الأحد، 30 أغسطس، 2015

نظرة إلى السباق الرئاسي الأميركي وتأثيره على المنطقة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

قبل موعده المعتاد، بدأ السباق الى الرئاسة الاميركية والاستعدادات للانتخابات المقررة في نوفمبر من العام المقبل، ومع انه من المبكر التكهن بهوية أي من المرشحين، الا انه يمكن تسجيل بعض الملاحظات الاولية.

ففي الجانب الجمهوري، برز رجل الاعمال دونالد ترامب كحصان السباق الأسود بتصدره استطلاعات الرأي بين الجمهوريين. ورغم ان ثروة ترامب تسمح له بالاستمرار بالسباق حتى في غياب المتبرعين لحملته، الا ان الخبراء مازالوا يجمعون ان تربع ترامب على صدارة المرشحين الجمهوريين هو مجرد فقاعة، وانه لا شك في ان نجومية ترامب ستتراجع مع اقتراب موعد الانتخابات الحزبية التمهيدية التي تنطلق في يناير المقبل.

لكن ان صحت التوقعات ان ترامب هو فقاعة، وان المرشحين الجمهوريين الاكثر جدية منه سينجحون في اقصائه، قد لا يتمكن خصوم ترامب من ازاحته من دون اتخاذ مواقف يمينية متشددة تقابل مواقفه. وهذه مشكلة يبدو ان الجمهوريين يعانون منها منذ انتخابات الرئاسة في العام 2008، اذ تتخذ التصفيات التمهيدية طابعا يمينيا متشددا يدفع المرشحين الى الجنوح نحو اقصى اليمين لكسب تأييد القاعدة ونيل ترشيح الحزب، ثم ما يلبث المرشحون الجمهوريون ان يجدون انفسهم في سباق مع الديموقراطيين الاكثر وسطية، ما يجبرهم اما على التراجع عن مواقفهم اليمينية السابقة المتشددة، والتراجع مكلف سياسيا وانتخابيا، او التمسك بمواقفهم اليمينية وخسارتهم لاصوات الوسط.

وبعيدا عن المناورات الانتخابية، يبقى محافظ فلوريدا السابق جب بوش، نجل وشقيق الرئيسين السابقين جورج بوش، الاكثر حظوة لنيل ترشيح الحزب الجمهوري، اذ غير ترامب، بوش هو المرشح لجمهوري الوحيد الذي يتمتع بأكبر قاعدة من المانحين الماليين ممن يمكنهم تمويل حملة كبيرة وطويلة ومكلفة. وتعود الافضلية المالية هذه الى كون جب سليل اسرة بوش التي تتمتع بعلاقات سياسية ومالية واسعة نسجتها على مدى عقود.

وعلى عكس شقيقه جورج الذي كان يوصف بالبساطة، يكتسب جب صفة المثقف الذكي، لكن اداءه امام الحشود والاعلام ما زال يفتقد الى الجاذبية، ومازال جب يظهر احيانا وهو يبدو متلعثما او مترددا.

في الجانب الديموقراطي، مازالت السيدة الاولى السابقة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تتمتع بأوفر حظوظ لاقتناص بطاقة ترشيح حزبها الى الرئاسة. وتواجه كلينتون تهديدين من رجلين عقبتهما الاكبر كبرهما في السن. والرجلان هما السناتور عن ولاية فرمونت الشمالية الشرقية بيرني ساندرز ونائب الرئيس الحالي جو بايدن، الذي لم يحسم حتى الآن مسألة ترشيحه او عدمها.

ويبلغ كل من ساندرز وبايدن 73عاما، مقابل 68 عاما لكلينتون. ويعاني ساندرز من كونه عضوا في الحزب الاميركي الاشتراكي، وهو يصوت الى جانب الديموقراطيين في مجلس الشيوخ في الغالب، لكنه يحمل رسميا صفة مستقل. كذلك، يعاني ساندرز من شحة الممولين، ربما بسبب اشتراكيته المعلنة.

على انه يمكن لساندرز جمع اموال ان نجح في استقطاب فئات شعبية واسعة، وخصوصا شبابية، تمول حملته بتبرعات زهيدة ولكن كثيرة، على غرار ما فعل الرئيس باراك أوباما اثناء ترشحه في العام 2008.

اما بايدن، فنقل عنه مقربون نيته اعتزال السياسة نهائيا على اثر وفاة نجله بو قبل شهور. لكن مقربين اقنعوا نائب الرئيس بضرورة البقاء حتى انتهاء ولايته، على الأقل كرما لأوباما الذي اختاره نائبا له. ومنذ وفاة بو، يبدو ان جو تغلب على حزنه واعطى اشارات مفادها انه ما زال لم يحسم موضوع ترشحه الى الرئاسة او عدمه.

وفي حال ترشح بايدن، قد تختلط الاوراق الديموقراطية بعض الشيء، اذ ان التقليد يقضي بالتزام الحزب تلقائيا بنائب الرئيس خلفا للرئيس، لكن من غير المرجح ان يجعل ذلك كلينتون تلتزم بالتقليد او ان تمتنع عن الترشح.

وفي حال ترشح الزعيمان الديموقراطيان الى الرئاسة، اي كلينتون وبايدن، من شأن ذلك ان يؤثر سلبا في صفوف الديموقراطيين، اذ من شأنه ان يقسم صفوفهم ويبدد قسما كبيرا من امكانياتهم المالية والسياسية في فترة الانتخابات التمهيدية.

كيف يؤثر اي من المرشحين الجمهوريين او الديموقراطيين على السياسة الخارجية، خصوصا في الشرق الاوسط، اثر دخوله البيت الابيض؟

تقول الحكمة السائدة ان الجمهوريين سيعكسون سياسة أوباما بتبنيهم مواقفا اكثر حدة، خصوصا تجاه ايران وروسيا وفي ما خص الازمة السورية. الا ان الاعتقاد السائد غير مبرر، اذ من المرجح ان يلتزم اي رئيس جمهوري بمفاعيل الاتفاقية النووية مع ايران، خصوصا بعد دخول شركات اميركية السوق الايرانية. وفي حال حدوث ذلك، من المتوقع ان تمارس الشركات المستفيدة من السوق الايرانية ضغطا للابقاء على الاتفاقية مع ايران، بل وتطوير العلاقات معها.

كذلك، من الخطأ الاعتقاد ان الرئيس الديموقراطي الذي قد يخلف أوباما في الحكم سيلتزم بسياسة سلفه، اذ من المعروف ان غالبية الديموقراطيين، بمن فيهم كلينتون، تؤيد تسليح ثوار سورية في شكل يقلب الموازين العسكرية على الارض كخطوة اولى للدخول في حوار وتسوية سياسية. صحيح ان الرئيس الديموقراطي «كنظيره الجمهوري» سيلتزم بالخطوط العريضة للسياسية الاميركية كما رسمها أوباما، لكن اللمسة الشخصية لأي رئيس ديموقراطي مقبل ستحدث فرقا شاسعا في الملفات الخارجية المتعددة.

السبت، 29 أغسطس، 2015

الملك سلمان قد يعرض على أوباما دعماً لاتفاقية إيران... مقابل اليمن وسورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يتوقع الرئيس باراك أوباما أن يعطي لقاء القمة الذي ينوي عقده مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، في واشنطن الجمعة المقبل، دفعاً كبيراً للاتفاقية النووية مع ايران، التي يبدأ الكونغرس مناقشتها فور عودته من عطلته الصيفية في الثامن من الشهر المقبل.

ولقاء القمة بين الزعيمين هو الثاني من نوعه بين الرجلين، منذ تولى خادم الحرمين منصبه مطلع العام.

ولطالما عوّلت الإدارة الأميركية على الدعم الخليجي للمفاوضات، وتالياً الاتفاقية مع إيران، لتقديم هذا الدعم كحجة ضد القائلين ان حلفاء اميركا في الشرق الأوسط يعارضون الاتفاقية.

وكان وزير الخارجية جون كيري زار الرياض في مارس، والتقى زعماء دول «مجلس التعاون الخليجي»، وعند عودته، قال في جلسة استماع في الكونغرس ان الدول الخليجية، وهي المعنية الأكبر بملف إيران النووي، توافق على المفاوضات.

وقبل التوصل للاتفاقية مع إيران نهاية يوليو، استضاف أوباما الزعماء الخليجيين في قمة كامب ديفيد في مايو، وكرر الإشارة الى التأييد الخليجي للديبلوماسية مع إيران. واستند مسؤولو الإدارة الى موافقة الخليج على المفاوضات والاتفاقية لمواجهة إسرائيل واصدقائها الاميركيين ممن يعتبرون ان في الاتفاقية النووية مع إيران خطراً على حلفاء اميركا في المنطقة، وفي طليعتهم الدولة العبرية.

ولطالما أشار الجمهوريون المعارضون لأوباما والاتفاقية مع إيران الى تغيب الملك السعودي عن قمة كامب ديفيد للقول ان غياب خادم الحرمين كان بمثابة «توبيخ سعودي» بسبب الاتفاقية. لكن زيارة الملك سلمان من شأنها اسكات الجمهوريين وأصدقاء إسرائيل، وتقديم دعم قوي لأوباما، الذي يعمل منذ نهاية يوليو على حشد التأييد للاتفاقية لدى الرأي العام الأميركي والكونغرس المتوقع ان يصّوت عليها بعد أيام من زيارة الملك سلمان الى الولايات المتحدة.

ويقول المسؤولون الاميركيون ممن تابعوا زيارة وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر الى السعودية الشهر الماضي ان المسؤول الأميركي «رجا المسؤولين السعوديين قبول الاتفاقية النووية مع إيران». ويتابع المسؤولون الاميركيون ان كارتر قال للسعوديين ما حرفيته: «لا تعاملوا الاتفاقية مع إيران بالشكل الذي تتعامل معها إسرائيل».

ويضيف المسؤولون الاميركيون ممن تابعوا الزيارة ان كارتر سمع في الرياض ان المملكة «تؤيد اي اتفاقية من شأنها ان تمنع إيران من حيازة أسلحة نووية». لكن المسؤولين السعوديين «عبّروا بوضوح عن تباينهم مع واشنطن حول التأثيرات الجانبية للاتفاقية مع إيران على الملفات الأخرى في الشرق الأوسط».

ويقول الاميركيون ان السعوديين قالوا ان أوباما يكرر ان الإيجابية المتولدة عن الاتفاقية مع إيران من شأنها ان تساهم في التوصل الى حلول في الملفات الأخرى، خصوصاً في سورية واليمن، وان الرياض تختلف مع هذا الرأي، بل ان السعودية، حسب متابعي زيارة كارتر، طلبت تأييد الولايات المتحدة للمواقف السعودية في سورية واليمن مقابل الدعم السعودي للاتفاقية النووية مع إيران.

هكذا، بدا جلياً ان السعوديين يسعون الى مقايضة دعمهم للاتفاقية مقابل دعم أميركي للحسم العسكري لمصلحة السعودية وحلفائها في كل من اليمن وسورية.

ويتمثل الاختلاف في وجهات النظر بين الرياض وواشنطن في اعتقاد السعوديين ان قلب موازين القوى العسكرية على الأرض لمصلحة حلفاء السعودية هو مفتاح الحل، فيما يعارض الاميركيون الرؤية السعودية، ويحاولون عرقلة المجهود السعودي العسكري المباشر في اليمن، وغير المباشر في سورية حيث تساهم السعودية، الى جانب قطر وتركيا، في رعاية وتسليح وتمويل بعض فصائل الثوار التي تخوض مواجهات على جبهتين: واحدة ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه والثانية ضد مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

في اليمن، بعد بدء عملية «عاصفة الحزم»، لم تبد واشنطن حماسة كافية لدعم التحالف العربي الذي تقوده السعودية، ما دفع العرب الى التسوق عسكرياً في عواصم أخرى، فاشتروا من الفرنسيين صوراً لمواقع انتشار مقاتلي الحوثيين بعدما رفض الاميركيون تزويدهم هذه الصور، حسب المسؤولين الاميركيين.

