الجمعة، 31 يوليو، 2015

لأميركا وحدها مصالح

حسين عبدالحسين

تباينت ردود الفعل الاميركية حول منطقة الحظر التي تعمل انقرة على فرضها في شمال سوريا الشرقي بالتعاون مع واشنطن. اليسار الاميركي، الأكثر تأييدا للرئيس السوري بشار الأسد منذ اندلاع الثورة ضد نظامه في العام ٢٠١١، لم يستسغ الحرب التركية، فحذرت "النيويورك تايمز" في افتتاحيتها من امعان الادارة الاميركية في الغرق في المستنقعين العسكريين العراقي والسوري. اما اليمين الأميركي، المطالب بدور عسكري اميركي أكبر خصوصا ضد الأسد، فاعتبر عبر "الواشنطن بوست"، صاحبة الافتتاحيات اليمينية، ان فرض حظر تركي - أميركي في الشمال السوري خطوة لا تكفي لوقف الأسد واعماله الحربية ضد شعبه.

على ان يسار أميركي ويمينها تبنيا الموقف نفسه، في افتتاحيتي الصحيفتين، بتوجيههما نقدا لاذعا لتركيا بسبب قيام جيشها بصب حممه -- لا على اهداف تعود لتنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش) فحسب -- بل ضد اهداف تعود لاستقلاليين كرد يتمركزون شمال العراق وسوريا.

وتساءلت الصحيفتان حول جدوى قيام تركيا باضعاف القوات الارضية الوحيدة، اي المقاتلين الكرد، الذين يقاتلون داعش منذ الصيف الماضي بالتنسيق مع التحالف الدولي الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش. واعتبرت الافتتاحيتان انه الأجدى للاتراك ان يتجنبوا في حملتهم العسكرية المجموعات الكردية التي تقاتل داعش، لأن مصلحة أميركا تكمن في القضاء على داعش. 

طبعا، منعت الانانية اليسار واليمين الاميركيين من رؤية ان تركيا تراقب بقلق تمدد المجموعات الكردية منذ الصيف الماضي، وان أنقرة رصدت حالات قامت فيها بعض المجموعات الكردية بطرد سكان لا يمتّون الى داعش بصلة في قرى وبلدات يعتقد بعض الكرد انها تعود لهم اصلا، وان استعادة السيطرة عليها اساسية لاقامة وطن كردي متواصل جغرافيا، في حال سمحت الظروف الدولية والاقليمية بذلك يوما.

وغالبا ما يبني الأميركيون ممن يتعاطون شؤون السياسة الخارجية تحليلاتهم ومواقفهم على المصلحة القومية للولايات المتحدة الاميركية، التي يتصدرها أمن الاميركيين حول العالم وفي الوطن الاميركي، وهذا طبعا حق مشروع للأميركيين. لكن ما هو مستغرب هو ان هؤلاء الاميركيين أنفسهم يندر ان يروا القضايا حول العالم من منظار الشعوب او الحكومات الاخرى.

وعندما قصد الاميركيون انقرة لمطالبتها بالانضمام للتحالف الدولي ضد داعش، اعتبر الاتراك انه يمكنهم مقايضة مصلحة أميركا بالقضاء على داعش بمصلحتهم القضاء على الأسد. لكن واشنطن رفضت المقايضة لأنها اعتبرت ان خطر داعش كبير، لكنه ليس أكبر من خطر انهيار الأسد.

منذ مطلع العام، أبدت انقرة لواشنطن استعدادها الانضمام للحملة ضد داعش، على شرط "تنظيف" المناطق العراقية والسورية المجاورة لحدود تركيا الجنوبية، وهو ما يحتم بناء قوة سورية مسلحة قادرة على تولي هذه المناطق كسقف للعملية العسكرية التركية، وهذا اقتراح يشبه، الى حد ما، مطالبة أميركا لثوار سوريا بقتال داعش فقط من دون الأسد، بسبب غياب قوات الأسد الارضية في معظم المنطقة التي تشن فيها تركيا حربها. لكن الرأي الاميركي الذي يعارض عملية "التنظيف" التركية ضد الاكراد يبدو انه لا يرى عدوا غير داعش، ولا يرى مصلحة غير الاميركية.

وكما في لبنان، الذي حرضت فيه أميركا تحالف ١٤ آذار في العام ٢٠٠٥ ورمته في اتفاقية الدوحة في ٢٠٠٨، ثم في العراق حيث رمت واشنطن حلفاءها من الصحوات بين ايدي جلاديهم في بغداد، وبعدها في سوريا التي عاث فيها حلفاء ايران دمارا فيما وقفت أميركا تتفرج، اليوم مع تركيا: لا ترى واشنطن ابعد من مصالحها الآنية. لذا، يبدو ان افضل طرق التعاطي مع الاميركيين تكمن في مقايضتهم بشكل مستمر، وفي الحالة التركية، تؤيد واشنطن عملية تركيا العسكرية شمال العراق وسوريا، فتفتح انقرة قاعدة انجرليك للمقاتلات الاميركية، ما يوفر على أميركا والتحالف مئات ملايين الدولارات ويرفع من فاعلية الغطاء الجوي في دعم المقاتلين على الأرض. مع أميركا، كل شيء بحسابه، ولأن لا حساب لبعض العرب -- مثل السوريين -- في واشنطن، فان اي تحالف مع واشنطن يجب ان يقتصر في الغالب على الضرورة.

الخميس، 30 يوليو، 2015

سجن مراسل «واشنطن بوست» يُظهر ضعف معتدلي إيران أمام ... متشدّديها

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تحسن العلاقة الاميركية الايرانية الناتج عن المفاوضات النووية والتوصل لاتفاقية في فيينا أظهر ان داخل الحكم في طهران اجنحة متصارعة، وان اصدقاء أميركا الجدد من المعتدلين الايرانيين، بقيادة الرئيس حسن روحاني وفريقه، مازالوا غير قادرين على الامساك بزمام الامور أو التأثير في شؤون الحكم.

وتأكدت واشنطن من ضعف اصدقائها الايرانيين بعد فشلهم في اطلاق اربعة اميركيين في السجون الايرانية، كان آخر من تم اعتقاله منهم واشهرهم مراسل صحيفة «واشنطن بوست» جايسون رضيان، وهو مولود في كاليفورنيا لأم أميركية وأب ايراني، وانتقل للعيش في طهران العام 2007، وتم تعيينه مراسلا للصحيفة الاميركية هناك في 2012، قبل ان تلقي السلطات الايرانية القبض عليه في يوليو من العام الماضي وتعتقله منذ ذلك الوقت.

ومنذ اعتقال رضيان، اثار وزير الخارجية جون كيري مع نظيره الايراني جواد ظريف الأمر مرارا. في الاسابيع الاولى التي تلت الاعتقال، توقع ظريف ومسؤولون في الوفد الايراني ان يتم الافراج عن الصحافي الاميركي «في ايام»، وبعدما مرت ايام وبقي رضيان معتقلا وكرر الاميركيون مطالبتهم الايرانيين بالافراج عنه، صار الايرانيون يردون بالقول ان الافراج عن رضيان سيتم «في اسابيع». وبعد مرور أشهر، راح ظريف والمسؤولون الايرانيون يلتزمون الصمت في كل مرة يسمعون فيها من الاميركيين مطالبات بالافراج عن الصحافي المذكور.

واثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس باراك أوباما للاعلان عن التوصل لاتفاقية نهائية مع ايران حول ملفها النووي، اثار حنقته احد المراسلين الذي وجه اصابع اللوم للادارة لقيامها بالتباهي بالتوصل لاتفاق مع ايران، فيما اربعة من المواطنين الاميركيين من ضمنهم رضيان مازالوا يقبعون في السجون الايرانية.

ويرجح المسؤولون الاميركيون ان اعتقال رضيان تم بسبب صراع بين الاجنحة داخل الحكم في ايران.

وبالحكم على كتاباته، لم يكن رضيان معارضا للنظام في ايران او للتوصل لاتفاقية نوويه معها، بل لطالما دأب الصحافي الاميركي على تصوير بلد والده في شكل حسن، وقدم مقالات تشجع المتمولين الاميركيين على الاستثمار في ايران، حتى قبل التوصل لاتفاقية نووية معها.

ويبدو ان زوجة رضيان يغانه صالحي، وهي كانت تعمل مراسلة لصحيفة حكومة ابو ظبي بالانكليزية «ذي ناشونال»، كانت تتمتع بعلاقات وطيدة مع مقربين من روحاني، وان رضيان كان محسوبا على الرئيس الايراني وتيار المعتدلين.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» انه في مارس 2014، قبل اعتقال رضيان وزوجته ومصورة صحافية وزوجها بأشهر، اوقفت مجموعة من المدنيين المسلحين زوجته والمصورة في احدى شوارع العاصمة الايرانية، وقام المسلحون باحتجاز المعتقلتين في ناقلة ركاب لساعات حيث قاموا بالتحقيق معهما.

وفي وقت لاحق، وجهت محكمة ايرانية تهم «جاسوسية» لرضيان على خلفية العثور على ايميل في كومبيوتره يشير الى ان رضيان قام بتقديم طلب للعمل في حملة أوباما الرئاسية الاولى، العام 2008، في مركز مستشار للشؤون الايرانية، وهو منصب لم يفز به.

واضافة الى علاقته بالمعتدلين في ايران، يبدو ان رضيان كان متهورا في طبيعته. وتشير مصادر أميركية انه سبق ان تم اعتقال رضيان في المملكة العربية السعودية، قبل سنوات، لقيامه بتصوير فيديو في مناطق ممنوعة اثناء رحلة قام بها الى مكة المكرمة.

وبسبب استمرار اعتقال رضيان وفشل مساعي كيري مع ظريف للافراج عنه، حضر من كاليفورنيا الى واشنطن علي رضيان، شقيق جايسون، ولم يترك بابا الا وطرقها في محاولة السعي للافراج عن جايسون. وتسنى لعلي لقاء أوباما اثناء العشاء السنوي لصحافيي البيت الابيض، وقال الرئيس الاميركي لعلي ان حكومته تفعل ما بوسعها مباشرة مع الايرانيين وعبر اطراف وسيطة للتوصل للافراج عن جايسون.

ونجح علي رضيان في حمل المحسوبين على اللوبي الايراني في العاصمة الاميركية باستخدام علاقاتهم لتحريك قضية جايسون.

هجوم القوات العراقية ضد «داعش» يصل حدّه... وخطوط الجبهة ترتسم


اعتبرت مصادر مطلعة في وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» ان الهجوم الذي تشنه قوات الحكومة العراقية بالاشتراك مع ميليشيات «الحشد الشعبي» ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) «وصل حده الأقصى».

ورجّحت انه «لن يكون بإمكان القوة العراقية المشتركة بين القوات النظامية وغير النظامية استكمال طرد (داعش) من المناطق التي يسيطر عليها في غرب العراق وشماله الغربي».

وقالت المصادر ان «التقارير المتواترة من ساحات المعارك تشير الى انه - وبغطاء جوي كثيف تقدمه مقاتلات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة - نجحت القوات المشتركة بتحقيق تقدم داخل مدينة الرمادي من محوريْن في جنوبها وشرقها، لكن (داعش) نجح في وقف التقدم بإظهار شراسة قتالية ادت الى ضراوة في المعارك. وبسبب التحام الطرفيْن، أحجمت مقاتلات التحالف عن استكمال مشاركتها في القتال في شوارع الرمادي لصعوبة تحديد اماكن المسلحين بدقة كافية ولتفادي توجيه ضربات عن طريق الخطأ الى القوات المشتركة، التي يقودها ضباط من «فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني»، حسبما يرى باحثون.

