الجمعة، 27 نوفمبر، 2015

برنانكي: النظام المالي العالمي أكثر عدالة من «بريتون وودز»

حسين عبدالحسين - واشنطن 

أعلن رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي السابق بن برنانكي ان الأزمة المالية عام 2008 أوجدت صداقات وثيقة بين المصارف المركزية العالمية وعلى المستوى الفردي، لكنها تعثرت أحياناً على مستوى المؤسسات بسبب التباين في المواقف والسياسات المالية خلال مرحلة النمو التي تلت.

وأضاف برنانكي، خلال المؤتمر البحثي السنوي الـ 16 الذي عقده صندوق النقد الدولي على مدى يومين، ان السياسات التي تبنتها المصارف المركزية في الدول الصناعية الكبرى، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، بينها سياسات خفض الفائدة والتيسير الكمي، أثرت في اقتصادات الدول النامية، التي باتت تواجه مشكلتين أساسيتين. وأطلق المسؤولون البرازيليون على المشكلة الأولى التي عانت منها الاقتصادات النامية، بسبب السياسات المالية للدول الصناعية، اسم «حروب العملات»، وذلك عام 2010. وشكت البرازيل حينها من انخفاض سعر صرف الدولار بسبب سياسات مجلس الاحتياط، الذي كان يرأسه برنانكي حينها، التي قدّمت أفضلية للصناعات والصادرات الأميركية على حساب نظيراتها العالمية، وبينها البرازيلية.

ومثال ثانٍ أعطاه برنانكي في خطابه، الذي حمل عنوان «الإطار الدولي للسياسات المالية في الدول الصناعية»، هو الاهتزازات التي شابت أسواق المال في الدول النامية «أثناء كل توقع» بأن الولايات المتحدة عازمة على تقليص أو إنهاء سياسة التيسير الكمي، التي اشترى بموجبها المجلس من محفظته أصولاً وديوناً مساهماً بامتصاص الديون العالقة واستبدالها بنقد ورقي بهدف زيادة كمية السيولة ومحاربة الركود. ونفذ المجلس ثلاث جولات من التيسير الكمي، الأولى في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، والثالثة في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، وراكم بموجبها 3.8 تريليون دولار، أضيفت إلى 800 مليون دولار قبل الأزمة، لتصبح في ملكية المجلس 4.5 تريليون دولار من الأصول.

ولفت برنانكي إلى ان الدول النامية راقبت السياسات المالية للولايات المتحدة خصوصاً، لا لأنها الاقتصاد الأكبر في العالم، فحجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر من الولايات المتحدة، لكن تأثير السياسات الأميركية في الاقتصادات النامية، يُعزى إلى ان الدولار مازال يلعب دور العملة العالمية. وأضاف: «لأنني كنت أرى أهمية الدولار عالمياً، كنت أخشى من ان تقيّد هذه الأهمية يدينا في المجلس وتقلص خياراتنا للتأثير في اقتصادنا ودفعه إلى النمو».

وجاءت تصريحات برنانكي في وقت يدرس المجلس رفع نسبة الفائدة الشهر المقبل، وإن في شكل طفيف، خصوصاً بعد إظهار بيانات العمل الأميركية نمواً لافتاً في إيجاد فرص عمل الشهر الماضي بلغ 271 ألفاً. لكن من يطالبون المجلس بالتريث يطالبون أيضاً بتنسيق أي خطوة أميركية مع الاقتصادات الصناعية الأخرى، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، الذي يشرف مصرفه المركزي حالياً على عملية تيسير كمي مترافقة مع خفض فوائد، ما أدى إلى هبوط اليورو، في وقت يواصل الدولار ارتفاعه أمام اليورو والعملات العالمية الأخرى، ما من شأنه لجم الصادرات الأميركية وبالتالي عرقلة النمو الأميركي.

ويعتقد بعض الأميركيين بأن من غير المجدي نسبة رفع الفائدة وحدها، وفي حال اتخذ المجلس هذه الخطوة، فسيدفع رؤوس الأموال العالمية إلى الاختباء في الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل انخفاض سعر العملات والفوائد في العالم. ويمكن لرؤوس الأموال الوافدة إلى الولايات المتحدة خلق فقاعة لا تلبث ان تنفجر متسبّبة بركود. ويرى برنانكي ان في محاولة بعض الدول تثبيت سعر صرف عملاتها على أسعار منخفضة، لتحفيز صادراتها وتعديل ميزانها التجاري بدلاً من اللجوء إلى هذه السياسة بهدف التثبيت الاقتصادي فقط أثناء الأزمات، مشكلة تكمن في ان تثبيت العملات يعطل التجارة العالمية الحرة في شكلها الطبيعي.