اما في سورية، فالموقف الأميركي القاضي بعدم تسليح الثوار واضح، وكان آخره ايعاز الولايات المتحدة للأردن بتهديد قطع خطوط امداد ثوار الجنوب في حال عدم ايقافهم الهجوم الذي كان يهدف الى وصل مناطق الجنوب مع المناطق التي يسيطر عليها الثوار في ضواحي دمشق.

في ظلّ العرقلة الأميركية للمجهود الحربي السعودي في اليمن وسورية، يتوقع المسؤولون الاميركيون ان يكرر العاهل السعودي امام الرئيس أوباما ما سبق ان قاله امام كارتر، لناحية ان الرياض تتوقع، مقابل دعمها للاتفاقية مع إيران، وقوف واشنطن الى جانبها في حربها الدائرة ضد إيران وحلفائها في اليمن وسورية.

وما لم يسمع خادم الحرمين تعهداً من أوباما بدعم السعودية وحلفائها في هذين البلدين، يتوقع المسؤولون الاميركيون ان يطلب الملك سلمان من أوباما «حيادية أميركية»، او عدم تدخل او عرقلة حتى يتسنى للسعودية وحلفائها تحقيق انتصارات على الأرض من شأنها ان تجبر إيران – المعززة بالموارد الإضافية جراء الاتفاقية – بالحضور الى طاولة المفاوضات وتقديم بعض التنازلات، وفي طليعتها التخلي عن الأسد، كمدخل للحل والتسوية في سورية.

لقاء القمة بين أوباما والملك سلمان سيكون ودياً، حسب المسؤولين الاميركيين، لكن الحوار سيكون معقداً وشائكاً، او هذا على الأقل ما تتوقعه واشنطن، فهل يبادل أوباما ضيفه السعودي اللفتة الإيجابية فيقترب الموقف الأميركي من الموقف السعودي في اليمن وسورية، ام تصر واشنطن على حصدها التأييد السعودي للتفوق على خصومها في الداخل، من دون ان تقدم أي بادرة إيجابية في المقابل، فتتحول قمة تأكيد الصداقة بين الزعيمين الأميركي والسعودي الى قمة تأكيد الافتراق؟

مسؤولون أميركيون يستبعدون تراجعاً إضافياً للأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أثارت الدراسة التي قدمتها مجموعة أبحاث «جاينز للمعلومات» الاستشارية البريطانية، والتي أظهرت ان سيطرة قوات الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه تقلصت لتشمل 17 في المئة فقط من اجمالي مساحة سورية، اهتمام المسؤولين الاميركيين في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» ممن يراقبون عن كثب المعارك السورية المندلعة منذ العام 2011.

وقالوا ان «الأسد أدرك منذ اليوم الأول لاندلاع المواجهات، أهمية الحفاظ على أكبر مساحة ممكنة من سورية، حتى يمنع معارضيه من الحصول على موطئ قدم، وانه كان يسعى الى منعهم من الادعاء انهم يمثّلون أي جزء من سورية، لأن سيطرتهم تؤهّلهم الدخول في تسوية معه، ومشاركة النظام في الحل، وتالياً في السلطة».

وأضاف المسؤولون ان «خسارة الأسد 18 في المئة من اجمالي مساحة سورية، او ما يوازي 30 ألف كيلومتر مربع، بين مطلع العام ومنتصف هذا الشهر، يعني ان 83 في المئة من الأراضي السورية أصبحت خارج سيطرة الحكومة السورية، التي صارت سيادتها تقتصر على 17 في المئة من البلاد».

ويعتقد المسؤولون في «البنتاغون» ان «الأسد سيحصر دفاعه عن الأراضي التي يسيطر عليها، وهي تقتصر على دمشق وحمص والممر الذي يربط بينهما، وفي الشمال الغربي في المنطقة التي تنتشر فيها أقليات سورية اكبرها العلوية».

وأيد المسؤولون الاميركيون ما ورد في التقرير البريطاني لناحية ان «عديد قوات الأسد انخفض بواقع النصف، من 300 ألف مقاتل قبل العام 2011 الى 150 ألفاً اليوم، وان قوات النخبة السورية بينها خائرة القوى، ومنهمكة بالدفاع عن معاقل النظام.

ويشير التغيير في قدرات الأسد القتالية الى ان المعارك صارت بقيادة الحرس الثوري الإيراني والمجموعات العربية التابعة له، خصوصاً «حزب الله»، في وقت تلعب قوات الأسد دور الإسناد المدفعي والجوي حيث أمكن.

واستطردت المصادر الأميركية قائلة انه «على مدى الأشهر التسعة الماضية، اقتصرت عمليات قوات الأسد القتالية على الدفاع، بعد 3 أعوام من الهجوم، مع محاولات للاستيلاء على بعض النقاط الاستراتيجية والحيوية التي يسيطر عليها الثوار. لكن عمليات طرد الثوار لم تعد بالسهولة او السرعة نفسها التي كانت تقوم بها قوات الأسد و(حزب الله) قبل سنوات»، حسب المسؤولين.

ويتابع هؤلاء ان «واحدا من الأسباب التي سمحت بالصمود لمواقع تابعة للأسد معزولة وبمثابة جزر في وسط مناطق تابعة كلياً للثوار هو تصميم الرئيس السابق حافظ الأسد لقواته، على إثر محاولة الانقلاب التي قام بها أخوه رفعت ضده في النصف الأول من الثمانينات. ودفَع الانقلاب الأسد الأب الى إعادة هيكلة جيشه بعيداً عن خوض معارك ضد أعداء خارجيين، وتصميم الوحدات بشكل مستقل، يسمح لها الصمود باستقلالية عن القوات الأخرى او المناطق المحيطة».

هكذا، تحولت كل قاعدة عسكرية تابعة للأسد الى دولة قائمة بذاتها، تدافع عن نفسها، وتتلقى مساعدات اما بتموين جوي او عن طريق التهريب من خلال مناطق الثوار.

وحتى يتمكّن الثوار من الوصول الى معاقل الأسد في دمشق والشمال الغربي، عليهم إلحاق الهزيمة بمجموعة من هذه القواعد العسكرية، وهو أمر معقّد. هذا يعني ان خطوط الجبهة بين الأسد والثوار صارت شبه ثابتة، رغم محاولات الثوار الحثيثة للتقدم على جبهتين، جبهة سهل الغاب المحاذي للمناطق الشمالية الغربية، وهو إن حصل يفتح هذه المناطق امام اقتحام الثوار لها، ومناطق جنوبية على طريق درعا تفتح للثوار أبواب دمشق.

ومع حلول الربيع، شن ثوار الجنوب هجوما على قوات الأسد كان هدفه السيطرة على تلال القنيطرة في غرب سورية الجنوبي للالتفاف على خط دمشق - درعا. وكاد الثوار ان يحققوا انتصاراً لولا قيام واشنطن بالإيعاز لعمان بالتهديد بقطع خطوط التموين للثوار في حال لم يوقفوا هجومهم، فأوقف الثوار الهجوم.

اما في سهل الغاب، فما زالت المعارضة السورية، التي تسيطر على بعض قرى شرق السهل، تحاول اقتحام قرى غرب السهل ذات الغالبية العلوية. لكن الكثافة السكانية العلوية في هذه القرى، والتحصينات وتفوّق أسلحة الأسد، كلها تمنع الثوار من تحقيق أي اختراق.

الصورة السورية الحالية تشير الى ثبات خطوط الجبهة، حسب المسؤولين الدفاعيين الاميركيين، وهو ما يعني انه في المستقبل القريب قد تنحسر ضراوة العمليات وتنحصر في مناطق المواجهات، مع بعض القصف العشوائي الذي تقوم به غالبية الأطراف السورية المتحاربة بين الفينة والأخرى.

هل يؤدي ثبات خطوط الجبهات داخل سورية الى التسريع في التوصل لحوار ديبلوماسي وتسوية؟،المسؤولون الاميركيون متفائلون لأسباب غير واضحة. ربما يكون تفاؤلهم سياسياً بهدف الإيحاء بأن الاتفاقية النووية مع إيران تنعكس إيجاباً على الملفات الشرق أوسطية الأخرى. لكن الرؤية الأميركية تقضي بأن الأسد لن يدخل في تسوية ما لم يدرك اقتراب انهيار نظامه وقواته، وهذا أمر، مع استتباب الجبهات لا يبدو انه سيحدث في المستقبل القريب، ما يعني ان الحرب السورية مستمرة في المستقبل المنظور.

الجمعة، 28 أغسطس، 2015

«طلعت ريحتكم»... في واشنطن

| واشنطن - «الراي» |

يستعد بعض اللبنانيين من المقيمين في العاصمة الأميركية للتظاهر غداً، أمام السفارة اللبنانية في واشنطن، تضامناً مع تظاهرات «طلعت ريحتكم» المندلعة في لبنان منذ نحو أسبوع.

وفي السياق نفسه، تستعد الجالية اللبنانية في بعض عواصم العالم لتنظيم تظاهرات أمام السفارات اللبنانية تتزامن مع وقت اندلاعها في بيروت. وحتى الآن، وجه بعض اللبنانيين المغتربين دعوات للمشاركة في تظاهرات في واشنطن ولندن وباريس.

ويذكر المنظّمون اللبنانيون في الولايات المتحدة، أن اثنين من أبرز المنظمين للتظاهرات في بيروت، الناشطين مروان معلوف ونزار غانم، سبق أن أمضيا وقتا في واشنطن أثناء تحصيلهما العلمي، وهما حاولا تحريك أصدقاء لهم في العاصمة الأميركية من أجل تعبئة الجالية اللبنانية الأميركية ودفعها إلى التظاهر.

ووسط استمرار التظاهرات اللبنانية في بيروت، وربما بعض العواصم العالمية، حاولت «الراي» الوقوف على رأي بعض المسؤولين الأميركيين حول الوضع في لبنان، فكان لهم الملاحظات التالية:

أولاً، تعتقد غالبية المسؤولين الأميركيين أن التظاهرات لن تتحول إلى حركة اعتراضية واسعة، وأنها ستنحصر في وسط بيروت، وأن أعداد المتظاهرين ستتناقص مع الوقت، وأن التظاهرات لن تؤثر في الوضع الأمني المستتب منذ شهور بفضل توافق إقليمي محلي على تحييد لبنان - إلى حد ما - عن تأثيرات المواجهات العسكرية المندلعة في سورية منذ العام 2011.

ثانياً، قال المسؤولون الأميركيون إن موقف واشنطن هو تأييد استمرار رئيس الحكومة تمام سلام في منصبه، تفادياً للمزيد من الفراغ في السلطة التنفيذية في لبنان، وحضّ كل الأطراف على المزيد من الحوار وعلى حضور جلسة انتخاب رئيس للجمهورية في مجلس النواب، لملء الفراغ الذي خلّفه خروج الرئيس السابق ميشال سليمان من الحكم، إثر انتهاء ولايته العام الماضي.

ثالثاً، أكد المسؤولون ان واشنطن تؤيد انتخاب رئيس، ولكنها تقف على الحياد في عملية اختياره، وتعلن استعدادها التعامل مع أي رئيس يختاره اللبنانيون.

واستبعد المسؤولون اللبنانيون أن تؤدي التظاهرات إلى أي ضغط، يحمل السياسيين على تغيير مواقفهم، لناحية انتخاب رئيس وإجراء انتخابات نيابية. وقالوا إنه حسب علمهم، فإن التظاهرات عفوية ولا تتمتع بتأييد أي من المجموعات السياسية اللبنانية التي تتمتع بوزن شعبي يذكر.