ومثلما حصل في الرمادي، نجحت القوات العراقية المشتركة في اختراق خط الدفاع الأول الذي اقامه تنظيم «داعش» حول مدينة الفلوجة. لكن التقدم توقف، ايضاً بسبب استشراس مقاتلي «داعش» وتمسّكهم بالاراضي التي يسيطرون عليها. وكما في الرمادي أيضاً، يجعل القتال داخل المدينة من الصعب على مقاتلات التحالف او المدفعية العراقية المشاركة في القتال مخافة التسبّب بوقوع «خسائر صديقة».

ويتابع مسؤولو «البنتاغون» والخبراء الاميركيين ان «(داعش) نجح في تخفيف ضغط الهجوميْن عليه في الرمادي والفلوجة بفتح جبهة في محافظة ديالى، التي تجاور الحدود مع إيران. وكان التنظيم نجح، في الاسابيع الاولى التي تلت استيلاءه على مدينة الموصل الشمالية في 10 يونيو من العام الماضي، في تحقيق تقدم داخل ديالى وصل خلاله الى مشارف بلدة خانقين، وهذه الاخيرة كانت شهدت معارك حامية اثناء الحرب العراقية - الإيرانية بين الاعوام 1980 و1988».

احتلال «داعش» العام الماضي لبلدة جلولاء، التي تبعد 35 كيلومتراً عن الحدود العراقية مع ايران، أجبر الجيش الإيراني النظامي (آرتيش) على دخول الاراضي العراقية، حسب مسؤولين في «البنتاغون»، لصد هجوم التنظيم المذكور. واستخدم الجيش الإيراني حينذاك مقاتلاته الأميركية من طراز «أف - 4» التي يملكها منذ ما قبل ثورة 1979 في ايران. ويقول مسؤولو «البنتاغون» ان «التنظيم المتطرف شن الاسبوع الماضي، هجمات عنيفة، خصوصا باستخدامه السيارات المفخخة، في مناطق مختلفة من ديالى، ضد قوات من (تنظيم بدر)العراقي الشيعي الذي يقوده ضباط إيرانيون. ومن المعروف ان وزير الداخلية العراقي محمد الغبان، ينتمي الى (بدر)، وبسبب ضغط (داعش) في ديالى، وجدت الحكومة العراقية وقيادة (فيلق القدس) نفسيْهما في حيرة: إما أن ينقلا مقاتلين الى ديالى وتالياً يعطّلون زخم الهجوميْن في الرمادي والفلوجة، أو يستمران في الهجومين ويتركان ديالى عرضة لتقدم (داعش) الذي ربما يجبر القوات الإيرانية على دخول الاراضي العراقية مجدداً للانخراط في القتال ضده».

ويتابع المسؤولون الاميركيون ان «الحيرة العراقية - الإيرانية تظهر ان الاعداد البشرية المتوافرة لبغداد وحلفائها الايرانيين وصلت أقصاها، وانه لا يمكن توسيع رقعة القتال التي تنخرط فيها القوات المشتركة ضد (داعش) من دون المخاطرة بجبهة دون أخرى».

ويختم المسؤولون الاميركيون ان «قيادة القوات العراقية المشتركة كانت تسعى لإقامة حزام أمني واسع حول بغداد وحول مناطق الجنوب العراقي ذي الغالبية الشيعية، مع ما يعني ذلك من ضرورة السيطرة على الفلوجة والرمادي لإضافتها الى تكريت التي استولت عليها هذه القوات من (داعش) قبل اسابيع. لكن القوات المشتركة يبدو انها عدّلت من المخطط الاصلي القاضي بإنشاء أحزمة أمنيّة واسعة تُبقي التنظيم المتطرف بعيداً، والارجح ان القوات العراقية ستكتفي بأحزمة ضيقة بدلاً من ذلك، وهو ما يعني ان القوات المشتركة قد لا تتقدم كثيراً أبعد ما تقدمت حتى الآن، وقد تبدأ خطوط الجبهة بالثبات».

“لا طائفية” شيعية

حسين عبدالحسين


يصرّ المسؤولون الحكوميون العراقيون، ومعهم قادة الميليشيات التابعة لهم، ان لا طابع طائفي يطغى على حكومة العراق ولا على ميليشيا “الحشد الشعبي”، وان الحكومة والميليشيا تعملان لأهداف وطنية بحتة وبشعارات لا طائفية، وان هدفهما هو محاربة “الارهاب” فحسب في مناطق شمال غرب وغرب العراق. طبعا مطالعة سريعة للتقارير الاخبارية العراقية تظهر قصة مغايرة.

في تقرير اخباري في “وكالة انباء المدى” ورد ان “كتيبة الاشتر الصاروخية”، التابعة لوزارة الداخلية العراقية، قامت باستهداف مواقع لداعش ودمرت 17 مقرا لهم. طبعا يبدو غريبا ان تكون لدى وزارة الداخلية العراقية، او أي وزارة داخلية في العالم، كتيبة صاروخية، فهذه القدرات العسكرية هي في العادة من اختصاص الجيوش لا قوات الشرطة.

والأغرب في الأمر ان تطلق “الشرطة الاتحادية” في العراق اسم “الاشتر” على الكتيبة نسبة الى الاشتر النخعي، وهو يفترض انه ممن قاتلوا الى جانب علي بن ابي طالب في معركة صفين ضد الأمويين. والتسمية تشبه تسميات اخرى كثيرة تطلقها الحكومة العراقية على وحدات قتالية عسكرية، وغالبا ما تحمل هذه التسميات اسماء قادة من الزمن السحيق ممن يكرمهم الشيعة.

وكما حكومة العراق، كذلك “ميليشيا الحشد الشعبي”، التي يتلقى مقاتلوها مرتباتهم من وزارة الداخلية، حيث يصر المسؤولون عن هذه الميليشيا انها “غير طائفية”. هكذا، عندما زار الناطق باسمها النائب في البرلمان احمد الأسدي الولايات المتحدة وتحدث امام حشد من العراقيين الاميركيين، دعاهم جميعا الى الانضمام الى الميلشيا، بغض النظر عن مذاهبهم، لان الميليشيا المذكورة وطنية وغير طائفية، على حد زعمه.

لكن اسماء المجموعات المقاتلة التي تتألف منها الميليشيا كلها اسماء مستوحاة من شخصيات تاريخية شيعية. لنأخذ مثلا “كتيبة الخراساني”، التي يطل مسؤولوها عبر أحد البرامج التلفزيونية العراقية ليقولوا انهم اقسموا الولاء لمرشد الثورة الاسلامية في إيران علي خامنئي. ويضيف مسؤولو هذا الفصيل العراقي المسلح ان اسم مجموعتهم هو تيمنا بـ “والي خرسان”، وهذا في التاريخ اللقب الذي يطلقه الايرانيون على الامام الشيعي الثامن علي الرضا، المدفون في مدينة مشهد في شمال إيران الشرقي.

وللأمانة، يمكن القول ان المظاهر الطائفية تراجعت بعد ان تولى حيدر العبادي رئاسة الحكومة خلفا لنوري المالكي، فالأخير كان يحاول انشاء زعامة عراقية منافسة لإيران، لذا كان يجد نفسه في حاجة لإثبات غيرته على الشيعة، فكان يدفع المظاهر الشيعية الى الواجهة الحكومية بشكل فاقع.

وفي زمن المالكي، كان موقع تلفزيون العراق الرسمي “العراقية” يعج بالشعارات الشيعية والمواد الدعائية، ففي عاشوراء كانت تسيطر على الموقع شعارات من قبيل “يا ثار الحسين”، وفي “عيد الغدير” كانت تتصدر اقوال نبوية من خطبة غدير خم. وفي زمن المالكي، كانت تتصدر مواقع الجيش العراقي اسماء الألوية التي تكون في الغالب لواء “ابي الفضل العباس” او “الحسين”. اما موقع وزارة الداخلية، فكان كذلك متخما بالشعارات والادبيات الشيعية.

على ان العبادي، الأقرب الى إيران من المالكي والذي لا يبدو انه يحاول انشاء زعامة عراقية مستقلة على غرار سلفه، لا يبدو انه يشعر في حاجة لإثبات شيعيته لمنافسة الايرانيين. لكن تراجع العبادي في الشعارات الشيعية العلنية قابله منحه للميليشيات الموالية لإيران حرية مطلقة في ادارة مقدرات الدولة الى درجة دفعت النائب عمّار الحكيم، وهو من أقرب المقربين الى إيران، الى مطالبة الحكومة العراقية بتدريب مقاتلي الحشد الشعبي على التحليق بمقاتلات اف -16، التي تتوقع بغداد استلامها من واشنطن في موعد قريب.

اما ميلشيا “الحشد الشعبي”، فمن المستحيل عدم رؤية طابعها المذهبي الفاقع، فإلى الاسماء الشيعية والايرانية التي تحملها الفصائل المنضوية تحت لواء الحشد، شكلت قيادة الحشد “مديرية التوجيه العقائدي”، وهو توجيه ليس من الصعب على المرء ان يحزر في اي اتجاه مذهبي يصب.
هكذا، تراجعت الدعاية الشيعية في مواقع الدولة العراقية ووسائلها الاعلامية، ولكن على ارض الواقع ازدادت سطوة الميليشيات الشيعية بطريقة جعلت من الاصعب على العراقيين من غير الشيعة المشاركة في الدولة واجهزتها وقواتها الامنية، الا إذا تعالى هؤلاء العراقيين عن الحساسية التي تثيرها تسميات مثل “الاشتر” كالتي يتم اطلاقها على كتائب وزارة الداخلية.

اما الأنكى فهو اصرار مسؤولي الحكومية العراقية ونواب البرلمان، مثل الأسدي، على “وطنية” القوات التي يتزعمونها وعلى “لا طائفيتها”، ويكررون الدعوة الى العراقيين من غير الشيعية بالانضمام الى هذه القوات الطائفية البحتة في دعوة تظهر اصحابها اما انهم لا يدرون ما يفعلون، او انهم يفعلون ما يفعلون ويستخفون بذكاء العراقيين عموما والعراقيين من غير الشيعة خصوصا.

الأربعاء، 29 يوليو، 2015

واشنطن أبلغت الأسد مسبقاً بالعملية التركية: أطفئ راداراتك... وإلا دمّرناها عن بكرة أبيها

واشنطن - من حسين عبدالحسين

عندما أرادت الولايات المتحدة توسيع ضربات التحالف الجوي الذي تقوده ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) لتشمل أهدافاً داخل سورية، أرسلت رسالة الى الرئيس السوري بشار الأسد عن طريق مستشار الأمن القومي العراقي فالح الفياض، الذي وصل دمشق في 16 سبتمبر الماضي، موفداً من رئيس حكومة العراق حيدر العبادي. وفي 22 سبتمبر، باشرت مقاتلات التحالف بقصف اهداف «داعش» في شرق سورية.

