الأربعاء، 30 سبتمبر، 2015

الحزب الجمهوري الأميركي يمرّ في فترة انعدام توازن

واشنطن - من حسين عبدالحسين

يمرّ الحزب الجمهوري الأميركي، الذي يسيطر على غالبية الكونغرس بغرفتيْه، بفترة عصيبة أدت الى الإطاحة برئيس الكونغرس جون باينر، اليميني المعتدل الذي قدم استقالته ومن المتوقع ان يغادر السلطة التشريعية نهاية الشهر الجاري.

والمشكلة التي يعاني منها الحزب الجمهوري، وربما غالبية أحزاب يمين الوسط في الغرب، هي صعود اليمين المتشدّد، في ظاهرة، يعزوها الباحثون الى ردة فعل على التغييرات التي يشهدها العالم، مثل صعود تنظيمات إسلامية متطرفة حول العالم، والهجرة المستمرة الى دول الغرب، بطريقة تنذر بتغيير التركيبة الديموغرافية، وتالياً بعض التقاليد التي قامت عليها هذه الدول وحكوماتها.

والذعر من المهاجرين الوافدين لا يقتصر على الخوف من المسلمين، فالجمهوريون الاميركيون - وهم في غالبيتهم من المسيحيين - يعارضون الهجرة حتى للوافدين من أميركا الوسطى والجنوبية، وجلّ هؤلاء المهاجرين عادة مسيحيون يتحدثون الإسبانية، ما يشي ان خوف الجمهوريين من المهاجرين ليس دينياً انما عرقياً ولغوياً.

والخوف الجمهوري من الهجرة قدم فرصة لبعض السياسيين الشعبويين، ومنهم عدد لا بأس به من المرشحين الجمهوريين الى الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر 2016.

رجل الاعمال ومتصدّر المرشحين الجمهوريين في استطلاعات الرأي دونالد ترامب، بنى جزءا لا بأس به من شعبيته حول معارضته القاسية للمهاجرين، ووعد ببناء جدار عملاق على الحدود الأميركية الجنوبية مع المكسيك لمنع المهاجرين من التسلّل بصورة غير شرعية. ويعارض أكثر المرشحين الجمهوريين الهجرة، ويطالبون بترحيل كل المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية.

مثال آخر على شعبوية المرشحين الرئاسيين الجمهوريين يتجلّى في السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس، تيد كروز، الذي يقدم نفسه على أنه أكثر المرشحين الملتزمين بمبادئ الحركة اليمينية المحافظة. وكروز هذا لا يطالب بالانقضاض على المهاجرين غير الشرعيين واغلاق الحدود في وجه الوافدين الجدد منهم فحسب، بل يدعو الى وقْف الإنفاق الحكومي الفيديرالي، ما عدا المخصّص للشؤون العسكرية والدفاعية.

وكجزء من استعراضه عرقلة تمويل الحكومة، شنّ كروز حملة لتعطيل تمديد قانون الإنفاق الذي انتهت صلاحيته أمس. وطالب كروز بوقْف تمويل صندوق التنظيم الاسري، وهو صندوق يموّل برامج، منها الإجهاض.

وراح كروز يتهم زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل بالكذب، وحاول عرقلة أي قانون تسوية مع الديموقراطيين يؤدي الى استمرار تمويل الحكومة، فما كان من قيادة الحزب في الكونغرس إلا ان قمعته بعنف، ورفضت منحه النظام في الجلسة، ولم يجد كروز من يسعفه من الشيوخ الجمهوريين الحاضرين.

ويبدو ان مشكلة الحزب الجمهوري هي مبالغة بعض قيادييه، وخصوصاً المرشحين الى الرئاسة، في استعراض مدى التزامهم بالمبادئ «اليمينية المحافظة». فعلى الرغم من مشاغبة كروز ومحاولته تعطيل «الإنفاق الحكومي»، اظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «كوينيباك» ان «67 في المئة من الاميركيين يعارضون وقْف الكونغرس تمويل الحكومة الفيديرالية». واللافت في الاستطلاع ان 59 في المئة من الجمهوريين يعارضون وقْف التمويل، ما يشي ان مواقف كروز لا تتماشى حتى مع غالبية الجمهوريين، ما يعني انها مواقف تستهدف كسب رضى اقلية متشددة داخل الحزب.

ويعاني الحزب الجمهوري من عدد من الأعضاء في الكونغرس مثل كروز، ممن يجدون في الشعبوية الطريق الأقصر لتسلّق سلم الزعامة ولفت الأنظار، فيزايدون على مواقف قيادة الحزب، ويتّهمونها بالتراخي في المواقف المبدئية. وفي المرة الأخيرة التي صادق فيها الكونغرس على رفع سقف الاستدانة في فبراير 2014، لم ينجح باينر في حشد تأييد أعضاء حزبه في الكونغرس، باستثناء قرابة 25 منهم، فاستند الى الكتلة الديموقراطية ليشكّل معها غالبية ويسمح للحكومة تفادي عدم تسديد أي من ديونها، وهو أمر إن حدث فسيكون له تأثيرات بالغة على الثقة المحلية والعالمية بالحكومة الأميركية وسنداتها والدين الذي بحوزتها. ومنذ ذلك التاريخ، يحرّض اليمينيّون داخل الحزب الجمهوري، من أمثال كروز، ضد باينر، ويعملون على الإطاحة به في أقرب فرصة ممكنة، وهو ما دفع الأخير الى استباق أي تحرك ضده بإعلان تقاعده وخروجه من العمل العام.

وخروج باينر يأتي بعد فترة قصيرة من خروج زعيم الغالبية الجمهورية السابق أريك كانتور، الذي خسر في الانتخابات التمهيدية داخل حزبه العام الماضي، أمام مرشح متشدد مغمور، فقط لأن كانتور ابدى ليونة في موضوع الهجرة.

خروج اليمنيين الوسطيين ممن دخلوا في تسويات حول مواضيع خلافية عديدة مع الرئيس باراك أوباما والحزب الديموقراطي ينذر بأن الحزب الجمهوري ينحو باتجاه اليمين المتطرف، مع ما يعني ذلك من تهوّر في السياسة وتعطيل عمل الحكومة.

كذلك، من شأن ابتعاد الحزب الجمهوري عن الوسط واقترابه أكثر من اليمين ان يقلّص فرص الحزب في استعادة الرئاسة من الديموقراطيين، فالفوز بالرئاسة يحتاج الى بناء تحالف واسع فيه شرائح متنوعة، بما في ذلك جزء من كتلة الاميركيين من أصول أميركية جنوبية، الذين ابعدهم الجمهوريون من معارضي الهجرة. وما حصل للجمهوريين في انتخابات العام 2012 هو ان سطوة اليمين أجبرت المرشحين على الجنوح يميناً اثناء الانتخابات التمهيدية داخل الحزب، ما جعل عودتهم الى الوسط في الانتخابات العامة امراً صعباً ومعقداً، إلا لو أرادوا التراجع عن مواقف سبق ان التزموا بها، وهو ما يؤثر سلباً في فرص انتخابهم.

الحزب الجمهوري يجنح نحو اليمين، وهو ما يجبر الوسطيين على التقاعد، وهو كذلك ما دفع بعض الجمهوريين الى رفع الصوت ضد اتجاه الحزب الحالي، فأطل ابنا الرئيس الجمهوري الأسطوري الراحل رونالد ريغان ليقولا انهما لا يعتقدان ان والدهما كان ليفوز بترشيح الحزب الجمهوري لو كان حياً اليوم. وقام ناشطون ببث مواقف مصورة لريغان تظهره يؤيد تنظيم الهجرة، وهو الرئيس الذي أصدر عفواً عاماً عن أكثر من 10 ملايين مقيم بصورة غير شرعية في منتصف الثمانينات. ويوم وجد ريغان ان الضرائب لا تكفي لتمويل الحكومة، قام برفعها، وهو أمر يبدو شبه مستحيل على أي جمهوري قبوله اليوم.

الحزب الجمهوري يمر بفترة عصيبة تسمح للظواهر الشعبوية الصعود على حساب المعتدلين والقابلين للوصول الى البيت الأبيض، وإن لم يكن الامر كذلك، فكيف يمكن تفسير انه بعد أشهر عدة على بدء السباق الرئاسي، مازال جب بوش، سليل عائلة بوش التي تقع في صميم الحزب الجمهوري ومبادئه وأفكاره، مازال في المركز الثالث بين المرشحين الرئاسيين حسب استطلاعات الرأي المتكررة؟

الثلاثاء، 29 سبتمبر، 2015

لقاء أوباما - بوتين: 94 دقيقة من الـ «كلا»

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لخّص الإيميل الذي أرسله أحد المتابعين للقاء الرئيسيْن الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين، عبر البريد الداخلي للبيت الأبيض وعنونه «94 دقيقة من النييت (كلا بالروسية)»، فحوى لقاء القمة الذي جمع الزعيميْن للمرة الأولى منذ عام.

ورغم تكتّم البيت الأبيض على مجريات اللقاء عموماً، إلا ان أحد المقرّبين من الإدارة الأميركية قال ان الرئيسيْن خلف الأبواب الموصدة، لم يحيدا عمّا سبق أن قالاه في خطابيْهما، خصوصاً حول الأزمة السورية التي «استحوذت على كامل الحديث بينهما».

وكان أوباما قال في خطابه امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة انه لا يعتقد ان كون بديل الرئيس السوري بشار الأسد أسوأ منه يعني ان على العالم القبول ببقاء الأسد الذي يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة. وجدد أوباما تمسّكه بالديبلوماسية حلاً في سورية، على ان تؤدي الى نقل السلطة من الأسد الى حكومة وطنية جامعة، فيها عناصر من النظام والمعارضة.

اما بوتين، فكان أطل على الاميركيين عبر برنامج «شارلي روز» التلفزيوني الشهير، وتحدث بتهكّم عن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، مردّداً ان البرنامج الأميركي لتدريب المعارضين السوريين لقتال التنظيم المتطرف جنّد 60 مقاتلاً فقط، أربعة او خمسة منهم انخرطوا في الحرب ضد «داعش».

وفي خطابه امام الأمم المتحدة، دافع كل من بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني عن بقاء الأسد في السلطة في دمشق، وقال الاثنان ان من الخطأ الإطاحة بالأسد لأن ذلك سيفتح الباب امام المجموعات الإسلامية المتطرّفة للاستيلاء على الحكم في دمشق.

وقبل وليمة الأمين العام بان كي مون، غادر روحاني نيويورك على عجل بداعي المشاركة في الاهتمام بتفاعلات حادثة مقتل حجيج، منهم إيرانيون، في مكة المكرمة الأسبوع الماضي. واعتبر المراقبون الاميركيون مغادرة روحاني بمثابة فرار من نيويورك لتفادي المشاركة في وليمة الأمين العام، وتالياً تفادي لقاء أوباما او الاضطرار لمصافحته وإنْ بطريقة عابرة.

