الاثنين، 30 مارس، 2015

سوريا تبتعد عن دائرة الضوء العالمي

حسين عبدالحسين
المدن

في الماضي القريب، كان لقاء وزير الخارجية الاميركي جون كيري مع معارضين سوريين يحل في صدارة الاخبار الاميركية. الاسبوع الماضي، التقى كيري، في واشنطن، الرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، معاذ الخطيب، ورئيسة "الحزب الجمهوري السوري" مرح البقاعي. لكن على الرغم من جهود الطرفين، لم يحظَ اللقاء باهتمام إعلامي يذكر، على الرغم من أن وزير الخارجية الأميركي شدد على أن تصريحاته السابقة حول ضرورة التفاوض مع الرئيس السوري بشار الاسد لا تعني أبداً أن أميركا ترى أن للأسد دوراً في مستقبل سوريا.

أسباب تراجع أهمية الوضع السوري في الإعلام الغربي متعددة، يتصدرها "تعب" الجمهور الغربي ووسائل إعلامه من القضية السورية عموماً، بعد أربع سنوات من الاخبار التي صارت تبدو وكأنها تكرر نفسها: قتال ضروس، ووحشية تتسبب بمقتل أبرياء، ولقاءات ديبلوماسية، وتصريحات في عواصم العالم حول الحلول وإمكانيات الحلول وأسباب تعذرها. 

وما يبعد الثورة السورية أكثر عن دائرة الاضواء في الولايات المتحدة والدول الغربية التطورات الاخرى في منطقة الشرق الاوسط، خصوصاً تلك المتعلقة بشكل أكثر قرباً بالأميركيين، فالمفاوضات النووية مع ايران وامكانية التوصل لاتفاقية معها موضوع اقرب الى مصالح الاميركيين مما يحصل في سوريا، ومشاركة المقاتلات الاميركية في دك معاقل تنظيم "الدولة الاسلامية" يكبد دافعي الضرائب الاميركيين تكاليف تجبرهم على متابعة تطورات الاحداث في العراق. وإلى جانب المفاوضات النووية والحرب ضد داعش، اقتحمت "عاصفة الحزم"، التي يشنها تحالف عربي ضد متمردين حوثيين في اليمن، الإعلام العالمي بما فيه الاميركي. 


هكذا، لم تجد أخبار سيطرة المعارضة على مدينة إدلب الشمالية، على أهميتها، طريقها إلى الإعلام الغربي، وعندما شذّت عن القاعدة صحيفة مثل "ذي غارديان" البريطانية، وصفت المدينة خطأ بأنها ذات غالبية علوية. وهكذا، في وقت يجد محررو صفحات الشؤون الدولية أنفسهم امام فيض من الاخبار الشرق اوسطية، بدءاً من إيران، إلى العراق، فاليمن، إضافة إلى أخبار عالمية أخرى مثل الطيار المجنون الذي أسقط طائرة ركاب ألمانية، يصبح الموضوع السوري في أدنى سلم الأولويات الإخبارية، خصوصاً أن التقارير المتواترة من سوريا معقدة للقارئ الغربي، وتبدو وكأنها تتشابه وتتكرر.


ومع تراجع أهمية سوريا لدى الإعلام والرأي العام الغربي، تتحول المواجهة بين المعارضين السوريين ونظام الأسد إلى مشكلة صغيرة وكأنها جزء من شرق اوسط مشتعل ومعقد، فتتحول سوريا من قضية استبدال حكم ديكتاتوري بحكومة أكثر تمثيلاً، إلى حلقة من حلقات مترابطة في مواجهة أكبر بين أميركا وإيران، ما يزيد في تدويل القضية السورية، ويزيد في فرص تدويل الحل، الذي يتحول حينها إلى حل يرضي الفرقاء العالميين بدلاً من أن يرضي المعنيين السوريين.


إبقاء الثورة السورية ماثلة أمام أعين وفي أذهان العالم، خصوصاً الرأي العام في الدول المؤثرة، يجب أن يكون في طليعة أولويات المعارضين السوريين، وهو ما يحتاج إلى التفكير خارج المألوف، والتخلي عن أسلوب نشر اخبار لقاءات المعارضين السوريين، إن مع بعضهم البعض أو مع مسؤولين عالميين، وتوزيع تصريحاتهم السابقة واللاحقة لهذه اللقاءات المتكررة. 


كذلك، على المعارضة السورية إدراك إن الإكثار من الظهور في الإعلام يثير الملل، على الرغم من أحقية القضية. وعلى المعارضين أن يعرفوا أن الفوز بتعاطف الرأي العام الدولي، الذي يمكنه الضغط على الحكومات المؤثرة، هو علم وله أربابه، وأن المواقف السياسية وحدها، على أهميتها، لا تكفي، بل هي ترتبط بحجم أصحابها، ما يعني أنه حتى يدرك المعارضون السوريون مدى تأثير تصريحاتهم، عليهم أن يدركوا قبلاً مدى ثقلهم السياسي.


وهذه الحال، لا غرابة في القول إنه بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الثورة السورية، لم يرق أداء المعارضة السورية إلى المستوى المطلوب، وهو ما يجمع عليه المعارضون السوريون، وهذه مشكلة تبدو عصية على معارضين تنقصهم الحيلة للتغلب عليها ومعالجتها، وهو ما يعني المزيد من التراجع لأهمية الثورة السورية في عيون الأميركيين والعالم.- See more at: http://www.almodon.com/arabworld/0efd6057-b917-43ac-ba7e-ff296af85b13#sthash.77Y4Sdch.dpuf

تغييرات في قيادة «الديموقراطي» الأميركي تشي بانتقاله من اليسار إلى... الوسط

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أثار إعلان زعيم الاقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي هاري ريد التقاعد بعزوفه عن الترشح لولاية جديدة في 2016 التكهّنات حول التوجّه السياسي للحزب مستقبلا، خصوصا على ضوء اعلان الرجل الثالث في قيادة الحزب السناتور اليهودي الاميركي عن ولاية نيويورك تشاك شومر عزمه الترشح لخلافة ريد.

ويبلغ ريد من العمر 75 عاما، وهو عضو في المجلس عن ولاية نيفادا منذ 1987، وزعيم الديموقراطيين منذ العام 2005. ومنذ ان فاز حزبه بغالبية مجلس الشيوخ في 2006، سيطر ريد على المجلس، ولعب دوراً حاسماً في توجيهه، خصوصا لناحية اقرار «قانون الرعاية الصحية» الذي قدمه الرئيس باراك أوباما. وفي السياسة الخارجية ايضا، لعب ريد دورا كبيرا في منع المجلس من مناقشة عدد من القوانين لطالما عارضها البيت الابيض.

ومن مشاريع القوانين التي قضى عليها ريد، قانون اقرار عقوبات اقتصادية اضافية على ايران في حال عدم التوصّل معها الى اتفاقية حول ملفها النووي. كذلك، قضى ريد على قانون قدمه مشروعون من الحزبيْن كان يهدف الى تصعيد الموقف الاميركي في وجه «حزب الله» اللبناني.

ويعتبر ريد من «اليساريين» في الحزب، وهو الذي رعى صعود نجوم يساريين في مجلس الشيوخ من امثال السناتورة عن ولاية ماساشوستس إليزابيث وارن. وبمساندة من ريد، احجمت وارن عن المشاركة في مواقف داعمة لإسرائيل، كما امتنعت وريد عن التوقيع على عريضة طالبت أوباما بفرض عقوبات جديدة على ايران في حال عدم التوصل لاتفاقية معها الثلاثاء الماضي.

اما شومر، الخليفة الموعود واليد اليمنى في القيادة لريد اثناء فترة زعامته، فهو من المحسوبين على صقور الديموقراطيين، او «يسار الوسط». وشومر من المقربين من اصدقاء اسرائيل، وتصدّر مطالبي أوباما بفرض عقوبات اضافية على ايران في حال فشل التوصّل لاتفاقية نووية معها، ومهر توقيعه على العريضة التي طالبت الرئيس الاميركي بذلك.

ورغم المواقف «اليسارية» لشومر في الشؤون الداخلية، الا انه غالبا ما يتخذ مواقف اقسى من أوباما وريد في السياسة الخارجية، وهو من مؤيدي قيام الولايات المتحدة بموقف أكبر في الأزمة السورية، ومن المطالبين باتفاقية حاسمة مع الايرانيين تؤدي الى تعطيل برنامجهم النووي، بدلا من ترك طهران تقف على عتبة انتاج قنبلة نووية في غضون سنة في حال قررت التمرد على الاتفاق الدولي المزمع التوصل اليه.

ويتمتع شومر بنفوذ واسع داخل الحزب الديموقراطي، ونجح في تحييد الرجل الثاني في الحزب السناتور ديك ديربان، الذي تبنى ترشيح شومر على غرار ما فعل ريد، ما يجعل فوز شومر بالزعامة امرا محسوما مطلع العام 2017.

ومن شأن زعامة شومر، اذا ما اقترنت بوصول رئيس ديموقراطي من «يسار الوسط» كذلك الى البيت الابيض مثل هيلاري كلينتون، ان يقلب موقف الولايات المتحدة في السياسة الخارجية من كونها في يد الحمائم حاليا الى ايدي الصقور، حتى لو لم ينجح الجمهوريون باستعادة الرئاسة في انتخابات العام المقبل.

والتغيير في زعامة الديموقراطيين في مجلس الشيوخ يشي كذلك بنهاية حقبة من سيطرة أوباما وريد وتبنّيهم سياسات «الانخراط» خارجيا، وينذر بسيطرة ديموقراطيين من طراز مختلف، وهذا النوع من التغيير داخل الحزب الواحد هو من ضمن الانقلاب في المواقف الذي تعيشه البلاد كل عقد تقريباً.

وفور اعلانه نبأ تقاعده، اصدر البيت الابيض مواقف اشادت بريد ودوره في الزعامة، كما وصفه أوباما بالصديق لا «الحليف». بدوره، أثنى زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ السناتور الجمهوري ميتش ماكونيل على ريد ووصفه بأنه «أبرع الخصوم السياسيين».

الأحد، 29 مارس، 2015

مسؤولون أميركيون: «عاصفة الحزم» قد تمتد بضعة أسابيع

واشنطن- من حسين عبدالحسين

توقع مسؤولون اميركيون ان تمتد حملة «عاصفة الحزم» في اليمن «بضعة اسابيع» ما لم يتراجع الحوثيون ويوافقون على الدخول في حل سياسي مبني على الاعتراف بشرعية الحكومة الحالية.

وأكد المسؤولون انه، على غرار الحملة الدولية ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، من المتوقع ان تؤدي الحملة الجوية الى اضعاف قوات الحوثيين في شكل تدريجي، ما يسمح للقوات الحكومية باستعادة سيطرتها على الاراضي التي خسرتها، بما فيها العاصمة صنعاء.