الإعلام الموالي للأسد سارع حينها إلى تصوير زيارة المسؤول العراقي على انها تطبيع غربي مع دمشق، لكن الناطق باسم القوات الاميركية الجنرال وليام مايفيل قال في مؤتمر صحافي في 23 سبتمبر الماضي، إن نظام الأسد أطفأ راداراته وأنظمة دفاعه الجوي قبل بدء التحالف عملياته الجوية، بعدما أخطرت واشنطن دمشق بالأمر عبر مندوبتها الدائمة في الأمم المتحدة والمسؤول العراقي. وأكد مايفيل حينها عدم وجود تنسيق عسكري اميركي أو أي حديث مباشر مع القيادة العسكرية السورية.

وفي وقت لاحق، قال رئيس الاركان الأميركي الجنرال مارتن ديمبسي امام الكونغرس إن واشنطن أمرت الأسد بإطفاء راداراته حتى يتسنّى لمقاتلات التحالف التحليق شرق سورية بحرّية مطلقة، تحت طائلة «تدمير دفاعات الأسد عن بكرة أبيها في حال أدارت قواته أنظمتها الدفاعية الجوية».

وفي مارس الماضي أيضاً، بعد سلسلة لقاءات عقدتها الحكومة التركية مع قادة جيشها، توصّلت أنقرة لاتفاقية مع واشنطن تقضي بمشاركة تركيا في الطلعات الجوية ضد «داعش» شمال سورية والعراق، كذلك قال الاتراك إنهم سيضربون معاقل تنظيمات كردية تهدّد أمنهم القومي. في مقابل ذلك، سمحت تركيا لأميركا باستخدام «قاعدة إنجرليك» الجوية القريبة من الحدود مع سورية والعراق.

وتكرر في مارس الماضي، مشهد سبتمبر 2014: وصل مسؤول عراقي رفيع إلى دمشق، هذه المرة وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، الذي التقى الأسد. وراح الإعلام الموالي للنظام السوري وأصدقائه يصوّر الزيارة على أنها انفتاح غربي على الرئيس السوري، لكن مصادر غربية في العاصمة الاميركية أوضحت أن الجعفري حمل رسالة أميركية مفادها أن «على الأسد إطفاء أجهزة دفاعه الجوي شمال سورية، على غرار ما فعل في الشرق العام الماضي، تحت طائلة قيام التحالف الدولي بتدميرها».

أما سبب تخيير الأميركيين الأسد بين إطفاء راداراته أو تدمير دفاعاته الجوية فمردّه الى البروتوكول الأميركي العسكري، والقاضي بضرورة تدمير أي تهديد ممكن للمقاتلات الاميركية قبل قيامها بالتحليق في سماء الأراضي المعادية. ولأن واشنطن ترغب في تحييد الأسد وعدم تدمير دفاعاته الجوية، فهي تطلب منه أن يطفئها طوعاً. هكذا، نشأت منطقة حظر جوي تركية بعمق 45 كيلومتراً في الشمال السوري، وصار ممكناً أثناءها للمقاتلات التركية والدولية التحليق في السماء السورية بشكل متواصل، وأطل الأسد ليقول في خطاب إنه بسبب ندرة المقاتلين في صفوفه، سيتخلّى عن مناطق ليعزّز سيطرته على مناطق اخرى. وكان واضحاً ان الأسد يتخلّى عن الشمال، بعد تخلّيه عن الشرق وبعض الجنوب، حيث تجبره إسرائيل على إبقاء رادارته ودفاعاته الجوية مطفأة منذ عقود.

وبسبب غياب الرادارات التابعة للنظام السوري، لا يمكن لمقاتلاته التحليق في المنطقة التي تحلق فيها مقاتلات تركيا والتحالف. ربما يمكن لمروحيات الأسد ان تشن هجمات في منطقة الحظر، لكن المروحيات ستعرض نفسها لمخاطر الإسقاط من نيران الثوار الأرضية وكذلك من المقاتلات التركية والدولية.

هكذا، تأمل أنقرة في أن يؤدي تحييد قوة الأسد الجوية في المناطق الشمالية الى تفوّق للثوار وإقامة حزام آمن يمكن له احتواء اللاجئين السوريين ويمكن أن تتخذ منه المعارضة السورية المقيمة في الخارج مقراً لإنشائها حكومة تتمكّن في وقت لاحق من التفاوض مع حكومة الأسد للتوصّل الى حل نهائي.

ومثلما تمكّنت واشنطن من تأمين غطاء جوي للمقاتلين الكرد ضد «داعش»، تأمل أنقرة في تكرار هذا النموذج بتأمينها غطاء جوي ومدفعي أرضي للثوار السوريين ضد «داعش» والأسد، فتضمن بقاء الجهة المحاذية لحدودها الجنوبية آمنة وخالية من مقاتلين أعداء كتنظيم الدولة وبعض المجموعات الكردية.

الثلاثاء، 28 يوليو، 2015

السباق على سوريا

حسين عبدالحسين

فجأة شعرت الدول المعنية ان الولايات المتحدة وروسيا وايران على وشك ان تعقد مؤتمراً، تتباحث فيه جدياً بكيفية انهاء الأزمة في سوريا. تركيا، التي أوردنا أن عمليتها العسكرية كانت في انتظار نتائج المفاوضات النووية مع إيران، شنّت عمليتها فور انتهاء المفاوضات. إيران أسعدها أنها ستكون حاضرة في اي مؤتمر حول سوريا، وأن صوتها سيكون أعلى من صوت الأسد. الإمارات أطلقت حملة ديبلوماسية مزدوجة تهدف لإعادة تأهيل الأسد ديبلوماسياً، من ناحية، ولإضافة معارضيه الى لائحة التنظيمات الارهابية، من ناحية ثانية. أما المملكة العربية السعودية، فشنت حملة ديبلوماسية مضادة لإبقاء ثوار سوريا بعيدين عن لوائح الإرهاب.

حزام النفوذ التركي شمال سوريا هدفه تثبيت نفوذ انقرة في منطقة خالية من تنظيم "الدولة الاسلامية"، وخالية كذلك من مقاتلي التنظيمات الكردية المعادية لتركيا.

وفي وقت تضاربت التصريحات حول ماهية "منطقة الحظر الجوي"، التي تزعم تركيا اقامته بمساعدة أميركا، يبدو واضحاً أن تحليق المقاتلات التركية ومقاتلات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش" لم يكن ممكناً شمال سوريا، لولا تكرار سيناريو ضرب مقاتلات التحالف لأهداف "داعش" شرقي سوريا، أي ان الأسد أطفأ رادارته وأجهزة دفاعه الجوية تحت طائلة أن تقوم أميركا بتدميرها في حال أدارها، وهذا تدبير لطالما كان سائداً على مدى عقود بين الأسد واسرائيل، ونسخته أميركا عندما شنت حربها الجوية ضد "داعش" الصيف الماضي، وأرسلت رسائل الى الأسد عن طريق مسؤولين عراقيين أوصلوا اليه الأمر الأميركي.

أما تأكيد الأسد لانحسار سيادته عن الشمال السوري، بعد خروجه من الشرق والجنوب، فجاء في خطابه الذي تحدث فيه عن قلة العدد في صفوف مقاتليه، ما يجبره على التخلي عن بعض المناطق وتحصين نفسه في المناطق المتبقية له.

إيران بدورها، تتابع عملية إمساكها بمفاصل المنطقة التي مازال يسيطر عليها الأسد داخل سوريا. وتأتي العمليات العسكرية لحزب الله في المناطق السورية المتاخمة للحدود اللبنانية في هذا السياق، خصوصاً بعد أن تخلت طهران والحزب عن عملية الربيع لاستعادة الجنوب، مقابل تعهد أميركي بعدم السماح لثوار الجنوب التوسع شمالاً والوصل مع جزر الثوار المتمركزين في الضواحي المحيطة لدمشق. ويقول مسؤولون أميركيون إنهم سمعوا من نظرائهم الايرانيين استعداد طهران للتداول "في جميع السيناريوهات" للتوصل الى حل في سوريا، وهو تصريح فهمه الاميركيون على انه تخلي طهران عن شخص الأسد. 

لكن حتى لو تخلت ايران عن الأسد، سيتمسك به أصدقاؤه الآخرون، وفي طليعتهم الإمارات العربية المتحدة، التي أوعزت لحلفائها العرب بضرورة اعادة ترميم صورة الأسد. هكذا، أعلنت تونس إعادة ديبلوماسييها الى سفارتها في دمشق، فيما تسارعت التصريحات في القاهرة حول ضرورة "التفكير بواقعية"، أي إبقاء الأسد لمحاربة التنظيمات الارهابية وإعادة الامساك بسوريا.

وفي واشنطن، تحركت الديبلوماسية الاماراتية النافذة على جبهتين. على الجبهة الاولى، أوعزت لمؤيديها برفع الصوت عالياً لمصلحة الاتفاقية النووية مع ايران، فوقع ٥٠ ديبلوماسياً سابقاً عريضة بهذا الشأن وارسلوها الى البيت الأبيض، وكذلك أطل المحسوبون على الامارات عبر كبرى الوسائل الاعلامية، الى جانب اللوبي الايراني، ليحشدوا تأييد الرأي العام الاميركي خلف الاتفاقية.

على الجبهة الثانية، تسعى الامارات سعياً حثيثاً لحمل وزارة الخارجية الاميركية على ادراج مجموعتين مسلحتين سوريتين على لائحة التظيمات الارهابية. يذكر أن تنظيماً سورياً واحداً، هو "جبهة النصرة"، موضوع على اللائحة حالياً، إلى جانب التنظيم العراقي "داعش". وخصصت الامارات مجهودها لحث واشنطن على ادراج مجموعتي "احرار الشام" و"الجبهة الاسلامية"، السوريتين، على لائحة الارهاب الاميركية. 

السعي الاماراتي ضد ثوار سوريا أجبر الرياض، بدورها، على تحريك ماكينتها الديبلوماسية الضخمة لإبقاء ثوار سوريا من غير "داعش" و"النصرة" خارج لوائح الارهاب الاميركية.

هو سباق حول سوريا تسعى فيه الاطراف المقاتلة على الارض -الأسد وداعش والنصرة والثوار- إلى تعزيز مواقعها وسيطرتها، في وقت تسعى القوى الاقليمية، مثل إيران عن طريق حزب الله وتركيا عبر جيشها والثوار الموالين لها، إلى تثبيت مواقع نفوذها وتحسين الواقع لمصلحتها. وبعيداً عن الجبهات وداخل الاروقة الديبلوماسية، تتصدر المشهد الامارات، التي تحاول اعادة تأهيل الأسد وإدانة الثوار، وتقابلها السعودية في محاولة التصدي للمجهود الايراني - الاماراتي.

بهذه الصورة المعقدة، قد تذهب الاطراف المعنية -تتصدرها ايران هذه المرة- إلى مؤتمر حول سوريا، وقد لا تذهب. وهي في حال لم تذهب، ستستمر في صراع يبدو أنه يزداد تعقيداً مع مرور الزمن.