أما بوتين، فكان يتصرف وكأنه ندُّ أوباما. وكانت الأمانة العامة أجلست الرئيسيْن الأميركي والروسي بجوار بعضيْهما البعض على المائدة نفسها. وتبادلا الأنخاب، وبدت بسمة خفيفة على محيا المسؤول الروسي، فيما لم يبادل أوباما بوتين الابتسام وبقي عابساً. وقبل لقاء الرجليْن مساء أول من أمس، على إثر انتهاء خطابات اليوم الأول، لم يبتسم أي منهما وهما يتصافحان امام كاميرات الإعلاميين.

وذكرت مصادر أوروبية لـ «الراي» أن ما وصلها مما دار في حوار الرئيسين هو انه «يبدو ان كلاً منهما يعتقد ان الآخر اتصل به من موقع ضعف. أوباما يعتقد ان قرب انهيار الأسد اجبر بوتين على التورّط عسكرياً في سورية، وأن روسيا تبحث عن مخرج سياسي لتدخّلها العسكري. اما بوتين، حسب المصادر نفسها، فيبدو انه يعتقد ان مشاركته العسكرية في سورية فرضت واقعاً جديداً وقلبت المعايير بشكل اجبر الاميركيين على التراجع، والموافقة على رؤيته لإنهاء الصراع السوري بإبقاء الأسد».

وقال مصدر قريب من اللقاء ان الرجلين اكدا اهمية الاتصالات على المستوى العسكري لتجنب اي نزاعات بين البلدين في المنطقة.

ولفت الى ان بوتين لم ينف امكانية توجيه ضربات روسية ضد التنظيم في سورية، لكنه استبعد ارسال قوات برية لمقاتلة الجهاديين، مشيراً الى رغبته في «تقديم مساعدة اكبر الى الجيش السوري».

وذكر أن الرئيس الروسي وصف اجتماعه مع اوباما بأنه كان «مفيداً جداً وصريحاً»، موضحاً انه انتقد اوباما والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، قائلاً: «اكن احتراماً كبيراً لنظيريْ الاميركي والفرنسي لكنهما ليسا مواطنيْن سورييْن، وعليهما ألا يشاركا في اختيار قادة دولة اخرى».

وكان أوباما قال إنه لا عودة الى سورية ما قبل 2011، في أوضح إشارة الى أن الرئيس الأميركي لا يوافق على بقاء الأسد في الحكم، باستثناء صيغة انتقالية ذات جدول زمني معروف «يحدد تاريخ تسليم الأسد السلطة وخروجه من الحكم، على ان تضمن روسيا» الجدول الزمني. ويكرر المسؤولون الاميركيون ان أي اتفاقية سياسية من هذا النوع ستكفلها روسيا، كما كفلت تنفيذ الأسد اتفاقية نزعه سلاحه الكيماوي العام الماضي.

وتعقيبا على تصريحات بوتين، تحدث اوباما عن «ارادة مشتركة» في ايجاد حلول في مواجهة الحرب في سورية التي ادت الى ازمة هجرة غير مسبوقة. لكنه اشار الى خلاف حقيقي حول نهاية عملية انتقالية سياسية محتملة.

وجدد موقف واشنطن المعروف بأنه يتعين رحيل الاسد وانه لا يوجد مسار الى الاستقرار في سورية التي تمزقها الحرب، مع بقائه في السلطة.

ونقلت المصادر الأوروبية عن مسؤولين اميركيين ان «أوباما لا يعتقد ان بإمكان روسيا قلب الموازين العسكرية في سورية. حتى نقل المعدات العسكرية الروسية الأولية لبناء قاعدة والاستمرار بتزويدها بما تحتاجه عملية معقدة بسبب بعد روسيا عن سورية».

وبعد أسبوع من التصريحات الأميركية والأوروبية التي اشارت الى قبول الغرب شرط بقاء الأسد للقضاء على «داعش»، يبدو ان العواصم الغربية عكست موقفها بشكل كامل. والى الرئيس الأميركي، أطل هولاند ليؤكد ان لا مستقبل للأسد في سورية، وهو كلام يأتي بعد أيام على تصريحات بريطانية مشابهة. وحدها برلين موافقة على الخطة الروسية، وهو موقف ألماني ثابت منذ العام 2011.

وصباح أول من أمس، استعرض أوباما مجدداً التزامه بالديبلوماسية بعقده لقاء مع نظيره الكوبي راؤول كاسترو، وهو الأول من نوعه بين رئيسيْ البلدين منذ أكثر من نصف قرن.

الأمير التقى أوباما بعد قمة «القادة»: نتمنى مبادرات جديدة لمكافحة الإرهاب

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تمنى سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد أن تنتج قمة «القادة لمكافحة الإرهاب» في نيويورك مبادرات جديدة لمكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله. وشكر سموه الرئيس باراك أوباما خلال لقائه به أمس على دعوته للمشاركة في القمة وبحث معه العلاقات الثنائية وتطور الأوضاع في اليمن والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية.

وأعرب أوباما عن تقديره وترحيبه بمشاركة سموه في هذه القمة مشيداً بالعلاقات المتينة والمتميزة بين الولايات المتحدة والكويت في كافة المجالات بما فيها مجال مكافحة الإرهاب.

وكان اوباما ربط خلال كلمته في القمة، بين هزيمة تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) في سورية وتغيير القيادة في دمشق. وقال اوباما امام نحو مئة من قادة الدول شاركوا في القمة التي عقدت على هامش الجمعية العامة للامم المتحدة:«في سورية، هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية تتطلب قائداً جديداً» في اشارة الى وجوب مغادرة بشار الاسد للسلطة.

من جهته، أكد بوتين بعد لقائه أوباما ليل أول من أمس بتوقيت نيويورك أنه يجب «احترام مصالح إسرائيل المتعلقة بسورية»، مضيفاً أن «روسيا لن تشارك أبداً في عمليات برية ضد التنظيم المتطرف».

وقال بوتين إنه اتفق وأوباما «على العمل من أجل التغلب على الخلافات القائمة»، معتبراً أن الشعب السوري هو من يقرر مصير الرئيس بشار الأسد «وليس (الرئيس الفرنسي فرنسوا) هولاند أو أوباما».

كما أوضح أنه مستعد لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، ولم يستبعد أن تشارك بلاده في التحالف الدولي ضد «داعش» بتفويض أممي، بعدما أعلن أنه ناقش ذلك مع نظيره الأميركي.

وكشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن أوباما وبوتين اتفقا على «أنه يجب أن تكون سورية دولة موحدة وعلمانية وأن هناك حاجة إلى التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية وأنه يجب أن تكون هناك عملية انتقال سياسي موجهة»، مضيفاً أنه لا تزال هناك خلافات على النتيجة التي ستسفر عنها عملية الانتقال.

وبسؤاله عما إذا كانت هناك فرصة لاستخدام نفوذ روسيا وإيران في سورية لوقف الأسد البراميل المتفجرة ضد السوريين، قال كيري: «حتماً»، مضيفاً أنه يعتزم الاجتماع مجدداً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف اليوم.

وتابع: «هما في وضع قد يقرران فيه منع الأسد من اسقاط البراميل المتفجرة... ربما مقابل شيء قد نفعله».

السوريون سيشكرون الخليج يوما

حسين عبدالحسين

سيأتي يوم تزول الغمة عن قلوب السوريين ويأتي الفرج، ويرحل كان من يمارس ضدهم أبشع أساليب العقاب الجماعي، فيلقي عليهم البراميل المتفجرة، وأحيانا الصواريخ، الكيماوية وغير الكيماوية. ولكن الى ان يأتي ذلك اليوم، على السوريين ان يتذكروا دائما ان بعض الدول الخليجية كانت في صدارة اصدقائهم الدوليين.

في 2011، وبالشراكة مع حلفاء عرب، شنت عواصم الخليج حملة طردت فيها الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه من “جامعة الدول العربية”. ثم استصدرت قرارا في “الجمعية العمومية للأمم المتحدة” لاستبدال عضوية حكومة الأسد بالتحالف الممثل لمعارضيه، وهو ما اعطى المعارضين فرصة للمشاركة في لقاء المنظمة السنوي، مع ما يمنحهم ذلك من فرصة للقاء كبار المسؤولين العالميين.

وقبل أسبوعين، منذ انتشرت صور السوريين الهاربين من ماكينة الأسد القاتلة وهم يبكون ويغرقون ويقفون على حدود الدول الأوروبية يستجدون اللجوء، انقلب الموقف الأوروبي والدولي عموما من مطالب بخروج الأسد من الحكم الى مؤيد لبقائه كسبيل وحيد لوقف القتل والقتال، ووقف تدفق اللاجئين عبر الحدود.

فورا، رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة سانحة في ذعر الاوربيين من اللاجئين، فأرسل قوات عسكرية الى سوريا لفرض بقاء الأسد كحجر زاوية في حرب جديدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) الإرهابي، بدلا من الحرب التي تقودها الولايات المتحدة حاليا والتي يبدو انها صارت متعثرة. وطبعا تحت راية الحرب على الإرهاب، يقضي الأسد بمساعدة بوتين على الإرهابيين وضحايا الإرهاب، أي معارضي الأسد.

رأى بوتين الفرصة سانحة لتأكيد الموقف الأوروبي لإبقاء الأسد بعدما راح الأوروبيون يتحدثون عن بقائه لفترة انتقالية، وهي تصريحات كررها مسؤولون اميركيون.

وحدها السعودية لم تقع في الفخ الروسي، الذي حاولت موسكو بيعه للرياض قبل أشهر، ولكن من دون جدوى.

في كواليس الأمم المتحدة، وبينما كان زعماء الدول يتسابقون لإجراء اللقاءات، وفيما كانت روسيا وإيران تشنان حملة ديبلوماسية لتثبيت سيناريو بقاء الأسد، شنت حكومات خليجية حملة ديبلوماسية معاكسة، وفتحت الأبواب للمعارضين السوريين لعرض وجهة نظرهم امام زعماء العالم، واعادت الحوار حول سوريا الى اليوم الذي كان العالم يجمع فيه ان داعش والإرهاب هما وليدا عنف الأسد، وانه لا يمكن للأسد ان يكون جزءا من المشكلة ومن الحل في الوقت نفسه، وان استئصال الإرهاب يقتضي التخلص من سببه، أي الأسد وعنفه العشوائي والمفرط.

ويبدو ان الديبلوماسية الخليجية اثمرت. مطلع هذا الأسبوع، أطل الرئيس الأميركي باراك أوباما بخطاب امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة خيّب فيه آمال الروس والإيرانيين. قال أوباما ان لا عودة الى ما قبل 2011، أي يوم كان الأسد حاكما اوحدا والى الابد.

