتبات والتسليح، بما بين 800 وألف مقاتل في الأسابيع القليلة الأخيرة.

وقال السفير الأميركي السابق في سورية روبرت فورد في مقابلة مع مجلة «بروسبكت»: «لم أكن مرتاحاً أبداً يوماً لاستخدام المعارضة السلاح. أعتقد أننا إذا نظرنا إلى الموضوع قد نعتبر أنه غلطة»، مضيفاً: «أنا قلت ذلك في الماضي، تكراراً، وأتذكر أن أحد الناشطين السوريين قال لي إنك تتوقعنا أن نتصرف مثل غاندي في وقت النظام الذي نقاتله هو أسوأ بكثير من البريطانيين في الهند».

وتابع فورد أن ما قاله الناشط كان صحيحاً، فالبريطانيون في الهند لم يستخدموا السلاح الكيماوي مثلما فعل الأسد بحق شعبه، ولا أسقط البريطانيون براميل متفجرة على رؤوس الهنود. وقال إن «الأمر الأهم هو تحديد كيفية الضغط على النظام بشكل كافٍ لحمله على التفاوض».

وروى فورد عن مؤتمر جنيف الثاني قائلاً: «ذهبنا إلى جنيف في يناير وفبراير، و وضعت المعارضة على الطاولة أمام الأمم المتحدة اقتراحاً مكتوباً لحكومة وحدة انتقالية، ولم يطلب الاقتراح من بشار التنحي».

وتابع: «حاولت الأمم المتحدة حمل النظام على قبول التفاوض كمخرج للأزمة السورية، لكن النظام رفض قطعياً التفاوض، لذا في ظل هذه الظروف، ليس غريباً أن نتوقع أن يفاوض النظام فقط إن شعر بالمزيد من الضغط العسكري».

وقال فورد: «لذلك تركت أنا الحكومة، لأننا إلى أن نبدي استعداداً لفعل المزيد للضغط على النظام، لن نتوصل إلى الحل السياسي الذي نتحدث عنه».

ومن نافل القول إنه رغم حديث واشنطن المتواصل عن نيتها تدريب وتسليح خمسة آلاف مقاتل سوري، إلا أن هذه الأحاديث مازالت في حيز الثرثرة، ما يعني أن رهان أميركا على الروس هو المخرج الوحيد الذي يرونه حالياً للخروج من الأزمة السورية.

على أن المصادر الأميركية لا تستبشر خيراً بزيارة بوغدانوف دمشق، إذ هي لا تعتقد أن للروس تأثيراً على الأسد إلى الحد الذي يدعونه إلى الرحيل.

وقالت: «الأسد أصبح، منذ زمن، رجل إيران، وهي وحدها تؤثر فيه وفي قراراته، ونحن في واشنطن لا نعتقد أن الأسد سيد قراره بعد الآن، ونستبعد أن ينجح الروس في مسعاهم، لكننا ندعم هذا المسعى في كل الأحوال».

الأربعاء، 10 ديسمبر، 2014

أبو أحمد الكويتي «يشعلها» بين «الشيوخ» و«سي آي إي»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قبل أشهر من العملية التي أدت إلى اغتيال أسامة بن لادن في أبوت آباد في باكستان في العام 2011، أعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) خطة علاقات عامة سرية للتأكيد على أن برنامج الاستجواب تحت التعذيب الذي اعتمدته، لعب دوراً حاسماً في العثور على زعيم «القاعدة» الراحل. وبدءاً من اليوم التالي للاغتيال، قام مسؤولو الوكالة في جلسات استجواب سرية في الكونغرس بالتركيز على هذه النقطة.

لكن في التقرير الذي أعدته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ حول تقنيات التعذيب لدى الوكالة، ونشر أول من أمس، رفضت اللجنة مقولة إن تعذيب المحتجزين ساهم في العثور على مكان بن لادن، وهي نتيجة خلص إليها أيضا فيلم «زيرو دارك ثيرتي» الصادر في 2012 والذي تدور أحداثه حول عملية الاغتيال.

ويقول تقرير مجلس الشيوخ أن الجزء الأكبر من معلومات الاستخبارات حول من سماه «رسول القاعدة» أو من يعرف باسم أبو أحمد الكويتي الذي كان يقوم بتلبية احتياجات بن لادن حيث يقيم، «تم الحصول عليها من مصادر لا علاقة لها ببرنامج الاستجواب لدى السي آي إي، وان المعلومات الأكثر دقة من محتجز لدى الوكالة، جرى الحصول عليها قبل تطبيق الوكالة تقنيات ما يسمى ببرنامج الاستجواب المعزز».