وأضاف ان دور الدولار كعملة عالمية أفضل اليوم مما كان عليه بموجب اتفاق «بريتون وودز»، والتي ربطته بالذهب إلى ان فكّت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون هذا الارتباط مطلع سبعينات القرن الماضي. بموجب «بريتون وودز»، كان النظام مائلاً لمصلحة الولايات المتحدة، أما بعد تحرير الدولار من قاعدته الذهبية، أصبح النظام العالمي أكثر عدالة بين دول العالم.

وقدم مؤتمر صندوق النقد الدولي، الذي عقد هذا العام تحت عنوان «السياسات غير التقليدية: السياسات المالية وسياسات صرف العملات»، سبع محاضرات عرض خلالها اقتصاديون 14 دراسة. وخُصّصت كل محاضرة لمحور، وتضمنت المحاور عناوين عديدة منها «فاتورة المصرف المركزي كأداة في السياسة المالية»، و«تأثيرات السياسات المالية غير التقليدية»، و«السياسات المالية غير التقليدية والاستقرار المالي»، و«تأثير السياسات المالية غير التقليدية في اقتصادات الأسواق النامية»، و«نهاية التيسير الكمي ومستقبله»، و«مستقبل السياسة المالية غير التقليدية».

وجهان لواشنطن مع داعش

حسين عبدالحسين
المدن

في المؤتمر الصحافي الذي تلى لقاءه في البيت الأبيض مع نظيره الأميركي باراك أوباما، لخص الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند المجهود الذي تقوم به بلاده للقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) بقوله انه سيزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخميس، لإبلاغه انه يمكن لفرنسا "العمل سويا مع روسيا إذا ما ركزت روسيا عملها العسكري ضد داعش".

وتابع هولاند القول ان باريس تسعى الى التنسيق مع موسكو في الحرب ضد داعش "إذا ما التزمت روسيا بالحل السياسي في سوريا"، مضيفا ان الخطة الفرنسية لمواجهة داعش تقضي "بجمع كل الدول المستعدة لإيجاد وتطبيق حل في سوريا... لتأكيد ان هذا الحل السياسي يمكنه استئصال الإرهاب".

تصريحات هولاند قدمت خطة فرنسا بشكل واضح، وهي خطة مبنية على الحل السياسي في سوريا أولا، والقضاء على داعش ثانيا، وهي خطة تتناقض مع اعلان روسيا الحرب ضد داعش كأولوية تتصدر كل الأولويات الأخرى، بما في ذلك التوصل لتسوية تنهي الحرب السورية، مع ما يقتضي ذلك من رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم.

تصريحات هولاند تتماهى مع ما سبق ان ادلى به أوباما، الأسبوع الماضي، عند قوله انه "لا يمكن القضاء على داعش إلا بعد التوصّل الى تسوية سياسية في سوريا، والتوصّل لمثل هذه التسوية لن يكون ممكناً ما دام الأسد في السلطة". وتصريحات هولاند جاءت امام رئيس أميركي أومأ برأسه مرارا، للدلالة على تأييده الخطة الفرنسية وإظهار دعم واشنطن باريس في المجهود الذي تقوده ضد داعش.

لكن الكلام الأميركي امام الضيوف شيء، والكلام الموجه للأميركيين شيء آخر، فلم يكد هولاند يغادر واشنطن، حتى ترأس أوباما لقاء لفريقه للأمن القومي، خصصه لموضوع داعش، وأطلعهم خلاله على مجريات محادثاته في قمة العشرين في انطاليا، وعلى فحوى نقاشاته مع ضيفه هولاند.

بعد اللقاء الامني، أصدر البيت الأبيض بيانا جاء فيه ان الفريق وضع أوباما في صورة انه "في الوقت الحالي، لا يوجد تهديد محدد او ذو مصداقية للوطن من داعش". فأورد ان الرئيس وجه فريقه "للاستمرار في تكثيف الجهود لإضعاف وتدمير داعش، بما في ذلك العمل مع شركائنا لزيادة تعاوننا العسكري في حملة مكافحة داعش، وتعطيل شبكات المقاتلين الأجانب، ووقف تمدد داعش خارج سوريا والعراق، وتعطيل أي مخططات خارجية لداعش".