وقال أوباما انه لا يمكن بقاء الأسد الذي يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة فقط لأن البديل أسوأ منه. كرر أوباما مواقفه هذه في اللقاء مع بوتين، الذي كان يزور نيويورك خصيصا للحصول على توقيع الاميركيين للتنازل عن السوريين وإعادة الأسد الى الحكم.

لم يستعرض ديبلوماسيو الخليج افعالهم كما فعل الروس والايرانيون. لم يطل الديبلوماسيون الخليجيون عبر كبرى وسائل الاعلام الأميركية، كما فعل بوتين ونظيره الإيراني حسن روحاني. عملت الديبلوماسية الخليجية مع حلفاء مثل تركيا، وبعيدا عن الأضواء. لكنها عملت بفاعلية.

في الأسابيع المقبلة، لن يكون مستبعدا ان يكثف الروس والايرانيون وأزلامهم هجومهم الإعلامي ضد الخليج. لكن الدعاية تبقى دعاية، اما الواقع فمفاده ان سوريا للسوريين، ولن تكون للأسد، لا الآن ولا الى الأبد، او هكذا قال أصدقاء الشعب السوري في أكبر المحافل الدولية على مدى الأسبوعين الماضيين.

في المستقبل، سيتذكر السوريون أيام شقائهم وحرب الأسد عليهم. ولكن عليهم أيضا ان يتذكروا ان بعض اصدقائهم لم يتخلوا عنهم في محنتهم، لا سرا ولا علنا.

روحاني يهرب من نيويورك

حسين عبدالحسين

أن يقطع رئيس دولة زيارة رسمية يقوم بها ويعود الى بلاده على وجه السرعة لمعالجة أزمة مندلعة أمرّ مفهوم. لكن أن يقطع رئيس إيران حسن روحاني زيارته الى نيويورك، بعد خمسة أيام من وقوع حادث التدافع في السعودية، الذي راح ضحيته أكثر من 700 من الحجيج 150 منهم من الإيرانيين، ثم يدّعي أن الحادثة هي سبب قطعه زيارته هو عذر واهٍ يشي بأن صاحبه فرّ من الولايات المتحدة لسبب غير معلن.

روحاني وصل الولايات المتحدة الخميس الماضي، يوم وقوع حادثة الحجيج، ليشارك في اللقاء السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. وأعطى الرئيس الإيراني نفسه مهلة ثلاثة أيام سابقة لموعد القائه خطابه صباح الاثنين، فاستقبل في جناح الجمهورية الإسلامية مجموعة من رؤساء العالم المتهافتين على السوق الإيرانية، وعقد سلسلة من اللقاءات مع اللوبي الإيراني-الأميركي، ومع أميركيين ممن يتسابقون كذلك على الفوز بجوائز ترضية مع انفتاح العالم على إيران.

غداء بعد غداء، وعشاء بعد عشاء، مرّت أربعة أيام ولم يبدُ أن القلق ساد روحاني، أو فريقه، بسب وقوع حادثة مكة.

ثم أعطى روحاني سلسلة من اللقاءات مع كبرى الوسائل الإعلامية، واستخدم المنابر الأميركية لشن هجوم ضد الحرب العربية في اليمن، ووصف كل المعارضين السوريين بالإرهابيين من صنف "نصف بشر أو لا بشر". ثم كلل الرئيس الإيراني رحلته الى أميركا بخطاب امام الجمعية العامة أشاد به بانتصار إيران الديبلوماسي في الاتفاقية النووية، وأشار فيه الى ان لا حل في سوريا غير بقاء بشار الأسد رئيساً.

على أن اعلان روحاني قطعه زيارته، وإلغاء عدد من الارتباطات السابقة له في نيويورك، لم يكن مبرراً بما فيه الكفاية. لكن موعد مغادرة الرئيس الإيراني – فور فراغه من القاء خطابه صباحاً وقبل موعد الغذاء – قد يشير الى سبب رحيله على عجل.

في كلّ عام، وفي اليوم الأول من افتتاح اعمال الجمعية، يستضيف الأمين العام وليمة غداء تقليدية يدعو إليها زعماء الدول المشاركة. الرئيس الأميركي غالبا ما يتغيب، ولكن في الأعوام الثلاثة الأخيرة، عمد الرئيس باراك أوباما على الحضور علّه يصادف رؤساء ممن يحاول مصافحتهم مثل روحاني.

هذا العام، اتجهت الأنظار الى وليمة الأمين العام، وتوقع الخبراء مصافحة، وان عابرة، بين روحاني وأوباما، خصوصاً بعدما تم التوصل الى الاتفاقية النووية. وتحدثت أوساط واشنطن عن اتصالات أجرتها الحكومة الأميركية مع إيرانيين، مباشرة وبالواسطة، لتنظيم "مصافحة عفوية" بين الرئيسين. وسمع الاميركيون من الإيرانيين "موافقة من حيث المبدأ"، إذ إن "إيران ليست على عداء مع أحد".

لكن عندما اقترب موعد المصافحة، تحجج روحاني بـ"أزمة الحجيج" ورحل. أما دور روحاني في التعامل مع أزمة الحجيج فغير مفهوم، فالحادثة وقعت، ولا اعمال متابعة مطلوبة، مثل في حالات الكوارث الطبيعية. على أن روحاني يبدو انه كان يحتاج الى أي عذر ممكن للرحيل، من دون ان يبدو وكأنه غير قادر على مصافحة يخشى قدوم موعدها منذ يوم توليه الرئاسة وخوضه المفاوضات النووية.

غير فراره من مصافحة أوباما، يبدو ان هروب الرئيس الإيراني من نيويورك جاء أيضاً بسبب الأضواء المسلطة على روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، خصوصاً لناحية المحادثات المتسارعة لمعالجة الأزمة السورية المندلعة منذ العام 2011. روحاني التقى بوتين، لكن لقاء الأخير مع أوباما هو الذي سرق الأضواء، وبدا الإيرانيون هامشيين في أزمة لطالما اعتبروها جزء من مصالحهم الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، او منطقة "الخليج الفارسي الأكبر" حسبما يحلو لوزير الخارجية الإيرانية جواد ظريف تسميتها.

فجأة تبددت أسطورة روحاني والتغيير المزعوم في إيران: لا روحاني يرغب في مصافحة أوباما، ولا إيران لاعب ذو وزن في سوريا عندما يبدأ الكبار، أي أميركا وروسيا، في الحوار.

فجأة انكشف الوجه الحقيقي لظاهرة روحاني كرئيس انفتاحي معتدل. روحاني يعرف محدودية صلاحياته وقدراته. مهمته هي اسباغ وجه لطيف على نظام متشدد. لذا يزور روحاني نيويورك سنوياً، يبتسم في لقاءات الكواليس مع أصدقاء اميركيين، يتوعد خصوم إيران في العلن على منبر الأمم المتحدة، ويهم بالرحيل عندما يبدأ الجد خوفاً من مصافحة أوباما، أو بدء الحديث حول سوريا وهو في جناح فندقه، لأن أحداً لم يوجه دعوة اليه للمشاركة في حوار سوري يسيطر عليه بوتين.

لو لم تقع حادثة مقتل الحجيج في مكة، لكان روحاني قطع زيارته على كل حال، ولكن وجد حججاً كثيرة غير الحجيج.

الجمعة، 25 سبتمبر، 2015

جب بوش يستقبل وفداً سورياً ويعد بمنطقة حظر جوي

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

نقل وفد يضم 12 أميركياً من أصل سوري، عن المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جب بوش، إنه خصّص لهم وقتاً فاق الوقت الذي منحه لكل الوفود الأخرى التي زارت مكتب حملته في العاصمة الأميركية للقائه ومنحه تأييدها.

وقال مشاركون في اللقاء إن «جب أبدى اطلاعاً واسعاً على تفاصيل الأزمة السورية»، معتبرا أنه «يتبنّى تصريحات مدير (وكالة الاستخبارات المركزية - سي آي أي) السابق الجنرال دايفيد بترايوس، الذي قال في جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المسلحة في مجلس الشيوخ، الأسبوع الماضي، إن على واشنطن توجيه إنذار إلى الرئيس السوري بشار الأسد، مفاده إما أن يتوقف عن استخدام البراميل المتفجرة ضد السوريين ويوقف غاراته الجوية عليهم، أو تدمر له الولايات المتحدة كل قوته الجوية».

وتابع المشاركون في اللقاء السوري مع جب القول إن «المرشح الرئاسي أبدى احتراماً كبيراً للوفد، الذي تضمن 4 نسوة، منهم امرأة محجبة».

كما أهدى الوفد نجل رئيس أميركا الواحد والأربعين، وشقيق رئيسها الثالث والأربعين، مجلّداً يحوي اسم مئة ألف من الضحايا السوريين الذين سقطوا على أيدي قوات الأسد.

وتوجه أحد المشاركين إلى بوش بالقول إنه يتمنى ألا يضطر الوفد إلى زيارة المرشح الرئاسي مرّة ثانية لإهدائه جزءاً ثانياً فيه مئة ألف ضحية سورية جديدة، ماحدا بجب إلى القول إنه يأسف أن المجلد الثاني قد يكون قيد الطبع، لأن عدد ضحايا قوات الأسد ناهز الربع مليون.

ويقول مشاركون في الوفد السوري - الأميركي إنهم شكّلوا مجموعة تحت اسم «سوريون من أجل بوش»، وإن هذه المجموعة تعمل بتنسيق وثيق مع حملة المرشح الرئاسي على حشد أصوات السوريين والعرب وجمع التبرّعات لمصلحة الحملة.

ويعتقد متابعو السباق الرئاسي الأميركي أن جب يعاني من تاريخ شقيقه جورج، الذي أدخل الولايات المتحدة في حرب العراق بناء على معلومات استخباراتية مغلوطة. لكن الاعتقاد السائد عن تأثير تاريخ الرئيس السابق على فرص شقيقه بدأ يهتز، إذ صارت تظهر أرقام استطلاعات الرأي ارتفاعاً في شعبية جورج بوش الابن كرئيس سابق للبلاد.

وفي المناظرة الأخيرة بين المرشحين الجمهوريين، التي نظمتها شبكة «سي إن إن» التلفزيونية في مكتبة الرئيس الجمهوري الأسطوري الراحل رونالد ريغان، حاول متصدّر المرشحين رجل الأعمال دونالد ترامب تسديد ضربة إلى جب بالإشارة إلى تاريخ شقيقه في حرب العراق، فرد جب بالقول: «شقيقي أبقانا آمنين» على وقع تصفيق حاد من الجمهور، وهو تصفيق يعتقد المراقبون أنه يشي بمصالحة أميركية مع حرب العراق وتاريخ الرئيس بوش الابن، ما قد يسهّل من مهمة شقيقه جب في الترشح للانتخابات المقررة في نوفمبر 2016.