السبت، 25 يوليو، 2015

منطقة حظر جوي أميركية - تركية شمال سورية لن تسمح لمقاتلات الأسد بالتحليق في نطاقها

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في وقت اكتفى الناطق باسم البيت الأبيض جوش آرنست بالتلميح ان تركيا وافقت على فتح قاعدة انجرليك الجوية امام المقاتلات الأميركية لشن ضربات ضد اهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، أكدت مصادر أميركية ان واشنطن وأنقرة اتفقتا على إقامة «منطقة حظر جوي جزئي» تمتد حتى 45 كيلومترا من الحدود التركية مع سورية، وتستهدف «داعش» و«جبهة النصرة»، ومقاتلات الرئيس السوري بشار الأسد ومروحياته.

وكانت صحيفة «حرييت» التركية هي اول من كشف الخطة المزمع تطبيقها، ونسبتها الى مسؤولين في حكومة أنقرة.

ويأتي الحديث حول منطقة الحظر الجوي بعد يومين من تفجير نفذه «داعش» داخل الحدود التركية وراح ضحيته أكثر من 32 ناشطا يعملون في مخيمات اللاجئين السوريين. وبعد التفجير، اتصل الرئيس باراك أوباما بنظيره التركي رجب طيب اردوغان معزيا. ويبدو ان الحوار بين الرئيسين شهد اتفاقا تفتح بموجبه انقرة قاعدتها الجوية، مقابل موافقة واشنطن على شمول الحظر مقاتلات الأسد ومروحياته.

وكانت الولايات المتحدة طلبت من تركيا الانضمام الى التحالف الدولي الذي أعلنت قيامه ضد «داعش» الصيف الماضي، لكن انقرة اشترطت ان يستهدف التحالف «داعش» وقوات الأسد سوية. وبعدما رفضت واشنطن الطلب التركي، لم تسمح انقرة لأميركا بشن ضربات جوية أميركية ضد «داعش» انطلاقا من انجرليك، التي تربض فيها مقاتلات أميركية وطائرات من دون طيار تابعة للقيادة الأوروبية للجيش الأميركي، بدلا من القيادة الوسطى المسؤولة عن الشرق الأوسط. وتقوم الطائرات الاميركية الموجودة حاليا في انجرليك بطلعات مراقبة واستطلاع لجمع المعلومات.

وبعدما أقفلت انقرة انجلرليك الصيف الماضي، اضطر التحالف الدولي الى حصر طلعاته الجوية بقواعد الكويت، ما عرقل إمكانية ان تلعب المقاتلات دور الاسناد الجوي للقتال ضد «داعش» على الأرض، وأجبر المقاتلات الأميركية على البقاء في الجو فترات أطول، وبتكلفة أكبر. وصارت المقاتلات الأميركية تعود الى قواعدها أحيانا من دون القاء حمولتها من المتفجرات.

وكانت الصحيفة التركية أوردت ان منطقة الحظر سيتم فرضها بعرض 90 كيلومترا وتمتد من جرابلس الى الميرا، وبعمق 40 او 50 كيلومترا داخل الأراضي السورية، وان المقاتلات ستستهدف «داعش» و«النصرة»، ولن تسمح لمقاتلات الأسد التحليق في نطاق هذه المنطقة.

كذلك، أوردت الصحيفة ان مقاتلات تركية، وكذلك المدفعية، ستشارك في عمليات التحالف الدولي شمال العراق وسورية، وان ضربات التحالف داخل سورية ستحصل بالتنسيق مع الجيش التركي.

في هذه الاثناء، علمت «الراي» من المصادر الأميركية أن أميركا ستزود الجيش التركي بمعلومات استخباراتية حول أهداف «المجموعات الإرهابية» التي بحوزتها. ولم توضح المصادر الأميركية ان كانت أميركا ستزود تركيا بمعلومات حول أماكن انتشار مقاتلي «وحدات الحماية الكردية»، التي تصنفها أنقرة إرهابية.

«انت سألت خصيصا حول انجرليك، القاعدة العسكرية في تركيا»، قال ارنست في رده على أحد الصحافيين اثناء مؤتمره الصحافي اليومي في البيت الأبيض، مضيفا: «لا يمكنني ان اتحدث عن بعض هذه الأمور بسبب الحرض على أمن عملياتنا، ولكن ما نعترف به هو ان للتحالف إمكانية استخدام قواعد في عموم أوروبا والشرق الأوسط، وهذا يتضمن (عمليات جمع) الاستخبارات، المراقبة، الاستطلاع، واستعادة الجنود، وإعادة تموين الوقود، وشن ضربات جوية».

وقيام ارنست بشمل انجرليك بالقواعد التي يمكن للتحالف شن ضربات جوية منها، فضلا عن عدم نفيه التقارير التركية، هو أقرب اعتراف أميركي حول التفاهم الأميركي – التركي الذي تم التوصل اليه.

يذكر انه في حال فتحت تركيا انجرليك، قد تنقل الولايات المتحدة الى تركيا 2100 من المارينز المتواجدين في الكويت، والذين تناط بهم مهمة التدخل السريع وخصوصا في حال الحاجة لاستعادة أي طيارين أميركيين يمكن سقوطهم ومقاتلاتهم في مناطق «داعش».

الخميس، 23 يوليو، 2015

عن صديقي العراقي وذاكرته

حسين عبدالحسين

لي صديق تزاملت واياه في العمل ثلاث سنوات كاملة في وسيلة اعلامية كانت مخصصة للشأن العراقي. كان يروي لي عن المآسي التي تسبب بها نظام الرئيس الراحل صدام حسين له ولعائلته. قال انه كان عائدا يوما من الكلية قبيل بدء الحرب العراقية مع ايران، وقبل وصوله بيته، هرع اليه واحد من جيرانه ليقول له ان المخابرات تبحث عنه كونه من التابعية.

ويحمل العراقيون حتى اليوم "شهادة جنسية" غير بطاقة الهوية، دونت حكوماتهم المتعاقبة على الشهادات جذورهم تحت خانة "تابعية"، فبينهم العثماني والكردي والهندي والايراني. وعلى الرغم من ان هذه الجذور تعود لأكثر من مئة سنة احيانا، الا انها ظلّت في الوثائق الثبوتية حتى اليوم. 

وعرب العراق في غالبيتهم من التابعية العثمانية في شهاداتهم. هكذا، مع بدء الحرب مع ايران، اعتقلت اجهزة الامن العراقية كل من اشارت تابعيتهم الى انهم من جذور ايرانية، ورمتهم على الحدود مع ايران بتهمة العمالة، ومنعتهم من العودة، وصار يعرف هؤلاء بالعامية على انهم من "التبعية".

فرّ صاحبي من قبضة الأمن البعثي قبل ان يعثروا عليه، ووصل ايران على قدميه، لكن أجهزة الأمن العراقية اعتقلت أخاه ووالدته، وعذبتهما، وقتلت أخاه بدموية امام أعين الوالدة. وكعراقيين كثيرين غيره، عاش صديقي في إيران في بادئ الأمر، وكغيره -- من امثال رئيسي الحكومة السابقين ابراهيم الجعفري ونوري المالكي -- لم يتحمل العراقيون الايرانيين وتسلطهم، فغادروا طهران الى لندن ودمشق وبيروت وبراغ وغيرها.

ومع قرع أميركا جورج بوش طبول الحرب على العراق في العام 2003، وعلى الرغم من ان ايران كانت اوعزت لمسؤوليها وحلفائها بمعارضة الحرب، فوقف بعضهم في بيروت يدعو لطائف عراقي بين صدام ومعارضيه على غرار اتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية اللبنانية، الا ان هؤلاء العراقيين أيدوا الحرب الاميركية تماما، وانخرطوا في صفوفها.

صبيحة اعدام صدام، كان صديقي يقفز فرحا، حتى ان وسيلتنا الاعلامية حققت سبقا صحافيا لانها اعلنت إعدام صدام قبل ان يتم شنقه فعليا. يومذاك، افترقت مع صديقي. قلت له انه لا يمكن اقامة عراق جديد على دماء جديدة، وان فتح صفحة جديدة يتطلب العفو عمّا مضى والمصالحة. لكن صديقي خالفني. قال ان القوة هي الحل الوحيد لمشاكل منطقة الشرق الاوسط، وان الصفحة الجديدة تكمن في ان يشفي غليله هو ومن عانوا مثله في زمن صدام. طبعا عاد صديقي الى بغداد، وتبوأ ارفع المناصب الحكومية بمعية اميركا ودباباتها. 

ومع انطلاق الحرب العراقية - الدولية على تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش)، بدا ان صديقي مازال متمسكا بالقوة عنوانا للحلول، ونشر مقالات اشار فيها الى التماهي بين بعث صدام وداعش، والى ضرورة استمرار المعركة مع العدو نفسه الذي لا يفهم الا لغة العنف.

الاسبوع الماضي، قرأت مجموعة افتتاحيات بقلم صديقي واصدقاء آخرين ممن هللوا للقوة الاميركية يوم اقتلعت صدام ونظامه. أجمع اصدقائي هؤلاء على الاشادة بانجاز توقيع اتفاقية نووية مع ايران، وكتب صديقي في عموده ان الاتفاقية النووية اثبتت ان لا حلول تأتي بالقوة، وان الحوار والديبلوماسية الاميركية مع طهران هي الحل الوحيد لمستقبل أفضل.

طبعا انا أعرف ان صديقي لا يكن اعجابا للايرانيين ولا لنظامهم، مع انه عاش في طهران ويتكلم ويقرأ ويكتب الفارسية بطلاقة. لكن يبدو ان للضرورات احكام، ويبدو ان مجاراة الأقوى في بغداد -- في هذه الحالة ايران ونظامها -- واجبة.

"يا أهل العراق يا اهل الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق"، قالها الحجاج بن يوسف الثقفي عندما كان واليا على البلاد قبل 13 قرنا، وقضى عراقيون من امثالي سنين طويلة نكتب عكس ذلك، ومازلت آمل اننا سنكون يوما على حق.

الأربعاء، 22 يوليو، 2015

مواجهة بين الكونغرس و«الإدارة» حول الاتفاقية النووية مع طهران

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لم تسعف تعليمات البيت الأبيض الى المندوبة الأميركية الدائمة في الأمم المتحدة سامانثا باور بتوجيه سهام نقدها لإيران، خصوصا في ما يتعلق بسجل طهران في حقوق الانسان، في التخفيف من وطأة العاصفة السياسية التي طاردت الادارة على إثر موافقة مجلس الأمن على قرار المصادقة على الاتفاقية النووية مع إيران.

ووجدت إدارة الرئيس باراك أوباما نفسها بين سندان المجموعة الدولية التي رفضت انتظار موقف الكونغرس من الاتفاقية، ومطرقة الكونغرس الذي رأى في إقرار مجلس الأمن رفْع العقوبات عن إيران تهميشاً لرأيه ورأي الشعب الأميركي، فبعد قرار مجلس الأمن رفْع العقوبات يصبح تصويت الكونغرس على الاتفاقية من دون عواقب.

وكان رئيس «لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ» بوب كوركر، ونظيره في اللجنة من «الحزب الديموقراطي» بن كاردين، وجّها رسالة الى أوباما طالبا فيها بتأجيل موعد التصويت في مجلس الأمن حتى يتسنّى للكونغرس الإدلاء برأيه في الأمر. لكن الإدارة مضت في جلسة مجلس الأمن، ما أغضب أعضاء الكونغرس من الحزبيْن.