واعتبر المسؤولون أن التظاهر حق مكفول في كل الدساتير والنظم الديموقراطية، ومنها اللبناني، ولا داعي للخروج عن الأعراف المعروفة التي ترعى هذا الحق. صحيح أن التظاهرات في أي بلد يمكن أن تتطور إلى مواجهات، ولكن من الحكمة تفادي التظاهرات العنيفة في منطقة مشبعة بالعنف ولا تحتاج إلى بؤرة مواجهة جديدة.



"ابو المقاومة" الاميركي في بيروت

حسين عبدالحسين

خلف الجدار العازل الذي شيده لعزل مقرّه عن متظاهري النفايات، استقبل رئيس حكومة لبنان تمام سلام وفدا اميركيا ترأسه نائب مساعد وزير الدفاع الاميركي لشؤون الشرق الوسط اندرو اكسوم. وشارك في اللقاء سفير أميركا في لبنان دايفيد هيل وعاملين في السفارة. وجاءت زيارة اكسوم كجزء من زيارة اوسع للمسؤول الاميركي تضمنت بعض العواصم الاقليمية.

واكسوم هو عسكري سبق ان شارك في حرب افغانستان مطلع العقد الماضي، وحاز على اوسمة وتنويهات. وبعد خروجه من الجيش، أقام في بيروت حيث حاز على شهادة الماجستير من "الجامعة الاميركية في بيروت"، حسب سيرته الذاتية التي وزعتها وزارة الدفاع الاميركية ابان تعيينه في منصبه قبل شهور.

لكن ما لم تقله السيرة الذاتية ان السيد اكسوم لطالما أطلق على نفسه لقب "أبو مقاومة"، تيمنا بـ "حزب الله" اللبناني. وما لم تقله السيرة الذاتية انه، على اثر تعيينه، حاول اكسوم اخفاء اي أثر للقب الذي استخدمه محللا وكاتبا ومغردا. 

واكسوم كان توجه، عبر تويتر، الى امين عام "حزب الله" اللبناني السيد حسن نصرالله، اثناء المواجهة بين احمد الأسير والجيش اللبناني في صيدا في حزيران ٢٠١٣، واثنى اكسوم على تأييد السيد نصرالله للجيش، وكتب متوجها الى "ابي هادي" انه لطالما كان التمسك بالجيش هو مفتاح الحلول. وقتذاك، كان اكسوم موظفا عاديا في مكتب وزير الدفاع الاميركي.

يومها تواجهنا، الكترونيا، وحاولت لفت نظر اكسوم ان موقفه خاطئ، وان موقف السفارة الاميركية في تأييد مواجهة الجيش ضد الاسير كان غير موفق كذلك، فعلى عكس المجموعات والافراد الذين تضعهم واشنطن على لائحة الارهابيين، لم يكن الاسير يوما على هذه اللائحة، واذا كانت المواجهة معه بهدف حظر استخدامه ومجموعته السلاح، فموضوع السلاح هذا ينطبق على مجموعات كثيرة، غير الأسير، لا تهب السفارة الاميركية لادانتها عند كل مواجهة مسلحة تكون هذه المجموعات طرفا فيها.

في المرة الاخيرة التي التقيت فيها اكسوم شخصيا، وهو من المعارف، تناقشنا مطولا، وتباينت وجهات نظرنا. اكسوم يعتقد بضرورة انفتاح واشنطن على "حزب الله" من دون شروط، واكسوم كان من اول القائلين بضرورة "الانخراط" الاميركي مع الرئيس السوري بشار الأسد بين ٢٠٠٩ و٢٠١١، ولا بد انه مازال يعتقد باعادة تأهيل الأسد كحل وحيد للأزمة السورية. واكسوم هو اول مؤيدي الاتفاقية النووية مع ايران، او حتى الانفتاح على طهران مع او من دون اتفاقية. لكن في لقائنا الاخير، قال لي "ابو مقاومة" انه قرر اعتزال الحياة العامة والانضمام لمجموعة "بوستن كونسلتنغ غروب" الاستشارية المرموقة، وتمنيت له التوفيق.

بعد فترة قصيرة في القطاع الخاص، عاد اكسوم الى السياسة بمنصب ارفع، وعاد الى بيروت، حيث اصدقاؤه كثر. ومع انه لم يتسن لي الحوار مع اي من المشاركين في لقاء سلام - اكسوم للوقوف على ما دار من حديث بينهما، الا ان من يعرف اكسوم يمكنه التكهن بما قاله المسؤول الاميركي في حضرة رئيس الحكومة اللبناني.

اليوم عاد اكسوم الى القيادة في واشنطن ليشبك ساعديه مع سواعد "مستشارين" اميركيين كثيرين، من امثال عضو "مجلس الأمن القومي" وصديق الأسد روبرت مالي، الذي شارك في المفاوضات النووية مع ايران، على الرغم من انه ليس ملماً بالشؤون النووية، ما دلّ على ان ما دار بين الاميركيين والايرانيين في تلك المفاوضات كان أوسع بكثير من الشؤون النووية.

وبين "ابو مقاومة" الاميركي وصديق الأسد ومشاركتهما في صياغة سياسة الرئيس باراك أوباما، وفي التفاوض مع حلفاء اميركا وخصومها، مثل ايران، لا يبدو صعبا التكهن بما يدور في لقاءات المسؤولين الاميركيين مع مضيفيهم الشرق اوسطيين. مع الرئيس باراك أوباما، لم يعد اكسوم وحده ابو مقاومة، بل اصبحت واشنطن بأكملها عاصمة المقاومة.

الأربعاء، 26 أغسطس، 2015

مسؤولون أميركيون: إيران مستعدّة لسيناريو في سورية... من دون الأسد

واشنطن - من حسين عبدالحسين

توقّع مسؤولون أميركيون ان يسعى الرئيس الاميركي باراك أوباما الى التوصّل الى حل للأزمة السورية، فور مرور المصادقة على الاتفاقية النووية مع ايران. ومن المقرر ان يعود الكونغرس من عطلته الصيفية في الثامن من الشهر المقبل لمناقشة وإقرار الاتفاقية التي توصّلت اليها مجموعة دول «5+1» وايران، نهاية الشهر الماضي، في فيينا.

ويسعى الحزب الجمهوري وأصدقاء إسرائيل في الكونغرس، الى تعطيل الاتفاقية مع ايران بالتصويت ضدها. ومن شبه المؤكد ان يقوم المجلسان في الكونغرس، الشيوخ والنواب، اللذان تسيطر عليهما غالبية من الجمهوريين، بالتصويت ضد الاتفاقية. لكن إسقاط الاتفاقية مع ايران في الكونغرس لن يؤثر في مسار المصادقة الاميركية عليها، إذ من المستبعد ان ينجح الجمهوريون في الحصول على غالبية الثلثيْن المطلوبة لتجاوز الفيتو الرئاسي.

ويلفت المسؤولون الاميركيون إلى تكرار واشنطن وطهران، لازمة أن المصادقة على الاتفاقية النووية من شأنها ان تؤدي الى توليد ايجابية يمكن البناء عليها لإيجاد حلول في ملفات اخرى، وفي طليعتها ملف الأزمة السورية.

ويصرّ المسؤولون الاميركيون، الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، على أن «إيران مستعدّة لسيناريو سورية من دون الرئيس السوري بشار الأسد، ولكنها قبل ان تدخل في هذا النوع من الحوار، يبدو انها تنتظر حتى تتأكد من إتمام تنفيذ الاتفاقية النووية، وبعد ذلك، تدخل في مرحلة المفاوضات للحصول على اكبر تسويات من الفرقاء الآخرين في سورية».

وأكد المسؤولون الاميركيون جازمين ان «النظام في إيران ليس متمسّكاً بالاسد»، وإنما يسعى فقط «الى رفع ثمن استغنائه عنه». وتابعوا انهم يعتقدون أن «العقبة الوحيدة امام التوصّل إلى تسوية في سورية، تتمثّل في بقاء الأسد في الحكم لأي مدة زمنية، قصيرة أم طويلة». وذكروا أن «الإمكانية الوحيدة لبقاء الاسد، تتمثّل في بقائه في الفترة الانتقالية فقط، من دون صلاحيات تذكر، حتى تتم عملية لإقامة سلطة بديلة، تتألف من عناصر في النظام والمعارضة، يمكنها ادارة البلاد فور خروج الاسد من الحكم».

لكن معارضي الادارة، خصوصاً من المسؤولين في الكونغرس وفي الحزب الجمهوري، رأوا ان «لا مصلحة لإيران بالتخلّي عن الأسد». ولفتوا إلى إنه «بعد حصولها على الاموال ورفْع العقوبات عنها، من المرجّح ان ترى ايران نفسها في موقع القادرة على إجبار خصومها الإقليميين على التراجع في سورية، وفي نفس الوقت الإبقاء على الأسد». وأضافوا أن «المقايضة التي تطرحها ادارة أوباما على طهران، تتمثّل بموافقة واشنطن على تسليم سورية لايران، في مقابل تخلّي الايرانيين عن الأسد. لكن الايرانيين لا يرون أنفسهم مجبرين على الاختيار بين خياريْن، بل تعتقد طهران - حسب المصادر الجمهورية - انه يمكنها الحصول على الاثنين معاً: السيطرة على سورية وإبقاء الأسد».

ومن الانتقادات التي يوجهها الجمهوريون، وخصوصاً في المجالس الخاصة، لفريق أوباما، يبرز الرأي القائل إنه «إذا ما ارادت الادارة تخيير ايران والمقايضة معها، فلا يمكن ان يتم ذلك بتقوية ايران، بل ان اي مقايضة مع الايرانيين تتطلب إضعاف طهران وإنهاك الأسد، ثم انتظارها حتى تأتي الى طاولة المفاوضات حول سورية».

وتردّ الادارة على الجمهوريين بالقول انه «رغم كل التشكيك الذي قام به محبّو الحروب»، وهي تسمية يطلقها أوباما وفريقه على الجمهوريين ومعارضي الاتفاقية النووية مع ايران، «برهنت الديبلوماسية أن بإمكانها التوصّل لاتفاقية تمنع ايران من حيازة أسلحة النووية».

ويبدو أن أوباما وغالبية من الديموقراطيين يعتقدون ان الجمهوريين ينظرون الى المفاوضات مع ايران حول سورية، في ظل العداء القائم بين واشنطن وطهران، ولكن «في حال تغيرت علاقتنا مع الايرانيين»، حسب المسؤولين في ادارة أوباما، «تتغير الاساليب المطلوبة، ويمكن حينها لواشنطن طلب امور من طهران، لم تكن ممكنة قبل الاتفاقية».

وحتى ينجلي غبار المعركة السياسية داخل واشنطن حول الاتفاقية مع ايران، يبدو ان المسؤولين من الحزبيْن الديموقراطي والجمهوري، يُجمعون على أن سورية ستَحُلّ في صدارة الاولويات الاميركية، فور الانتهاء من الموضوع الايراني، على الرغم من الترابط الكبير بين الملفين.

ويأتي الجدال المندلع بين ديموقراطيي أوباما ومعارضيه من الجمهوريين، في وقت كثّفت اوساط أوباما تصريحاتها، التي ترى فيها ان إمكانية حدوث اختراق ديبلوماسي لحل الأزمة في سورية صار ممكناً. ومن غير المعروف ما العوامل التي تجعل مسؤولي أوباما يعتقدون ان الفرصة مواتية لتحقيق اختراق سياسي في سورية، ولكن غالبية الخبراء يرون ان أوباما «يسعى الى تصوير الاتفاقية النووية مع ايران وكأنها صارت تولّد طاقة إيجابية، حتى قبل المصادقة عليها، وان هذه الايجابية مع ايران فتحت كوة لحل سوري».

ويأتي الحديث الاميركي عن بصيص أمل سوري، في وقت صارت الاوساط الاميركية تتحدث بثقة عن فشل البرنامج الاميركي لتدريب وتسليح «المعارضة السورية المعتدلة». كما يأتي الحديث الاميركي في وقت يعتقد كثيرون ان خطوط الجبهة في سورية صارت شبه ثابتة، وان اي اختراق ديبلوماسي يتطلب تغييراً في ميزان القوى على الارض، وهو ما لا يبدو انه سيحدث أو أن واشنطن ستسمح بحدوثه.