واثار انهيار قوات الرئيس عبدربه منصور هادي، وسحب اميركا عددا من قواتها الخاصة التي كانت متمركزة في اليمن، حرجا كبيرا للرئيس باراك أوباما، الذي وقف قبل عام امام اكاديمية «وست بوينت» العسكرية ليقدم تعاون بلاده مع الحكومة اليمنية نموذجا في مكافحة الارهاب وتثبيت الاستقرار في بلدان الشرق الاوسط.

الا ان الهجوم الذي شنه الحوثيون جنوبا، من معاقلهم في الشمال، واستيلائهم على صنعاء وخروج الرئيس هادي منها، اظهر ضعف الاستراتيجية الأميركية، وفتح الباب لمنتقديها لشن هجوم ضد سياسة أوباما الخارجية عموما، التي ردت كعادتها بالقول ان الاحداث في المنطقة -- والتي يقول معارضو أوباما انها الاخطر منذ عقود -- هي خارج قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مجرياتها.

لكن مسؤولين في الادارة الأميركية قالوا ان «عاصفة الحزم» هي بمثابة «الخطة باء» التي قدمتها المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع الكويت وقطر والامارات ومصر وتركيا، كبديل عن خطة أوباما التي اعلنها العام الماضي، والقاضية بشراكة اميركية لوجستية واستخباراتية مع «قوات محلية يمنية»، والتي فشلت فشلا ذريعا.

ودأبت المصادر الأميركية منذ فترة على الحديث عن تشكيل قوة عربية دولية مشتركة تتدخل في «الاماكن الساخنة» في منطقة الشرق الاوسط لمكافحة المجموعات الارهابية وتثبيت الاستقرار. وردد مسؤولون عرب، على مدى الأشهر الماضية، الحديث عن هذه القوة المشتركة. وكانت «الراي» نقلت عن مصادر اميركية، الشهر الماضي، انه يجري الاعداد لتشكيل هذه القوة للتدخل بريا ضد داعش في العراق او سورية.

ولا تغيب مقارنة الحملة الدولية ضد داعش مع الحملة العربية ضد الحوثيين عن بال المسؤولين الاميركيين، الذين يرددون ان التحالف الدولي شن حتى الآن 1600 غارة ضد مواقع داعش في العراق، و1300 غارة ضد مواقع التنظيم نفسه في سورية، منذ الصيف الماضي.

ويتابع هؤلاء المسؤولون ان اليمن قد يحتاج عددا كبيرا من الغارات قبل ان «نرى نتائج على الارض تتمثل باضعاف الحوثيين ودفعهم الى التراجع الى معاقلهم الشمالية».

ويبدو ان اليمن شكلت تطورا غير محسوبا للادارة الأميركية، التي آثرت تفادي الاعمال العسكرية ضد حلفاء ايران في المنطقة تفاديا لتعقيد المفاوضات مع طهران حول ملفها النووي. كما دأبت واشنطن على تقديم الدعم لحلفاء ايران في العراق وسورية لمكافحة «داعش». لكن اليمن لم يدع اي مجال للشك ان ايران ليست مهتمة بمكافحة الارهاب، بل انها تسعى الى فرض سيطرة حلفائها في عموم المنطقة، حتى لو جاء ذلك على حساب الحكومات الشرعية كما في اليمن.

وتعتقد المصادر الأميركية ان تأييد واشنطن لحملة «عاصفة الحزم» اثار استياء لدى الايرانيين، الذين اوعزوا لبعض حلفائهم الانسحاب من الحملة العسكرية العراقية ضد «داعش» في تكريت.

ويأتي التوتر اليمني والتباين في الموقفين الاميركي والايراني حوله في وقت يلتقي وزيرا خارجية البلدين جون كيري وجواد ظريف في لوزان في محاولة لرأب الصدع المستمر في المفاوضات حول ملف طهران النووي. ورغم التفاؤل الكبير بانفراج في المحادثات أخيراً، ماتزال الاتفاقية بعيدة المنال بسبب بعض الاختلافات التي فشل الطرفان في التوصل الى حلول لها.

الجمعة، 27 مارس، 2015

إدارة أوباما مصمّمة على التوصّل إلى اتفاقية مع إيران... بأي ثمن

واشنطن - من حسين عبدالحسين

رغم تصريحات رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية كريستيانو امانو ان طهران لم تجب إلا عن مجموعة واحدة من الاسئلة، من بين 12 كانت الوكالة قدمتها الى الحكومة الايرانية حول الشق العسكري لبرنامج ايران النووي، لا تبدو اي علامات قلق على فريق الرئيس باراك أوباما، الذي يبدو ان ادارته عقدت العزم على التوصل الى اتفاقية نووية مع الايرانيين وبأي ثمن.

ابرز دلالات تمسّك ادارة أوباما بالتوصّل لاتفاقية مع ايران جاءت في مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» بقلم المعلق توماس فريدمان، وهو من المقرّبين للرئيس الاميركي وممن يزورون البيت الابيض في شكل متواصل.

وكتب فريدمان انه قبل ابداء آرائهم بالاتفاقية المزمع توقيعها، على الاميركيين ان يتساءلوا «كيف يتلاءم ذلك مع إستراتيجية اميركية اوسع تهدف الى تخفيف الاحتقان في الشرق الاوسط، مع أقل تدخل أميركي ممكن، وادنى اسعار ممكنة للنفط».

ويعكس فريدمان آراء المسؤولين الاميركيين، الذين دأبت «الراي» على التحدث اليهم على مدى السنوات القليلة الماضية، في ان أوباما ومجموعة المحيطين به يعتقدون ان اي اتفاقية اميركية مع ايران هي بمثابة فوز متعدد الاوجه. ويعزز هذا الاعتقاد رؤية الادارة انه في حال تحوّلت ايران الى دولة حليفة، لا يعود البرنامج النووي الايراني يشكّل مشكلة، فلواشنطن حلفاء نوويون حول العالم مثل باكستان والهند وغيرهما.

ويعكس فريدمان وجهة نظر أوباما القائلة ان «عودة ايران الى السوق النفطي من شأنها ان تؤدي الى انخفاض في السعر العالمي، وهو ما ينعكس ايجابا على الاقتصاد الاميركي. كذلك من شأن عودة الشركات الأميركية الى السوق الايرانية النامية ان يخلق وظائف للاميركيين ويعود عليهم بارباح اقتصادية كبيرة».

ويردد فريدمان انه على رغم ان ايران ساهمت في تسليح وتدريب الميليشيات التي قتلت عددا كبيرا من الجنود الاميركيين في العراق، الا انه «لم يكن هناك اي ايرانيين في هجمات 11 سبتمبر».

لكن ماذا يحصل في حال تم رفع العقوبات عن ايران، بموجب الاتفاقية، وراحت ايران تستخدم الاموال المتدفقة عليها لتعزيز نشاطاتها المزعزعة للأمن في المنطقة؟ في وقت يبدو هذا السيناريو سلبيا، خصوصا لحلفاء أميركا العرب، الا انه حسب رؤية ادارة أوباما امر ايجابي، فاذا قررت ايران الاستمرار في دعم ميليشيات مسلحة غير حكومية في بلدان عربية، فمن شأن ذلك ان يعطّل تمدد تنظيمات معادية لاميركا مثل تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، كما من شأنه ان يرهق الخزينة الايرانية، حتى مع الاموال الجديدة التي ستتدفق عليها بعد رفع العقوبات عن طهران.

«على مدى عشر سنوات»، يكتب فريدمان، «كانت الولايات المتحدة هي المنهكة في العراق وافغانستان، والآن سيكون دور ايران»، ويتابع: «ادارة الانحدار لأنظمة في الدول العربية ليست مشكلتنا، فنحن برهنّا مرارا اننا لسنا مؤهلين لذلك».

التفكير «الاوبامي» مازال نفسه على مدى السنوات الماضية، وهو يتمحور حول الاعتقاد باستحالة وقف البرنامج النووي الايراني بعمل عسكري ومن دون الاتفاق مع طهران، لان الايرانيين حازوا تكنولوجيا يصعب انتزاعها منهم. وحسب التفكير «الاوبامي» نفسه، فان رفع العقوبات عن ايران واطلاق يدها في منطقة الشرق الاوسط قد يحولها الى دولة حليفة، فان حصل ذلك، تنتفي مشكلة حيازة ايران للنووي، وان استمرت ايران في سياساتها الحالية التوسّعية، تقوم بعمل شرطي المنطقة مع ما يعني ذلك من القضاء على اطراف تكنّ عداوة اكبر من الايرانيين تجاه اميركا، ومع ما يعني ذلك ايضا من استنزاف للمقدرات الايرانية، حتى تلك التي تحصل عليها ايران بعد رفع الحظر الاقتصادي الدولي عنها.

الاوبامية ستستمر بعد أوباما

حسين عبدالحسين

يخطىء من يعول على انقضاء ما تبقى من ولاية الرئيس باراك أوباما وخروجه من الحكم مطلع ٢٠١٧ كحل للتخلص من سياسة أميركية خارجية قضّت مضاجع الكثيرين، فالأوبامية بدأت قبل أوباما، ولن تنتهي على الارجح بخروجه.

اعادة هندسة الشعوب وبناء ديموقراطيات حول العالم عن طريق القوة العسكرية هي سياسة المحافظين الجدد التي تبناها الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، بعد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١، كحل لمعضلة الدول المارقة التي كانت تعاني منها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، وكوسيلة امتصاص الغضب الشبابي الذي انفجر في وجه الاميركيين، ولكنها سياسة تخلى عنها ابان فوزه بولاية ثانية نهاية العام ٢٠٠٤. 

منذ مطلع ٢٠٠٥، اخرج بوش عتاة المحافظين الجدد من ادارته من امثال ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وبول وولفويتز. وبعد خسارة الجمهوريين الغالبية في الكونغرس في العام ٢٠٠٦، اخرج وزير دفاعه دونالد رامسفيلد وفرض حظرا سياسيا على نائبه ديك تشيني، واطلق عنان العملانيين في ادارته من امثال وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، التي فتحت الباب للنظام السوري للخروج من عزلته بدعوتها فيصل المقداد لحضور مؤتمر السلام في انابوليس في صيف ٢٠٠٧. وبعد ذلك بعام، دفعت تحالف ١٤ آذار اللبناني الى الدخول في تسوية سياسية وحكومة مشتركة مع "حزب الله" وحلفائه. 

وقبل ان تخرج رايس من الحكم، وافقت على الدخول في مفاوضات دولية مع الايرانيين بالتخلي عن شرط وقف طهران تخصيب اليورانيوم. حتى الانسحاب من العراق، نفذه أوباما وفق الجدول الزمني الذي وضعه بوش بحذافيره، على الرغم من كل وعود أوباما الانتخابية بتنفيذ الانسحاب في فترة ستة اشهر من انتخابه.

اذاً، لم تشكل سياسة "الانخراط مع الأسد"، التي اعلنها أوباما ابان تسلمه الحكم في العام ٢٠٠٩، انعطافة تذكر في السياسة الخارجية الاميركية، كما لم تشكل الاندفاعة نحو طهران افتراقا عن السياسة الاميركية التقليدية نحو ايران.