وجاء تصويت رفع العقوبات عن إيران في الأمم المتحدة، الذي تضمن بنداً ينص على إعادتها اوتوماتيكياً في حال قررت لجنة أمناء دول «5+1» أن إيران لم تتجاوب مع أي من بنود الاتفاقية النووية، في نفس الوقت الذي رفعت فيه السفارة الكوبية علمها فوق مبناها الذي تمت إعادة افتتاحه أول من أمس في العاصمة الأميركية، ما حدا بالسناتور الجمهوري عن ولاية فلوريدا والمرشح الى الرئاسة ماركو روبيو الى إطلاق تسمية «إثنيْن الاستسلامات» على يوم الإثنين.

واعتبر أعضاء في الكونغرس ان الإدارة تراوغ، وأنها غير جادة في تقديمها الاتفاقية امام الكونغرس للتصويت عليها. ويشهد مبنى الكونغرس هذا الأسبوع حركة نشطة تحاول فيها الإدارة إقناع المشرّعين بتبني الاتفاقية والتصويت لمصلحتها.

ويحضر اليوم إلى مبنى كابيتول هيل، حيث القاعة العامة للكونغرس، وزراء الخارجية جون كيري والطاقة إرنست مونيز والخزانة جاكوب لو، للمشاركة في جلسات استماع مغلقة مع المشرّعين. وعلمت «الراي» أن الإدارة سترسل أيضا «مسؤولاً كبيراً في الاستخبارات» لاطلاع المشرّعين على تفاصيل البرنامج النووي الإيراني والاتفاقية. ورفضت الإدارة تسمية المسؤول.

وغداً، يعود كيري ومونيز ولو، مجدداً الى الكونغرس، فيدلوا بشهاداتهم أمام «لجنة الشؤون الخارجية» في «مجلس الشيوخ قبل الظهر»، وفي نظيرتها في «مجلس النواب» بعد الظهر، في جلستيْن علنيتيْن من المتوقّع ان تشهدا سجالاً حامياً بين الأعضاء والوزراء الثلاثة.

وبعيداً عن حماوة المشهد السياسي بين الإدارة، التي تحاول تسويق الاتفاق، والكونغرس، الذي يحاول نسفه، والذي سيحتاج أصوات ثلثيْ الأعضاء او على الأقل 13 من الشيوخ الديموقراطيين ليتم له ذلك، كثّفت الأوساط التجارية الأميركية استعداداتها لدخول «السوق الإيرانية العذراء».

واظهرت إحدى الدراسات الخاصة بصادرات الدول الغربية العام الماضي إلى إيران، أن ألمانيا تحتل الصدارة بواقع 4.2 مليار دولار، وتسعى الى رفعها الى 6 او 7 مليارات العام المقبل. وفي المرتبة الثانية حلت إيطاليا بـ 1.2 مليار دولار، وتحاول زيادة حجم صادراتها الى 4 مليارات، فيما حلت فرنسا ثالثة بـ 600 مليون دولار، وستحاول كذلك رفع صادراتها الى إيران الى 4 مليارات. أما الولايات المتحدة فحلّت رابعة بـ 225 مليون دولار، وجاءت بعدها بريطانيا بـ 90 مليوناً فقط.

وحذرت الدراسة من تلكّؤ الكونغرس في رفْع المعوقات القانونية المفروضة على الشركات الأميركية لدخول السوق الإيرانية.

فريد زكريا يكره العرب

حسين عبدالحسين

يقول صديق لي ممن تسنى لهم المشاركة في واحدة من حلقات الحوار على شبكة “سي ان ان” انه اثناء الاستراحة، توجه الاعلامي فريد زكريا الى المشاركين في الحلقة داخل الاستوديو، وقال لهم إن “الاسلام الشيعي افضل بكثير من الاسلام السني، لأنه لدى الشيعة تراتبية عمودية في القيادة”، أي ان رئيس الشيعة دينيا هو رئيس واحد وكلمته تسري على الجميع.

وزكريا هو من أتفه المحللين او الخبراء او المعلقين السياسيين ممن قرأت لهم او سمعتهم او شاهدتهم. في العام 2012، بعدما تدخلت الولايات المتحدة لمنع أذى العقيد معمر القذافي ومجازره عن أهله وناسه، استضاف دون ليمن على “سي ان ان” زميله زكريا، وسأله لما لا تتدخل واشنطن في سوريا لحماية المدنيين من الأسد على غرار ما فعلت في ليبيا، فأجاب زكريا بكل ثقة ان تكرار تجربة دعم الثوار في سوريا أمر متعذر لأنه على عكس ليبيا، التي تطل على البحر المتوسط، لا منفذ بحري لسوريا.

ونحن والحالة هذه، لا نتوقع من خبير في الشؤون الاسلامية (هكذا يقدم نفسه نظرا لاسمه) لا يفهم في الجغرافيا ان يكون ممن يتابعون شؤون ايران والعراق وسوريا وغيرها، فهو لو كان كذلك، لعرف ان أول زيارة قام بها وزير الخارجية جواد ظريف خارج ايران، بعد تعيينه وزيرا، كانت الى النجف، حيث التقى المرجع الشيعي علي السيستاني. يومذاك، كان السيستاني متمسكا بعدم لقاء اي سياسيين عراقيين او غيرهم، ولكنه منح ظريف استثناء بسبب الايجابية التي ولدها انتخاب حسن روحاني رئيسا لايران.

بعد الزيارة، نشرت صحيفة كيهان الرسمية الايرانية ان السيستاني أعرب لظريف عن تأييده لقيادة مرجع الثورة الاسلامية علي خامنئي ووقوفه خلفها. في اليوم التالي، أوعزت اوساط السيستاني الى مشاركين آخرين في اللقاء نفي ما جاء في كيهان، ففعلوا ذلك عبر صحف عراقية معروفة.

ولو كان زكريا يعرف، ولو قليلا، عن الاسلام الشيعي ام السني، لعرف ان الفقه الجعفري مبني على التقليد وتعدد المرجعيات، وان جزءا كبيرا من شيعة العالم لا يوافقون على نظرية “ولاية الفقيه”، التي قدمها الخميني في نظريته عن الحكومة الاسلامية واصبحت العقيدة الرسمية في ايران، والتي تحصر التقليد بشخص مرشد الثورة.

حتى في الدول العربية ذات النفوذ الايراني الواسع، مثل لبنان، لا يتقدم خامنئي على المرجعيات الشيعية الاخرى، فالمرجع الراحل محمد حسين فضل الله خاض معركة مع الايرانيين حول رسالته ومرجعيته، التي رفضتها طهران. لكن أكثر من ثلثي شيعة لبنان كانوا يؤيدون فضل الله، واليوم يقلدون السيستاني، حسبما أظهر احصاء اجرته جمعية “هيا بنا” غير الحكومية في بيروت قبل اسابيع.

اذا، لا قيادة عالمية موحدة ولا هرمية في القيادة الشيعية، لا الدينية ولا المدنية، ويبدو ان الاستاذ زكريا يستقي معلوماته حول حصرية ايران في القيادة الشيعية من صحيفة كيهان، او ربما من مقربين من امثالها من نظام ايران.

والاستاذ فريد زكريا اتحفنا مطلع الاسبوع بنظرية جديدة. هذه المرة، يقول زكريا عبر “سي ان ان” ان الدول الشرق اوسطية غير العربية، اي ايران وتركيا واسرائيل، أبلت بلاء افضل بكثير اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا من الدول العربية. لا نعرف ما هي مقاييس زكريا، لكن لو أخذنا الاقتصاد مثالا، لرأينا ان المملكة العربية السعودية تشارك في قمة الدول العشرين، اي الدول صاحبة اكبر 20 اقتصادا في العالم، بينما ايران، والتي تتمتع بثروة نفطية لا تقل كثيرا عن السعودية، لا تأثير لها على الاقتصاد العالمي لا من قريب ولا من بعيد.

كذلك ان قارنا ايران لناحية الخدمات المصرفية والقطاع المالي بالامارات او قطر، لوجدنا ان قطاعات ايران المذكورة مازالت في العصور الحجرية.

فريد زكريا، والذي يشن حملة اليوم لاقناع الاميركيين ان الاتفاقية مع ايران انجاز اميركي باهر، يبدو انه يكره العرب جديا. في الماضي، عندما كان زكريا يطلق تصاريح مثل ان لا منفذ بحريا لسوريا، كنت اعتبره جاهلا. اليوم، صرت اراه متحاملا، وصرت اراه يكره العرب.

الثلاثاء، 21 يوليو، 2015

الخوف من انهيار الأسد

حسين عبدالحسين

على الرغم من إصرار الرئيس باراك أوباما على دعوة الاميركيين الى الحكم على الاتفاقية مع إيران بناء على نتائجها النووية حصراً، إلا أنه يندر أن أعطى أوباما مقابلة، أو تحدث في مؤتمر صحافي حول الاتفاقية، من دون أن يستطرد هو إلى الشؤون الشرق اوسطية الأخرى كلها.

أوباما قال إنه يأمل في أن تؤدي الاتفاقية الى تحويل متطرفي ايران الى معتدلين، والى ان يؤدي رفع العقوبات الى اعادة شبك طهران واقتصادها بالعالم، ما من شأنه أن يدفعها الى تبني سياسات أكثر مسؤولية اقليمياً. وتابع أوباما أنه يتوقع أن تفتح المحادثات النووية الباب أمام محادثات غير نووية مع طهران، خصوصاً في الشأن السوري.

كذلك اعتبر أوباما ان أولى بوادر الانعكاسات الايجابية للاتفاقية النووية مع ايران تتمثل بمبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الاتصال بواشنطن، ومفاتحة نظيره الأميركي في الموضوع السوري، للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة في العام ٢٠١١. وقال أوباما إنه يبدو أن بوتين قلق من اهتزاز الرئيس السوري بشار الأسد وقواته وامكانية انهياره، وهو ما حدا ببوتين الى محاولة تجديد الاتصال مع أميركا للدفع باتجاه تسوية سلمية تنقذ الأسد من المأزق، الذي صار أقرب حلفائه كبوتين يعتقدون انه محتم.

طبعاً أقوال أوباما هي مزيج من التناقضات التي تخفي السياسة الفعلية لادارته. فأوباما، وعلى الرغم من تكراره الممل ان لا مستقبل للأسد في سوريا، الا انه يعتقد بضرورة الحفاظ على الأسد ونظامه الى ان يتم التوصل لاتفاقية بين الرئيس السوري ومعارضيه. ويبدو أن تصور أوباما للاتفاقية هو غير واقعي على الاطلاق، ويقضي بأن يقوم الأسد بتسليم من يخلفه مفاتيح قصر المهاجرين قبل رحيله. 

بوتين يعلم أن أوباما يرغب في بقاء الأسد، لذا اتصل به لتحذيره من إمكان انهيار قوات الرئيس السوري وحلفائه ووصول قوات المعارضة الى دمشق واستيلائها عليها. وكنا أشرنا في "المدن" قبل اسابيع الى ان واشنطن مارست ضغطاً هائلاً على حلفائها الاقليميين لوقف "هجوم الجنوب" الذي شنه الثوار ضد الأسد. ورفضت واشنطن السماح للثوار بوصل صفوفهم في الجنوب مع القوات المعارضة المتمركزة في ضواحي دمشق. وقامت ادارة أوباما لهذا الغرض بالايعاز الى بعض حلفائها باقفال باب الامدادات والتسليح عن بكرة أبيه، في حال استمر الثوار بهجومهم الجنوبي ضد الأسد وقواته.