في تسع سنوات.. 117 مليون حاج وموت قلّة في حادث

واشنطن - حسين عبدالحسين

لقي أكثر من 700 من حجاج بيت الله الحرام حتفهم في حادث تدافع مؤسف في مكة المكرمة يوم الخميس، ما دفع السلطات السعودية الى استنفار أجهزتها ووضعها أكثر من 200 آلية في تصرف فرق الإنقاذ، فضلا عن مروحيات طبية لنقل الجرحى والمصابين الى المستشفيات القريبة.

ويبدو ان التحدي الأكبر الذي واجهه السعوديون، وسط الحادث المروع، محاولة اخلاء الضحايا والمصابين من دون اغلاق الحرم الشريف الذي كان يغص بمليوني زائر. ولطالما واجهت السعودية حوادث مشابهة في الماضي، ولكن على الرغم من الخبرة المكتسبة، تظلّ مواجهة هكذا احداث طارئة من الأمور المعقدة.

وكان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز زار مكة منتصف الأسبوع الماضي للإشراف على توافد الحجيج والاستعدادات المرافقة للحدث السنوي الأهم لدى المسلمين حول العالم. وبعد وقوع حادث يوم الخميس، كلّف خادم الحرمين مستشاره أمير مكة خالد الفيصل بمتابعة الأمر، فكان في طليعة المشرفين على عمليات اخلاء الضحايا وإنقاذ المصابين.

وفي وقت لاحق، أعلنت وزارة الداخلية السعودية فتحها تحقيقا في الحادث، ربما ليس بهدف العقاب او القصاص، بل للوقوف على أي أخطاء يمكن تفاديها في المستقبل.

لكن على الرغم من فاعلية وسرعة السلطات السعودية في التعاطي مع الحادثة، وعلى الرغم من المعدات والمنشآت الأولى عالميا التي تقدمها السعودية لتسهيل موسم الحج، وعلى الرغم من الخبرة التي راكمتها السعودية في إدارة اعداد الحجيج المتزايدة بشمل مضطرد كل عام – فضلا عن الوافدين للقيام بعمرة على مدى العام – تبقى عملية إدارة شؤون الحاج عملية معقدة.

وحتى نفهم مدى تعقيد تنظيم مناسبة يشارك فيها هذا العدد من الزوار سنويا، يمكن ان نلتفت الى أمثلة في أماكن أخرى في العالم.
في مدينة برشلونة الاسبانية، حيث ناديها العريق لكرة القدم، يقع أكبر مدرّج في أوروبا بسعة حوالي مئة ألف مشاهد. لنتخيل عدد مشاهدي مباراة في ملعب برشلونة، ثم نضرب هذه الكتلة البشرية الهائلة بالرقم عشرين، ونعتبر ان المليونين هؤلاء باقين في الملعب وجواره لمدة تتراوح بين أسبوع واسبوعين.

على ان الفارق بين اسبانيا والسعودية هو ان المئة ألف مشاهد يحضرون مباراة كرة القدم لمدة تسعين دقيقة ويعودون الى منازلهم، اما في الحاج، فيقوم مليوني مشارك بممارسة شعائر تتضمن – الى الصلوات الخمس اليومية وربما نوافل إضافية – تجوّل الحجيج في الحرم المحيط بالكعبة الشريفة للقيام بالسعي وزيارة الأماكن حسب التقاليد المتبعة.

وما يزيد في الأمور تعقيدا ان الحجيج يفدون سنويا من 160 دولة على الأقل، هي عدد الدول الأعضاء في “منظمة الدول الإسلامية”. وهو ما يعني ان بين المليوني حاج يوجد على الأقل بضع الاف ممن لا يتكلمون بأي لغة غير لهجاتهم المحلية المحكية، وهو ما يعقد عملية إيصال إرشادات السلامة العامة والتعليمات إليهم.

وفي وقت يعرف غالبية المسلمين العربية لأنها لغة العبادة عندهم، الا ان معرفتهم قد تنحصر بالشؤون الدينية والعبادية، أي انهم على الرغم من كونهم مسلمين، قد يصعب التواصل معهم على الرغم من محاولة السلطات السعودية طبع كراسات الارشادات والخرائط بأكبر عدد من اللغات. لكن يبدو حتميا ان بعض اللغات لن تصل مكة المكرمة او القيمين على موسم الحج فيها.

من سبق ان شارك في مناسبات فيها اعداد كبيرة يعرف ان مفتاح نجاح التنظيم فيها يكمن في تواصل المنظمين مع الحاضرين. ويبدو ان انقطاع هذا التواصل هو السبب في حادثة الخميس المؤسفة عندما دخل عدد من الحجيج، ممن كانوا يؤدون المراسم قبل اشراق الشمس الحارقة، ممرا، ولكن عكس وجهة السير المخصصة، ما أدى الى مواجهتهم تدفق حجاج آخرين. وأدى الارتباك والتدافع الى مقتل واصابة مئات.

يقول البنك الدولي انه في العام 2013، استقبلت المملكة العربية السعودية 13 مليون سائح، يعتقد ان معظمهم من الوافدين الى السياحة الدينية في مكة والمدينة، وهو ما يعني انه سنة بعد سنة، وحج بعد حج، وفي ظل موسم العمرة المفتوح، استقبلت المملكة 117 مليون زائر في الأعوام التسع الماضية، وسارت كل زياراتهم بشكل منتظم، ما عدا قلية قليلة جانبها الحظ يوم الخميس.

هذه الصورة بالأرقام تبدو مختلفة عن صورة يحاول البعض رسمها وتصوير وكأن عملية الحج عملية غارقة في الأخطاء البشرية، وهي صورة تجافي الحقيقة.

الخميس، 24 سبتمبر، 2015

العرب والقاتل… الغرب والضحية

حسين عبدالحسين

مذهل الانحطاط الاخلاقي الذي بلغه بعض العرب وكثيرون في الغرب.

عند العرب اناس لا تزعجهم الجرائم، كبيرها او صغيرها، ولا يؤرقهم منظر الدماء. ما يعني هؤلاء العرب هي هوية القاتل. مثلا ان تقتل اسرائيل فلسطينيا، ترى هؤلاء العرب يصرخون بأعلى اصواتهم على شاشات الفضائيات. يدينون، يشتمون، ويتوعدون الامبريالية والامبرياليين. لكن ان يقتل الرئيس السوري بشار الأسد ربع مليون من شعبه في ابشع مجزرة عرفها التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية، او ان يحترق رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري على ناصية طريق بيروت البحري بعد تعرضه لاكبر عملية تفجير عرفها التاريخ الحديث، يتحول صراخ “اهل القضية” من العرب الى تحليل سياسي هادئ، غالبا ما يكون عبارة عن نظرية مؤامرة تحاول اخفاء هوية القاتل واستبدالها بـ “امبرياليين”.

ولكن حتى بعد ان يستبدل هؤلاء العرب هوية القاتل المحلي باسرائيل او بقاتل آخر “امبريالي”، لا نراهم يصرخون او يتوعدون. مثلا، بعدما قتلت اسرائيل في دمشق القائد العسكري في “حزب الله” اللبناني، توعد الحزب اسرائيل بالانتقام، ونفّذ “عملية الرضوان” بتبادله سجناء مع الاسرائيليين. اما بعد مقتل الحريري، الذي يقسم قادة “حزب الله” انه احبهم واحبوه، أطل زعيم الحزب السيد حسن نصرالله في خطاب بث اثناءه ما قال انها صور التقطتها طائرة اسرائيلية من دون طيار للدرب التي سلكها الحريري قبيل اغتياله. وأكد نصرالله ان اسرائيل هي التي قتلت رئيس حكومة لبنان الاسبق. ولكن، على عكس الانتقام الذي لحق اسرائيل لقتلها مغنية، لم ينتقم الحزب من اسرائيل لمقتل الحريري.

“حزب الله” كان يعلم ان حديثه عن هوية قاتل الحريري هو من باب التستر على الهوية الحقيقية للقتلة الذين أظهرت محمكة دولية، تعمل برعاية الامم المتحدة، انهم قياديون في “حزب الله”. لهذا، غضب وصرخ وانتقم نصرالله من الاسرائيليين لقتلهم مغنية، وطالب بالتوصل الى “حلول سياسية” لجريمة قتل الحريري.

في السياق نفسه، رأينا العرب ألوفا مؤلفة في الشوارع تتظاهر ضد الاحتلال الاميركي للعراق وتدخل واشنطن في شؤون العراقيين بقلبها نظام رئيسهم الراحل صدام حسين، وسمعنا بعض هؤلاء العرب يعترضون على الضربة التي وعدت أميركا بتنفيذها ضد نظام الأسد عقابا له على مجزرته الكيماوية في ضواحي دمشق في 2013، لكننا لم نقرأ بيان اعتراض عربي واحد ضد الغزو الروسي لسوريا، وتدخل موسكو بشؤون السوريين بدفاعها عن رئيسهم، الذي يقتلهم، وابقائه في الحكم.

عند هؤلاء العرب، عملية القتل او الاحتلال لا تعنيهم. ما يعنيهم هو هوية القاتل او المحتل. فان كان القاتل اسرائيل او المحتل أميركا، ثاروا غضبا. اما ان كان القاتل ايران او المحتل روسيا، يتحول غضبهم الى حديث عن مفاوضات سياسية وتسويات سلمية وموازين اقليمية ودولية.

وفي الغرب، كما عند بعض العرب، افراد ومجموعات انعدمت اخلاقها وشابت معاييرها نفس الازدواجية الكريهة. مثلا، عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر الارهابية، التي راح ضحيتها قرابة 3 الاف اميركي، ثارت واشنطن، واشعلت العالم، واعتبرت الهجوم جريمة ضد البشرية وصورت الارهاب عدوا للبشر، وهذا صحيح. لكن بعد مرور اربعة اعوام على ممارسة الأسد للقمع الدموي، الذي فاق الارهاب، بحق السوريين، فقتل منهم حوالي ربع مليون، نرى واشنطن تتحدث بنبرة هادئة، وتعتبر ان الحل الوحيد هو سياسي ويقضي بحوار بين القاتل والضحية، فالضحية هذه المرة ليست اميركية، والدماء السورية التي تسيل ليست دماء اميركية، لذا، لا ضير من الانتظار حتى تنضج الظروف الدولية وتصبح مواتية لحل سياسي.

كثيرون في أميركا والغرب لا يعتقدون انهم معنيون بعملية القتل المستمرة في سوريا. فقط عندما تتعرض مدن او اهداف غربية لهجمات، نرى الغرب يطالب العالم بالوقوف صفا واحدا لمكافحة الارهابيين ومنع سقوط المزيد من القتلى الغربيين.