ومنذ قيام الثورة الايرانية في العام ١٩٧٩، حاول جميع الرؤساء الاميركيين استجداء طهران لاعادة العلاقات الى ما كانت عليه في زمن الشاه. الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر دفع بمستشاره للأمن القومي زبيغنيو بريجينسكي للقاء المسؤول الايراني مهدي بازركان في الجزائر لاعادة العلاقة مع ايران الخميني، وكذلك فعل الرئيس الجمهوري رونالد ريغان الذي ارسل مستشاره للأمن القومي تيد ماكفرلين الى طهران للقاء ثورييها في العام ١٩٨٦، الذين كان في طليعتهم شيخ شاب اسمه حسن روحاني. اما الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب، فكلف وزير خارجيته جيمس بيكر التنسيق مع ايران عبر وسطاء ابان حرب الخليج الاولى، وتلاه الرئيس الديموقراطي بيل كلينتون الذي كاد ان يصافح نظيره الايراني محمد خاتمي. ثم جاء بوش الابن، الجمهوري المتشدد، ليرسل السفير ريان كروكر في رحلات سرية الى جنيف للقاء مسؤولين ايرانيين والتنسيق معهم حول افغانستان والعراق، وهي علاقة بنى عليها أوباما في سياسة انفتاحه على طهران.

قد يكون لكل من الرؤساء الاميركيين المتعاقبين منذ العام ١٩٧٩ اسلوب مختلف في السياسة الخارجية، وقد يبدو أوباما مترددا اكثر من غيره، ولكن الرئيس الحالي لم يقدم جديدا في سياسة أميركية تهدف، منذ الثورة الايرانية، الى استعادة العلاقة الماضية المميزة بين البلدين.

وعلى الرغم من معارضة الكونغرس الجمهوري لسياسة أوباما الديموقراطي في الانفتاح على ايران، الا ان صلاحيات أوباما تخوله تجاوز السلطة التشريعية ورفع العقوبات، وهذا لو حصل ودخلت الشركات الاميركية السوق الايرانية وصارت للاميركيين مصالح تجارية هناك، يصبح من الاصعب على اي رئيس سيخلف أوباما، ديموقراطيا كان ام جمهوريا، ان يعيد العقوبات من دون مقاومة شديدة من المنتفعين من الانفتاح على ايران ولوبياتهم في واشنطن.

لرؤساء اميركا صلاحيات واسعة، خصوصا في السياسة الخارجية. لكن سياساتهم الخارجية، على الرغم من التباينات بينها، لا تبتعد كثيرا عن الخط الرئيسي الذي ترسمه المؤسسة الحاكمة بحزبيها، اي "الاستابلشمنت"، وهو ما يجعل عقد الآمال على نهاية كابوس أوباما في السياسة الخارجية بعد خروجه من الحكم عملا في غير محله.

- See more at: http://www.almodon.com/opinion/038dff88-0b08-425d-b323-b31dfdf2337c#sthash.iekT9FMv.dpuf

ما المطلوب من المعارضة السورية؟

حسين عبدالحسين

ثارت تصريحات مبهمة أطلقها رئيس الائتلاف السوري السابق، معاذ الخطيب، في العاصمة الأميركية بلبلة. هل أعرب عن تأييده لـ"جبهة النصرة"، التي تضعها واشنطن على لائحتها للتنظيمات الإرهابية، أم قال إنه يعارضها، أم ماذا؟ لا يهم ما الذي قاله الشيخ معاذ، فأقواله تشبه تصريحات غالبية المعارضين السوريين منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس ٢٠١١، وهي تصريحات تجمع على ضرورة الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، لكنها يندر أن تظهر اتفاقاً على أي أمر آخر.

باستثناء فترة ما بين ٢٠٠١ و٢٠٠٥، لم تبد الحكومات الأميركية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية اهتماماً يذكر بالشؤون الداخلية لغالبية الشعوب، على عكس ما تتصور هذه الشعوب التي تتخيل نفسها محور اهتمام العالم. أميركا تفضل حكاماً أقوياء حول العالم يمكنها التعامل معهم، حتى لو كان هؤلاء من اعتى الدكتاتوريين. ساهم في صناعة وتكريس هذه السياسة وزير الخارجية الشهير هنري كيسنجر، صاحب أطروحة دكتوراه تتناول اتفاقية وستفاليا الأوروبية، التي خلقت مفهوم سيادة الحكومات وحرّمت التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ما لم تبد هذه الدول عدوانية تجاه دول أخرى. كيسنجر نفسه هو صاحب مقولة إن بين حلفاء أميركا "أولاد كلب"، لكنهم "أولاد كلبنا"، أي طغاة لكنهم حلفاؤنا.


المحافظون الجدد اعتقدوا انه يمكن للولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية لإعادة هندسة دول العالم بأشكال ديموقراطية من شأنها ان تنهي ظاهرة "الدول المارقة"، التي كانت تقلق الاميركيين منذ نهاية الحرب الباردة. ومن شأن الديموقراطيات كذلك ان تمتص الغضب الشبابي الذي انفجر في ١١ ايلول/سبتمبر ٢٠٠١ في وجه أميركا. لكن التجربة فشلت، واستبدل جورج بوش الابن المحافظين الجدد بعملانيين من أمثال وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، التي بدأت عملية "الانخراط" مع دول كانت في مصاف الأعداء لأميركا، مثل سوريا وايران. وفي وقت لاحق، حيد بوش حتى نائبه المتشدد ديك تشيني.


اليوم تستمر واشنطن في سياستها العملانية. وفي هذا السياق، لا أهمية جيو استراتيجية لسوريا. القلق الوحيد هو أن تصدّر الحركات المتطرفة المقاتلة في سوريا عنفها إلى الغرب، وهذا أمر يمكن معالجته بإبقاء هذه التنظيمات منشغلة بالقتال، وإبقاء أعين وزراء الأمن الداخلي في أميركا وأوروبا مفتوحة تحسباً.


ويبدو أن المعارضة السورية لا تعي ماهية التفكير الأميركي، وتستمر منذ العام ٢٠١١ بتقديم معاناتها الانسانية من عنف النظام ضدها لاخراج الاسد من الحكم. لكن زمن نشر أميركا للديموقراطية ودعمها ولّى، وواشنطن مستعدة اليوم للموافقة على تسليم سوريا لأي قوة، مثل ايران، لتثبيت الوضع السوري. ويعتقد الرئيس باراك أوباما انه بتسليمه سوريا لايران، يقدم لها هدية حسن نية لاتمام الصفقة النووية معها، فإن نجحت ايران بضبط الوضع، ينتهي الارهاب المقلق للاميركيين، وإن لم تنجح، تستنزف إيران والتنظيمات المواجهة لها قوتها في مواجهة مستمرة.


البديل الوحيد الذي يمكن للمعارضة السورية انتزاع دعم أوباما له هو بناء أوسع جبهة معارضة مع برنامج حكم مفصّل. مثلاً، لو نجحت الفصائل المعارضة في كتابة دستور لمرحلة ما بعد الأسد مع ضمانات لجميع السوريين، بمن فيهم الأقليات، ثم قامت كل الفصائل بتحقيق إجماع حول الدستور الجديد وحول خطوات الحكومة الانتقالية، لوجد الأسد نفسه في موقع تفاوضي صعب، حتى لو حقق نجاحات عسكرية بمساعدة ايرانية.


ولو حقق المعارضون السوريون إجماعاً على شكل سوريا السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد الأسد، لوجد الأسد نفسه خارج الاجماع واضطر للالتحاق به، أو الظهور بمظهر المعرقل للحلول.

لكن مشكلة المعارضة انها مؤلفة من مجموعة من "الفلاسفة الملوك"، حسب التعريف الأفلاطوني. كل واحد من المعارضين السوريين يعتقد أنه ينفرد بالحلول الناجعة لمستقبل سوريا، وينفق باقي وقته في تقريع المعارضين الاخرين في عواصم العالم، وإلقاء اللوم في الوضع السوري على عدم المبالاة الدولية.


في العقد الماضي استخدمت أميركا قوتها العسكرية للقبض على رئيس العراق صدام حسين وتسليمه الى ما اعتقدته عدالة "العراق الجديد"، ليظهر جلياً أن القضاة هم ضحايا صدام السابقين، وأنهم تحولوا إلى جلادين، فانزلوا به قصاصاً قبلياً بدلاً من عدالة مدنية.


لن تعيد أميركا تجربتها العراقية، ولن تمد يد العون لأعداء الأسد للانتقام منه. لكن الولايات المتحدة قد تبدي اهتماماً في "سوريا جديدة" مبنية على العدالة وبعيدة عن الانتقام، بغض النظر عن هوية من يثبت إجرامهم، ولو فَهِم المعارضون الفارق بين الاثنين، بدلاً من الغوص في البهلوانيات السياسية بين بعضهم البعض، لوجدوا آذاناً صاغية أكثر حول العالم.

- See more at: http://www.almodon.com/arabworld/abcfea71-e8c9-4cd4-ae90-ea77c80612ad#sthash.9mjOz4E0.dpuf

أميركا: الهوة تتسع بين الفقراء والأغنياء

حسين عبدالحسين - واشنطن

يجمع الأميركيون على ان الهوة في المداخيل والثروات تتسع بين الأغنياء والفقراء. وتشير دراسة أعدها ايمانيول سايز وغبريال زوكمان، من جامعة كاليفورنيا، الى ان عشية أزمة 1929 المالية، كان 0.1 في المئة من أغنى الأميركيين يسيطرون على ربع الثروة القومية، فيما لم تتعدَ ثروة 90 في المئة منهم 16 في المئة منها. ومنذ ذلك التاريخ، عمدت الحكومات الأميركية المتعاقبة على إقرار سلسلة من التشريعات والسياسات نجحت خلالها في تقليص الفجوة. لكن الباحثَين يريان ان هذه الهوة عادت الى الاتساع مع حلول عام 1980، لتسيطر اليوم قلة من الأغنياء على 22.9 في المئة من الثروة الأميركية.

وتتناول الدراسة توزيع الثروة بين الأميركيين عام 2012، وتعتبر ان معدل ما تملكه العائلة الأميركية يبلغ 350 ألف دولار. لكن الأمر ليس زهرياً كما يبدو عليه، وفقاً للباحثين، وهو تحذير يشاركهما فيه الاقتصادي الشهير جوزف ستيغليتز، الذي يعتبر ان معدل الدخل القومي للفرد في أي بلد لا يعكس حقيقة انتشار الغنى او الفقر فيه.

ويلفت سايز وزوكمان الى ان 90 في المئة من الأميركيين يملكون 22.8 في المئة من اجمالي الثروة القومية، فيما تتراوح ثروة العائلات التي تنتمي الى الـ9 في المئة الأغنى (أي من دون الواحد في المئة الأغنى) بين 600 ألف دولار و4 ملايين، أي 35.4 في المئة من عموم الثروة الأميركية، فيما تسيطر أغنى 1.6 مليون عائلة مع أصول لكل منها تتجاوز قيمتها 1.6 مليون دولار، على 42 في المئة من الثروة الوطنية.