إذاً ما يقوله أوباما حول استراتيجيته القاضية بـ"البناء" على الايجابية المتولدة عن الاتفاقية النووية للخوض في حوار مع ايرانيين للتوصل الى تسوية في سوريا هو حديث فارغ.

أما أبرز دليل على هرطقة أوباما حول اشراك ايران في الحل في سوريا، فيتمثل في أنه لطالما استماتت ايران للمشاركة في الحوار السياسي للتسوية السورية، على غرار ما حاوت فعله في مؤتمر "جنيف ٢" في بداية ٢٠١٤، الذي تلقت قبله دعوة من الأمم المتحدة -بإيعاز من واشنطن- لحضور المؤتمر المذكور بين الأسد ومعارضيه. لكن تهديد المعارضة وقتذاك بمقاطعة المؤتمر هو ما أجبر الأمم المتحدة على سحب الدعوة.

كموسكو وطهران، تخشى واشنطن انهيار الأسد، وترغب في بقائه. على ان التباين بين العواصم الثلاث يكمن في تصورهم لما يحدث بعد نجاة الأسد من مخالب الثوار، فأميركا تريد استبدال الأسد بشخص مطابق له سياسياً، يدّعي تشكيل حكومة وحدة وطنية على غرار الحل العراقي الباهر. أما روسيا، فهي تريد إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ٢٠١١، وإعادة تأهيل الأسد، والحفاظ عليه كديكتاتور علماني حليف لها. إيران، بدورها، تستميت للمشاركة في المؤتمرات حول سوريا حتى تحوّل الأسد رسمياً إلى دمية بين يديها، بعدما نجحت في فعل ذلك على الأرض. فطهران، بعدما تسلمت زمام الأمور عسكريا في سوريا، تريد اعترافاً دولياً بأنها صاحبة الكلمة العليا في سوريا، وأن الأسد هو -مثل باقي ميليشياتها- قوة تابعة لها وتأتمر تماماً بأمرها.

أما التناقض الأخير في ما قاله أوباما حول سوريا فيتمثل في أن بوتين لم يتصل للتباحث في مصير الأسد بسبب التوصل لاتفاقية نووية مع ايران، بل هو اتصل لأنه قلق من ضغط الثوار عسكرياً على دمشق، وهو ضغط لا يحق لأوباما أن يتبجح أن سياساته الرعناء هي التي تسببت به.

الجمعة، 17 يوليو، 2015

مصرع أردني من مواليد الكويت بعد قتله 5 عسكريين أميركيين في تينيسي

واشنطن - من حسين عبدالحسين

في اللحظة التي بدأ الأردني - الأميركي، الكويتي المولد، محمد يوسف عبدالعزيز، 24 عاماً، بإطلاق النار باتجاه مركز تجنيد تابع لقوات المارينز، عند العاشرة والنصف صباحا بتوقيت تشاتانوغا في ولاية تينيسي الجنوبية، وقبل شيوع الخبر عبر الاعلام، أطلق حساب «تويتر» باسم «أبو محمد الخراساني» – وهو حساب يعتقد انه تابع لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) – تغريدة جاء فيها «أيها الكلاب الاميركيين، قريباً، سترون العجائب». وتم ارفاق التغريدة بمفاتيح كلمات «تشاتانوغا» و«يو اس أي» و«داعش».

وراح ضحية الهجوم أربعة من المارينز وعنصر شرطة، قبل موت الجاني بطلقة لم يعرف إذا ما كانت عناصر الأمن أطلقت عليه أم أنه أطلقها على نفسه انتحاراً.

وكان محمد عبدالعزيز بدأ اطلاق النار من سيارته «الموستانغ» المكشوفة أمام مركز عسكري، ثم قاد لمسافة 12 كيلومتراً ووصل الى مركز آخر، وهناك أطلق النار فقتل المارينز الأربعة. ويبدو ان الجاني تبادل إطلاق النار مع الشرطة، فقتل شرطي.

وفي الساعات التي تلت الحادثة، تضاربت التقارير الصادرة عن الوكالات الحكومية الفيديرالية، فأعلن «مكتب التحقيقات الفيديرالي» (اف بي آي) أن الجاني لم يكن على أي لائحة مراقبة، فيما أكدت مصادر في وزارة الدفاع (البنتاغون) ان محمد عبدالعزيز كان على لائحة دولية تحظر ركوبه الطائرات المدنية، وأنه كان «على رادار» السلطات الأميركية، أي انها كانت تراقبه وتراقب حركاته واتصالاته.

وتظهر السجلات الأمنية للسلطات المحلية في تشاتانوغا انه تم إيقاف محمد عبدالعزيز في 21 ابريل الماضي واعتقاله بتهمة «القيادة مخموراً». واعتبر الخبراء والمحللون ممن أطلوا عبر وسائل الاعلام الأميركية وجود تناقض بين اعتقال عبدالعزيز بعد ضبطه يقود مخموراً وارتباطه بـ «داعش».

وعبدالعزيز أردني من مواليد 5 سبتمبر 1990 في الكويت. انتقل الى الولايات المتحدة مطلع الألفية الثانية، حيث حازت عائلته على الجنسية الأميركية، فدرس في «ثانوية ردبانك» والتحق بـ «جامعة تينيسي» وتخرج منها في العام 2012 باختصاص مهندس كهرباء.

وأكدت وزارة الداخلية الكويتية في بيان أمس، أن «الارهابي مطلق النار في أميركا ليس كويتياً في الاصل كما ورد في بعض وسائل التواصل الاجتماعي وإنما أردني من مواليد الكويت عام 1990». وأضاف البيان أن الارهابي «زار الكويت في 31 مايو 2010 وأمضى فيها 18 يوماً ثم غادرها الى الاردن».

وفور شيوع نبأ الحادث، أصدر «مكتب التحقيقات الفيديرالي» بياناً جاء فيه انه «من المبكر التكهن بدوافع مطلق النار في الوقت الحالي». ووعد المكتب بإجراء «تحقيق وافٍ حول هذه الحادثة المأسوية وتقديم تحديثات فور جهوزها».

وقال فريد فليتشر قائد شرطة تشاتانوغا في مؤتمر صحافي إن «عدداً كبيراً من الضباط احتشدوا للتعامل مع هذا المجرم الوقح... وأصيب أحد الضباط بنيران هذا المجرم.»

بدوره، وصف الرئيس باراك أوباما، في كلمة مقتضبة، الهجوم بالمأسوي الذي ارتكبه «مسلح منفرد». وقال انه على اتصال بوزارة الدفاع للتأكد من أن أمن المنشآت الدفاعية مضبوط. ووعد بأن تقوم الأجهزة الفيديرالية بتقديم تفاصيل أكثر حول الهجوم حال توافرها.

وتشاتانوغا، مدينة واقعة على نهر تنيسي موجودة في الجزء الجنوبي الشرقي من الولاية ويقطنها نحو 173 ألفا.

في غضون ذلك (أ ف ب)، تمنى الرئيس الاميركي باراك اوباما للمسلمين في الولايات المتحدة والعالم «عيداً مباركاً» لمناسبة حلول عيد الفطر، مشيداً بالمبادرة التي اطلقتها بلدية نيويورك لجهة جعل هذا العيد يوم عطلة مدرسية.

وقال اوباما في بيان أن «يوم العطلة هو وسيلة لتذكير كل اميركي باهمية احترام جميع الديانات والمعتقدات»، مشيداً بالمبادرة التي قامت بها مدينة نيويورك من خلال اضافة عيدي الفطر والاضحى الى ايام العطلة المدرسية.

واضاف أن هذا القرار يمثل «اعترافاً بالتنوع والطابع الشمولي اللذين يضيفان الى ثراء امتنا».

واعتباراً من السنة الدراسية المقبلة لن يقصد تلامذة نيويورك مدارسهم يومي الفطر والاضحى، وذلك تنفيذاً لقرار اصدره رئيس بلدية المدينة بيل دي بلازيو في مارس وقضى بإضافة هذين العيدين الى ايام العطلة المدرسية.

الخميس، 16 يوليو، 2015

عن العقوبات الباقية على إيران

حسين عبدالحسين

"سنبقي عقوبات كبيرة على فيلق القدس والكيانات المرتبطة به"، يقول مسؤول أميركي كبير تعليقا على التوصل لاتفاقية نووية مع إيران. "وسنبقي بالتأكيد العقوبات على قاسم سليماني، قائد (فيلق القدس في) الحرس الثوري الإيراني، لجملة من الأسباب بما فيها دعم الإرهاب والنشاطات في سوريا"، يضيف المسؤول، ويتابع ان واشنطن لن ترفع "العقوبات التي تستهدف دعم إيران لمجموعات إرهابية، مثل حزب الله، بسبب تدخلاتها الإقليمية في سوريا واليمن، ولتجاوزاتها في حقوق الانسان".

ويصرّ المسؤول الأميركي ان بلاده لن ترخي قبضتها لناحية برنامج إيران للصواريخ البالستية، او "استيرادها وتصديرها السلاح الى مناطق تثير قلقنا مثل سوريا واليمن وليبيا"، هذا فضلا عن بقاء حظر الأمم المتحدة على استيراد إيران الأسلحة على أنواعها حتى العام 2020، وعلى الصواريخ البالستية حتى العام 2023.

ومن نافل القول ان المسؤول الأميركي "يستهبل"، حسب التعبير العامي في المشرق العربي، ويزيد في بلاهته إصراره ان الإدارة ستبقي على مرسومين اشتراعيين يفرضان عقوبات على كل من إيران وكوريا الشمالية وسوريا بموجب قانون صادر عن الكونغرس في العام 2006، وما تجربة كوريا الشمالية وأسلحتها النووية، ونظام الأسد وسلاحه الكيماوي – قبل وبعد مجزرة الغوطة في العام 2013 – الا دليل على النجاح الباهر لإدارة الرئيس باراك أوباما في تطبيق عقوبات تؤدي الى حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل ومنع استخدامها.

اما الطامة الكبرى فهي ان السيد المسؤول الأميركي يعتقد انه يمكن ان يهدئ من روع مخاوف ضحايا الحجي قاسم بالتأكيد ان العقوبات المفروضة على الجنرال الإيراني باقية في مكانها، وكأن سليماني ينفق على نشاطات "الحرس الثوري الإيراني" في لبنان والعراق وسوريا واليمن من حسابه الخاص، او كأن دخول الخزينة الإيرانية 150 مليار دولار، هي قيمة الأرصدة الإيرانية المجمدة حول العالم التي ستستعيدها طهران بموجب الاتفاقية النووية، ستبقى أموالا عصية على سليماني وميليشياته.

ربما كان الأجدى بالسيد المسؤول الأميركي ان يشرح للصحافيين الذين كان يتحدث إليهم كيف وصلت دبابات ابرامز الأميركية الى ايدي "كتائب حزب الله" العراقية الموالية لطهران. وربما كان الأحرى بالمسؤول الأميركي ان يشرح الفارق بين "الكيانات المرتبطة" بفيلق القدس وسليماني، وميليشيات "الحشد الشعبي" العراقية التي تتسلم مرتباتها من وزارة الداخلية العراقية بمراقبة أميركية، حسب تصريح رئيس الأركان مارتن ديمبسي في الكونغرس الأسبوع الماضي. قد تفضي الاتفاقية مع إيران الى تجميد برنامجها النووي، او وضعه على الأقل تحت مراقبة دولية أكثر تشددا تجعل من الأصعب تحويله من مدني الى عسكري.