هلال القمامة

حسين عبدالحسين

في لبنان، أدت خطوة حكومية غير موفقة الى تراكم القمامة، ما حوّل البلاد الى جحيم اختلطت فيه الروائح الكريهة والذباب والبعوض بالحرارة المرتفعة والماء المنقطعة، فاندفع الاف المتظاهرين اللبنانيين المتذمرين الى الشارع في تظاهرة كبيرة أدت الى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن.

واللبنانيون لم يكونوا أول الثائرين بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء والماء. قبلهم، خرج الاف العراقيين الى الشوارع، معترضين، متذمرين، ومطالبين بالتخلص من طبقة من الحكام الفاسدين المتسببين بتحويل حياتهم اليومية الى معاناة متواصلة.

اما ابرز القواسم المشتركة بين بغداد وبيروت فتكمن في ان العاصمتين تخضعان لنفوذ طهران، التي تقود ما يعرف بـ “محور الممانعة”، وهو تحالف اقليمي تدفع بموجبه طهران العرب الى الحروب، فيخرج من بين عرب ايران من يقسم على مواجهة الاستكبار العالمي بقيادة أميركا، فيما ينزل وزير خارجية ايران جواد ظريف في افخر فنادق اوروبا حيث يتأبط ذراع نظيره الاميركي جون كيري ويتحدث عن الديبلوماسية والحلول السلمية بين ايران والولايات المتحدة.

وهلال مقاومة الاستكبار يمتد من غزة شمالا الى لبنان، فسوريا والعراق، جنوبا الى شط العرب حيث يصب نهرا دجلة والفرات، وهو نفس الهلال الذي تتراكم فيه النفايات، ما يؤدي الى انتشار البعوض والذباب، وتنقطع الكهرباء والماء، فيعيش السكان وكأنهم في القرون الوسطى وهم يلعنون الزمان الذي أوصلهم الى ما هم فيه.

وهلال النفايات هذا هو الهلال حيث المجموعات المسلحة، التي تصفها طهران بحشود شعبية عفوية تسلحت انتصارا لكرامتها ودفاعا عن ارضها وعرضها. وهلال الكرامة الوطنية وممانعة الامبريالية هو الهلال الذي تفشل فيه الحكومات.

وانعدام الخدمات في هلال النفايات سببه واضح، اذ لا يمكن تقويض سيادة الحكومة في النواحي الامنية واضعافها، ثم الطلب الى الحكومة نفسها ضبط الفساد، وتقديم الخدمات، وجمع الزبالة، وتأمين التيار الكهربائي والماء، فالحكومة هي منظومة متكاملة، تعطي مجموعة من المسؤولين – اي السلطة التنفيذية – المقدرة على احتكار العنف بهدف ضبط الأمن. والسلطة التنفيذية بدورها تستخدم العنف المخولة استخدامه لحماية السلطات الاخرى، كالتشريعية والقضائية، ما يسمح لها لتنفيذ احكام القضاء وإلقاء القبض على الفاسدين ومحاسبتهم.

لكن عقودا من “التعبئة” العقائدية لمجموعات غير حكومية، وتدريب هذه المجموعات وتسليحها وتمويلها، خلق قوات موازية في قدراتها — خصوصا الامنية — لقدرات الحكومات في دول مثل لبنان والعراق. وبفقدانها المقدرة على احتكار العنف، تفقد الحكومات سيادتها على اجزاء من اراضيها، فتتحول هذه الاجزاء الى ملاجئ للفاسدين والمفسدين والخارجين عن القانون. وفي مرحلة لاحقة، تتحالف تيارات سياسية مع الميليشيات، وتحتمي بها ضد الدولة، ما يؤدي الى المزيد من اضعاف الحكومة امام الفساد والفاسدين، ويقوض قدرتها على تأمين الخدمات الضرورية المطلوبة لتسيير امور البلاد وشؤون المواطنين.

ان التزاوج بين اي حكومة وميليشيات مسلحة هو أمر مستحيل، على عكس ما تقول طهران. كذلك يستحيل تحويل الحكومات الى “حكومات مقاومة”، لانها بذلك تصبح حكومات تعيش تحت رحمة الميليشيات، وهو ما يقوض سيادة الحكومة في الشؤون الامنية وسائر الشؤون الاخرى.

ستستمر الميليشيات الموالية لايران بتقويض سيادة وسلطة حكومات هلال النفايات، وستستمر هذه الميليشيات نفسها بالاصرار على انها حققت، وماتزال تحقق، انتصارات عسكرية باهرة هي بمثابة المفخرة القومية والوطنية. وفي الوقت نفسه، سيبقى سكان هلال النفايات مغلوبين على امرهم، يقال لهم انهم منتصرون، وهم كلما نظروا حولهم وجدوا انفسهم يعيشون في وسط الزبالة، ويرفعون شارات النصر بين الذباب والبعوض.

في هلال الزبالة، الانتصارات العسكرية وافرة، وكذلك النفايات.

الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

واشنطن لطهران: خذوا سوريا

حسين عبدالحسين

يمكن تلخيص سياسة إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه سوريا بأنها سياسة "تعويد" الآخرين على أفكار تقدمها الإدارة، وتلقى رفضاً لدى حلفائها ومؤيديها. ثم تتمسك واشنطن بأفكارها وتعاند، فتتحول افكارها الى "الطبيعي الجديد"، بحسب التعبير الاميركي. بهذه الطريقة روّضت الولايات المتحدة العالم، واحتوت الانتقادات بحقها لوقوفها متفرجة على المجازر الدائرة التي يروح ضحيتها عشرات آلاف السوريين، وتؤدي إلى تهجيرالملايين منهم.

ومع مرور الوقت، تبين أن واشنطن تناور حتى في المواضيع الجدية، كما في خطوط أوباما الحمراء، وتهديده بتوجيه ضربة في حال استخدام الرئيس بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، وهو تهديد تراجع أوباما عنه في ما بعد.

كذلك، أظهر الوقت ان وعود الولايات المتحدة بتسليح "المعارضة السورية المعتدلة" كانت وعوداً من باب المناورة، إذ بعد سنتين من التصريحات والنقاش مع اعضاء الكونغرس، واستحصال موافقتهم على موازنات وقوانين لتسليح حفنة من الثوار السوريين لمحاربة تنظيم "الدولة الاسلامية" فقط من دون قوات الأسد، تمسكت ادارة أوباما بالتسويف، وقدمت تبريرات ساذجة لفشل برنامجها التسليحي، من قبيل ان عدم اقبال المتطوعين السوريين على البرنامج كان سببه شهر رمضان المبارك.

اليوم، صار واضحاً أن واشنطن لا تنوي القيام بأي تحرك جدي لمنع وقوع قتلى بين المدنيين السوريين، من قبيل فرض منطقة حظر جوي على مقاتلات الاسد ومروحياته. وصار مقبولاً لدى الرأي العام الاميركي تعثر برنامج تسليح المعارضة السورية.

في ظل التقاعس الاميركي، لم يبق أمام المسؤولين الاميركيين ومؤيديهم من الوسائل الاعلامية الاميركية، الا اكثار الحديث عن الديبلوماسية كحل وحيد للأزمة السورية. وافتتح أوباما نفسه حملة التصرحيات المتفائلة، من دون مبرر، في الشأن السوري واعتقاده باقتراب الحلول السلمية. وفي وقت لاحق، عمد أوباما الى المبالغة في الايجابية عند حديثه عن سوريا، كما سبق ان اوردنا في سياق تحليلنا لرؤية أوباما لبارقة أمل في سوريا، وتوظيفه تفاؤله لتسويق الاتفاقية النووية مع ايران، وتصوير الاتفاقية وكأنها بدأت تؤتي ثمارا في مجالات شرق اوسطية متعددة، وفي طليعتها الحلول الديبلوماسية في سوريا.

مطلع هذا الاسبوع، كررت صحيفة "نيويورك تايمز"، المحسوبة على ادارة أوباما، الحديث عن اقتراب الفرج السوري، ونشرت افتتاحية بعنوان "فرصة للديبلوماسية في سوريا".

وجاء في الافتتاحية ان "اتمام الاتفاقية النووية مع ايران الشهر الماضي، خلق مساحة للدفع بشكل متجدد في اتجاه حل سياسي للحرب الاهلية المدمرة بين رئيس سوريا بشار الأسد والثوار الذين يسعون للاطاحة به". وبنفس المنطق الذي تحدث به أوباما، تابعت الصحيفة ان هناك خوفاً من المزيد من الانهيار في الدولة السورية، وان "السيد الأسد يعاني على أرض المعركة ومن تجنيد مقاتلين لجيشه الذي يزداد ضعفه" مع مرور الايام.

واعترفت الصحيفة، ربما بالنيابة عن الادارة الاميركية، بفشل برنامج تسليح وتدريب الثوار "للافادة من الضربات الاميركية الجوية ضد داعش".

كذلك، كررت "نيويورك تايمز" اعتقاد أوباما ان موسكو أدركت مخاطر انهيار الأسد، وهو ما دفعها الى الطاولة، هذه الطاولة التي صارت تنتظر الايرانيين للحضور والتوصل لحل للأزمة السورية.

الافتتاحية المذكورة لا تقدم افكارا أميركية جديدة، لكنها بمثابة تلويح للايرانيين بأن الظروف للتسوية في سوريا اصبحت ناضجة، وان الروس اقتنعوا بذلك، وان على طهران البناء على الاتفاقية النووية للتوصل الى تسوية.

بين سطور المقالة المذكورة، كما بين سطور تصريحات أوباما ومسؤوليه، وكما رشح من اروقة المحادثات الدولية والاميركية مع ايران، اصرار اميركي متواصل على ضرورة دخول ايران في الحل السوري وخروج الأسد منه. بكلام آخر، تكرر واشنطن دعوتها لطهران: تخلوا عن الأسد وخذوا سيطرتكم على سوريا مقابل هذا التخلي.

اما ايران، فيبدو انها تعتقد انها في موقع جيد لا يستدعي المقايضة، فطهران ترى انه يمكنها الاحتفاظ بالاثنين: الأسد والسيطرة على سوريا. لذا، لا سبب إيرانياً للتضحية بالأسد، والاتفاقية النووية التي يتوقع ان تمنحهم اموالا وعلاقات ديبلوماسية، من شأنها ان تعزز من التمسك الايراني بالاصرار على حل على طريقة طهران. أما أوباما، فيمكن له ولادارته واعلامييه ان يقولوا ما يشاؤوا عن مصير الأزمة السورية، لكن اقوالهم ستبقى، كسابقتها، ثرثرة من دون تأثير.

الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

عن الفرس وحضارتهم وتكبّرهم على العرب

حسين عبدالحسين

في واحدة من الاشتباكات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، راح تريتا بارسي زعيم اللوبي الايراني في واشنطن يعنّف محدثه العربي، متهكما على العرب والعروبة، متهما اياه بالبداوة والجهل، مغرقا المديح على حضارة بلاد فارس وتاريخها.

الفكرة نفسها قالها بعد فترة أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، الذي هاجم الائتلاف العربي في اليمن متهما بعض دول الخليج بالعداء للعمران والإعمار، معتبرا ان هذه الكراهية الخليجية انما تنبع من ذات بدوية لا تليق بها حضارة المدن والمتحضرين.

والمقولة كررها الرئيس الاميركي باراك أوباما. طبعا لا يتهم أوباما علنا حلفاءه العرب بعدم التحضر، ولكنه لطالما كال المديح للايرانيين وايران، معتبرا انها دولة ذات حضارة تعود الى الاف السنين، وان الايرانيين الحضاريين ابناء هذه الحضارة يفهمون في حسابات الربح والخسارة، وهو ما يجعل من ايران حليفا يناسب للولايات المتحدة.