ويتربع على قمة أغنى 1 في المئة من يشكلون 0.1 في المئة من الأميركيين، أي 160.700 عائلة، وتساوي ثروة هؤلاء وحدهم 22 في المئة من الثروة القومية الأميركية. ويلفت الباحثان ان الـ 0.1 في المئة الأغنى يملكون اليوم ما يوازي مدخول 1 في المئة من أغنى الاميركيين، ما يعني ان الهوة بين ثروات الأميركيين أوسع بعشر مرات من الهوة بين مداخيلهم.

وما يفاقم الأمر ان الولايات المتحدة تحل في المركز العاشر في انعدام المساواة بين 31 دولة متقدمة في المداخيل قبل الضرائب. اما بعد احتساب الضرائب وشبكات الرعاية الاجتماعية، فتصعد أميركا الى المركز الثاني في عدم المساواة في العالم خلف تشيلي.

ويعزو مؤيدو الحزب الديموقراطي من الليبراليين والتقدميين هذه المشكلة الى الرؤساء من الحزب الجمهوري اليميني، فيما يتهم الجمهوريون الديموقراطيين بكرههم للأغنياء، وبمحاولتهم استخدام ذراع الحكومة لتوزيع الثروات ونقل البلاد الى نظام اشتراكي. لكن مناصري الحزبين غالباً ما يشتركون في آرائهم وينقسمون على أنفسهم، مثل قيام معارضة مشتركة مؤلفة من أعتى اليسار وأقصى اليمين ضد معاهدتي الشراكة عبر الهادئ والأطلسي، ومطالبتها بحمايات للقطاعات الأميركية.

والواقع ان تصدر الولايات المتحدة دول العالم في اللامساواة لا يرتبط بالانقسام بين الديموقراطيين والجمهوريين، بل ينبع من رؤية مشتركة لدى الاثنين ترتكز على تمجيد الفرد على حساب المجموعة. ففي إحصاء اجراه «معهد بيو»، قال 57 في المئة من الأميركيين (مقارنة بـ 31 من الألمان مثلاً)، انهم «لا يعتقدون ان النجاح في الحياة تقرره عوامل خارجة» عن إرادة الفرد. هذا يعني ان الأميركيين، بغالبيتهم، يفضلون حرية السوق في شكل مطلق على حساب تدخل الدولة وتقديمها برامج حماية للأفراد وتشريعات «هندسة اجتماعية».

ومنذ أزمة العشرينات، قام رؤساء أميركا المتعاقبون بالعمل على ردم الهوة بين الأغنياء والفقراء، وكان أشهرهم الديموقراطيان فرانكلين روزفلت، صاحب «العقد الجديد»، وليندون جونسون، الذي قدم «المجتمع الجديد». وفي ولايات حكم روزفلت الأربع، أقرت واشنطن سلسلة من القوانين منعت الاحتكار والمضاربة في أسواق المال، وانشأت «صندوق الضمان الاجتماعي»، فيما أراد جونسون ان يخلق مجتمعاً جديداً يلغي فيه «الفقر واللاعدالة العرقية». وحتى الرؤساء الجمهوريون قدموا تشريعات وانشأوا وكالات تحمي المصلحة العامة في وجه المصالح الخاصة الكبيرة. فالجمهوري ريتشارد نيكسون هو الذي خلق في السبعينات «وكالة حماية البيئة»، التي يحاول الجمهوريون اليوم القضاء عليها لنسف قوانين تحديد الانبعاث الحراري.

ثم وصل الى الحكم الجمهوري رونالد ريغان، الذي أعلن ان «الحكومة هي المشكلة لا الحل في الاقتصاد»، وراح يقوض التشريعات السابقة الواحدة تلو الأخرى، حتى انه فكك برنامج المراحيض العامة. وأتاحت سياسات ريغان للمصالح الكبرى الانفلات من عقالها بغياب القوانين والرقابة، فراحت تعمل، لا ضد مصلحة المساحة العامة والبيئة فحسب، بل ضد الاتحادات العمالية التي يقترن اسم ريغان بالقضاء عليها.

على ان التغييرات التي سمحت بالعودة الى لا مساواة العشرينات حصلت فعلياً لأسباب خارج سيطرة الحكومات الأميركية المتعاقبة. فبين الثلاثينات والثمانينات، باستثناء بعض المنافسة من المانيا الصناعية قبل الحرب العالمية الثانية وخصوصاً في الخمسينات في ظل أوروبا ويابان مدمرتين ما جعل من أميركا مصنع العالم، تربعت اميركا على عرش الصناعة والتصدير، ما جعلها ثرية جداً وسمح لعمالها بأن ينظموا أنفسهم في اتحادات ويشاركوا في غنى الكبار، من دون ان تقلقهم منافسة.

لكن مع حلول السبعينات، عادت أوروبا واليابان، ما أدى الى بعض الكساد الأميركي، وتحولت الولايات الصناعية في الشمال الى ما عرف بـ «حزام الصدأ»، فيما صعدت ولايات الجنوب على ظهر الخدمات المالية في وقت انتقل اليها ما تبقى من مصانع بسبب غياب التشريعات التي تلحظ تشكيل اتحادات عمالية. ولأن الجنوب كان أكثر ريفية وتديناً، وجد أغنياء أميركا ضالتهم، فرحوا يمولون صعود اليمين المسيحي في الولايات التي حازت لقب «حزام الكتاب المقدس»، وانتقل الصراع السياسي من صراع بين رأس المال والعمال الى صراع بين مشاريع اجتماعية متضاربة تحركها عقائد دينية.

هكذا، أطل من عرف عام 2008 بـ «جو السمكري» مؤيداً للحزب الجمهوري ومعارضاً للديموقراطيين وتشريعاتهم التي تعزز وضع العمال وبرامج الرعاية الاجتماعية، وفي صدارتها «قانون الرعاية الصحية». ولكن لماذا يعارض السمكري، الأكثر حاجة الى رعاية صحية حكومية، برنامجاً يصب في مصلحته؟ اجابته كانت تكمن في معارضته للإجهاض و «حقوق المثليين».

الاثنين، 16 مارس، 2015

كيري متمسك بخروج الأسد

حسين عبدالحسين
المدن

قد تبدو التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركية، جون كيري، حول ضرورة الحوار مع الرئيس السوري بشار الأسد جديدة، لكنها في واقع الحال ليست إلا تكراراً لما دأبت واشنطن على قوله منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية حول ضرورة الحوار مع الأسد من أجل خروجه من السلطة وبقاء نظامه.

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام المختلفة سارعت إلى الاستنتاج أن المسؤول الأميركي لم يكرر ما يقوله المسؤولون الأميركيون عادة من أن الأسد فاقد للشرعية، لكن كيري ربط- في المقابلة نفسها- التفاوض "الاضطراري" مع الأسد ضمن مقررات "جنيف-١" بين واشنطن وموسكو، وهي أول وثيقة تحدثت عن العملية السياسية الانتقالية، وتفسّرها الحكومة الأميركية على أنها تعني حكماً خروج الأسد من السلطة، حتى أن كثيرين يعتبرون أن اتفاقية "جنيف-١" هي "أعلى سقفاً" من وثيقة "جنيف-٢"، التي شاركت في صياغتها المعارضة السورية.

ومثل كيري، بدت تصريحات مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي ايه)، جون برينان، الأسبوع الماضي، صريحة أكثر من العادة، أو فريدة من نوعها، لكن واقع الأمر يشي أن أحد أقرب المقربين إلى باراك أوباما، منذ كان يشغل منصب مستشار الرئيس لشؤون الإرهاب، لم يدلُ بما هو جديد، بل كرر ما مفاده أن واشنطن- النادمة على الإطاحة بصدام حسين ونظامه في العراق- لا تعتقد أن تغيير النظام في سوريا فكرة سديدة، بل أنها تعارضها، وتعمل على منع سقوط النظام.

لكن برينان لم يقل، ولا لحظة، أن حكومة بلاده متمسكة ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد، ولو سأل أحدهم برينان عن الأسد، لكرّر القول إن واشنطن تعتقد أنه فاقد للشرعية وأن عليه الرحيل من ضمن عملية انتقال سياسية. والتصريحان، أي التمسك بالنظام والقول بضرورة رحيل رئيسه، هما من ضمن "نقاط الكلام" التي يكررها مسؤولو الحكومة الأميركية تلقائياً وعلى كل المستويات.

"نقاط الكلام" الثابتة هذه تعكس الكثير من تفكير الإدارة الأميركية وسياستها تجاه سوريا، فمسؤولو الحكومة الأميركية لم يتلفّظوا، منذ اندلاع الثورة السورية ٢٠١١، بكلمة "ثورة" عند حديثهم عن سوريا، ولا هم أطلقوا كلمة "ثوار" على السوريين المطالبين برحيل الأسد ونظامه، بل تمسكت واشنطن بكلمات "أزمة سورية"، وأشارت إلى الثوار بقولها معارضين، وأضافت إلى المعارضين كلمة معارضين معتدلين، على اعتبار أن فئة من المعارضين السوريين، خصوصاً "جبهة النصرة"، هم من المعارضين المتطرفين.

إذاً، لا ترى الولايات المتحدة أن السوريين خرجوا فعلياً إلى الشوارع للمطالبة بتغيير نظامهم، على غرار انتفاضات الربيع العربي الأخرى، ولا تعتبر أن رحيل الأسد هو لتلبية مطالبهم، بل ترى أن رحيل الأسد هو لتلبية رؤية واشنطن للتخلص من "العنف المتطرف"، أي أن إقامة "حكومة جامعة" في سوريا -مثل إقامة حكومتي وحدة وطنية في العراق واليمن ترافقتا مع خروج الحاكم السابق من السلطة- هي جزء من "مكافحة التطرف"، ولا ترتبط بأي طموحات تعبر عن هذه الشعوب لتغيير حكوماتها والسعي لمستقبل أفضل.

ويصرّ أوباما أن استراتيجيته هي الافضل، وهو كال لها المديح متباهياً أثناء خطابه، العام الماضي، أمام أكاديمية وست بوينت العسكرية، عندما قدم اليمن نموذجاً للشراكة مع حكومة وحدة وطنية وقوات ارضية محلية تقضي على المتطرفين، وها هو اليمن المفتت اليوم مثالٌ على نجاح أوباما المزعوم وعلى سؤدد أرائه وأفكاره لمعالجة أزمات الإرهاب في سوريا والعراق واليمن.

لكن مسؤولي أوباما يعرفون أن سياسة رئيسهم "أونطة"، ويعلمون أن أوباما ليس جاداً حتى في مكافحة الإرهاب، بل هو دفع حكومته إلى التلاعب بالألفاظ، بدلاً من تقديم سياسات فعالة، فصارت الثورة السورية أزمة سورية، وصارت الحرب على الإرهاب "مكافحة العنف المتطرف"، وتحول الثوار السوريين إلى معارضين، والمعارضين إلى ناشطين لا يسعون إلا إلى حفنة من المناصب الوزارية في حكومة وحدة مع نفس النظام الذي يشبعهم عنفاً.