انها ازدواجية ما بعدها ازدواجية ورياء ما بعده رياء عند بعض العرب، الذين لا تحركهم الجريمة بل تحركهم هوية القاتل، فقط ان كان خصمهم في السياسة. وهو كذلك نفاق ما بعده نفاق عند الغرب الذي يشعل العالم دفاعا عن الروح البشرية، ولكن فقط عندما تكون الضحية غربية. اما عندما يكون الضحايا عرب، في سوريا ام في فلسطين، فيصمت الغربيون، او على الاقل يصمت كثيرون منهم.

«ضعف» الأسد أجبره على تسليم اللاذقية إلى الروس بعد إحالته دمشق للإيرانيين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فيما التزمت إدارة الرئيس باراك أوباما ترداد الموقف الرسمي القائل إنها لا تزال تجهل الأهداف الروسية في سورية، والتي دفعت موسكو إلى إرسال قوات عسكرية ومقاتلات ودبابات ومستشارين إلى مدينة اللاذقية الساحلية في شمال سورية الغربي، تردد في كواليس الإدارة الأميركية حديث عن قيام الروس بدعم الأسد لتفادي سقوط اللاذقية في أيدي الثوار.

ويلفت المراقبون الأميركيون إلى أن موسكو لم تعزز وجودها في مرفأ طرطوس، ذات الغالبية العلوية الساحقة وحيث تحتفظ روسيا بمنشأة بحرية بسيطة. ويقول هؤلاء إنه على عكس الاعتقاد السائد، فإنه منذ استولى «جيش الفاتح» من الثوار السوريين على كامل محافظة إدلب وجسر الشغور، الذي يؤدي إلى سهل الغاب جنوباً، تدور المعارك بين الثوار وقوات الرئيس بشار الأسد للسيطرة على هذا السهل.

ويعتقد المراقبون الاميركيون أن الأسد استعان بأفضل قواته للدفاع عن السهل، وأرسل العقيد سهيل الحسن المعروف بـ «النمر» والذي قدم أداءً عسكرياً متفوقاً منذ اندلاع المواجهات العسكرية في العام 2011. ولكن حتى «النمر» وقواته واجهوا نكبات متعددة أجبرتهم على التخلي عن نقاط أساسية.

ويتابع المراقبون أنه في حال استولى الثوار على سهل الغاب، تصبح الطريق مفتوحة أمامهم نحو اللاذقية، التي يبلغ عدد السنّة فيها نحو نصف سكانها، وهؤلاء يعيشون في حالة حصار فرضتها عليهم قوات الأسد منذ أن شاركوا في التظاهرات السلمية التي طالبت برحيل الأسد عن الحكم في الأيام الأولى للثورة السورية في ربيع العام 2011. كذلك، يقطن شمال اللاذقية عدد من السوريين التركمان من السنّة. وتعززت أعداد السنّة في الجيب العلوي بوفود لاجئين من مناطق القتال في محافظتي إدلب وحماة المجاورتين.

ولطالما حاول الثوار اختراق شمال سورية الغربي، وهو معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. وفي مارس 2014، شنت فصائل إسلامية معارضة ما أسمته «حملة الانفال»، واستولت على نقاط حدودية مع تركيا. وأدت المعارك الى مقتل هلال الأسد قريب الرئيس السوري، فيما اتهمت دمشق أنقرة بمساندة الثوار بإسقاطها مقاتلة سورية كانت تشترك في المعارك. وفي وقت لاحق، وبمساندة من «حزب الله» وميليشيات أخرى تابعة لإيران، نجحت قوات الأسد في استعادة المواقع التي خسرتها في محيط كسب الحدودية.

ويقول الخبراء إن معركة كسب والاشتباكات الدائرة في سهل الغاب دفعت عدداً كبيراً من العلويين الى ترك اللاذقية والاحتماء بما يعرف بجبال العلويين، وهو ما يشكل تهديداً لقوات الأسد ومقدرة دفاعها عن اللاذقية. ويتابع المراقبون الأميركيون ان إيران و«حزب الله» يساندان الأسد في الدفاع عن دمشق والمناطق المحيطة به، وكذلك الممر الممتد من العاصمة شمالاً عبر حمص ونحو الجيب الشمالي الغربي. لكن مقدرة القوات الايرانية على مساندة الأسد تراجعت، يقول خبراء، ما دفع الروس الى التدخل عسكرياً لحماية اللاذقية ومنع الثوار السوريين من الاستيلاء على منفذ بحري.

وفي هذا السياق، تقول الدكتورة فابريس بلانش، التي تعمل في «جامعة ليون» وتشغل مركز باحثة زائرة في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» ان اللاذقية عند إيران لا تتمتع بالأهمية الاستراتيجية نفسها التي تتمتع بها دمشق أو الجولان. وبما أن روسيا ما زالت تحتفظ بقاعدة بحرية في طرطوس و«تعمل على إعادة بناء قاعدة غواصات سوفياتية في بلدة جبلة الواقعة نحو 32 كيلومترا جنوب اللاذقية»، ستعمل موسكو – حسب الباحثة الفرنسية – «على إحياء فرص إقامة دولة علوية على الساحل السوري، بغض النظر إن كانت هذه الدولة العلوية متصلة بدمشق أم لا». وتتابع القول ان «روسيا تحصن مواقعها على الساحل السوري جنوب الحدود التركية مع هدف رئيسي هو منع السنّة من الوصول إلى البحر».

وتقول بلانش: «بالنظر الى حملة الثوار الربيع الماضي، هناك إمكانية حقيقية ان تصل الحرب الاهلية الى اللاذقية، حيث سيجد الثوار دعماً قوياً من السكان السنّة الذين لطالما حلموا بالانتقام من النظام الذي سيطر عليهم لعقود».

ولأن الأسد لم يعد بإمكانه الدفاع عن اللاذقية، لم يكن امامه غير خيار قبول الدخول العسكري الروسي على غرار قبوله الدفاع الإيراني عن دمشق، حسب الخبراء.

هكذا، فيما اعتقدت واشنطن يوما أن ضعف الأسد سيجبره على التفاوض مع معارضيه للتوصل الى تسوية سلمية، يبدو أن تقهقر الأسد دفعه الى تسليم مناطقه الى الروس والإيرانيين. ويتابع المعنيون في واشنطن انه سيكون مثيراً للاهتمام مراقبة كيفية تفاعل القوات الروسية مع الإيرانية على الأرض السورية في وقت رحبت موسكو برئيس حكومة إسرائيل، قبل أسبوع، فيما طهران تتوعد إسرائيل باستمرار.

أهلا بالروس

حسين عبدالحسين

الامبراطوريات لا تتعلم. لكل منها فيتنامها. الاتحاد السوفياتي عانى من المستنقع الافغاني وانسحب منه يجرجر أذيال الخيبة.

الولايات المتحدة انفقت العقد الماضي وهي تجري نقدا ذاتيا حول "الغطرسة الامبريالية" وتعيد تشكيل رؤيتها للقوة العسكرية، وفاعليتها، ومدى قدرتها على تغيير الوقائع السياسية الى درجة دفعت الرئيس باراك أوباما الى الانكماش الكلي واستخدام القوة الأميركية من باب رفع العتب فقط.

وبين مستنقعي أميركا في فيتنام وروسيا في أفغانستان، وكارثة حرب العراق على الاميركيين، سقطت إسرائيل في فخ الغرور بقوتها، واعتقدت انه يمكنها استخدامها لفرض هندسة لبنان صديق، فاجتاحته في العام 1982، وخرجت منه مهزومة مرارا. وبعدما أحرقت أميركا اصابعها في أفغانستان والعراق، فانكفأت وتركت النظام العالمي يدير نفسه، قفزت القوى الأصغر صاحبة الاحلام الإمبراطورية.

إيران كانت السباقة واعتقدت ان غرور القوة، الذي ابتلى فيه الإسرائيليون في لبنان والأميركيون في العراق، لا يمكن ان يصيبهم. هكذا، سلطت طهران قوتها الميليشيوية على لبنان، أولا، ثم سوريا، فالعراق. في كل من الدول الثلاثة، غرقت إيران، ولم يتمكن حلفاؤها، على الرغم من تفوقهم عسكريا واستخباراتيا وماليا، من فرض ارادتهم او هندسة أي من لبنان او سوريا او العراق على شكل "دولة المقاومة" التي ارادتها الجمهورية الإسلامية.

في لبنان، كان لا بد من مخرج سياسي لاكتساح "حزب الله" لبنان في العام 2008، فكانت اتفاقية الدوحة، التي انقضت مفاعيلها مع حلول العام 2014، فعاد لبنان ليغرق في انقسامه السياسي وشلل دولته المميت. وفي سوريا، حقق "حزب الله" والميليشيات الشيعية العراقية التابعة للإيرانيين نجاحات أولية، ثم ما لبثت ان اصطدمت هذه القوات بمحدودية القوة على التغيير، وغرقت في المستنقع نفسه والانقسام اللبناني.

وكما في لبنان وسوريا، حقق الحشد الشيعي التابع لطهران في العراق نجاحات أولية. ولكن مع مرور الوقت، استنفدت الميليشيات زخمها، وعلى الرغم من الدعم الجوي الأميركي، غرقت قوات الحكومة العراقية وإيران، فلم تستطع فك الحصار الذي يفرضه تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) على بلدة حديثة منذ عام، وبدا ان اقصى الطموح العراقي – الإيراني – الأميركي هو استعادة مدينة الرمادي، في وقت صارت استعادة الموصل تبدو عملية شبه مستحيلة.

وبعدما انكفأت القوة الإيرانية، وتوصل الأسد الى قناعة مفادها ان هدفه الحفاظ على الجيب الأقلوي الذي يسيطر عليه في وسط وشمال سورية الغربي، أطلت روسيا عسكريا لتفرض رؤية جديدة تقضي بقيادتها تحالفا ضد داعش بمشاركة الأسد. وراحت موسكو ترسل المقاتلات والدبابات والمستشارين.

الامبراطوريات لا تتعلم، وروسيا منها، فلا يبدو ان موسكو تعرف بالضبط ما الذي ستجنيه بتورطها عسكريا في سوريا. إذا كان انتزاع اعتراف أميركا وأوروبا ببقاء الأسد، فهذا أمر لا يحتاج الى مجهود روسيا العسكري، فالعواصم الغربية متمسكة بالأسد في الخفاء منذ فترة. اما إذا كانت روسيا تعتقد ان بإمكانها القضاء على داعش من الجو، فالأجدى بها الحديث الى أميركا حول انعدام فاعلية الضربات الجوية ضد ميليشيا مثل داعش يختلط مقاتلوها بالسكان.