وفي تصريحاته المختلفة ومقالات الرأي التي نشرها في كبرى الصحف الغربية، دأب وزير الخارجية الايراني الحديث، لا عن “الخليج الفارسي” فحسب، بل استخدم بشكل متكرر مقولة “الخليج الفارسي الأوسع”، الذي يشمل برأي ظريف، خليج عدن والبحر الاحمر وربما شرقي المتوسط حتى اقصى الشمال السوري، وكأن هذا الخط الساحلي الممتد من عدن الى اللاذقية لم يسكنه عرب او أنه لا تاريخ لهؤلاء. وربما تتلاقى منطقة “الخليج الفارسي الاوسع” مع “الهلال الايراني”، فتصبح المنطقة برمتها فارسية ايرانية، كما يفترض بها ان تكون من وجهة نظر طهران.

ويبدو ان هذا النوع من التصريحات لا يقتصر على النخبة والمسؤولين، فغالبية الاميركيين من اصول ايرانية أبدوا تأييدهم للاتفاقية النووية مع ايران بشكل واسع، مع ان هذه الاتفاقية تثبت في الحكم في طهران نفس النظام الذي اجبرهم على الهجرة بحثا عن حياة افضل. وفي عطلة نهاية الاسبوع الماضي، تظاهرت مجموعة من الجالية الايرانية في الولايات المتحدة مؤيدة للاتفاقية في استعراض بدا ذو طابع شوفيني ايراني فاقع.

لكن الدعاية الهادفة لاظهار حضارة الايرانيين وهمجية العرب هي دعاية تجافي الواقع، فالدول العربية التي يزعم الايرانيون انها غير متحضرة هي الدول التي اطلقت الاسلام وحضارته، والحضارة الاسلامية هي التي حلت محل حضارة بلاد فارس وامبراطوريتها، ومن غير المفهوم كيف يمكن للايرانيين التوفيق بين حضارة فارس، السابقة للاسلام والمندثرة، مع حضارة اسلامية حلت محلها واستبدلتها.

كذلك، من غير المفهوم لماذا يعتبر الايرانيون انفسهم في موقع افضل من الدول العربية — وخصوصا الخليجية — التي يرونها ادنى منهم منزلة، فالدول العربية، مثل ايران، تتمتع بثروة نفطية واسعة. لكن بدلا من ان توظف نفطها في حروب وثورات وقلاقل، انفقت الدول العربية ثرواتها على اهلها وبلدانها، فتحولت الاخيرة الى دول ذات اقتصادات تنافس نظيراتها العالمية، وتحولت الى هدف رؤوس الاموال والأدمغة واليد العاملة، وفي صدارتها الرساميل البشرية والمادية الايرانية التي اتخذت من بعض دول الخليج والعراق ولبنان مقرا لها.

يمكن لايرانيي الولايات المتحدة رفع الشعارات الشوفينية الفارسية ما شاؤوا، لكن واقع الحال يبقى انهم سيرتجفون في كل مرة يركبون على متن طائرة متجهة الى ايران خوفا من استقبال الاجهزة الامنية لهم وامكانية اعتقالهم. وستبقى بعض المدن العربية المكان الذي يلتقي فيه مهاجرو ايران مع اهلهم الذين يحضرون من ايران للقائهم في الخليج العربي. قد تكون ايران حضارة قديمة في رأي اصحابها، ولكنها من دون شك حضارة بوليسية أمنية يهرب سكانها منها ويلتقون مع احبتهم في كنف البداوة واهلها.

ربما كان من الافضل للمتظاهرين الاميركيين من اصل ايراني ان يسألوا انفسهم: لم الجالية الايرانية المغتربة كبيرة الى هذه الدرجة، ولما لا توجد جاليات خليجية مغتربة؟

واشنطن تكره الثورات

حسين عبدالحسين

في مقابلة بثتها شبكة الراديو الاميركية شبه الرسمية "بي بي اس"، قال السفير الاميركي السابق في روسيا روبرت ماكفول انه اثناء حضوره دروة الالعاب الاولمبية في سوتشي الروسية في شباط (فبراير) ٢٠١٤، بلغه ان الرئيس الاوكراني فيكتور يانيكوفيتش فرّ من قصر الرئاسة في العاصمة كييف.

وتابع ماكفول، الذي أيدت بلاده موقف ثوار اوكرانيا ضد يانيكوفيتش، انه شعر بخيبة الأمل بسبب الفرار الرئاسي لأنه كان يعمل على التوصل لاتفاق بين الطرفين يقضي بانتقال سلمي ومنظّم للسلطة من الرئيس الى معارضيه، وانه كان يرغب في بقاء الرئيس الاوكراني في منصبه حتى اتمام العملية الانتقالية بهدف تفادي الفوضى التي توقعتها واشنطن، ووقعت بالفعل على اثر عملية الفرار، حسب الديبلوماسي الاميركي السابق.

تمسك الولايات المتحدة بالرئيس الاوكراني الفار تتطابق وتمسكها بالرئيس السوري بشار الأسد، الذي آثر -- بدلا من الفرار -- الانخراط في حرب دموية مازالت مندلعة منذ اربع سنوات ولا يبدو انها ستتوقف في المستقبل القريب. في الحالتين، يتشابه التمسك الاميركي بمؤسسات الدولة والسعي للحفاظ عليها لتسيير مرحلة ما بعد التغيير والابقاء على الأمن مستتباً.

والفكرة الاميركية للتمسك بمؤسسات الدول التي تشهد تغييرات ولدت بعد ان تكون اجماع اميركي ان قيام سلطات الاحتلال الاميركية بحلّ الجيش العراقي في العام ٢٠٠٣ كانت بمثابة الخطأ الفادح. لكن على الرغم من الاجماع، تبقى السيناريوات الاميركية البديلة لحل الجيش العراقي غائبة. مثلا، أي جزء من الجيش العراقي كان على الاميركيين الابقاء عليه؟ فجيش صدام حسين النظامي عانى ضعفا كبيرا على اثر انتهاء الحرب مع ايران وخوف صدام من ابطال هذا الجيش في مرحلة ما بعد الحرب، فراح يقضي عليهم الواحد تلو الآخر ابتداء من شقيق زوجته وابن خاله عدنان خيرالله، الذي قضى في "حادثة" تحطم مروحيته. وبديلا عن الجيش، استند صدام الى "الحرس الجمهوري"، وحتى هذا الاخير تم تقسيمه الى وحدات ذهبية وغير ذهبية، بقيت متنافرة فيما بينها وتسعى كل منها للحصول على حظوة الرئيس الراحل وعلى تحطيم منافسيها. والى الجيش والحرس برز "فدائيو صدام" و"الجيش الشعبي" التابع لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم.

بعد فرار صدام من بغداد، لم يكن واضحا من هي القوات الامنية الوطنية التي يمكن الاستناد اليها لمنع الفوضى، ولم يكن معلوما من في سلم التراتبية، من غير البعثيين الخمسين الذين طاردتهم أميركا، يمكن ان يصدر اي أوامر لاي قوات أمنية، واذا ما تحرك الجيش، لم يكن مفهوما اذا كان يمكن لصدام -- الفار حتى ذلك الوقت -- استعادة سيطرته عليه، او تحريك قطعات موالية له ضد هذا الجيش والدخول بمواجهة مسلحة.

وكما في الحالة العراقية، كذلك في الحالة السورية، من غير المفهوم اي من المؤسسات يمكن للسوريين الركون اليها لو خرج بشار الأسد وأقرب المقربين منه يوما من الحكم. هل يركن السوريون الى الاستخبارات العسكرية؟ ام الاستخبارات الجوية؟ هل تبقى الفرقة الرابعة متماسكة ومستعدة لضبط الأمن في حال خروج ماهر الأسد من الحكم؟

الدرس الذي فات الاميركيين في العراق ان لا مؤسسات في الجمهوريات الديكتاتورية، وان المؤسسات تنهار برحيل رأس الهرم، وانه كان من شبه المستحيل اخراج صدام والابقاء على جيشه، كما هو من سابع المستحيلات الابقاء على مؤسسات تعمل بانتظام في حال خروج الأسد، فالمؤسسات التي تعتقد واشنطن انه ممكن الحفاظ عليها هي المؤسسات الفاسدة نفسها التي دفعت الشعب للثورة عليها والمطالبة برحيل رئيسها ورحيلها.

قد تكون مصر، حيث المؤسسة العسكرية دولة مستقلة وقائمة بذاتها ومنفصلة عن الشعب ومؤسساته وهمومه، هي البلد الوحيد حيث أمكن التغيير في الرئاسة مع ضمان الجيش لاستمرار الدولة. وواشنطن لم تطلب خروج الرئيس السابق حسني مبارك الا بعد تشاورها مع الجيش المصري، الذي فرض عمر سليمان نائبا ليقرأ الاستقالة، ثم تسلم الحكم بعده، ثم استند بعض الضباط الى الحكومة المنتخبة حديثا للاطاحة بالضباط ممن تلوا مبارك، ثم انقلبوا على الحكومة نفسها التي اقسموا اليمين امامها، فاستولوا على الحكم مجددا، واعادوا مصر الى حيث كانت قبل خروج مبارك من الحكم.

في عطلة نهاية الاسبوع، كان الرئيس باراك أوباما يستمتع بلعب الغولف في جزيرة مارثاز فينيارد حيث يقضي عطلته السنوية. لم تقلقه المجازر التي كانت تقع في دوما. استمرار المؤسسات هو العنوان الوحيد الذي تقبله اميركا لأي عملية تغييرية، من اوكرانيا وسوريا الى مصر. بعد تجربة العراق، صارت أميركا تكره التغيير وتعارض الثورات.

الخميس، 13 أغسطس، 2015

اصلاحات عراقية فاسدة

حسين عبدالحسين


الاصلاحات التي أعلنها رئيس حكومة العراق حيدر العبادي، ونال عليها موافقة مجلس النواب بالاجماع، لم تكن اكثر من خطوات شعبوية حاولت امتصاص نقمة المتظاهرين المستائين من الحرّ، فيما تبدو اي معالجة جذرية للأزمة العراقية المستفحلة خارجة عن قدرة العبادي او قدرة غيره من العراقيين، الا اذا اعتقدنا ان تخبط العراق سببه ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية وثلاثة نواب لرئيس الحكومة، كلهم عديمي الصلاحيات، وان الهدر المالي الحكومي يمكن وقفه بتعليق رواتب هؤلاء الستة ورواتب عناصر أمنية لا يتجاوز عددهم الالفين في أكثر تقدير.

اما الدليل الابرز على ان العبادي لا يفقه فلسفة الحكم ولا يعي جوهر الدولة والمؤسسات التي تقوم عليها، فيتمثل في تصوير الاعلام الرسمي العراقي للخطوات الحكومية على انها جاءت بعد حوار بين رئيسها والمرجعية الشيعية في النجف، وهو ما حدا برجل الدين والنائب السابق اياد جمال الدين الى توجيه رسالة للعبادي ذكّره فيها ان مصدر السلطات في العراق هو الشعب، لا المرجعية. 

وعلّق جمال الدين على انتشار صور مرشديّ الثورة الايرانية، الراحل روح الله الخميني والحالي علي خامنئي، متسائلا لما لا تشمل الاصلاحات "إنزال صور الزعماء الإيرانيين من الشوارع" العراقية. وختم بالقول ان "القضاء العراقي فاسد"، وان "الفاسد لا يمكن ان يكون اداة للاصلاح".

لا شك ان ورقة العبادي الاصلاحية تؤكد انعدام اهليته لقيادة الاصلاح، بل انها تشي ان عملية الغاء المناصب كانت عملية كيدية موجهة ضد سلفه نوري المالكي اكثر منها محاولة للحد من الانفاق العام، اذ ان موازنات بعض الوزارات العراقية عصية على المراقبة، حتى لو اراد العبادي ذلك.