ومن كبار المسؤولين الأميركيين من عملوا عن كثب مع عشائر غرب العراق، ويعرفون طبيعة السكان والأرض، ويعلمون أن لا سبيل لفوز فريق على آخر، وأنه لا يمكن القضاء على الإرهاب من دون استمالة السكان المحليين، وهؤلاء لا يمكن استمالتهم ماداموا يشعرون بالغبن، ويشعرون أن فريقهم، المحلي والإقليمي، مهزوم أمام الفرق المنافسة. هؤلاء المسؤولون الأميركيون أنفسهم هم من يجوبون عواصم العالم لتسويق سياسات في العلن يعلمون في السر أنها مضيعة للوقت.

لهذه الأسباب، أطلق مسؤولو أوباما على الثورة السورية تسمية "أزمة"، ربما لأن الثورة تعني التغيير نحو الأفضل وتحتاج إلى تضحيات وصبر، بينما الأزمة تعني مشكلة آنية يمكن العمل على تقديم الحلول لها عن طريق "تبويس" اللحى و"تطييب" الخواطر. أما إن تعذرت هذه الحلول، يمكن وقتذاك إدارة "الأزمة السورية" بالتي هي أحسن، أو الانتظار إلى أن تحل الأزمة نفسها، أو حتى يخرج الرئيس الأميركي من الحكم من دون إنفاق أي رصيد سياسي مطلوب لإعطاء الثورة السورية القوة اللازمة لإيصالها إلى ختامها.

ولهذه الأسباب أيضاً نرى المسؤولين الأميركيين يتراقصون في تصريحاتهم ويتلاعبون في الألفاظ، لكن واقع الحال هو أن أميركا ليست مستعدة لفعل أكثر مما تفعله، وهو العمل على تقليص -لا إلغاء- تنظيم "الدولة الإسلامية"، وإقامة مهرجانات دبلوماسية حول مصير الأسد. في الحالتين، إضاعة للوقت حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ويخرج أوباما من الحكم، ويسلم سياسته الخارجية لخلفه مع أقل ضرر ممكن لرصيده السياسي، ولصورته، التي سيرسمها المؤرخون الأميركيون مستقبلاً.

الجمعة، 13 مارس، 2015

كيري: قادة الخليج يفضّلون الديبلوماسية لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية

واشنطن - من حسين عبدالحسين
جريدة الراي

كشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري انه اثناء زيارته الأخيرة الى الخليج، سمع من القادة الخليجيين تأييدهم للمجهود الأميركي «الديبلوماسي» مع إيران لمنعها من حيازة قنبلة نووية.

وفي جلسة استماع، امام «لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ»، طالت أكثر من 3 ساعات، أوضح كيري: «في سورية، كما في العراق، هدفنا هو دعم قيادة فعاّلة وجامعة في بلد أكثر استقرارا، حيث العنف المتطرف لا يشكل تهديدا رئيسا، ما يمكّن اللاجئين من العودة الى ديارهم وعيش حياة طبيعية».

وجاءت تصريحات كيري في إطار جهد القوة الضاربة في فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما لإقناع الكونغرس بضرورة تبني إقرار قانون يخوّل الحكومة استخدام القوة المسلحة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) بدلا من استخدامها حاليا على أساس قانوني حربيْ العراق وأفغانستان لمكافحة الإرهاب.

كما يأتي تصريح كيري في وقت لم تعد فيه إدارة أوباما تتظاهر انها تسعى الى حل في سورية يتزامن فيه القضاء على التنظيم مع خروج الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، حسبما يصر حلفاؤها في انقرة والرياض، بل صارت نظرة كبار المسؤولين في الحكومة الأميركية الى الحل السوري متطابقة مع رؤية نظرائهم الإيرانيين والروس، المتضمنة تقديم أولوية القضاء على الإرهاب على البحث في مصير الأسد.

واضافة الى كيري، الذي أمضى 3 عقود في مجلس الشيوخ حيث مازال يتمتع بعلاقات وطيدة، أرسل أوباما الى الجلسة أيضا وزير دفاعه المعيّن أخيرا آشتون كارتر، الذي كان قد نال ما يشبه الاجماع في مجلس الشيوخ اثناء الموافقة على تعيينه، بسبب علاقاته المتينة بالمشرّعين. ومع وزيريْ خارجيته ودفاعه، أرسل أوباما رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي، الذي يحظى بسمعة طيبة لدى الكونغرس بصورة عامة كما لدى الرأي العام الأميركي.

المشرّعون الجمهوريون بدوا أكثر تأييدا للموافقة على قانون جديد للحرب ضد «داعش»، غالبا بسبب موقفهم المؤيد لسياسة خارجية أميركية أكثر فعالية واعتمادا على القوة، ثم لاعتقادهم بأن حصول أوباما على قانون من هذا النوع يبرّر ما فعله الحزب الجمهوري والرئيس السابق جورج بوش في استصداره قوانين مماثلة ولجوئه الى القوة العسكرية للتعامل مع الإرهاب في الشرق الأوسط.

وللأسباب نفسها التي جعلت الجمهوريين يؤيدون قانون أوباما الجديد، عارضه الديموقراطيون الذين يعتقدون ان استصدار قوانين من هذا النوع واستخدام القوة العسكرية، خصوصا قوات أرضية للقضاء على «داعش» في العراق وسورية، من شأنه ان يقضي على موقفهم السياسي الذي نسجوه عبر سنوات وتمحور حول معارضتهم لحربيْ العراق وأفغانستان.

وعلمت «الراي» انه في النقاش الدائر في اللقاءات المغلقة بين فريق أوباما والمشرّعين من حزبه الديموقراطي، نصح أعضاء الكونغرس من الديموقراطيين الرئيس الأميركي بالذهاب الى الحرب ضد «داعش» من دونهم حتى لا يغرقوا معه سياسيا في وحول حرب جديدة. ونقل متابعون لمسار المفاوضات داخل الحزب الديموقراطي ان المشرّعين قالوا للحكومة ان المتبقى في حكم الرئيس سنة ونصف السنة، وان لديه الصلاحية للاستمرار باستخدام القوة حسب القانونيْن السابقيْن، وان لا مصلحة سياسية لهم بتأييد قانون جديد للحرب من الممكن ان يؤذيهم بين ناخبيهم في انتخابات 2016.

وسيطر شبح الاتفاقية المحتملة بين أميركا وإيران على مجريات جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ،، وبدا التوتر جليا، خصوصا في مشادّة كلامية بين كيري ونجم الجمهوريين الصاعد والمرشح الرئاسي المحتمل السناتور فلوريدا ماركو روبيو الذي توجه الى كيري بالقول: «اعتقد ان الجزء الأكبر من إستراتيجيتنا في ما يتعلق بـ (داعش) مدفوعة بعدم إغضاب إيران حتى لا تترك طاولة المفاوضات والاتفاقية التي تعملون عليها».

ويبدو ان من لقّن روبيو هذه الفكرة لم يفطن ان يلفت نظره الى ان اميركا وإيران تتفقان في رؤيتهما للحرب ضد «داعش»، انما ما تجاري واشنطن طهران به هو عدم تعرّض الولايات المتحدة للأسد، الذي أعلنت واشنطن انها ترغب في رؤيته يرحل، وهذه نقطة خلاف مع إيران المتمسّكة ببقائه. لكن بسبب المفاوضات، جارت اميركا إيران في موضوع بقاء الأسد، لا في موضوع الحرب ضد «داعش».

وأضاف روبيو: «قل لي اين كنت مخطئا في ذلك؟»، فأجاب كيري: «(مخطئ) لأن الوقائع تناقض ذلك»، مضيفا ان الإيرانيين «يرحبون بقصفنا لـ (داعش)، بل هم في الواقع يريدوننا ان ندمر (داعش)، لأنه خطر عليهم، وخطر على كل المنطقة، واعتقد أنك تخطئ في قراءتك...بل اعتقد حضرة السناتور انك مخطئ تماما، تماما».

وتابع كيري: «عدت لتوّي من الخليج حيث اجتمعت مع كل أعضاء دول مجلس (التعاون)، جلسوا كلهم حول الطاولة وعبروا عن دعمهم لما نفعله، وهم يعتقدون ان من الاحسن منع (الإيرانيين) من الحصول على القنبلة (النووية) ديبلوماسيا».

وعلى غرار كيري، ابدى كارتر وديمبسي إيجابية تجاه الدور الإيراني، فوصف ديمبسي المجهود الإيراني لإلحاق الهزيمة بـ (داعش) بـ «التطور الإيجابي»، فيما قال كارتر: «لا يمكنني ان اتخيل أن قصفنا لـ (داعش) غير مرحّب به لدى الإيرانيين».



الأربعاء، 11 مارس، 2015

أوباما يأمل الإطاحة بنتنياهو لتحقيق «اختراق سلمي»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يراهن الرئيس باراك أوباما على هزيمة رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، المقررة الثلاثاء المقبل، لإعادة إطلاق عملية السلام العربية - الإسرائيلية المتعثرة منذ سنوات، بل ان الرئيس الأميركي دفع بأبرز مساعديه الى السفر الى إسرائيل للمساعدة في اسقاط نتنياهو، ما دفع الأخير الى القول، في مقابلة، اول من أمس، ان هناك «مجهودا عالميا ضخما للإطاحة بحكومة» حزب ليكود الذي يرأسه.

وكان جيريمي بيرد، وهو من أبرز مهندسي نصر أوباما في حملة إعادة انتخابه لولاية ثانية في العام 2012، انتقل الى إسرائيل للمشاركة في تقديم النصح الى مجموعة «صوت واحد» الإسرائيلية، المؤيدة لسلام مع الفلسطينيين والمعارضة تاليا لاستمرار نتنياهو في الحكم.

ويملك بيرد مؤسسة «استراتيجيات 270»، وهو عدد الأصوات المطلوبة في «الكلية الانتخابية» لإنجاح مرشح الى الرئاسة الأميركية، وهو وصل الى إسرائيل في يناير الماضي للمشاركة في العمل الانتخابي مع «صوت واحد».

و«صوت واحد» هي جمعية إسرائيلية تسعى الى إعادة تحفيز الإسرائيليين للانخراط في عملية مفاوضات مع الفلسطينيين تفضي الى معاهدة سلام بين الاثنين مبنية على سيناريو الدولتين.

ومع ضعف نتنياهو، الذي اعتقد انه يمكنه الاستنجاد بالقوة الإسرائيلية في واشنطن لتصوير نفسه حامي اليهود في وجه الخطر الإيراني وإظهار نفسه بمثابة الرجل القوي الذي لا يخشى مواجهة الرئيس الأميركي، ومع تزايد المجهود الأميركي ضد نتنياهو ديبلوماسيا وعلى الأرض في إسرائيل كما في مشاركة بيرد وآخرين في دعم المعارضة الإسرائيلية في الانتخابات، لم يأت مفاجأة تقدم اسحق هرتزوغ في استطلاعات الرأي الإسرائيلية قبل أيام من موعدها.