يبقى ان موسكو قد تظن ان بإمكانها ان تبني قدرات قوات الأسد الأرضية، وتقدم له غطاء جويا، فتنجح الأخيرة باستعادة السيطرة على الأراضي السورية والعودة الى ما قبل 2011. لكن نظام الأسد لم يسيطر يوما على سوريا كليا، بل لطالما انحصرت سيطرته على المدن، مع توصله لترتيبات مع زعماء العشائر السورية من الرقة الى منبج فإدلب شمالا، ومن حوران جنوبا الى تدمر وريفي حمص وحماة في الوسط. ومنذ 2011، انقلب معظم زعماء العشائر على الأسد، فاقتصرت سيطرته على المدن في الجيب الذي يسيطر عليه، خصوصا بسبب معاناة الأسد وحلفائه من نقص في عدد الجنود مقارنة بمعارضيهم، الذين يتمتعون بأفضلية عددية واضحة.

إذا، غير التهويل، من غير المفهوم ما الذي ترجوه موسكو من ارسالها قواتها ذات الأسلحة الحديثة والبراقة الى سوريا. فالأزمة السورية شائكة ومعقدة، ولا نصر عسكرياً يمكن ان يحسمها. ربما كان الأفضل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان يستشير من خال قبله انه يمكن لانتصاراته في القصير ويبرود ان تحسم الأمر، وان تحقق انتصارا كاسحا يعيد الأسد زعيما أوحد، وهي انتصارات تحققت عسكريا ولكنها لم تثمر سياسيا.

اقصى ما يمكن للقوة العسكرية الروسية تحقيقه في سوريا هو استيلاؤها على تلّة هنا او ممرّ استراتيجي هناك. عدا ذلك، من الأفضل للروس ان يتوقعوا انهم سيغرقون في مستنقع استمات الاميركيون للبقاء خارجه. 

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2015

استقالة جون آلن توجّه صفعة لسياسة أوباما في الحرب على «داعش»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين|

وسط فضيحة التلاعب في تقارير الاستخبارات العسكرية وتصوير الحرب ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) ناجحة رغم فشلها، وبعد تصريحات قائد «المنطقة الوسطى» في الجيش الاميركي لويد اوستن ان برنامج تدريب وتجهيز المعارضة السورية انجب 4 او5 مقاتلين فقط، وبعد هجوم شنه ديفيد بترايوس «بطل حرب العراق» ضد اداء الرئيس باراك أوباما في العراق وسورية، وجه جنرال ثالث هو المبعوث الرئاسي الى التحالف الدولي للحرب ضد داعش جون آلن ضربة سياسية قاسية للحكومة الاميركية مع انتشار نبأ استقالته من منصبه.

وعلى الفور، سارع البيت الابيض على لسان الناطق باسمه جوش ارنست الى نفي ان يكون سبب خروج آلن من منصبه احباطه بسبب تعثر الحرب الاميركية ضد «داعش»، وقال ان آلن وقع عقدا لمدة ستة اشهر، ولكنه بقي في منصبه لفترة اكثر من عام. الا ان التبرير «التقني» الذي اورده ارنست لم يقنع الصحافيين، الذين طاردوه بأسئلتهم حول سبب خروج آلن حتى بعد انتهاء المؤتمر الصحافي في البيت الابيض واطفاء الكاميرات. ومع ان ارنست لم يرد، الا انه بدا مرتبكا، وراح يكرر الاجابة غير المقنعة نفسها.

على ان من يعرف آلن يدرك ان سبب استقالته هو قناعته ان الحرب ضد «داعش» متعثرة، وبعدما حاول عبثا نيل تأييد أكبر من الرئيس باراك أوباما لخطواته، لكن أوباما بقي على عادته: مناورا ومترددا.

وسبق لآلن ان عمل ضابطا مسؤولا عن محافظة الانبار العراقية اثناء خطة «زيادة القوات» في 2008. ويروي من عملوا الى جانبه انه نجح في نيل ثقة العشائر السنية، الى درجة انه كان يصل في سيارته العسكرية من نوع «هامر» امام الخيمة التي كان مقررا ان يلتقي فيها شيوخ العشائر، فيخرج هؤلاء للقائه لحظة ترجله من سياراته وهم يلوحون ببنادقهم في الهواء ويرددون «الله أكبر جون آلن».

وبعد انهيار القوات العراقية في الموصل ووقوعها في ايدي «داعش»، تسلل رئيس الاركان الجنرال مارتن ديمبسي الى الليموزين الرئاسية، التي كانت في طريقها لنقل أوباما من وزارة الخارجية حيث كان التقى زعماء الدول الافريقية الى البيت الابيض. وفي المسافة القصيرة بين الموقعين، ترجل أوباما من السيارة وعقد اجتماعا في «غرفة الأوضاع»، خرج بعده للإعلان عن تحرك أميركي سريع لوقف تمدد «داعش».

واتفق ديمبسي وأوباما على الاستعانة بخبرات الضباط ممن نجحوا في دحر تنظيم «القاعدة» وتثبيت أمن العراق في «خطة زيادة القوات». ديمبسي نفسه كان واحدا من هؤلاء الضباط. ضابط آخر كان قائدهم هو بترايوس، لكن هذا الاخير كان اجبر على الخروج من الحياة العامة بعد فضيحة تورطه جنسيا مع مؤلفة كتاب عن حياته سمح لها بقراءة وثائق حكومية سرية. اما آلن، فكان من أبرز المشاركين في «زيادة القوات»، فاتفق الرئيس الاميركي ورئيس اركانه على تعيينه مبعوثا رئاسيا خاصا لبناء تحالف دولي وتنسيق الجهود السياسية والعسكرية للقضاء على داعش.

وبعد المشاورات بين ديمبسي وآلن، توصل الجنرالان الى خطة مفادها ان «حجر الزاوية» في خطة الحرب الاميركية ضد «داعش» تقضي بإعادة استقطاب العشائر السنية واقامة قوة مقاتلة لها تتمتع باستقلالية عن حكومة بغداد الفيديرالية. وقدم ديمبسي للكونغرس خطة اقامة «حرس وطني» سني عراقي مستقل كخطوة اساسية في خطة الحرب.

لكن أوباما، الذي يسعى منذ العام 2008 الى نيل رضا طهران والتوصل لاتفاقية نووية معها كفاتحة لعودة العلاقات وربما التحالف بينهما، استجاب للمعارضة الشيعية الايرانية - العراقية لموضوع اقامة «حرس وطني» سني مستقل، فتراجع الرئيس الأميركي عن الخطوة الأساس في الحرب. منذ ذلك التاريخ، أدرك آلن -على لسان من كانوا على تواصل معه - ان الحرب ضد «داعش» متعثرة، وان هدف أوباما هو اضاعة الوقت حتى خروجه من البيت الابيض في يناير 2017 وتسليمه الحكم لخلفه.

ديمبسي، وبترايوس، وآلن وغيرهم من الضباط الحاليين والسابقين من العارفين في شؤون الشرق الاوسط، كما الديبلوماسيين الحاليين والمتقاعدين من امثال فرد هوف والسفير السابق في سورية روبرت فورد، ممتعضون من أوباما وسياسته الخارجية وادائه في سورية والعراق.

وفي حملته المستمرة منذ العام 2011 لدفع الولايات المتحدة على لعب دور أكبر في سورية والعراق، استعان السيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين ببترايوس، الذي يستأنف عودته الى الحياة العامة رويدا رويدا.

واستضاف ماكين، في «لجنة القوات المسلحة» التي يرأسها في مجلس الشيوخ، بترايوس. وقال انه في اوقات مثل التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط والعالم، يجب على الاميركيين الاستماع لأصوات اصحاب الرصيد الكبير في السياسة الخارجية، من امثال بترايوس.

وأطل الجنرال السابق في جلسة استماع ليقدم اعتذارا عن هفوته التي كلفته عامين من السجن مع وقف التنفيذ وغرامة بلغت قيمتها 100 الف دولار. لكن بعد اعتذاره واعلانه انه من الآن فصاعدا سيمضي بتواضع وتصميم، انتهت نبرة بترايوس الهادئة، وارتفعت في هجوم قاس شنه على أوباما وادارته بسبب ادائهما السيئ في سورية والعراق.

وقال بترايوس، الذي سبق ان زار دمشق وقابل الرئيس السوري بشار الأسد يوم كانت واشنطن تطلب من الاخير وقف تدفق المقاتلين الاسلاميين المتطرفين من سورية الى العراق، انه يمكن للولايات المتحدة ان توجه تهديدا واضحا للأسد، مضيفا: «يمكننا، على سبيل المثال، ان نقول للأسد ان استخدام البراميل المتفجرة يجب ان يتوقف، وانهم اذا استمروا، نوقف القوة الجوية السورية عن التحليق».

وشبّه الأزمة السورية بأزمة تشرنوبل في اوكرانيا، التي شهدت تسربا نوويا في العام 1986، معتبرا ان نتائج الأزمة السورية «ستبقى معنا لعقود، وكلما طالت، تسببت بالمزيد من عدم الاستقرار والتطرف في المنطقة والعالم».

ويعتقد بترايوس ان على الولايات المتحدة التزام حماية المدنيين والثوار من الأسد، معتبرا ان هجمات الأسد على هؤلاء هي «المحرك الأساسي خلف الراديكالية» التي تغذي «داعش». كذلك يعتقد بترايوس ان هجمات الأسد ضد السوريين هي التي تتسبب بأزمة اللاجئين التي طالت أوروبا ومنطقة الشرق الاوسط عموما.

وتابع بترايوس القول ان «السنة العرب لن يتطوعوا كحلفاء (لأميركا) ضد الدولة الاسلامية ما لم نلتزم حمايتهم والسوريين بشكل عام ضد كل اعدائهم، لا ضد داعش فحسب».

نتنياهو يتحدث عن اتفاق مع بوتين بشأن منع الأسلحة لـ «حزب الله»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أفادت مصادر أميركية بأن رئيس حكومة إسرائيل بنيامين «نتنياهو اتفق مع الروس على الاستمرار في منع وصول أسلحة نوعية الى حزب الله، وأن إسرائيل ستحتفظ بحق شن غارات ضد أي اهداف تعتقدها شحنات أسلحة الى الحزب تتحرك داخل سورية، حسبما دأبت على فعل ذلك على مدى السنوات الثلاث الماضية». ونقلت المصادر الأميركية عن الإسرائيليين أنهم سمعوا موافقة كاملة من بوتين حول هذا الامر.

وقالت المصادر ان نتنياهو الذي اجتمع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زود المسؤولين الأميركيين بخلاصة اجتماعاته مع الروس، والتي تمحورت حول تأكيد «قوانين الحرب» المندلعة في سورية.

وتابعت المصادر أن «الإسرائيليين استفهموا من الروس عن سبب انتشارهم العسكري في سورية، وأن بوتين قال ان الأهداف المباشرة تتصل بمنع نظام الرئيس السوري من السقوط بعدما بدت علامات وهن واسعة في حروبه الدفاعية في سهل الغاب شمالاً وفي معارك الربيع في القنيطرة جنوباً».