ابرز الوزارات العراقية التي يستحيل ضبط انفاقها هي وزارة الداخلية، ذات الموازنة السنوية البالغة ٤ مليارات دولار، فهذه الوزارة التي يترأسها محمد الغبان، وهو من قوات بدر الأكثر قربا الى فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني ورئيسه الجنرال قاسم سليماني، تسدد مرتبات مقاتلي الميليشيات المعروفة بالحشد الشعبي.

وبالنظر الى ميليشيات الحشد مؤسساتيا، بعيدا عن عقيدتها وتأييدها للفقيه الشيعي الايراني وولايته، يظهر انه من شبه المستحيل مراقبة العدد الفعلي لمقاتلي الميليشيات والتأكد من حضورها المعارك ومشاركتها فيها، اذ ما الذي يمنع أمير اي ميليشيا ادراج اسماء مقاتلين وهميين يتقاضى عنهم مرتباتهم فيثري هو ويثري الميليشيويين المحيطين به، على غرار جيوش المالكي الخيالية؟

اما الاسوأ من تواضع قدرات العبادي الاصلاحية فتكمن في ضعف اقتراحات النواب، الذين تم اختيارهم وانتخابهم أصلا بناء على حسابات طائفية وحزبية ضيقة. على سبيل المثال، من الاصلاحات التي اقترحها النواب اقالة اي نائب يتخلف عن حضور اكثر من ثلث عدد الجلسات في اية دورة تشريعية، وهذا اقتراح يتنافى مع الاعراف الديموقراطية، اذ لا يمكن اقالة اي شخص يختاره الشعب ممثلا له، الا في حالة صدور احكام قضائية ضده. اما عقاب النواب ممن لا يحضرون، فهي مهمة ناخبيهم الذين يمكنهم الاطاحة بهم في اقرب انتخابات ممكنة.

الاصلاح في العراق يبدأ بنشر مفاهيم الديموقراطية بين المواطنين، وشن حملات تشرح لهم حقوقهم وواجباتهم، وتبين لهم كيفية عمل مؤسسات الحكم ومبدأ الفصل بين السلطات، وتظهر لهم مدى القوة التي يتمتعون بها عند ادلائهم باصواتهم في الصناديق، وهي قوة يجب ان يستخدموها بحكمة وفي مصلحتهم، لا بعاطفة طائفية وكيدية مذهبية. ثم، بعد ان يتكون لدى العراقيين الحد الادنى من فهم الديموقراطية، تنتج الانتخابات مسؤولين يعون ماهية المؤسسات وكيفية عملها، ويتسابقون في حسن تسييرها وفي سن تشريعات وتصديق سياسات من شأنها ان تنعكس ايجابا على العراق والعراقيين.

اما ورقة اصلاحية موجزة فيها عناوين فارغة، وكيدية تجاه السياسيين المنافسين، وتلاعب بالعواطف الدينية بربط السياسة بالمرجعية في النجف، فكل هذه الخطوات هي خطوات مشابهة للخطوات الماضية التي دفعت العراق باتجاه الحفرة التي يعيش فيها منذ اكثر من عقد، والتي يبدو انه باق فيها على الرغم من التفاؤل غير المبرر الذي شاب العراق وفتح شهية العراقيين، من العامة والنخبة المثقفة، تجاه اصلاحات مازالت تبدو مستحيلة.

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

ضغوط أميركية على الأردن أوقفت «عاصفة الجنوب» في درعا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

مع إلغاء وزير الخارجية الايراني جواد ظريف لزيارته التي كانت مقررة الى تركيا للقاء مسؤولين اتراك وتقديم وجهة نظر بلاده حول الحل الذي تراه ايران للأزمة في سورية، بدا واضحا للمسؤولين الاميركيين ان التوصل الى تسوية بات متعذرا في الوقت الحالي، وان الدول المعنية قدمت مجموعة من الخطط التي جاءت بمعظمها متضاربة. وحذّر المسؤولون الاميركيون من ان تأجيل التسوية يعني المزيد من العنف المسلح والمزيد من الدماء السورية المراقة.

وفي جلسة مغلقة مع عدد من الصحافيين، نقل عاملون في الكونغرس عن مسؤولي الادارة اعتقادهم ان كل جهة معنية بالوضع في سورية مازالت متمسكة بمواقفها، وان لا قواسم مشتركة حتى الآن بين كل هذه المواقف، ما يعني ان كل جهة ستحاول مد القوات المسلحة المتحالفة معها بالمزيد من الامكانات في محاولة لتغيير ميزان القوى على الارض لممارسة المزيد من الضغط على الآخر.

ونقل مسؤولو الكونغرس عن مسؤولين في الادارة رصدهم نشاطا خليجيا يسعى لبناء مقدرات «الجيش السوري الحر» في الجبهة الجنوبية في درعا، مع ما يعني ذلك من ضرورة استقطاب الاردن وتقريبه من وجهة النظر الخليجية هذه. ويعتقد المسؤولون الاميركيون انه لطالما حاول الاردن الوقوف على الحياد في الأزمة السورية، وان عمّان التزمت بمواقف واشنطن في شكل كبير، حتى لو أدى ذلك الى تباينها مع عواصم خليجية.

ويذكر المسؤولون الاميركيون انه عندما رفضت السعودية تولي عضوية موقتة في مجلس الأمن كرسالة توبيخ للولايات المتحدة والمجتمع الدولي ضد ما تعتقده الرياض تقاعسا في وقف القتل في سورية، لم تجد واشنطن غير عمّان لتنقذها من الورطة وتحفظ ماء الوجه بمشاركتها في مجلس الأمن بدلا من الرياض.

ويتابع المسؤولون انه ابان عملية «عاصفة الجنوب» التي اعلنها «الجيش الحر»، قبل اشهر لتحرير مدينة درعا و طرد قوات الأسد والسيطرة على مساحات من الارض تسمح لها بالوصل مع فصائل الثوار الموجودة في ضواحي دمشق، طلبت أميركا من الاردن قطع خطوط الامداد ما لم يوقف الثوار هجومهم، فاجبرت الولايات المتحدة بذلك -- عن طريق الاردنيين -- ثوار سورية على المحافظة على ميزان القوى في الجنوب على حاله ووقف هجومهم الذي كان يمكن له ان يهدد نظام الأسد ويضعف فرص بقائه.

ويعتقد مسؤولو الكونغرس من معارضي الادارة وسياستها في سورية ان غياب التسوية السياسية والحسم العسكري في الوقت نفسه من شأنهما اطالة أمد الصراع وابقائه مفتوحا حتى اشعار آخر. واضاف هؤلاء ان على واشنطن اما ان تقدم اقتراحا للتسوية وترمي ثقلها خلفه حتى تجبر الاطراف المعنية الالتزام به، أو ان تسمح للثوار بالحسم حتى يتم بعد ذلك الحديث عن تسوية. لكن «عدم المبالاة» الاميركية تطيل الصراع السوري، وتؤذي المصالح الاميركية في المدى البعيد، حسب المصادر الكونغرسية.

وكان عدد المبادرات للحل في سورية بلغ اربعة في الايام الماضية، وهي مبادرة جنيف 1 الاميركية - الروسية التي تقضي بعملية سياسية انتقالية تؤدي الى تشكيل حكومة من نظام الرئيس بشار الأسد ومعارضيه ولكن من دون الأسد، حسب الرؤية الاميركية. تلى ذلك مبادرة روسية تقضي ببناء جبهة فيها نظام الأسد وروسيا واميركا ودول الخليج وتركيا وايران ضد تنظيم «الدولة الاسلامية». وفي وقت لاحق عدلّت موسكو مبادرتها وحاولت الايحاء ان التعاون الامني - السعودي خصوصا - مع نظام الأسد يتم من دون الأسد، لكن السعودية رفضت اي تعاون مع النظام في ظل بقاء رئيسه.

بدورها، قدمت طهران مبادرة سعت فيها الى تكريس الانقسام السائد بين قوات الأسد والمعارضين، يترافق ذلك مع وقف نار واجراء انتخابات برعاية دولية للرئاسة في سورية على شرط عدم منع الأسد من الترشح، وهي مبادرة رفضتها انقرة ودول الخليج ما دفع ظريف الى الغاء زيارته الى انقرة. اما المبادرة السعودية التي حملها وزير الخارجية عادل الجبير الى موسكو، فهي توافق على خطط موسكو على شرط تنحي الأسد عن الحكم، وهو ما رفضه الروس علنا، رغم اصرار المسؤولين الاميركيين ان موسكو تخلت عن بشار سرا وكررت انها تتمتع بعلاقات مع بديلين عنه داخل النظام.

عمال وفلاحو وطلبة أوباما يؤيدون الاتفاق مع إيران!

حسين عبدالحسين

من بين منتقدي الرئيس باراك أوباما الكثر، كان البروفسور الراحل فؤاد عجمي اول من أطلق على الرئيس الاميركي صفة الرئيس الشعبوي. وقال عجمي، اللبناني – الاميركي، ان أوباما كان يذكره بعدد من الزعماء العرب الذي يطلقون شعارات ويحشدون التأييد، ولكن من دون سياسات صحيحة او مسؤولة خلف تصريحاتهم.

منذ الاعلان عن التوصل لاتفاقية نووية مع ايران في فيينا، منتصف الشهر الماضي، شن الرئيس باراك أوباما — بالتعاون مع اللوبي الايراني في واشنطن — حملة لحشد تأييد الرأي العام الاميركي، فأطل عبر البرنامج الشعبي الساخر، الذي كان يقدمه جون ستيورات، وتوجه الى الشباب طالبا منهم ان يخابروا ممثليهم في الكونغرس ويبدوا تأييدهم للاتفاقية. وأدلى أوباما بعدد من المقابلات الاعلامية، وأطل في مؤتمر صحافي في البيت الابيض، وارسل وزرائه الى الكونغرس لاقناع المشرعين بجدوى الاتفاقية، وتحذيرهم من الويل والثبور وعظائم الامور في حال رفضوها لأن رفضهم سيؤدي لأخذ البلاد الى حرب مع ايران.

حملة حشد التأييد التي يشنها أوباما مفهومة ومشروعة، لكن غير المفهوم هي العرائض التي يبدو ان البيت الأبيض أوعز لمؤيديه توقيعها وارسالها اليه وتعميمها على الوسائل الاعلامية. العريضة الاولى جاءت من 50 ديبلوماسيا سابقا، كتبوا نصا مؤيدا للاتفاقية النووية مع ايران وارسلوه الى الحكومة الاميركية ووسائل الاعلام. عريضة ثانية مشابهة جاءت من 25 عالما نوويا شرحوا فيها محاسن نظام التفتيش الذي أقرته الاتفاقية مع ايران على منشآت الاخيرة النووية.

اما العريضة الاكثر اثارة للفكاهة والتندر فكانت تلك التي وقعها “اتحاد عمّال الحديد والفولاذ في الولايات المتحدة”. وتورط عمال الفولاذ في قضية نووية شرق اوسطية يبدو تورطا فاقعا تحركه اعتبارات سياسية اعتباطية.

من نافل القول انه في الدول الديموقراطية، لا يتطلب تأييد السياسات الحكومية اي عرائض او تظاهرات، بل ان اصحاب العرائض والمتظاهرين هم في الغالب من المعارضين للسياسات القائمة، فيسعون الى تقديم وجهة نظر مغايرة عن السياسة الحكومية.

وصف الشعبوية نفسه الذي أطلقه عجمي قبل سنوات على أوباما يثبت نفسه اليوم في العرائض المؤيدة من الديبلوماسيين والعلماء والعمال في مشهد يذكر بزمن الدول الاشتراكية والشيوعية، ومسرحياتها التافهة حول التأييد الجماهيري لحكامها، او بالاحرى تأييد قطاعات الشعب المتنوعة للأنظمة الحاكمة والتعبير عن محبتها له.