لكن على إدارة أوباما ان تتوقف عن الاستخفاف بعقول الناس، وان تمتنع عن الإصرار على الفصل بين الاتفاقية النووية مع إيران وبين العلاقة الأميركية الإيرانية بشكل عام، حيث يكرر مسؤولو أوباما انها علاقة ستبقى متوترة، ما يعني ان الاتفاقية النووية لن تؤثر في ميزان المواجهة المندلعة بين حلفاء إيران وخصومها في منطقة الشرق الأوسط.

في جولة بغداد صيف 2012، فاجأ الوفد الإيراني النووي المفاوض نظرائه بطلب الاستطراد بالحوار ليشمل سوريا، وقدمت إيران يومذاك ورقة قالت انها بمثابة حل نووي – سياسي. يومذاك لم تكن واشنطن مستعدة لخلط النووي بالسياسي، ولكن منذ نشوء قناة عمان السرية في صيف 2013، أدركت واشنطن ان الاتفاقية مع إيران عنوانها نووي ومضمونها سياسي شامل، وان فيها ضمنيا ملفات سوريا ولبنان والعراق واليمن.

ربما لم يرد في نص الاتفاقية تلميحات الى شؤون شرق أوسطية غير نووية، لكن أوباما قال مرارا ان إيران دولة عريقة وجديرة بزعامة إقليمية، وانه لا مانع من رفع العقوبات الدولية عنها لتمويل الزعامة الايرانية وتأهيلها. اما الحجي قاسم، فهو إيران وإيران هو، وأبله أي مسؤول أميركي يعتقد انه يمكن الفصل بين الاثنين.

أوباما: إيران جزء من الحل في سورية وبوتين يخشى انهيار الأسد

واشنطن - من حسين عبدالحسين

عجيب أمر الرئيس باراك أوباما. ففي حملته لحشد تأييد الرأي العام الأميركي والكونغرس للاتفاقية النووية مع إيران، أطلّ أكثر من مرة، وأطلق جملة من المواقف ناقض بعضها بعضاً.

في مقابلته مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أصرّ أوباما على أن الاتفاقية النووية مع إيران تقتصر على منعها من حيازة أسلحة نووية على مدى العقد المقبل، وأن أميركا لم تغير مواقفها الأخرى لناحية تمسّكها بالعقوبات غير النووية على طهران واستمرارها في المواجهة ضدها في ملفات شرق أوسطية غير نووية.

في المقابلة نفسها، قال الرئيس الأميركي إن من شأن الاتفاقية النووية ان تعيد شبْك إيران بالمجتمع الدولي، وإن هذا قد يؤدي الى تعديل تطرّفها، وهو ما يجعل للاتفاقية هدف آخر خارج السياق النووي، أي على عكس ادعاءات أوباما في الإجابة السابقة.

في مؤتمره الصحافي في البيت الأبيض، ذكر أوباما أن لا حلّ في سورية من دون إيران، وأن واشنطن ستبني على الحوار النووي مع طهران للانخراط في حوار في الموضوع السوري وفي شؤون محاربة الإرهاب في العراق.

تطوير الحوار الأميركي - الإيراني، ليشمل مواضيع غير نووية كسورية والعراق واليمن، يناقض أقوال أوباما، وكبار مسؤوليه ممن تحدثوا الى الصحافيين في جلسات مغلقة، حول تمسّك واشنطن بمساندة حلفائها بمواجهة طهران بمعزل عن «الاتفاقية التاريخية» في فيينا.

وعن سورية، أفاد أوباما لصحيفة «نيويورك تايمز»: «لقد تشجّعت حينما اتصل بي السيد (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين قبل أسبوعين وفاتحني بالحديث حول سورية». وأضاف: «أعتقد أنهم (الروس) يرون ان نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد تتراخى قبضته على مساحات أكبر فأكبر داخل سورية، وأن إمكانية الاستيلاء على أو القضاء على النظام السوري، ليست محسومة، ولكنها أصبحت خطراً يتعاظم كل يوم، وهو ما يعطينا فرصة للمباشرة في حوار معهم (الروس)».

وفي المؤتمر الصحافي، قال أوباما إن مشاركة إيران في الحوار حول سورية أمر مطلوب. وهذه المرة الأولى التي يقول مسؤول أميركي هذا الأمر بهذه الصراحة، بعدما أجبرت المعارضة السورية الأمم المتحدة على سحْب دعوة كانت وجهتها لإيران لحضور «مؤتمر جنيف - 2»، الذي جمع النظام والمعارضة مطلع 2014.

«لن نحل المشاكل في سورية من دون انخراط الروس والإيرانيين والأتراك وشركائنا الخليجيين»، ذكر أوباما في مؤتمره الصحافي. ثم وصف الوضع في سورية بأنه فوضوي، وأضاف أن «هناك فصائل عدة، وأموالاً كثيرة، واسلحة تتدفق الى المنطقة، واختلط الأمر بمناورات طائفية وجيوسياسية».

حتى «نحل الموضوع» السوري، تابع أوباما: «يجب ان يكون هناك اتفاق بين القوى الأساسية المهتمة بسورية، ولن يكون هناك فوز على أرض المعركة». وأردف: «إيران هي واحدة من اللاعبين، وانا اعتقد انه من المهم (للإيرانيين) ان يكونوا جزءاً من هذا النقاش».

وأضاف أوباما مشاكل إقليمية أخرى الى الأزمة السورية، موضحاً: «مازالت لدينا مشاكل في دعم إيران للإرهاب، وتمويلها تابعيها مثل (حزب الله)، الذي يهدد إسرائيل والمنطقة، (فضلاً عن) نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك في أماكن كاليمن».

لذا، يأمل أوباما ان يتطور الحوار النووي مع إيران الى حوار حول هذه المواضيع: «أملي هو انه بالبناء على هذه الاتفاقية (النووية)، يمكننا ان نستمر في حوار مع إيران يحفّزها على التصرّف بطريقة مختلفة في المنطقة، وان يكونوا أقل عدوانية، وأكثر تعاونا، وان يتصرفوا كما نتوقع ان تتصرف الدول في المجتمع الدولي».

وأكمل أوباما: «لكننا لا نعوّل على ذلك، لذا فالاتفاقية لا تعتمد على تغيير إيران تصرّفاتها، ولا هي مرتبطة بأن تتحول إيران فجأة الى ديموقراطية ليبرالية».

عن العراق، أشار أوباما إلى أنه من الواضح ان «لإيران نفوذاً في العراق، فالعراق فيه غالبية سكانية شيعية، ولديهم علاقات مع إيران، بعضها طبيعي... وبعضها الآخر أقل شرعيّة، مثل عندما نرى إيران تمول ميليشيات شيعية قامت في الماضي بقتل اميركيين ويمكن ان ترتكب فظائع إذا ما احتلت مناطق سنّية».

لكن على الرغم من التعاون مع إيران في سورية واليمن والعراق، لا يتوقّع أوباما عودة العلاقات الأميركية - الإيرانية. «أريد ان أكرر ما سبق ان قلته، لم نقم، ولا أتوقع اننا سنقوم بذلك في المستقبل القريب، بإعادة العلاقات الديبلوماسية الطبيعية مع إيران، لذا فأنا لا أرى مجموعة اتفاقيات رسمية مع إيران حول كيف نقوم بمكافحة (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) داعش»، ختم أوباما.

في غضون ذلك، قالت مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، إن وزير الدفاع اشتون كارتر سيسافر إلى السعودية في إطار جهود إدارة الرئيس أوباما لاقناع الحلفاء المتشككين في المنطقة بمزايا الاتفاق النووي مع إيران، وستشمل الجولة توقفا في اسرائيل.

الأربعاء، 15 يوليو، 2015

تقرير / شعور أميركي بهزيمة نووية حاولت الإدارة تصويرها... نصراً

واشنطن - من حسين عبدالحسين

باستثناء الرئيس باراك أوباما، الذي وقف والى جانبه نائبه جو بايدن في خطاب متلفز أثنى فيه على الاتفاقية النووية مع ايران، وباستثناء الدائرة الصغير المحيطة به من مستشارين من امثال فاليري جاريت وروبرت مالي، ساد شعور في عموم الاوساط السياسية في العاصمة الأميركية بأن ايران حققت فوزا مؤكدا على الولايات المتحدة بتخلصها من العقوبات الاقتصادية الدولية القاسية التي كانت مفروضة عليها واحتفاظها في الوقت نفسه بـ «البنية التحتية» لبرنامجها النووي الذي يسمح لها بالتحول الى دولة نووية في موعد اقصاه 25عاما.

وعلى رغم ان للكونغرس حرية رفض الاتفاقية في الايام الستين المقبلة، الا انه سيحتاج الى ثلثي مجلسي النواب والشيوخ للهروب من الفيتو الرئاسي، وحتى لو تمكن الكونغرس من فعل ذلك، يبقى في يد الرئيس الاميركي صلاحية تنفيذ الاتفاقية في مجلس الأمن وعبر مراسيم اشتراعية، وهو ما عزز شعور معارضي «الاتفاقية السيئة» مع ايران بالهزيمة.

وشنت ادارة أوباما «هجوماً اعلامياً» لاظهار ان الاتفاقية جاءت في مصلحة الولايات المتحدة. وأطل الفريق الرئاسي «بدءا من وزير الخارجية جون كيري ومرورا بعدد كبير من المستشارين والخبراء المقربين من البيت الأبيض» ليكرر النقاط التي تحسبها الادارة الأميركية في مصلحتها.

وتصدرت هذه النقاط موافقة ايران على قيام مفتشي «وكالة الطاقة الدولية الذرية» بدخول المنشآت النووية الايرانية بشكل متواصل ومراقبتها. وتسلحت ادارة أوباما باعلان مدير الوكالة يوكيا امانو توقيع وكالته وايران «خارطة طريق» تنص على كيفية الكشف عن نشاطات ايران النووية الماضية كمقدمة لاحاطة الوكالة بتفاصيل البرنامج كاملاً، بما في ذلك زيارة موقع بارشين العسكري واجراء مقابلات مع علماء نوويين ايرانيين.

لكن المشككين، من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، اعتبروا ان ايران لم توقع على البروتوكول الاضافي لمعاهدة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، والقاضي بدخول المفتشين اي مواقع ايرانية يرغبون بزيارتها «في اي مكان وفي اي وقت». واعتبر المشككون ان باستثناء المنشآت الايرانية المعروفة، التي سيتم فرض مراقبة متواصلة عليها، لن يكون بمقدور المفتشين اجراء زيارات مفاجئة لمواقع «مشتبه بها»، وانهم ان ارادوا ذلك، توجب عليهم اعلام ايران اولا، ويمكن لايران الاعتراض على الزيارة، وفي الاثناء تفقد الوكالة عنصر المفاجأة في التفتيش.