وأضاف التقرير أن «معظم الوثائق والإفادات والشهادات من السي آي إي حول العلاقة بين تعذيب المحتجزين ومطاردة بن لادن كانت غير دقيقة ومتعارضة مع سجلات الوكالة».

وردت الوكالة في بيان رافضة اتهامات اللجنة بأنها اعتمدت التضليل والخداع حول دور برنامج التعذيب في مطاردة بن لادن.

ومعلوم أن العنصر الحاسم الذي أوصل الأميركيين الى مكان بن لادن هو التعرف على أبو أحمد الكويتي الذي كان صلة الوصل بين زعيم «القاعدة» الراحل والعالم الخارجي من مخبئه السري في أبوت آباد.

لكن تقرير مجلس الشيوخ أظهر ان «سي آي إي» كانت ناشطة في جمع المعلومات عن الكويتي في وقت مبكرعما كان يعتقد، وقبل وقت طويل من الحصول على معلومات في شأنه من محتجزين لدى الوكالة.

وكانت الولايات المتحدة قد بدأت بالتجسس على هاتف الكويتي في وقت متقدم من العام 2001 وبداية العام 2002، وحصلت «سي آي إي» على معلومات من مصادر أخرى بما في ذلك تقارير من دول حليفة ترتكز الى إفادات محتجزين لدى هذه الدول، بما في ذلك الاسم المستعار للكويتي وحقيقة أنه أحد أقرب الأشخاص إلى بن لادن، وانه سافر تكراراً للقائه. وكانت لدى الوكالة ايضاً معلومات عن عمره وشكله وروابطه العائلية وتسجيل لصوته، وهي معلومات ثبت انها حاسمة في الوصول اليه.

وأدركت «سي آي إي» في العام 2004 أنها يجب أن تركز على العثور على أبو أحمد في اطار مطاردة بن لادن بعد ان استجوبت العنصر في القاعدة حسان غول الذي اعتقل في كردستان العراق.

وأشار تقرير الشيوخ إلى أن غول قدم للوكالة المعلومات الاستخباراتية «الأكثر دقة» حول دور الكويتي وعلاقته ببن لادن. الا انه أكد ان غول أعطى كل المعلومات المهمة حول الكويتي قبل إخضاعه لأي تقنيات تعذيب و تحدث بإرادته للمحققين، مضيفاً انه خلال استجواب دام يومين في يناير 2004، أعدت الوكالة 21 تقريراً استخبارياً من غول الذي قال ضابط استخبارات انه «كان يغني مثل عصفور مغرد».

ووصف غول في ذلك الاستجواب الأولي الكويتي بانه «أقرب مساعد» لبن لادن، وقال انه دائما كان معه، مشيراً الى انه الرسول الذي ينقل الرسائل بين بن لادن وقادة «القاعدة» الآخرين.

ونقل عن غول قوله ان الكويتي هو واحد من ثلاثة اشخاص يلتقون بن لادن الذي تكهن بانه «يعيش في منزل في باكستان حيث يقوم الكويتي بتلبية احتياجاته».

ومع ذلك، فان «سي آي إي» قررت تعذيب غول لرؤية ما إذا كان سيدلي بمزيد من المعلومات، فجرى نقله الى «سجن معتم» حيث تم حلق شعره وجرى تعليقه في وضع غير مريح وحرمانه من النوم لمدة 59 ساعة متواصلة، فبدأ يهلوس واصيب بتشنجات في الظهر والبطن، كما اصيب «بشلل خفيف» في يديه ورجليه واضطربت دقات قلبه.

وأشار التقرير إلى أن غول لم يقدم خلال وبعد العلاج أي معلومات مهمة أدت الى اعتقال اي من قادة «القاعدة».

وفي بيان الرد على مجلس الشيوخ، أشارت الوكالة الى ان محتجزاً آخر هو عمار البلوشي، كان «أول من كشف» ان الكويتي هو رسول بن لادن، بعد اعتقاله واخضاعه لتقنيات الاستجواب المعززة في مايو 2003.