كان المغني الشيوعي المصري الراحل الشيخ امام عيسى ينشد أغنية ذاع صيتها بعنوان “شيد قصورك عالمزارع”، وكان يتخلل الاغنية عبارة “عمال وفلاحين وطلبة، دقت ساعتنا وتلاقينا” في مشهد يرمز الى ثورة الشعب بقطاعاته المتنوعة. طبعا الشيوعية رحلت ورحل اصحابها، لكن الشعبوية التي يتبناها البيت الابيض في تصويره الحشد الشعبي المؤيد للاتفاقية النووية مع ايران هي بالتأكيد شعبوية تنتمي الى ذلك الزمن الشيوعي المندثر.

وكأن شعبوية أوباما في تصوير التأييد الشعبي له لا تكفي، فراح يكيد لمعارضي الاتفاقية، ويتهمهم على أنهم من محبي الحرب. وفي الخطاب الذي أدلى به امام “الجامعة الاميركية في واشنطن”، ربط أوباما بين معارضته لحرب العراق في العام 2003 وحسن خياراته في السياسة الخارجية، كما ربط بين مؤيدي حرب العراق وسوء آرائهم، واتهمهم بأنهم يسعون الى تقويض الاتفاقية مع ايران حتى يصلون الى حرب معها.

طبعا، لا يهم أوباما ان نائبه جو بايدن ووزيري الخارجية اللذين اختارهما في ولايتيه، هيلاري كلينتون في الاولى وجون كيري في الثانية، كلهم صوتوا لمصلحة الحرب في العراق اثناء عملهم في مجلس الشيوخ في العام 2002، فان كان تأييد حرب العراق مقياسا لسؤدد الرأي في السياسة الخارجية، فلماذا اختار الرئيس الاميركي بايدن وكلينتون وكيري للعمل في صفوف ادارته، وخصوصا للاشراف على سياسته الخارجية؟

الرحمة لفؤاد عجمي، فهو لم يعش ليرى بيانات اتحادات العمال الاميركية المؤيدة لسياسات أوباما الحكيمة. لكن ما رآه عجمي، قبل غيره بكثير، هي الشعبوية المقيتة التي جاء بها الرئيس الاميركي الى البيت الابيض.

الثلاثاء، 11 أغسطس، 2015

روسيا حاولت تسويق مملوك بديلاً للأسد وسط معارضة إيرانية - أميركية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

علمت «الراي» من مصادر أميركية رفيعة ان الزيارة التي قام بها علي مملوك، المسؤول الامني الموالي للرئيس السوري بشار الأسد، الى المملكة العربية السعودية كانت «في اطار السباق الروسي الايراني للتوصل الى حل للأزمة السورية، وسط تزايد المؤشرات على الضعضعة التي اصابت نظام الأسد والارهاق الذي اضعف قواته». وتقول المصادر نفسها ان «موسكو حاولت تسويق مملوك بديلاً للأسد لدى العواصم الاقليمية المعنية بالشأن السوري».

وتابعت المصادر، ان موسكو تسعى ايضا الى تسويق نظرية الحل «السوري - السوري»، على طراز اتفاقية «جنيف 1» بين الروس والاميركيين ومؤتمر «جنيف 2» بين الأسد ومعارضيه، فيما «تسعى طهران الى حل تتنازل بموجبه واشنطن لها في سورية». وتتابع المصادر الاميركية ان كلتا العاصمتين، اي موسكو وطهران، «تدركان ان السعي لابقاء الاسد في منصبه يعوق الحل الذي تأمل كل عاصمة ان يتم برعايتها». هكذا «قدمت موسكو مملوك بديلاً عن الأسد، فيما اشارت طهران الى قبولها التخلي عن الأسد رغم ضبابية السيناريو الايراني حول هذا التخلي المرتبط باجراء انتخابات رئاسية سورية ما»، حسب المصادر.

وفي سياق تسويق الحل «السوري - السوري»، وهو ما تعتقد موسكو انه يحوز موافقة أوسع لدى العواصم العربية وانقرة، خصوصا لناحية ابقاء الايرانيين خارج الحل، رتبت روسيا زيارة مملوك الى جدة. وتقول المصادر الاميركية ان الروس أبلغوا السعوديين ان مملوك سيقدم اقتراحات لكيفية خروج الأسد وادخال المعارضة في حكومة مشتركة مع النظام، وعلى هذا الاساس فتح السعوديون ابواب جدة للمسؤول الأمني السوري.

لكن مملوك لم يقدم ما هو جديد، بل كرر مطالبة السعوديين «بوقف دعم الارهاب»، حسب المصادر الاميركية، وتحدث عن ضرورة اختيار السوريين لرئيسهم في انتخابات عامة، وهو ما حمل السعوديين على الرد انهم يوافقون على الحل السوري - السوري والانتخابات الرئاسية بمراقبة دولية، لكن الحل السوري - السوري يشترط انسحاب الميليشيات غير السورية، اي العراقية واللبنانية المؤيدة لطهران مثل «حزب الله»، من سورية.

وعلى اثر زيارة مملوك لجدة، دأب نظام الأسد على تسريب حصول الزيارة وروايته لفحوى الاجتماعات، ما دفع بالسعوديين الى الرد بصورة غير رسمية. لكن المسؤولين السعوديين كرروا امام الروس، اثر زيارة مملوك، ان نظام الأسد غير مستعد لحل «سوري - سوري» كالذي تطرحه موسكو، وان التصرفات التي رافقت زيارة مملوك أكدت ان الأسد ملتصق بايران أكثر مما يقبل الروس تصديقه.

اما موقف واشنطن من السباق - الروسي - الايراني حول سورية، فيبدو انه اقرب الى الايرانيين. ومن خلال المواقف التي أدلى بها الرئيس باراك أوباما على مدى الاسابيع الاربعة الماضية، يبدو ان أوباما يعتقد ان المشاركة الايرانية في الحل السوري نتائجها مضمونة أكثر من «الحل السوري - السوري»، الذي اثبت فشله على مدى السنتين الماضيتين.

ومنذ الاعلان عن اتفاقية فيينا النووية بين مجموعة دول خمس زائد واحد وايران، منتصف الشهر الماضي، دأب أوباما على تكرار مقولة انه يرى انفراجا في الأزمة السورية، وان عرابي الرئيس بشار الأسد، اي ايران وروسيا، اصابهما الخوف من احتمال انهيار قواته (الأسد)، وتاليا سيطرة قوات اسلامية متطرفة، ما دفعهما للسعي الى حوار جدي يمكن التوصل خلاله الى تسوية سلمية بين الأسد ومعارضيه.

وفي الايام القليلة التي تلت اعلان اتفاقية فيينا، كشف أوباما في مقابلة ادلى بها الى الصحافي في «نيويورك تايمز» توماس فريدمان ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصل به للمرة الاولى منذ اندلاع الثورة السورية في 2011 وفاتحه بالموضوع السوري. ومما قاله أوباما وقتذاك ان الضعف البالغ الذي اصاب قوات الاسد والقوات المتحالفة معه دفع الروس والايرانيين الى ادارك ان التوصل الى حل سلمي قبل انهيار الاسد كليا هو في مصلحة حكومتيهما.

وبعد مقابلة فريدمان بأيام، أطل أوباما في مؤتمر صحافي عقده في البيت الابيض وكرّر الكلام نفسه، هذه المرة مضيفا انه يأمل ان تتكمن واشنطن من البناء على الايجابية المتولدة من الاتفاقية النووية مع طهران لفتح حوار حول سورية. وقال أوباما في تلك الاطلالة ان ايران هي جزء اساسي من الحل، وهو قول يتعارض مع موقف حلفاء واشنطن الذين كانوا نسفوا الدعوة الاميركية عبر الامم المتحدة الى ايران للمشاركة في مؤتمر جنيف 2 بين الأسد ومعارضيه مطلع العام 2014.

وتابع البيت الابيض حملته الهادفة الى ادخال ايران في الحل السياسي السوري، فأوعز للصحافيين المقربين له ولطهران بتسريب جزء من حوار بين الرئيس الاميركي وعدد من الصحافيين انعقد الاسبوع الماضي، وكرر فيه أوباما ان ايران هي جزء من الحل السوري. وفي وقت لاحق من الجمعة الماضي، طرح احد الصحافيين المحسوبين على البيت الابيض السؤال نفسه على الناطق باسم الادارة جوش ارنست، الذي أكد صحة التسريب عن لسان أوباما حول رؤيته للحل السوري الذي يجب ان يتضمن الايرانيين.

في هذه الاثناء، كررت الرياض على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير ان الأسد سيخرج من الحكم، ان بتسوية سلمية او بحسم عسكري، فيما كثفت موسكو محاولاتها لحمل الاميركيين على تبني الرؤية الروسية لحماية الأسد من تزايد السيطرة الايرانية عليه. اما طهران، فهي في انتظار التنازل الاميركي «وتاليا العربي والتركي» في سورية في تكرار للهزيمة الاميركية في العراق والانتصار لطهران وحلفائها.

اما أوباما، فيلخص الموقف بتوقعاته الفعلية لما سيحدث في سورية في الأشهر الستة عشر المتبقية له في الحكم. الموقف الاول هو تصريح وزير الدفاع آشتون كارتر في مجلس الشيوخ ان أوباما سيخرج من الحكم قبل الأسد، والثاني تشكيل مستشارة الأمن القومي سوزان رايس لفريق يضع سيناريوات في سورية يتصدرها التعايش مع الأسد. اما الايجابية التي يراها أوباما في سورية، فمناورة تهدف الى خلق اجواء ايجابية يحاول الرئيس الأميركي الايحاء انها ترافق اتفاقيته، التي يراها تاريخية، مع ايران.

الاثنين، 10 أغسطس، 2015

انفرد أوباما في سياسته الخارجية.. فاشتعل الشرق الاوسط

واشنطن - حسين عبدالحسين

سيتذكر الاميركيون رئيسهم باراك أوباما بالخير، فبلادهم في عهده استعادت بعضا من قوتها وبريقها، لأسباب عديدة، بعضها ساهم في صنعها الرئيس الاميركي، وبعضها الآخر خلقتها الظروف. ويضاف الى حب الاميركيين لأوباما انه ماشى الشعور الاميركي العام بضرورة الانعزال عن العالم، وهو شعور تولد بسبب حربي العراق وافغانستان.

في السياسة الداخلية، كشف مركز “بوستن كونسلتنغ غروب” المرموق ان الصناعات، حتى النسيجية منها، بدأت تترك الصين وتعود الى جنوب الولايات المتحدة بعد عقود من هجرة الصناعة والاعمال من أميركا الى دول شرق وجنوب آسيا. ويورد المركز في تقرير ان كلفة الصناعة الاميركية كانت دولار واحد مقابل 86 سنتا في الصين قبل عقد، وان هذا الفارق تقلص ليصبح دولار للصناعة الاميركية مقابل ٩٧ سنتا لنظيرتها الصينية اليوم، ما يعني ان التكلفة صارت متشابهة، وهو ما صار يدفع المستثمرين الى نقل مصانعهم الى أميركا، ما يخلق وظائف ويحسن الاقتصاد.

اما اسباب عودة أميركا الى المنافسة فتأتي بسبب معاهدة التجارة الحرة بين أميركا وكندا والمكسيك، وهذا انجاز للرئيس السابق بيل كلينتون، اضاف أوباما اليه اتفاقية مشابهة مع كوريا الجنوبية، وهو في طريقه لاضافة معاهدة مشابهة مع 11 دولة اخرى كجزء من اتفاقية “الشراكة عبر الهادئ”.

لكن ظروفا اخرى، خارجة عن سيطرة أوباما، حسنت القدرة الاميركية على منافسة الصين صناعيا، بما في ذلك انتقال المصانع لاستخدام ماكينات بدلا من العمال، واكتشاف تقنية استخراج الوقود الاحفوري، وهو ما خفض سعر النفط والغاز في اميركا، وتاليا ادى الى تخفيض سعر الكهرباء للمصانع. ومن الظروف الخارجة عن ارادة أوباما ان ارتفاع مستوى المعيشة في الصين رفع الاجور في بلد تعاني من شيخوخة في يدها العاملة بسبب سياسة الولد الواحد.