وهرتزوغ هو رئيس حزب العمل المعارض، وهو أسس مع كبيرة المفاوضين الإسرائيليين تسيبي ليفني كيانا انتخابيا واحدا يحمل اسم «الاتحاد الصهيوني»، الذي يبدو ان الفرصة بدأت تلوح له للفوز بأكبر عدد مقاعد في الكنيست، وتاليا إلحاق الهزيمة بنتنياهو وتشكيل حكومة بدلا عنه. كما يبدو ان هزيمة نتنياهو، البالغ من العمر 65 عاما، ستفرض عليه الخروج الى التقاعد، على عكس خسارته في التسعينات.

وهذه هي المرة الثانية التي يجد فيها نتنياهو نفسه في مواجهة مع رئيس الولايات المتحدة على أبواب الانتخابات الإسرائيلية، اذ هو وقف في الموقف نفسه في التسعينات في وجه الرئيس السابق بيل كلينتون، الذي كأوباما لم يخجل من تدخله علنا لمصلحة معارض نتنياهو حينذاك رئيس حزب العمل ايهود باراك.

وبعد استبدال نتنياهو بباراك، نجحت واشنطن في احداث اختراقات عدة على طريق عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، حتى قيام زعيم ليكود والمعارضة ارييل شارون بزيارة الى المسجد الأقصى فجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية واطاحت بباراك وحكومته، وخرج كلينتون من البيت الأبيض بعدها بقليل.

ويأمل أوباما ان يكرر تجربة كلينتون في الإطاحة بالرجل نفسه، أي نتنياهو، واستبداله برئيس حكومة يمكن العمل معه لدفع حل الدولتين قدما.

وبدأ الرئيس الأميركي فعليا استعداداته لرحيل نتنياهو، فنقلت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس عضو المجلس روبرت مالي من موقعه مسؤولا عن «إيران والعراق وسورية والخليج العربي» وعينته مسؤولا لمفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، ابتداء من السادس من الشهر المقبل.

ومن نافل القول ان مالي سيجد نفسه عاطلا عن العمل في حال إعادة انتخاب نتنياهو الى ولاية رابعة. لكن يبدو ان فريق أوباما يتأمل خروج رئيس الحكومة الحالي، ويعتقد ان ذلك سيعطي إمكانية حقيقية لتحقيق اختراقات على المسار السلمي عن طريق العمل مع فريق هرتزوغ – ليفني، الأكثر اعتدالا من نتنياهو.

وكان مالي شارك في المفاوضات النووية مع إيران في الآونة الاخيرة. وترى أوساط البيت الأبيض ان التوصل الى اتفاقية مع الإيرانيين، بعد حلول هرتزوغ مكان نتنياهو، من شأنها ان تقدم المزيد من الضمانات لدفع السلام قدما بالتنسيق مع دول المنطقة جميعها، خصوصا إيران التي كانت تعارض في الماضي وتعرقل المساعي السلمية.

خمسة أيام تفصل اميركا والعالم عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وتسعة أيام بعدها لمعرفة مصير الاتفاقية النووية مع إيران، وأوباما يرهن إنجازاته في السياسة الخارجية في هذين الامرين، فإما ينجح في واحدة منهما، او في الاثنين، أو يفشل في كلتيهما، مع ما يعني ذلك من تصعيد يقوده رئيس حكومة إسرائيلي على عداء مع رئيس اميركا، ولا تخفف منه إيران، خصوصا في حال انهيار المفاوضات معها وبقاء العقوبات الدولية عليها، بل ربما إقرار الكونغرس عقوبات جديدة.

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

غالبيّة الأميركيين لا تستوعب الفرق بين سياسات الحكومة والكونغرس و «المركزي»

حسين عبدالحسين - واشنطن

في الولايات المتحدة سياستان، اقتصادية تقودها الحكومة والكونغرس عبر سياسات حوافز وضرائب وتشريعات، ومالية يقودها الاحتياط الفيديرالي المستقل في قراره عن الدولة. ويندر أن تفطن غالبية الأميركيين إلى الفرق بين الإثنين، إذ تفرد صفحات الإعلام المكتوب على سبيل المثال، صفحات ما تسميه أعمالاً، لكنها غالباً ما تدرج مقالات عن الاقتصاد في الصفحات ذاتها.

أما الإعلام المرئي والمسموع، فهو غالباً ما يقدم أرقام الاقتصاد الصادرة عن الوزارات، مثل نسب نمو الناتج المحلي والبطالة، ممزوجة بأخبار أسواق المال والأسهم من دون التمييز بين الإثنين.

لكن الفارق شاسع، وعلى رغم الارتباط الوثيق بينهما، يحدث بين الفينة والأخرى افتراق، إذ بالكاد بلغ النمو الاقتصادي الأميركي الصفر في الربع الأول من العام الماضي. فيما كانت أسواق الأسهم تحقق أرباحاً قياسية والعكس بالعكس، لأن إشاعات تؤدي إلى الإطاحة بالأسهم، على رغم متانة الأداء الاقتصادي في الفترة ذاتها.

ومنذ اندلاع الركود الكبير في أيلول (سبتمبر) 2008، أدى مجلس الاحتياط الفيديرالي دوراً لم يسبق لبنك مركزي أن اضطلع به، في وقت تخلّفت المصارف المركزية الأوروبية عن القيام بدور مشابه، ما دفع النمو الأميركي قدماً وأدى الى تأخير نظيره الأوروبي، حتى رأى المصرف المركزي الأوروبي أنه مجبر على اللحاق بخطوات سبقه إليها «المركزي» الأميركي بسنوات.

أما سبب الانخراط غير المسبوق للاحتياط الفيديرالي في مواجهة «الركود الكبير»، فيعود إلى طبيعة الركود الذي سببته أزمة مالية كانت في طور النشوء منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، إثر إلغاء إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون تشريعات كانت تمنع البنوك من استخدام أموال المودعين للمضاربة في أسواق الأسهم. ومنذ ذلك الحين، تتسابق البنوك والمؤسسات المالية وحتى الشركات الصناعية في سوق الأسهم تحقيقاً للربح.

وفي هذا السياق، قال الرئيس السابق لمجلس الاحتياط آلن غرينسبان في كتابه «المجازفة والطبيعة الإنسانية ومستقبل التنبؤ الاقتصادي»، إن «الوضع الأميركي قبل عام 2008 تحوّل إلى ما يشبه لعبة «الكراسي والموسيقى»، فراحت كل المؤسسات تضارب وخلقت فقاعة في سوق الأسهم. لكنها لم تخرج من اللعبة، على رغم إدراكها الأخطار، خشية تخلّفها عن تحقيق أرباح يخطفها المنافسون». واستمرت المضاربة والمجازفة إلى أن انفجرت الفقاعة، وتبين أن جزءاً كبيراً من الأرباح كان وهمياً.

عندما هدأ الوضع وطرحت المؤسسات أسهمها، تبين ألا أرصدة مالية حقيقية متوافرة لشراء هذه الأسهم، ما خلق أزمة سيولة ضخمة، فتدخل الاحتياط الفيديرالي وقدّم كميات من النقد حملتها شاحنات كبيرة الى أقبية البنوك في نيويورك، وضخّ نحو 15 بليون دولار، ساهمت في تضييق الهوة بين السعر الوهمي والنقد المتوافر للسعر الجديد لمنع الانهيار التام.

تلك كانت المرة الأولى التي يتخلى فيها «المركزي» الأميركي عن قلقه من التضخم، بعدما أمضى غرينسبان عقدين وهو يحاول مكافحته وإبقاءه في حدود 2 في المئة سنوياً، خوفاً من تكرار أزمة «الركود والتضخم» (ستاغفلايشن) التي ضربت البلاد في السبعينات.

بعد نجاح التجربة في وقف الانهيار التام، وجد الاحتياط الفيديرالي نفسه في موقع القادر على امتصاص ضربة «الركود الكبير» في شكل أوسع، فأعلن شراء سندات بمزيد من النقد المطبوع فيما عُرف بـ «التيسير الكمي». وفي وقت لاحق، حوّل الدفعات العشوائية إلى شهرية، ولم يتوقف البرنامج حتى تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بعدما راكم المصرف 4.5 تريليون دولار من الديون المكتتبة من محفظته.

أما الأداة المالية الثانية التي استخدمها «المركزي» الأميركي، فكانت أكثر تقليدية، وقضت بإبقاء الفائدة على السندات القصيرة الأمد في أدنى نسب ممكنة لتشجيع رأس المال على تفادي الإيداع والتوظيف في قطاعات من شأنها المساهمة في النمو.

وعلى مدى السنوات الست التالية لركود عام 2008، دأب مسؤولون في الاحتياط الفيديرالي على القول، إن لا إمكان لإعادة الاقتصاد الى النمو من طريق السياسة المالية وحدها، بل المطلوب أن تترافق مع سياسات اقتصادية. فراحت إذ ذاك الحكومة الأميركية بالتنسيق مع الكونغرس، تعمل على خفض عجز الخزينة السنوي بواقع الثلث، ورفع الضرائب وتشجيع الصناعة والتصدير. في وقت ساهم «التيسير الكمي» والفوائد المنخفضة في إبقاء سعر الدولار متدنياً عالمياً، ما شجّع الصادرات الأميركية وقلّص الواردات، تراجع العجز التجاري وساهم ذلك في مزيد من النمو.

ولم يساهم فائض النقد في نمو الصناعة والصادرات فحسب، بل دفع الشركات الى الاستدانة بسبب انخفاض الفائدة، لتسديد عائدات لأصحاب الأسهم. كما استخدم المضاربون «المال الرخيص»، وفق التعبير المتداول في أميركا، لتوسيع استثماراتهم في سوق الأسهم، ما رفعها الى مستويات لم تشهدها منذ التسعينات.

لكن ارتباط البورصة بالاقتصاد الأميركي اعتباطي في أحسن الأحوال، والأمثلة على ذلك كثيرة. إذ عندما استفحلت أزمة معارضة الجمهوريين رفع سقف الدَين العام الأميركي مهدِّدة واشنطن بالتخلّف عن دفع مستحقاتها بما في ذلك خدمة ديونها، انخفضت الأسهم الأميركية في شكل كبير بسبب التقارير السياسية. وطاول الانخفاض الفوائد على السندات في الوقت ذاته، فسحب المستثمرون أموالهم من البورصة وأقبلوا على شراء سندات حكومية بسبب خوفهم من الخلافات السياسية وثقتهم في الحكومة، على رغم أن الأزمة كانت حكومية. وكان مفترضاً سحب الدائنين أموالهم من السندات الحكومية، لاهتزاز الثقة في قدرة الخزينة على الوفاء بديونها، وإيداعها في البورصة فترتفع الأسهم.

ويعود ارتفاع الأسهم الأميركية في السنوات الماضية إلى تكاتف عدد من الأسباب، منها عودة الشركات الى تحقيق أرباح ما يدفع المستثمرين الى الإقبال على أسهمها. كما أدى توفير الاحتياط الفيديرالي «مالاً رخيصاً» بإبقائه الفائدة منخفضة، إلى رفع قيمة الأسهم.