لكن تقرير مجلس الشيوخ، يشير إلى أن ادعاء البلوشي لم يعتبر اختراقاً في حينه لانه أنكر ما كان قاله تحت التعذيب.

وأشار التقرير إلى أن الوكالة عمدت إلى «تجاهل» معلومات مفصلة في سجلاتها منذ 2002 من محتجزين عديدين لدى حكومات أخرى «تفترض ان الكويتي قد يكون رسول بن لادن»، وذلك لدعم ادعائها حول أهمية معلومات البلوشي.

وأشار بيان الوكالة إلى أن غول «قدم المعلومات الملموسة أكثر والأقل تكهناً» حول أبو أحمد الكويتي بعد إخضاعه الى «تقنيات الاستجواب المعززة»، فرد مجلس الشيوخ بأن كلام الوكالة «غير صحيح»، مستنداً الى تقارير صدرت في ذلك الوقت عن «سي آي إي» نفسها.

وأظهر تقرير المجلس ان المحتجزين الذين تعرضوا لتقنيات التعذيب «قدموا معلومات مختلقة، وغير متناسقة ولا يعوّل عليها عموماً» حول أبو أحمد الكويتي.

وردت «سي آي إي» بأن إفادات أدلى بها محتجزان آخران قللا من أهمية الكويتي، دفعتها الى الاعتقاد بأن الكويتي هو سر يستحق حمايته.

وأظهر تقرير المجلس ان الوكالة ضغطت على المحتجزين نفسيهما في صيف العام 2005 ومع ذلك كانا يكذبان. غير انه قال ان الوكالة كانت قد زادت اهتمامها بالكويتي قبل الإفادات الكاذبة لهذين الشخصين.

وأضاف أن الوكالة قالت في نشرة داخلية في الأول من سبتمبر 2005 حول مطاردة بن لادن أن البحث عن أشخاص حول بن لادن لم يؤد إلى نتيجة، لأن المحتجزين لم يقدموا معلومات مساعدة، إلا أنها أضافت: «مع ذلك نواصل مطاردة أبو أحمد الكويتي».

وبعد خمس سنوات ونصف السنة من ذلك، في مارس 2011، أعد مكتب العلاقات العامة في «سي آي إي» مواد للنشر بعد اغتيال بن لادن، «تركز على الطبيعة الحاسمة للمعلومات التي أدلى بها المحتجزون حول رسول بن لادن».

تجسس «سي آي إي» على مجلس الشيوخ... أطاح بها

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ليس التعذيب الذي قامت به «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) هو الذي فجر أزمة في وجهها في العاصمة الأميركية، بل قيام الوكالة بالتجسس على لجنة مجلس الشيوخ المكلفة اعداد تقرير عن ممارسات الوكالة للفترة الممتدة بين الأعوام 2001 و2008.

وكان المجلس شكّل لجنة من المختصين وطلب من الوكالة التجاوب، فأفردت الأخيرة جناحا للجنة في مقرها في لانغلي، وزودتهم بكمبيوترات، ثم مصادفة، اكتشف أحد العاملين في اللجنة ان «سي آي اي» اخترقت كمبيوترات اللجنة، وراحت تتقفى أثر العاملين فيها، وتقرأ مراسلاتهم وتقاريرهم، وهنا انفجرت الأزمة بين الطرفين، ووعدت رئيسة لجنة الاستخبارات دايان فاينستاين بالاقتصاص من «سي آي اي» لتجسسها على السلطة التشريعية وعملها.

والقانون الأميركي يمنع صراحة الوكالة من القيام بأي عمل داخل الولايات المتحدة، ويحصر أنشطتها في العمليات الخارجية. اما عمل الاستخبارات في الداخل فهو من اختصاص «مكتب التحقيقات الفيديرالي» (اف بي آي)، الذي يعمل بإمرة وزارة العدل، ويمكنه التجسس على مواطنين داخل البلاد بعد استصدار مذكرات صادرة عن المحاكم المختصة.

وعندما اكتشف أحد العاملين في لجنة مجلس الشيوخ ان كمبيوتره يختزن ملفات تعود للوكالة، قام بطباعتها، ووزعها على زملائه وعلى أعضاء لجنة مجلس الشيوخ للاستخبارات. تلك الملفات التي تركتها «سي آي ايه» عن طريق الخطأ على كمبيوتر أحد العاملين في اللجنة الخاصة هي التي كشفت فضائح عديدة، أبرزها ان الوكالة قامت بأمور أخفتها حتى عن إدارة الرئيس جورج بوش.