لكن التاريخ والاميركيين لن يتذكروا التفاصيل، بل هم سيتذكرون انه في وقت كان نمو كل الاقتصادات العالمية، بما فيها الصين، يتراجع، كانت أميركا وحدها تتقدم واقتصادها يخلق وظائف جديدة.
للسبب نفسه لبيل كلينتون ذكرى طيبة بين الاميركيين، اذ على الرغم من هجرة المصانع في عهده من اميركا الى الصين، الا ان الغائه القوانين المالية الضابطة لعمل المصارف أشعل المضاربة في سوق الاموال، ما خلق فقاعة اقتصادية ولدت شعورا بالبحبوحة استمر حتى انفجرت الفقاعة في العام 2008 مع قرب نهاية الولاية الثانية للرئيس السابق جورج بوش الابن، الذي تلقى كل اللوم من الاميركيين بسبب الانهيار الاقتصادي الناتج عن سياسة مالية لم يكن هو المسؤول عنها.

هكذا هم الاميركيون، يتمتعون بذاكرة قصيرة تجعلهم يحبون الرئيس الذي يعيشون في زمنه اياما حلوة، وتدفعهم الى لعنة الرؤساء الذي تمر عهودهم بأزمات.

المشكلة تكمن في انه لا يوجد رئيس دولة في العالم مسؤول عن كل ما يحصل في عهده، فهناك احداث تصنعها الظروف خارجة عن الارادة، وهناك احداث، ايجابية ام سلبية، تتسبب بها سياسات الرؤساء السابقين.
من سياسات الرؤساء السابقين التي أدت الى كوارث لرؤساء تبعوهم هي فشل كلينتون في التعامل مع “الدول الفاشلة” مثل افغانستان والصومال، والتي تحولت الى مرتع للارهابيين يشنون منها هجمات ضد أميركا ودول اخرى. طبعا سبب تحول افغانستان الى “دولة فاشلة” هو اشاحة ادارة الرئيس جورج بوش الأب بنظرها بعد الانسحاب السوفياتي منها في العام ١٩٨٩. فافغانستان بعد الانسحاب السوفياتي كانت بحاجة لاموال طائلة من المساعدات والاستثمارات لاعادة بناء الحجر والبشر، لكن الاميركيين لم يكترثوا، ما فتح الباب امام المجموعات المتطرفة مثل الطالبان لاكتساح افغانستان واستضافة تنظيمات مثل القاعدة.

ركوب الموجة

وتظهر نقاشات ادارة كلينتون، كما في الوثائق التي كشفها واودعها في مكتبته الرئاسية قبل عام، ان الحكومة الاميركية كانت حينذاك في حيرة من امرها حول كيفية التعاطي مع الدول الفاشلة، وفي نهاية المطاف لم تقم ادارة كلينتون بما يجب غير عروض القوة من قبيل شن غارات جوية او توجيه ضربات بصواريخ توما هوك ضد اهداف لارهابيين.

وبسبب فشل ادارة كلينتون في التعامل مع مشكلة افغانستان، التي ورثتها عن بوش الأب المتقاعس، ورث بوش الابن المشكلة في هجمات 11 سبتمبر 2001، التي راح ضحيتها اكثر من 3 الاف اميركي. هكذا، قرر بوش اعادة هندسة الدول الفاشلة، ولكنه فعل ذلك برعونة، واخفى طموحات سياسية — مثل في احتلال العراق — خلف خطته القاضية ببناء حكومات قادرة على مواجهة الارهابيين وتجفيف منابعهم. ولكنه قبل رحيله بقليل، نجح بوش في لملمة النتائج الكارثية لحرب العراق، فانخفض العنف في العام 2009 الى مستويات ما قبل الحرب التي اندلعت في العام 2003.

أوباما، بدوره، وصل الرئاسة بركوبه موجة شعبية عارمة ضد حربي العراق وافغانستان. ومن نافل القول انه مع دخول أوباما البيت الابيض، كان الوضع في العراق قد استتب، لكن الرئيس الجديد لم يستمع للنصائح، وآثر التمسك بشعبويته ودفعه أميركا نحو ما كان يبدو انه عودة أميركا الى سياسة العزلة التي تمسكت فيها في عشرينات القرن الماضي.

وما زاد في الطين بلّة ان أوباما لم يستمع لكبار اركان ادارته، ولا لحلفائه حول العالم. فالخارجين من ادارة أوباما، مثل وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق دايفيد بترايوس ووزير الدفاع السابق ليون بانيتا، كلهم قالوا، علنا بعد خروجهم، انهم نصحوا أوباما بالتعجيل في تدريب وتسليح قوة من ثوار سوريا المعتدلين لقطع الطريق على صعود المجموعات المتطرفة التي تملأ الفارغ الناشئ عن انهيار وتراجع قوات الأسد وسيطرته على مناطق متنوعة في سوريا. لكن أوباما رفض النصيحة.

واتهم وزيرا الدفاع السابقين ليون بانيتا وروبرت غايتس أوباما بخلقه أكثر ادارة مركزية في تاريخ الحكومات الاميركية. وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” مؤخرا ان البيت الابيض يتدخل في اصغر الامور، وان بانيتا كان بحاجة لارسال نصوص خطاباته الى مسؤولين في “مجلس الأمن القومي” للحصول على موافقتهم، كما كان بحاجة لاذن من هؤلاء قبل موافقته على منح الاعلام مقابلات.

ومن يتذكر استدارة أوباما في موضوع سوريا في اغسطس 2013، عندما كانت السفن الاميركية المرابطة امام الساحل السوري على وشك توجيه ضربة ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد بسبب قيامها بشن هجوم بالاسلحة الكيماوية في ضاحية دمشق راح ضحيته اكثر من 1200 سوري مدني، قد يتذكر أن أوباما اتخذ قراره باحالة قرار الضربة على الكونغرس لنيل موافقته بعد تشاوره مع رئيس موظفي البيت الابيض دينيس ماكدنو. وبعدما اتخذ الرجلان القرار، اتصل أوباما بوزيري خارجيته ودفاعه جون كيري وتشاك هايغل لابلاغهما القرار هاتفيا.

وبسبب تهميش الوزراء، استقال وزير الدفاع الثالث في عهد أوباما هايغل، وواجهت الادارة مشكلة في العثور على وزير دفاع رابع في ولايتين رئاستين بعد اعتذار مرشحين الى المنصب، فلم يتبقى اذ ذاك لأوباما الا اللجوء الى وزير الدفاع الحالي آشتون كارتر، وهو ليس من الشخصيات السياسية ذات الوزن بل كان مجرد موظف اداري في وزارة الدفاع.

وبدلا من الأخذ بنصيحة وزرائه في السياسة الخارجية، احاط أوباما نفسه بمجموعة من المستشارين المغمورين اصحاب الخبرة الشحيحة والوزن السياسي الخفيف في العاصمة الاميركية، من امثال مستشارته سوزان رايس ونائبها سابقا والرجل الثاني في الخارجية حاليا انتوني بلينكن، وصديقيهما روبرت مالي، ونائب رايس الحالي بن رودز.

فريق مغمور

رايس وبلينكن ومبعوثة اميركا الدائمة الى الامم المتحدة سامنتا باور هم اصدقاء عملوا سوية في مركز ابحاث مغمور قبل دخولهم الحكم واصدروا دراسات مشتركة لا يتذكرها كثيرون بسبب سطحيتها. وباور صديقة رايس منذ ان عملتا في ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون في باكوره عهديهما بالسياسة، وكذلك مالي، وهو المعروف بصداقته الوطيدة مع الأسد ومع سفيره السابق في واشنطن وفي بكين حاليا عماد مصطفى، زامل رايس وباور في ادارة كلينتون. اما رودز، فأول مشاركة في السياسة له كانت في انضمامه لحملة المرشح أوباما الرئاسية في العام 2008.

هكذا بدلا من ان يطلب أوباما النصيحة من مخضرمين في العسكر والسياسة والاستخبارات من امثال غايتس وبانيتا وبترايوس، شكل فريقا صغيرا من حديثي العهد بشؤون السياسة الخارجية، فتسلم بلينكن — بصفته مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس جو بايدن حينذاك — ملف العراق بأكمله، وصمم السياسة التي راهنت على رئيس الحكومة السابق نوري المالكي شريكا من دون المكونات العراقية الباقية، فانهارت سياسة بوش التي كانت ادت الى تثبيت الوضع، وانفجر السنة امام بطش الشيعة، واندلعت الحرب مجددا.

وفي سوريا، تسلم مالي الدفة، وصمم سياسة مبنية على تسليم سوريا الى ايران وروسيا، وهي نصيحة على عكس السياسة التي اعلنها كيري في جلسة استماع تثبيته في منصبه مطلعا ٢٠١٢، والتي كانت تمحور حول ضرورة الحاق هزيمة بالأسد عسكريا لاقناعه ان بقائه في الحكم مستحيل، وان المخرج الوحيد له هو قبول دخول نظامه في تسوية مع المعارضة تتضمن تقاعده.
حتى رودز تسلم ملفات خارجية، بدلا من كيري، ففتح قنوات سرية مع الكوبيين وهندس اعادة العلاقات بين البلدين. وفي المراحل الاخيرة قبل الاعلان عن المصالحة مع كوبا، أعلم البيت الابيض كيري ووزارة الخارجية بما كان يحدث في الخفاء عنهم.

أوباما، عديم الخبرة في السياسة الخارجية، احاط نفسه بمستشارين اصحاب خبرة شحيحة مثله على حساب الوزراء والمخضرمين. واستفاد أوباما من شعور أميركي مساند لابتعاد أميركا عن شؤون العالم ليقنع الاميركيين ان سياسته تتمحور حول انسحاب أميركا من شؤون العالم واكتفائها بالديبوماسية، وهو أمر غير صحيح، اذ ان أميركا ساهمت حتى الآن في الحفاظ على الأسد في الحكم لاعتقادها ان البديل هو مجموعات اسلامية متطرفة، كما بدا جليا من المفاوضات مع ايران ان أوباما وظف رصيدا سياسيا لم يوظفه اي من الرؤساء ممن سبقوه في قضية خارجية من هذا النوع، وهو ما يعني ان سياسة أوباما بعيدة عن الانعزال.

أزمات المستقبل

أوباما الذي يتباهى بانجازاته، الداخلية والخارجية، يبدو انه لا يعلم ان سياسته الخارجية زرعت بذور الازمات للمستقبل، ففي عهد أوباما انهار العراق وسوريا واليمن وليبيا، وحققت ايران انجازات بتخلصها من العقوبات الاقتصادية الدولية من دون تراجعها عن سياستها التوسعية في المنطقة.

قد تبدو الامور مستتبة من وجهة نظر الاميركيين، لكن سياسة أوباما أدت الى غليان شرق أوسطي قد ينفجر في اية لحظة وقد يؤدي انفجاره الى عواقب وخيمة على أميركا وحلفائها، على شاكلة 11 ايلول، وسيجد الرئيس الذي سيخلف أوباما نفسه في مواجهة أزمة لم يكن هو المسؤول عن الوصول اليها.

لكن هكذا هي الشعوب، تصفق لما ترى، ويندر ان تسمع، ثم تذهب الى صناديق الاقتراع فتمنح اصواتها بعواطفها، بدلا من تحكيم عقلها، فيبتلي العالم بشعبويين عديمي الخبرة ومعتدين بآرائهم على طراز الرئيس الاميركي الحالي، ويبتلي العالم بعد أوباما وفريقه بمشاكل خلقها الرئيس المذكور ولكنه سيرحل قبل ان تلطخ مشاكله سمعته وتاريخه.

Since December 2008