وكان بوتين حاول إقناع الرئيس باراك أوباما، في اتصال هاتفي في يوليو الماضي، بضرورة «القيام بخطوات ضرورية لمنع انهيار نظام الأسد»، محذراً إياه من استيلاء «المجموعات الإسلامية على الحكم في سورية وتحويلها الى بؤرة لشن الإرهاب ضد دول العالم».

لكن أوباما لم يبد حماسة للتجاوب مع مطالب بوتين، بل اعتبر ان الاتصال كان سببه تقهقر الأسد، معتقداً ان التقهقر من شأنه ان يجبر الأسد على المشاركة في مفاوضات تؤدي الى انتقال الحكم وخروجه منه. كذلك، يبدو ان أوباما لم يعتقد أن لبوتين نفوذاً يذكر في سورية، وان إيران هي صاحبة الكلمة الأخيرة، وهو ما دفع أوباما على الإصرار، امام بوتين، ان تكون إيران جزءاً من أي تسوية سياسية تؤدي لإنهاء الأزمة السورية.

ويبدو ان أوساط الإدارة الأميركية رصدت استياء ايرانياً، عبر الاعلام التابع للنظام في طهران، من قيام الروس بتعزيز نفوذهم داخل سورية.

واردفت المصادر أن «النظام الإيراني يحاول إعطاء انطباع ان الخطوة الروسية تأتي بتنسيق مع واشنطن، وان العاصمتين تتآمران على الأسد وإيران، وهو طبعاً تحليل خاطئ ويظهر ان طهران، وإن كانت تحاول إخفاء غيظها من خطوة موسكو الاخيرة، فهي لا ترتاح للخطوة الروسية كثيراً».

والتباين بين موسكو وطهران هي فكرة تردّدها أوساط الإدارة الأميركية منذ فترة، وتعتقد انه يمكن لأميركا وحلفائها استغلال هذا التباين.

على ان نتنياهو لا يكترث لحسابات الفرقاء السوريين وعرّابيهم الإقليميين والدوليين، بل ان اهتمام إسرائيل ينحصر بضبط قواعد الحرب السورية للحفاظ على استقرار وأمن الدولة العبرية، وهو سبب زيارة نتنياهو العسكرية - الاستخباراتية الى موسكو.

وتتمتع إسرائيل وموسكو بعلاقة أفضل من علاقة أي منهما بالولايات المتحدة، فروسيا ابتاعت أخيراً 10 طائرات من دون طيار من صنع إسرائيلي، فيما التنسيق الاستخباراتي بين الاثنين رفيع المستوى. وكانت إسرائيل امتنعت عن التصويت ضد روسيا في قرارات الأمم المتحدة التي دانت موسكو لضمها شبه جزيرة القرم ولأعمالها العسكرية في شرق أوكرانيا.

كذلك، يشترك نتنياهو وبوتين في منافستهما أوباما. الأول يحاول تحدي الرئيس الأميركي من داخل واشنطن عن طريق اللوبي المؤيد لإسرائيل، فيما بوتين يحاول التفوق على أوباما على مسرح السياسة الدولية. في الحالتيْن، يعتقد خبراء اميركيون ان «تقارباً روسيا - إسرائيلياً قد يتطور بشكل ملحوظ، خصوصاً إذا ما أدت الاتفاقية النووية مع إيران الى تحسّن العلاقات بين واشنطن وطهران».

ويعتقد الخبراء الاميركيون أيضاً، ان «التورّط الروسي في سورية والزيارة الإسرائيلية الى موسكو، وغيرها الكثير من الخطوات المقبلة، هي جزء من عملية إعادة التمركز في الشرق الأوسط، التي تقوم بها الدول المعنية على ضوء التغيير المتوقّع بعد الاتفاقية النووية مع إيران وتقاربها المتوقّع مع اميركا».

الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2015

كيف أصبح "أصدقاء سوريا" أصدقاء الأسد؟

حسين عبدالحسين

على إثر اللقاء الذي عقدته مجموعة "أصدقاء سوريا" قبل عام، المؤلفة من 11 دولة منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أصدرت المجموعة الدولية بياناً مقتضباً وقاسياً أدانت فيه انتخابات الولاية الثالثة التي كان الرئيس السوري بشار الأسد يستعد لإجرائها، وحمّلت نظامه "مسؤولية الإرهاب الذي يرتكبه بحق شعبه وينشره في عموم المنطقة". وتابع البيان ان محاسبة الأسد ستتضمن الطلب الى مجلس الأمن احالته وأركان نظامه الى "محكمة الجنايات الدولية".

بعد 16 شهراً على المؤتمر المذكور، أطل وزير الخارجية الأميركية جون كيري من المكان الذي انعقد فيه المؤتمر – أي لندن – ليقول هذه المرة إنه صحيح أن لا مكان للأسد في مستقبل سوريا، وأن عليه الرحيل، وهي اللازمة التي درج على ترديدها المسؤولون الاميركيون، لكن ليس على الأسد الرحيل "بالضرورة على الفور". وتوجه كيري مستجدياً روسيا وإيران لدفع الأسد للمشاركة في مفاوضات التسوية السلمية. "نحن جاهزون للتفاوض"، قال كيري، مضيفا: "هل الأسد مستعد للتفاوض؟".


في اقل من عام ونصف، انقلب الموقف الأميركي – والغربي بشكل عام – من موقف يصف الأسد بالإرهابي ويعد بمحاسبته امام "محكمة الجنايات الدولية"، الى موقف يستجديه للحضور الى طاولة المفاوضات. أما الأسباب التي أدت الى التراجع الأميركي – الغربي فيمكن ايجازها على الشكل التالي:


تراجع حلفاء أميركا، خصوصاً ممن شاركوا في مؤتمرات "اصدقاء سوريا"، بعدما أيقنوا ان أداء الرئيس باراك أوباما على المسرح الدولي أداء كارثي، وان لا جدوى من المراهنة على واشنطن او التعويل عليها لحماية مصالحهم. وفي الأداء الأميركي المزري، تتسابق الديبلوماسية الفاشلة مع المجهود العسكري المتعثر.


ديبلوماسياً، كيري – المعروف باعتداده بنفسه – يعتقد أنه من أبرع وزراء الخارجية الأميركيين، ولكنه لا يفطن ان أسلوبه يشبه طريقة "خذ وطالب" وانما بطريقة معكوسة. ومن راقب المفاوضات النووية مع إيران، رأى جيداً كيف أعلن كيري رفضه مجموعة من الأمور، ثم تراجع عنها الواحد تلو الآخر. وفي واشنطن، يطلق العاملون في الشأن العام عبارة "ازاحة قوائم المرمى" عندما يغيّر أي من الطرفين شروطه في منتصف المفاوضات. قوائم المرمى عند إدارة أوباما تتأرجح بشكل مستمر، وغالباً لمصلحة الفريق الخصم.


هكذا، انهار مؤتمرا جنيف 1 و2، وانهارت أسس التسوية في سوريا، ووافقت واشنطن على رئيس حكومة وحدة وطنية في العراق كرّس الانقسام الطائفي وعززه. ثم منح كيري اتفاقية نووية لإيران رأى كثيرون انها جاءت في مصلحة طهران. وأخيرا تراجعت الولايات المتحدة عن سياستها تجاه سوريا وانقلب موقفها تجاه الأسد من موقف يعتبره سبب ظهور داعش الى آخر يراه شريكاً في القضاء على داعش.


عسكرياً، راقب خصوم أوباما ومنافسوه الأداء البالي للرئيس المغرور، فأوباما من الرؤساء القلائل ممن تحدوا المؤسسة العسكرية وفرض شروطه، ففي أفغانستان أعطى العسكر نصف عدد القوات الذي طلبوه لتثبيت الوضع، وفرض عليهم جدولا زمنيا معلنا للانسحاب، على عكس رغبات كبار الضباط. وفي سوريا، ركن سفنه الحربية استعداداً للضربة، ثم تردد وفرّ من المخرج الديبلوماسي الروسي. وفي العراق، وافق على الحملة الجوية ضد داعش، ولكنه رفض طلب الجيش مشاركة اميركيين على الأرض لتزويد المقاتلات بالأهداف، ثم فرض سقفاً لعدد الطلعات الجوية للحد من الإنفاق.


هكذا، جاءت النتائج العسكرية لأوباما؛ انهيار الوضع في أفغانستان وعودة الطالبان، وفرار الأسد من عقاب هجومه الكيماوي، وتوسيع "داعش" مناطق نفوذها في سوريا والعراق لتشمل مدينة الرمادي بعد عام من استيلائها على الموصل، وانهيار برامج تدريبه العسكرية للقوات الحليفة في اليمن والعراق وسوريا وافغانستان.


الحكومات الحليفة لأميركا صارت تعرف أن أوباما لا يلمس شيئاً في السياسة الدولية إلا ويكسره. وصارت هذه الحكومات تعرف ان المراهنة على أوباما وحلوله هي من ضروب الجنون.


ولأن حلفاء أميركا من الأوروبيين يرون أنفسهم في مأزق بين سعيهم الى الظهور بمظهر الانسانيين في استقبالهم للاجئين سوريين وتعاطيهم مع كارثة إنسانية هي الافدح من الحرب العالمية الثانية، من ناحية، وخوفهم من ان يؤدي التنامي الديموغرافي للمسلمين بينهم الى تعديل الهوية المسيحية لأوروبا، من ناحية ثانية، فهم راحوا يبحثون عن حلول للأزمة السورية بعيداً عن واشنطن وفشلها.


وبعد المانيا، التي تتبنى منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة في العام 2011 بقاء الأسد لمواجهة "الإرهاب"، انضمت النمسا، فبريطانيا، التي استضافت كيري ليعلن عن استدارته الأخيرة وتعديل موقفه من الأسد. والأرجح ان تسرّب الإدارة في قادم الأيام ما مفاده انها انقلبت تجاه الأسد بسبب استدارة الأوروبيين، من دون ان يدرك أوباما وصحبه ان سياستهم الكارثية في سوريا هي التي تسبب بتغيير الموقف الأوروبي أصلاً.


أما بصيص الأمل الوحيد للمعارضين السوريين، فيكمن في ان فشل إدارة أوباما دوليا يشمل معاداتها للأسد كما مصادقتها له، فواشنطن لطالما صالت وجالت وأعلنت مواقف ضد الأسد، وهي الآن تصول وتجول وتقول "نحن جاهزون للمفاوضات". ولكن أميركا لم تتحدث باسم أي طرف سوري منذ العام 2011، ولا يتوقع ان تتحدث باسم أي من السوريين اليوم. وكما كان دور أميركا هامشياً منذ اندلاع الثورة، سيبقى هامشياً بعد استدارتها، وستنتظر سوريا والعالم رحيل أوباما ومجيء خليفته، علّ من يخلفه يظهر حنكة أكبر صارت مطلوبة على وجه الضرورة.