وسرت انباء في العاصمة الأميركية ان الادارة مارست ضغطاً كبيراً على امانو والوكالة لاجبارهم على قبول توقيع التسوية، او «خريطة الطريق»، بالشكل الذي ارادته أميركا وبتنسيق اميركي-ايراني. ومن دون اقتراح تقدمه الوكالة لمجلس الأمن، كان سيكون متعذرا رفع العقوبات عن ايران.

وبسبب تراجع الوفد الاميركي عن البروتوكول الاضافي، حاولت واشنطن تسليط الضوء على قبول ايران تخفيض مخزونها من اليورانيوم وحصره باليورانيوم المخصب بنسبة اقل من 4 في المئة وبكمية 300كغ فقط، وحصر عدد الطرود المركزية بأقل من ستة آلاف. لكن المعارضين للاتفاقية اعتبروا ان هذه الشروط ملزمة لفترة زمنية محددة تصبح ايران بعد انقضائها في حلٍ من الالتزام بالكمية المفروضة بموجب الاتفاقية النهائية التي تم التوصل اليها.

ثالث المواضيع التي حاول الفريق الرئاسي التعمية عليها هي تراجع الولايات المتحدة عن معارضتها رفع الحظر الكامل عن قرار مجلس الأمن للعام 2010، والذي يحظر على ايران استيراد أسلحة. وتحت ضغط ايراني - روسي، وافقت أميركا على تعديل هذا الحظر ليسمح لايران استيراد أسلحة من غير الصواريخ الباليستية. حتى هذه، يسقط الحظر عليها بعد خمس سنوات فقط، حسب الانباء المتواترة من العاصمة فيينا حيث اختتمت المفاوضات.

ختاما، حاولت الادارة الأميركية تسليط الاضواء على معارضي الاتفاقية من صفوف الجمهوريين واسرائيل واصدقائها، لكن الادارة لم تتمكن من حجب التشكيك الاهم الذي برز من مؤيدي أوباما عادة، وخصوصا من الديموقراطيين. وبدا ذلك جليا في ما كتبه دايفيد سانغر مدير مكتب واشنطن لصحيفة «نيويورك تايمز»، وقال فيه انه صار واضحاً ان «لا شيء في الاتفاقية يمنع ايران من ان تتحول الى دولة نووية لاحقاً»، معتبراً أن جلّ ما تفعله الاتفاقية هو «تأجيل ذلك اليوم» الذي تصبح فيه ايران نووية.

ولفت سانغر الى المقارنة مع انفتاح نيكسون على الصين في السبعينات مع الاتفاقية مع ايران، وهي مقارنة لطالما لجأت اليها الادارة لتبريرها المفاوضات مع طهران، وقال سانغر ان مهندس الانفتاح على الصين وزير الخارجية الجمهوري السابق هنري كيسنجر نفسه كتب مقالة «بالاشتراك مع نظيره الديموقراطي جورج شولتز» شككا فيها بجدوى الاتفاقية، واعتبرا انه من الصعب ان تؤدي الى «تغيير ثلاثة عقود ونصف من العداء والنشاط الايراني» ضد أميركا.

واعتبرت الغالبية الساحقة من اعضاء الكونغرس والمحللين، من الحزبين، ان كل ما توصلت اليه الاتفاقية هو اعادة الاوضاع الى ما كانت عليه في العام 2008، مع فارق وحيد يكمن في رفع العقوبات المفروضة على ايران والافراج عن ارصدتها المالية التي يمكن لطهران استخدامها لرفع نسبة عدائها للولايات المتحدة وحلفائها حول العالم.

ولفت باحثون الى ان التصريحات الايرانية المعادية للولايات المتحدة استمرت حتى في الايام الاخيرة، على الرغم من قيام النظام الايراني بنقل مباشر لتصريحات أوباما التي أشاد فيها بالتوصل الاتفاقية. وقال الباحثون ان يوم الجمعة الماضي، أحرق متظاهرون ايرانيون اعلاما اميركية امام مرأى ومسمع العالم، وانه قبل ايام اطلق مرشد الثورة علي خامنئي تصريحات حث فيها زواره من الطلبة «الاستعداد لمقارعة الاستكبار»، التي أكد انها ستستمر.

إيران كسبت معركة وستخسر الحرب

حسين عبدالحسين

الصور التي تلت إعلان الاتفاقية النووية بين مجموعة دول خمس زائد واحد وإيران أظهرت المسؤولين الإيرانيين مغتبطين. يبتسمون. يلوحون. يتحدثون عن انتصار. في الجانب الأميركي، بدا كل المسؤولين متجهمين. حتى أوباما الذي أراد اعلان النصر في خطابه، بدا مقطب الحاجبين. أعضاء الكونغرس تناوبوا على توجيه الهجوم اللاذع على أوباما وصحبه. وزير الخارجية جون كيري فقد صوابه اثناء احدى مقابلاته التلفزيونية. صرخ في وجه المذيع بسبب إحباطه. واشنطن لم تستقبله بالورود، بل استقبلته بعاصفة من الانتقادات كالتي استقبل البريطانيون بها رئيس حكومتهم نيفيل تشمبرلاين بعد عودته من برلين حاملا ورقة اتفاق مع ادولف هتلر، زعيم ألمانيا، الذي لم يلبث ان أرسل دباباته لتحتل بولندا وتدوس على الاتفاقية مع البريطانيين والفرنسيين.

في السنوات الخمسة الماضية، بالكاد يمكنني ان أحصي عدد الأسئلة الكثيرة التي تلقيتها حول مصير المفاوضات النووية مع إيران. كنت أجيب ان الاتفاقية حاصلة من جانب الاميركيين، وانه إذا ما لم يتلقف الإيرانيون عرض أوباما، قد يندمون. من الواضح، لم يكن ما رددته سرا، فالإيرانيون كانوا يعرفون ما أعرفه، ولكنهم أرادوا تلقين أوباما – المغرور بقدراته وديبلوماسيته – درسا، فتلاعبوا به في ربع الساعة الأخير، وخبأوا أكبر مطالبهم حتى اللحظة الأخيرة، بعدما كانوا قبضوا المطالب التي صوروها “خطوطا حمراء” في الجولات السابقة.

وعلى مدى عشرين شهرا، كان الإيرانيون يحصلون على تنازل تلو الآخر من الاميركيين. في كل مرة، تصرف الإيرانيون وكأنه مطلبهم الأخير وكأن الاتفاقية كانت في المتناول، فتنازل الاميركيون، وفي كل مرة لم يصلوا لاتفاق. وأعاد الإيرانيون الكرة مرارا حتى يوم الجمعة الماضي.

مساء الخميس، قال وزير خارجية إيران جواد ظريف للصحافيين الاميركيين في فيينا ان الاتفاقية ستعلن صباح الجمعة. طار كيري من الفرح ودعا نظراءه للحضور الى فيينا للمشاركة في الحفل الختامي. ثم عندما اتصل كيري بظريف ليأخذ موافقته النهائية، استغرب ظريف الأمر وقال ان ما سمعه كيري هو “حديث صحافيين”، وان إيران مازالت متمسكة بآخر مطالبها، أي رفع حظر الأمم المتحدة الذي تفرضه على استيراد طهران للسلاح. غضب كيري وخرج الى الاعلام متمتما تصريحا متناقضا عكس ارتباكه وقال فيه ان المفاوضات مستمرة ولكنها لن تستمر الى الأبد. ثم، رأى أوباما ان الاتفاقية التي يسعى بيأس اليها كاد ان يقطفها، فقدم تنازلا جديدا. هذه المرة أدرك الإيرانيون انهم حصلوا على كل ما ارادوه، فسربوا لوكالة “اسوشيتد برس” ان اعلان الاتفاقية سيتم الثلاثاء، بعدما منح ظريف موافقته لكيري مساء الاثنين. واتصل كيري بأوباما الاثنين مساء، وأبلغه ان الاتفاقية حاصلة. واتصل أوباما بكبار أركان الكونغرس ليعلمهم بالأمر قبل ان يلقي خطابه صبيحة اليوم التالي.

أفلحت إيران. أثبت مسؤولوها ان بإمكانهم التلاعب بإدارة أميركية يقودها مراهقون في السياسة الخارجية من أمثال أوباما وكيري. ولشطارتها، ستحصل إيران على مقدم قدره 150 مليار دولار، وستعود مصدرة نفطية مع موارد محترمة ومع مقدرة على شراء الأسلحة على أنواعها، علنا. وقد يجد حلفاء إيران أنفسهم يعومون في “الفلوس”: بشار الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان وأنصار الحوثي في اليمن.

لكن بذور انكسار إيران موجودة في انتصارها نفسه، فالمصالحة مع أميركا تعني انه لن يسع مرشد الثورة علي خامنئي وصحبه بعد الآن تحميل “الاستكبار” الغربي مسؤولية الفقر الذي يعاني منه الإيرانيون. فالأموال الإيرانية المتوقعة، على وفرتها، لن تغطي تكاليف مغامرات إيران التوسعية في الإقليم، مضافة الى انفاقها الحربي وفساد مسؤوليها.

هكذا، عندما يرفع العالم العقوبات عن إيران ويجد الإيرانيون انهم مازالوا يعيشون على الهامش الاقتصادي نفسه، قد يجد نظام إيران نفسه مهزوزا، وهو ما سيدفعه على الأرجح الى المزيد من المغامرات الخارجية والنووية لامتصاص النقمة الداخلية.

كذلك سيخرج أوباما من الحكم في أقل من سنة ونصف، ولا ضمانات للإيرانيين ان من سيخلفه سيتغاضى عن الممارسات الإيرانية، بل قد يلجأ الخلف الى سياسة معاكسة مع طهران، تماما كما شكلت سياسة أوباما نقيض سياسة من سبقوه. وقد يدفع الجفاء بين الرئيس الأميركي الجديد وإيران الى شعور جديد لدى النظام الإيراني بأن مستقبله متأرجح، وبأن أميركا تسعى الى تقويضه، فيدفعه ذلك الى الاستمرار سرا في البرنامج النووي وعدم الالتزام بالاتفاقية المذكورة.
منذ اليوم الأول للمفاوضات، بنى أوباما استراتيجيته على فتوى لخامنئي حرم بموجبها صناعة او اقتناء السلاح النووي. والفتوى المذكورة صدرت في العام 2003، يوم شعر خامنئي بالخوف بعدما رأى الجيوش الأميركية تقف على عتبة العراق لتغزوه. لكن بعد زوال خوفه، قامت إيران سرا ببناء منشأة فوردو النووية المحصنة، وخبأت اختباراتها النووية التسليحية في منشأة بارشين العسكرية.

لا شك ان تاريخ إيران، النووي على الأقل، يشي بإخفاء أمور والكذب في أخرى، وهو أمر اختار أوباما ان يتجاهله، ليضيف الرئيس الأميركي تجاهله نشاطات إيران النووية السرية الى جهله بأن الفتوى – في الإسلام وخصوصا الشيعي – لا تلزم الا مقلدي صاحب الفتوى، وان الفتوى هذه يمكن نقضها بفتوى مشابهة.
إيران فازت في هذه الجولة، ولكن في ظل تصرفاتها الماضية، من الصعب رؤية كيف يمكن لمكرها الديبلوماسي ان يعينها على الاستمرار في المماطلة والفوز، خصوصا يوم يحل مكان أوباما رئيس يفقه مكنونات السياسة الخارجية ويدرك تأثيراتها.

Since December 2008