لكن قوة الاقتصاد الأميركي والأسهم رفعت الإقبال العالمي على الدولار، ما أدى الى ارتفاعه الى مستويات قياسية لم يشهدها منذ 11 سنة. ومع ارتفاع قيمة الدولار، يُتوقع أن تتراجع الصادرات ويرتفع العجز التجاري ما يساهم في إبطاء النمو، أي مزيداً من التباطؤ للشركات وأسهمها في البورصة. وإذا قام المصرف المركزي برفع الفائدة، فقد يرى المستثمرون عائدات أكبر وأضمن في الإيداع والسندات، فيؤدي ذلك إلى ضمور في الاستثمار في الأسواق المالية وتالياً تراجعها، وهو مؤشر الى صحة الاقتصاد.

أما أن تتراجع المؤشرات الاقتصادية الأميركية وتنمو البورصة وحدها، فذلك مؤشر إلى فقاعة مشابهة لعام 2008، وهو تباين في حال حصل سيكون مصدر قلق لكثر، أولهم الاحتياط الفيديرالي الذي تساهم سياساته في رفع الأسهم الأميركية في الأساس، ما يعزز حتمية رفعه الفوائد لكبحها. ثم تدور العجلة الاقتصادية مجدداً بين ارتفاع وانخفاض.

الاثنين، 9 مارس، 2015

واشنطن : مسؤولو ملف سوريا يتركون مناصبهم تباعا

حسين عبدالحسين

في أقل من أسبوع، شغر أرفع منصبين مسؤولين عن ملف سوريا في إدارة الرئيس باراك أوباما. في "مجلس الأمن القومي"، أعلنت رئيسته سوزان رايس انتقال مسؤول "إيران، والعراق، وسوريا، ودول الخليج" روبرت مالي ليصبح مسؤولا عن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي وزارة الخارجية، سرت انباء عن ترشيح مسؤول سوريا، دانيال روبنستين، لمنصب سفير أميركا في تونس، حسب موقع انباء بولمبيرغ. أما الجنرال جون آلن، المبعوث الرئاسي للتحالف الدولي للحرب ضد "تنظيم الدولة الإسلامية"، فأعلن مراراً ان اهتمامه ينصب على الشق العراقي من دون السوري.

هكذا، أصبحت المسألة السورية، كما في العالم كذلك في العاصمة الأميركية، يتيمة، ومن دون مسؤولين ذوي نفوذ في الإدارة يتابعونها، او يهتمون بتطوراتها، او يلفتون نظر الرئيس باراك أوباما وكبار مساعديه اليها. وهكذا، اكتملت عملية تلزيم ملف الازمة السورية الى روسيا وإيران، ومن دون أي خجل او وجل أميركي.

سبب نقص الاهتمام الأميركي ينبع من أوباما نفسه، الذي تسببت لا مبالاته بالمعاناة السورية برحيل الرعيل الأول من الديبلوماسيين الأكثر حنكة وتأثيراً في الرأي الأميركي داخل واشنطن، ففرد هوف، الذي عينه المبعوث الرئاسي لمفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، جورج ميتشل، مسؤولاً للمسار السوري، وجد نفسه فجأة من دون مسار وأمام ثورة شعبية اندلعت في وجه الرئيس السوري بشار الأسد وحكمه، فتحول هوف الى ديبلوماسي مسؤول عن ضبط الإيقاع الأوروبي تجاه سوريا، ونجح بدعم من وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في استصدار عقوبات على الأسد وقطاعه النفطي.

إلى جانب هوف، عمل مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، جيفري فيلتمان، على ضبط إيقاع الدول العربية وتوحيد صفوفها، فنجحت الأخيرة في طرد الأسد من "جامعة الدول العربية"، وأطلقت مبادرات بالاشتراك مع الأمم المتحدة للتوصل الى وقف إطلاق نار كمقدمة لانتقال سياسي يؤدي الى خروج الأسد من الحكم.

ومع هوف وفيلتمان عمل السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، الذي قام بنشاط قارب المجازفة بأمنه عندما زار حماة المنتفضة، فرماه الحمويون بالورود. كما زار مجلس عزاء غياث مطر في دمشق في تحد للأسد ونظامه، قبل ان تجبره وكالات الاستخبارات الأميركية على الخروج من سوريا خوفاً على أمنه.

وهوف كان من المخضرمين في المسألة اللبنانية والسورية، بينما سبق لفيلتمان أن عمل سفيراً أميركياً في لبنان، فضلاً عن عمله في عواصم عربية متعددة قبل ذلك. أما فورد، فهو من المستعربين في وزارة الخارجية ممن لعبوا دوراً محورياً في مواكبة عملية "زيادة القوات" في العراق وبناء "قوات الصحوة" من عشائر غرب العراق، حيث نجح التحالف بين الاثنين في القضاء على "تنظيم القاعدة في العراق"، وأنهى الحرب الأهلية هناك.

وحمل الديبلوماسيون المخضرمون الثلاثة هوف وفيلتمان وفورد لقب سفير، وتمتعوا برصيد داخلي وخارجي، ونجحوا في إجبار الأسد على "الوقوف على قدمه الخلفية"، حسب التعبير السائد هنا. لكن جهود هؤلاء الثلاثة، مقترنة بتوصيات كلينتون ومن بعدها خلفها جون كيري – ونجم حرب العراق ومدير "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي ايه) آنذاك دايفيد بترايوس – لتسليح ثوار سوريا، اصطدمت بعناد أوباما، الذي أصر على تبني المقاربات الروسية والإيرانية لحل سياسي مزعوم.

في وجه الجدار الأوبامي، أصاب الإحباط كل العاملين على الأزمة السورية، فخرجوا الى التقاعد على التوالي. وبعد خروجهم، تحول هوف وفورد الى أكبر مؤيدَين لثوار سوريا ولتسليحهم، مهاجمين إدارة أوباما وسياسات سبق ان اجبروا ان يدافعوا عنها بحكم وظيفتهم. وحده فيلتمان، الذي أصبح مستشار أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية، بقي أميناً على تنفيذ سياسة أوباما، فزار طهران والتقى مرشد الثورة علي خامنئي، ولعب دوراً محورياً في تدبير دعوة أممية الى إيران لحضورها مؤتمر جنيف الثاني، وهو حضور لم يحصل بسبب رفض المعارضة السورية للأمر.

على أن من يعرفون فيلتمان يعرفون ان قلبه وعقله مع الثوار، وان الدور الذي يقوم به هو امانة لمنصبه. ربما بعد تقاعده، يتحول فيلتمان، مثل هوف وفورد من قبله، الى مؤيد لثوار سوريا وتسليحهم، ولكن بعد فقدانه أي دور مؤثر في صناعة السياستين الأممية والأميركية.

وبعد خروج ثلاثي هوف – فيلتمان – فورد، حل مكانهم جيل من الديبلوماسيين الاميركيين الأحدث عهداً والأقل وزناً، فجاء مكان فورد، الديبلوماسي المستعرب دانيال روبنستين مسؤولاً عن سوريا. لكن روبنستين لا يحمل صفة سفير، والخارجية ككل دورها مهمش منذ خروج كلينتون لمصلحة مجلس الأمن القومي، حيث حل صديق الأسد روبرت مالي مسؤولاً عن الملف السوري.

وفيما كان كيري يسلم ملف سوريا الى نظيره الروسي سيرغي لافروف، كان مالي يشارك في المفاوضات النووية مع إيران ليسلم ما تبقى من ملف سوريا الى إيران. ويبدو أن منصب سفير في تونس لاح في الأفق، فرأى روبنستين فرصة في اغتنامه بدلاً من بقائه من دون دور في الشأن السوري. أما مالي، الذي من المفترض ان يكون أنهى دور تسليمه سوريا الى إيران مع حلول نهاية الشهر الحالي، موعد توقيع اتفاقية مضمرة او معلنة مع طهران، فيصبح مسؤولاً عن ملف مفاوضات السلام بدءاً من السادس من الشهر المقبل.

هكذا، يصبح الملف السوري في الحكومة الأميركية من دون مسؤولين عنه، بعدما تم تخفيض درجة المسؤولين في مرحلة سابقة. وهكذا، لا عجب أن لا سياسة أميركية – أو عربية أو عالمية – تجاه الأزمة السورية، ما يجعل مصير الثوار في مهب الرياح، ويجعله في أيديهم وحدهم امام قوة إيران وروسيا وحلفائهما السوريين واللبنانيين المقاتلين على الأرض السورية.

الأحد، 8 مارس، 2015

أوباما يواجه مشكلة في تسويق اتفاق مع إيران لضعف مصداقيته في السياسة الخارجية

حسين عبدالحسين

تتناقل الأوساط السياسية الأميركية من الحزبين، حزب الرئيس باراك أوباما الديموقراطي والحزب الجمهوري المعارض، ان مشكلة تسويق الرئيس الأميركي لأي اتفاقية مع الإيرانيين تكمن في أسباب ثلاثة أولها التنافس الحزبي، الذي يختلط مع نفوذ ودور إسرائيل واصدقائها في واشنطن، وثانيها صورة أوباما وكأنه يريد اتفاقية مع إيران بأي ثمن، وثالثها تاريخ أوباما المتعثر في السياسة الخارجية منذ توليه الحكم مطلع العام 2009.

وكتب جوناثان برودر في مجلة «نيوزويك» ان «لجنة العلاقات العامة الأميركية – الإسرائيلية»، أي اللوبي الإسرائيلي المعروف بـ «ايباك»، تجد نفسها في موقف حرج، فمن جهة يطالبها الجمهوريون باستخدام نفوذها الهائل لنسف الاتفاقية المتوقعة مع طهران، فيما يمارس البيت الأبيض ضغطا كبيرا على هذا اللوبي كي «لا يضع مصالح إسرائيل امام مصالح أميركا»، أي ان يأخذ جانب أوباما في مواجهته مع نتنياهو.

مشكلة أوباما الثانية، حسب الأوساط الأميركية، تكمن في ظهوره في مظهر الضعيف امام الإيرانيين، ففضلا عن التقارير التي اشارت إلى ان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي طلب من وزير خارجيته محمد جواد ظريف التوقف عن الصراخ في وجه نظيره الأميركي جون كيري وتأنيبه اثناء الجولات التفاوضية، اقتبس موقع مجلة «ويكلي ستاندرد»، المحسوبة على تيار «المحافظين الجدد»، عن مواقع إعلامية إيرانية تقارير جاء فيها ان «أوباما يائس من اجل التوصل لاتفاقية نووية» مع إيران.

اما مشكلة أوباما الأخيرة، حسب الخبراء الاميركيين، فتكمن في ضعف مصداقيته في السياسة الخارجية عموما منذ تسلمه مقاليد الحكم في العام 2009.

في هذا السياق، تساءل مسؤول صفحة الرأي في صحيفة «واشنطن بوست» فرد هايات، وهو من الديموقراطيين: «هل يمكن لأوباما تسويق اتفاقية مع إيران هنا (في أميركا)؟» ليجيب انه يمكن الدفاع عن هكذا اتفاقية بالقول انها اهون الشرور، وان البديل الوحيد عنها هو الحل عسكري، وان هذا الأخير قد يكون «مؤقتا وغير مجد».