الجمعة، 18 سبتمبر، 2015

لقاء أم مجرد مصافحة بين أوباما وروحاني؟

حسين عبدالحسين

تتداول الأوساط المعنية في العاصمة الأميركية همساً خبراً مفاده أن إدارة الرئيس باراك أوباما وفريق نظيره الإيراني حسن روحاني يجريان اتصالات لتنظيم لقاء بين الرئيسين على هامش مشاركة روحاني في اللقاء السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر الجاري.

ويقول العارفون إن ما يجري العمل عليه حالياً هو تنظيم اتصال بين رئيسي الدولتين سيكون الأول من نوعه منذ الثورة الإيرانية في العام 1979. ويضيف هؤلاء أن المسؤولين من الجهتين لم يحددوا حتى الآن شكل الاتصال: «في أحسن الأحوال، قد يتمكن المنظمون من عقد اجتماع قمة قصير بين الاثنين تليه تصريحات يدليان بها». ويتابعون: «أما في أضعف الإيمان، فيمكن تنظيم مصافحة عابرة».

وكان أوباما وروحاني تحادثا هاتفيا أثناء زيارة الأخير نيويورك في سبتمبر 2013 في ما وصفه كثيرون على أنه «مكالمة تاريخية». وقبل حدوث المكالمة، التي أجراها روحاني من السيارة وهو في طريق عودته إلى المطار، حاول أوباما التواجد في أماكن قد تضعه وجهاً لوجه مع الرئيس الإيراني، فلبى الرئيس الأميركي دعوة الغداء التي يعقدها عادة أمين عام الأمم المتحدة على شرف زعماء الدول المشاركة في أعمال الجمعية العامة.

لكن يبدو أن روحاني تبلغ نية أوباما الحضور، فآثر التغيب عن غداء الأمين العام بان كي مون، ولم يفسح المجال لأي اتصال مع الرئيس الأميركي إلى أن اتصل به هاتفياً. ويعتقد الخبراء، خصوصاً من معارضي أوباما، أن روحاني «لم يحصل على الضوء الأخضر للاتصال بأوباما، إلا بعدما تأكدت جماعة المرشد من إيران أن الرئيس الأميركي بدا هو المستميت في مطاردة نظيره الإيراني».

وبعيداً عن الأسباب التي أدت إلى الاتصال الهاتفي، صار معلوماً اليوم أنه جاء بعد صيف شهد محادثات سرية في سلطنة عمان بين وزارتي خارجية البلدين. وسبق الاتصال الرئاسي الأميركي - الإيراني في سبتمبر 2013 التوصل للاتفاقية النووية الموقتة مع إيران في نوفمبر.

وينقل المتابعون عن فريق الرئيس الأميركي اعتقاد مسؤولي الإدارة أن «الظروف نضجت لمصافحة بين رئيسي أميركا وإيران»، وأنه بعد «سنتين من المفاوضات السرية وأول اتصال علني بينهما، تغير الكثير نحو الأفضل، وتعززت الثقة بين الحكومتين».

ويتابع هؤلاء أن المصافحة تأتي بعد أن حسمت الأمور في الكونغرس، واقترب العالم من تطبيق ما ورد في الاتفاقية النووية لناحية رفع العقوبات عن إيران في مقابل إخضاع برنامجها النووي لمراقبة دولية.

ويأتي الحديث عن مصافحة أو لقاء بين أوباما وروحاني في وقت تتضارب الإشارات الواردة من طهران إلى العاصمة الأميركية، فبعدما سرت أنباء أن الحكومة الإيرانية قامت بمسح كل الشعارات الداعية إلى الموت لأميركا في شوارع طهران وعموم المدن الإيرانية، أطل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ليقول إن بلاده لا تنوي الخوض في حوار مع أميركا خارج الاتفاقية النووية، فيما رصد المتابعون تصريحات لروحاني قال فيها إنه حان الوقت لبلاده التفكير في التعاطي مع دول مختلفة، وهو ما فسره كثيرون على أنه كان يعني الولايات المتحدة.

الخميس، 17 سبتمبر، 2015

في أي محور العبادي؟

حسين عبدالحسين

دأب رئيس حكومة العراق حيدر العبادي على تصوير نفسه متمايزا عن سلفه نوري المالكي، معتدلا في مواقفه، منفتحا على غير الشيعة من العراقيين، متمايزا عن طهران وولاية الفقيه ومتمسكا بمرجعية النجف الشيعية بديلا، شفافا عفيفا يكره الفساد والفاسدين، مندفعا لتكريس استقلالية العراق عن المحاور الاقليمية والدولية المتصارعة بمحافظته على صداقة مع كل الاطراف ووقوفه على الحياد في صراعاتها.

والمراسلات الديبلوماسية لوزارة الخارجية الاميركية تظهر انها وجهت كتابا الى الحكومة العراقية في الخامس من الجاري، طلبت فيه واشنطن من بغداد رفض الموافقة على منح موسكو اذونات مرور جوية لعبور طائرات شحن روسية الاجواء العراقية باتجاه دمشق. وكانت موسكو طلبت من بغداد اذن مرور لشحنات السلاح والعسكر التي ترسلها جوا الى الرئيس السوري بشار الأسد، بعدما اغلقت بلغاريا واليونان اجواءها امام الشحنات الروسية المتجهة للأسد.

وقصة فتح المجال الجوي العراقي لمرور طائرات سلاح ايرانية متجهة للأسد سبق ان اثارت حنق جون كيري يوم كان ما يزال رئيسا للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ. وقام السناتور كيري في العام ٢٠١١ بتوجيه انتقادات لاذعة للرئيس باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بسبب سماح المالكي للطائرات الايرانية بتسليح الأسد. وقتذاك، تذرعت ادارة أوباما ان لا قدرة لحكومة العراق على اعتراض الطائرات الايرانية، فأجاب السناتور كيري انه بموجب معاهدة التحالف والتعاون العسكري بين أميركا والعراق، يمكن لبغداد تحذير طهران، ثم الطلب الى المقاتلات الاميركية فرض اقفال الاجواء العراقية.

وللالتفاف على غضب كيري، ابتكر المالكي طريقة تقضي بأن تحطّ الطائرات الايرانية في مطار بغداد الدولي حيث تفرغ حمولتها ويتم تحميلها على متن طائرات عراقية تطير الى دمشق. وقبل اسابيع قليلة، رفض احد الضباط المناوبين في مطار بغداد السماح بنقل صناديق السلاح والذخيرة من طائرات ايرانية الى عراقية من دون تفتيشها، فحصلت بلبلة حسمها العبادي بمنع التفتيش.

اما الشحنات الروسية الى الأسد عبر الاجواء العراقية، فهي اكثر تعقيدا ويصعب ان تفرغ حمولتها في بغداد، بسبب نوعيتها وحجمها، اذ رصدت التقارير الاميركية وجود مقاتلات روسية، وست دبابات، وابراج مراقبة جوية متنقلة، وطائرات من دون طيار في مطار يبدو ان الروس عازمون على انشائه جنوب اللاذقية، التي يسيطر عليها نظام الأسد.

مرة اخرى، طلب الاميركيون من العراق اغلاق مجاله الجوي امام "اي شحنات تسليح متجهة الى سوريا، لأي من الاطراف، لتفادي وقوع المزيد من الدماء والدمار". وعرض الاميركيون تفعيل تحالفهم مع العراق لرصد الخروقات الايرانية و الروسية، لكن واشنطن لم تسمع اي رد من العبادي.

وقبل اسابيع، كان العبادي عمد على تسريب اقوال تظهر انه تمرد على حاكم العراق الايراني الجنرال قاسم سليماني اثناء لقاء للتحالف الوطني، اي الكتلة البرلمانية الشيعية، وان سليماني خرج من اللقاء منزعجا. كما جاءت من ناحية العبادي تقارير تفيد ان مرجع النجف السيد علي السيستاني وجه كتابا الى طهران طالبا كف يدها ويد سليماني، الذي يقود جيشا مؤلفا من ميليشيات شيعية معروفة بالحشد الشعبي، عن شؤون العراق.

وفي الاثناء، عمد العبادي الى اظهار تمايزه عن التحالف العراقي الشيعي الذي تقوده ايران، فأصدر رزمة اصلاحات بتأييد المرجعية، واطاح بـ ١٢٣ وكيل وزارة (معظمهم من ازلام المالكي)، وخفض من حمايات الشخصيات. اما الخطوة الابرز، فتمثلت بقضائه على منصب نائب رئيس الجمهورية، ما حوّل سلفه وغريمه المالكي الى مجرد نائب في البرلمان. 

لكن كل الصورة التي يحاول العبادي رسمها عن نفسه لا تشي بأنه مختلف عن المالكي، فسماح العبادي لشحنات السلاح الايرانية والروسية الى الأسد عبر اجواء العراق، وفتحه مخازن السلاح الحكومية العراقية للميليشيات التي يقودها سليماني والتي تقاتل في العراق وفي سوريا، وسماحه بتمويل مقاتلي هذه الميليشيات من خزينة العراق، ودفاعه عن هذه الميليشيات اثناء زيارته واشنطن ولقائه الرئيس باراك أوباما، ومهاجمته التحالف العربي الذي يشن حملة ضد المتمردين الحوثيين في اليمن اثناء زيارته نفسها، كلها خطوات تظهر انه في الحسابات الاستراتيجية والاقليمية، لا يقف العبادي محايدا، بل هو في المحور الروسي - الايراني الداعم للأسد والحوثيين.

اما داخل العراق، فلا يشكل التباين المزعوم عن ايران وسليماني دلالة على استقلالية العبادي، فسلفه المالكي رفض في الماضي طلب ايران تشكيل لائحة انتخابية شيعية موحدة عندما كان رئيسا للحكومة، واقام لائحة خاصة به تحدى فيها ايران وجماعتها، ليتبين في ما بعد انه خلاف أهلي محلي، وانه عند المنعطفات الكبرى، التصق المالكي بايران وبسليماني، وراح يحاول دفع ايران للانقضاض على غريمه العبادي، الذي ورث من المالكي المرجعية الشيعية والحكومة في بغداد.

العبادي في محور ايران وروسيا والاسد، وهو يستخدم صراعاته المحلية الشيعية للايحاء باستقلاليته، تماما كما فعل المالكي قبله. وكما المالكي، ما زال العبادي يرفض تسليح أميركا المباشر للبيشمركة، وهو اسقط محاولة اقامة "حرس وطني" مؤلف من عشائر غرب العراق.
اما تمجيد اميركا للعبادي كحليفها المستقل عن ايران، بالرغم من عدم التزامه بأي من طلباتها اليه الاقليمية والمحلية، فهو كمثل المديح الذي اغدقته واشنطن يوما على المالكي، ثم انصرفت عنه يوم انصرفت عنه ايران.

Since December 2008