مع ذلك، حرصت إدارة الرئيس باراك أوباما على حماية الوكالة، على اعتبار ان المرؤوسين ينفذون أوامر رؤسائهم، وانه إذا تمت معاقبة المرؤوسين، فلن يجرؤ أي منهم مستقبلا على تنفيذ الأوامر المفروضة عليه. كذلك، حاولت إدارة أوباما لملمة الموضوع خوفا على سمعة الأجهزة الأمنية عموما، ومخافة ردود الفعل داخل أميركا وخارجها.

وكالعادة في المواجهات مع الكونغرس، طلب أوباما من نائبه بايدن ووزير خارجيته جون كيري، والاثنان عملا لعقود في مجلس الشيوخ ومازالا يتمتعان بعلاقات قوية فيه وصداقات، التوسط مع الشيوخ لتأجيل الكشف عن التقرير حتى اشعار آخر. وعندما لم تنجح جهود بايدن - كيري في ثني فاينستاين وصحبها عن اصدار التقرير، استخدمت الإدارة حق ممارسة الرقابة على أي وثائق حكومية تخرج على العلن، تحت ذريعة الأمن القومي.

هكذا، تحول التقرير، الذي كلف انتاجه 40 مليون دولار على مدى 3 سنوات، والمؤلف من 6 آلاف و700 صفحة، الى تقرير من نحو 600 صفحة، وحتى في الصفحات المتبقية، تم حذف مقاطع كثيرة وأسماء وتواريخ.

الاستنتاجات القليلة الممكنة من التقرير، وبعضها معروف منذ زمن، يمكن تلخيصها بالقول ان التعذيب الذي انتهجته «سي آي اي» بحق معتقلين لديها من أعضاء تنظيم «القاعدة»، لم يؤد الى استخراج معلومات منهم يمكن الإفادة منها في منع هجمات مستقبلية، وهو ما يتناقض مع تقرير أصدرته الوكالة وأوضحت فيه ان التعذيب سمح بمنع وقوع هجمات إرهابية. كذلك، أفاد التقرير ان التعذيب الذي قامت به الوكالة هو أقسى بكثير مما افصحت عنه لمؤسسات الرقابة ولوزارة العدل.

الاستنتاج الثاني يتمحور حول مجهود منظم قامت به الوكالة لتضليل الحكومة التي تشرف على عملها، والكونغرس، والاعلام، وحتى المفتش العام داخل الوكالة نفسها، وتضمن ذلك إخفاء أسماء معتقلين سريّين حول العالم، واتلاف اشرطة فيديو حول جلسات تعذيب سرية. وأشار التقرير الى ان الرئيس السابق جورج بوش سبق ان ابدى اعتراضه على بعض الأساليب، وانه حتى العام 2003، قامت الوكالة بإخفاء التعذيب عن كبار المسؤولين مثل وزيري الدفاع والخارجية السابقين دونالد رامسفيلد وكولين باول.

الاستنتاج الثالث يشير الى فوضى داخل الوكالة أدت الى عدم معرفة كبار المسؤولين فيها العدد الفعلي للمعتقلين أو أماكن اعتقالهم، حتى ان نائب الرئيس السابق ديك تشيني لم يكن يدرك مرة اثناء زيارته لأحد البلدان ومفاتحة المسؤولين في ذلك البلد حول ما يعرف بـ «المواقع السوداء» ان البلد المذكور يستضيف معتقلين لـ «سي آي اي».

الفضائح في تقرير مجلس الشيوخ بحق الوكالة متعددة ومتنوعة، وأدت الى تلطيخ سمعة احدى المؤسسات الحكومية الأميركية التي تعاني سمعتها بين الأميركيين أصلا. على انه كان يمكن للوكالة ربما إخفاء فضائحها تحت ستار السرّية وحماية الأمن القومي، لكن تجسسها على لجنة مجلس الشيوخ هو الذي أطاح بها، ووضعها في مواجهة الشعب وممثليه، فيما وضع التقرير - للمرة الأولى - ادارتي الرئيسين بوش وأوباما على الجانب نفسه، في محاولتهما التستر على الوكالة ودفع الكأس المُرّة عنها.

Since December 2008