وقدم هايات ست محطات، قال انها اضعفت مصداقية أوباما في السياسة الخارجية، تصدرها قراره في العام 2011 بالانسحاب الكامل من العراق، وإعلانه دولة «مستقرة وآمنة وقادرة على الاعتماد على نفسها»، فيما تبين في وقت لاحق ان ذاك كان قرارا غير صائب، «فالعراق اليوم في مأزق، مع خلافة مجرمة تحتل معظم أراضيه وميليشيات شيعية مفترسة تجوب معظم ما تبقى منه».

في السنة نفسها، يقول هايات، وعد أوباما بان التدخل في ليبيا سيكون نموذجا للشراكة الدولية ومساعدة الليبيين، فيما يجد الليبيون أنفسهم اليوم وقد تخلى عنهم حلف الأطلسي وأميركا وهم يعيشون في حرب أهلية مع «حكومتين، واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، وبينهما إرهابيون إسلاميون».

المأخذ الثالث للكاتب على الرئيس الأميركي هو قوله التالي: «يمكن لبعض الدول ان تشيح بوجهها عندما ترى اعمالا وحشية في بلدان أخرى، لكن الولايات المتحدة الأميركية مختلفة، وكرئيس، أرفض ان انتظر لأرى صور المذابح والقبور الجماعية قبل ان أقوم بعمل ما». كان ذلك التصريح «قبل براميل متفجرات ديكتاتور سورية بشار الأسد، والتعذيب الممنهج في سجونه والموثق» في حرب أدت الى مقتل أكثر من 200 ألف سوري، وشردت الملايين.

في أغسطس 2011، يقول هايات انه في احدى الجلسات المغلقة مع الصحافيين، قال مسؤول رفيع في الإدارة: «نحن متأكدون ان الأسد في طريقه الى خارج الحكم». اما أوباما فقال ان «أسوأ هجوم كيماوي في القرن الحادي والعشرين تجب مواجهته، لذا قررت ان الولايات المتحدة ستقوم بعمل عسكري ضد اهداف تابعة للنظام السوري». يتابع هايات: «لم يتم القيام بعمل عسكري، وبقي الأسد في الحكم».

المأخذ الخامس، يكتب هايات، قول أوباما في سبتمبر الماضي ان «استراتيجيته الهادفة لإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية» مبنية على نموذج استراتيجية اميركا في اليمن. بعد ذلك بقليل، حسب الكاتب الأميركي، «نجحت ثورة تدعمها إيران بالإطاحة بالحكومة اليمنية المؤيدة لأميركا، ما اجبر الولايات المتحدة على هجر سفارتها ومعظم عملية مكافحة الإرهاب في اليمن».

ويتابع هايات ان أوباما قدم سياسته في أوكرانيا على انها انتصار ونجاح، حتى تبين ان القوات الروسية توغلت أكثر داخل أوكرانيا وصارت تسيطر على عشرين في المئة من أراضيها.

ويختم الكاتب الأميركي بالقول: «بمعظم المقاييس، لم يصبح العالم مكانا أكثر امنا خلال ولاية أوباما، فالمتطرفون الإسلاميون اقوى من أي وقت مضى، والديموقراطية في تراجع حول المعمورة، والعلاقات مع روسيا وكوريا الشمالية ساءت، والحلفاء يتساءلون عن مدى ثبات أميركا في مواقفها».

السبت، 7 مارس، 2015

مصادر أميركية: إيران وحلفاؤها يشنّون حروباً بأهداف وجداول زمنية متباينة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

حربان في كل من العراق وسورية. واحدة تشنها الوية «الحرس الثوري الإيراني» المتنوعة بإشراف ضباط منه، وثانية موازية لها تشنها القوات المحلية الحليفة مثل قوات الحكومة العراقية وقوات الرئيس السوري بشار الأسد. لكل من الحربين اهدافها، رغم ان التنسيق بين المهاجمين قد يصل حد الاندماج.

هذا هو التقييم لمجريات العمليات الحربية المندلعة في البلدين المجاورين حيث تحاول إيران، حسب مصادر أميركية مطلعة، «قضم» أكبر مساحة منهما قبل ان يؤدي
التوصل الى اتفاقية نووية مع الولايات المتحدة الى «تهدئة» ما، قد تفرض تجميدا للعمليات القتالية.

في العراق، تسعى القوات الموالية لإيران، وخصوصا «ميليشيات الحشد الشعبي»، الى «تنظيف والسيطرة على» محافظتي ديالى، المحاذية للحدود الإيرانية، وصلاح الدين، غرب ديالى. صلاح الدين بدورها تحاذي كل من محافظتي نينوى، حيث يتمركز «تنظيم الدولة الإسلامية«(داعش)، والانبار.

وتشرح المصادر الأميركية ان«ميليشيات الحشد الشعبي»تتحول رويدا رويدا الى قوة شبه نظامية، شبيهة بتنظيم«حزب الله»اللبناني، مع شعار مأخوذ من شعار الباسدران الإيرانية«ذو الكلاشنيكوف». ومنذ تكوينها قبل أقل من عام، اتخذت ميليشيا الحشد العراقية المذكورة هيكلية أكثر تنظيما، وصار فيها هيئة قيادية وأخرى مالية. حتى انها أنشأت وحدة للتدريب العقائدي، تقول المصادر نفسها، التي تتساءل:«ماذا يحدث للحشد الشعبي عندما تنتهي الحرب على داعش؟ وهل تلقي هذه الميليشيا سلاحها؟ ام تجد حكومة العراق نفسها امام معضلة شبيهة بالتي تواجهها نظيرتها اللبنانية».

ويقول أحد المسؤولين الاميركيين ممن عادوا من العراق أخيراً انه في وزارة الداخلية العراقية، يصعب تحديد من هم قوات نظامية عراقية ومن هم الحشد، ومن الممكن ان يكون كبار ضباط الداخلية مسؤولين أيضا في الحشد.

لكن التماهي بين الداخلية العراقية و«ميليشيا الحشد الشعبي»الموالية لإيران لا يعني بالضرورة تطابق في الأهداف النهائية بين الاثنين، يقول المسؤول الأميركي العائد أخيراً، مضيفا ان ما يهم إيران هو ابعاد خطر«داعش»عن حدودها فقط، فيما تسعى الحكومة العراقية الى اكتساح«داعش»بالكامل وتدميرها لإعادة السيادة العراقية الى مناطق خسرتها امام الميليشيا المتطرفة منذ يونيو الماضي.

وفي الهجوم الأخير على تكريت، نجحت قوات الحشد، مدعومة من القوات النظامية، في تحقيق اختراقات كبيرة وتكاد تطبق على المدينة بأكملها.

ويحتار مسؤولو الولايات المتحدة حول كيفية الحديث عن معركة تكريت، فالقوة الجوية الدولية المتحالفة في حربها ضد«داعش»شنت سلسلة من الهجمات ضد اهداف التنظيم قبل قيام الميليشيات الموالية لإيران بهجومها الأرضي، وهو ما يجعل من المقاتلات الأميركية القوة الجوية للميليشيات الموالية لإيران. ولتفادي هذا الموقف، تضاربت تصريحات المسؤولين الاميركيين، فقال بعضهم ان الهجوم على تكريت كان مفاجئا لهم، لكن الهجوم الذي يفترض ان الحكومة العراقية صديقة واشنطن تشنه لا يفترض ان يفاجئ واشنطن، ما دفع مسؤولين آخرين الى القول انهم«توقعوا»حدوثه.

وكما في العراق، كذلك في سورية، تشترك الالوية الموالية لإيران مع قوات الأسد النظامية. ويقول المسؤولون الاميركيون المتابعون لمجريات الاعمال الحربية ان الأسد يقدم الغطاء الناري الكثيف جوا وعبر مدفعيته الثقيلة، فيما قوة مشاة«حزب الله هي أقوى القوات المقاتلة على الأرض وتلعب دور المطرقة القادرة على اقتحام ما تعجز عنه القوات النظامية وغير النظامية المتحالفة معها».

ومنذ 7 فبراير الماضي، أطلق الأسد وحلفاؤه ما أطلقوا عليه اسم«عملية شهداء القنيطرة»، نسبة لضحايا الغارة الإسرائيلية والتي راح ضحيتها خمسة قياديين في«حزب الله»وجنرالا إيرانيا. وبدأت قوات الأسد وحلفائها بالهجوم جنوبا.

وفي الفترة نفسه، شنت قوات الأسد شمال حلب هجوما باتجاه الغرب في محاولة لتطويق المدينة وقطع خط امداد المعارضة الى تركيا. وتشارك قوات متحالفة موالية لإيران في هجوم حلب، خصوصا لناحية محاولتها فك الحصار عن بلدتي نبل وزهراء، ذات الغالبية السكانية الشيعية.

وتقول المصادر الأميركية ان قوات الأسد تكبدت خسائر كبيرة كانت جلية في كمية التعزيزات التي استقدمتها بعد أيام على الاندلاع المعارك. بيد ان التعزيزات تشير أيضا الى جدية الأسد وتصميمه على الخوض في حرب استنزاف، واستعداده على الصبر من دون الحسم بسرعة. وترصد المصادر الأميركية دفع الأسد بضابطه صاحب النجم الصاعد العقيد سهيل الحسن، الذي ذاع صيته بعد تحقيقه عدد من الانتصارات الصعبة على مدى السنوات الأربعة الماضية.

في جنوب سورية، تضيف المصادر، حققت قوات إيران – الأسد مكاسب أولية، لكن هجومها ما لبث ان تعثر بسبب مشاكل عديدة، أولها نقص في عدد المقاتلين في صفوف تحالف الأسد – إيران، وهي مشكلة لا تعاني منها المعارضة، ما يعدل ميزان القوى بينها وبين قوات الأسد الاحسن تسليحا وتدريبا وتنظيما.

وتتابع المصادر نفسها ان لعملية الجبهة الجنوبية اهداف مختلفة، فالأسد يحاول ابعاد تنظيمات المعارضة التي اقتربت من جنوب دمشق وتهدد بقطع الطريق الوحيدة الى مدينة درعا، حيث يحتفظ النظام بوجود هناك، وهو صار يرى انه لا بد من جب استنزاف طويلة تعيد سيطرته على المناطق التي خسرتها قواته في الجنوب.

اما«حزب الله» والقوات الموالية لإيران، فتهدف الى انتزاع خط التماس مع إسرائيل بسرعة، للسيطرة عليه وإقامة بنية تحتية عسكرية تعطي إيران والحزب اللبناني المقدرة على شن هجمات ضد الدولة العبرية في مرحلة لاحقة.

إذا، تباين في بعض الأهداف والجداول الزمنية، القصيرة إيرانيا والمفتوحة الأمد للحكومتين العراقية والسورية. ورغم ان كل من الحكومتين تقاتل جنبا الى جنب مع الميليشيات الموالية لإيران، الا ان هذا القتال، ان انتهى يوما، قد يطرح مشاكل حول كيفية تعايش القوات النظامية وغير النظامية، تختم المصادر الأميركية.

Since December 2008