إذا الولايات المتحدة امام داعشين: داعش الأول يهدد الشرق الأوسط وأوروبا وحلفاء أميركا ويقتضي رحيل الأسد كشرط للقضاء عليه وتخليص سوريا والعراق منه، وداعش الثاني بعيد عن الشواطئ الأميركية ولا يشكل تهديدا واضحا، ما يحصر خطة المواجهة الأميركية بالتنسيق مع الآخرين و"تكثيف الجهود" لإضعافه فحسب.

هكذا، عندما يتحدث أوباما عن الأزمة السورية، يردد ان رحيل الأسد شرط للقضاء على داعش، وكأن الولايات المتحدة تسعى الى حل جذري للتعاطي مع التنظيم.

اما عندما يتحدث أوباما عن الأمن القومي الأميركي، فيعود الى الكلام عن "الاضعاف" و"التعطيل" و"ووقف التمدد"، وكأن الولايات المتحدة لا ترى ضرورة في القضاء على داعش، ما يدفعها للاكتفاء بإدارة الأزمة عن بعد. ولأن داعش بالنسبة لواشنطن داعشان، يصبح وجه أميركا وجهين: وجه يرحب بالحلفاء مثل فرنسا ويعد بالوقوف الى جانبهم وتأييد خططهم للقضاء على داعش بعد رحيل الأسد، ووجه آخر يغلق الباب خلف الضيف الفرنسي المغادر ليتقوقع على نفسه ويحصر رؤيته لداعش بالتهديد المباشر للداخل الأميركي.

ثنائية الرؤية الأميركية لداعش، وسياستها للتعامل معه، وضعت العالم امام ثنائية مشابهة: مشكلة التعامل مع إرهاب داعش، ومشكلة التعامل مع الارتباك الأميركي، وحل المشكلتين جزء من الحل في سوريا.

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2015

دعم أميركي متردّد لتركيا في مواجهتها ضد روسيا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |
جريدة الراي

تحدثت واشنطن بألسنة متعددة حول موضوع قيام مقاتلات تركية بإسقاط مقاتلة روسية على الحدود التركية - السورية. ففي وقت قال ناطق باسم وزارة الدفاع ان الموضوع شأن تركي - روسي لا دخل للولايات المتحدة فيه، أكد الرئيس باراك أوباما في اتصاله مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان وقوف الولايات وحلف شمال الأطلسي، خلف «حق» تركيا في الدفاع عن نفسها. وكان لافتا أن أوباما لم يعلن وقوف التحالف الى جانب تركيا في أي مواجهة عسكرية محتملة ضد الروس، بل اكتفى بالحديث عن حق الاتراك في الدفاع عن سيادة بلادهم.

نأي أوباما بنفسه وبحكومته عن الخطوة التركية برز أولا اثناء مؤتمره الصحافي المشترك الذي عقده في البيت الأبيض مع نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي يزور بدوره روسيا ويلتقي رئيسها فلاديمير بوتين اليوم. وقال أوباما: «كما أوضح فرانسوا، اولويتي هي التأكد من ان هذه (الحادثة) لن تؤدي الى تصعيد (تركي - روسي)، على أمل ان تكون هذه لحظة يأخذ فيها كل الأطراف خطوة الى الوراء حتى يقرروا الطريقة الأفضل لخدمة مصالحهم».

وكرر أوباما دعمه المتردد لتركيا في اتصال هاتفي مع اردوغان للنقاش في اسقاط الاتراك للمقاتلة الروسية. ففي البيان الذي وزعه البيت الأبيض حول ما ورد في الاتصال، أشار البيان الى ان أوباما «عبّر عن دعم الولايات المتحدة وحلف الأطلسي لحق تركيا في الدفاع عن سيادتها».

وأضاف البيان ان أوباما واردوغان «اتفقا على ضرورة تبريد الوضع والسعي الى ترتيبات تؤكد ان هذه الحوادث لن تحصل مستقبلا».

وعلمت «الراي» من مصادر الإدارة الأميركية ان واشنطن باشرت عبر قنواتها العسكرية المفتوحة مع موسكو السعي لاحتواء الحادثة، وقالت المصادر ان «السماء السورية تعج بالمقاتلات»، وان «آخر ما تحتاجه المنطقة هو سوء تفاهم او حوادث تؤدي الى التصعيد وتفاقم المواجهات». وأضافت المصادر ان أوباما طلب من هولاند ان يؤكد لبوتين ان واشنطن لا تسعى لتصعيد الموقف، وأنها مستعدة لاتخاذ الخطوات اللازمة، بالتنسيق مع الاتراك، لاحتوائه.

في هذه الاثناء، قال مسؤولون في الكونغرس من متابعي الشأن السوري ان تقييم السلطات الأميركية للمواجهة التركية الروسية على الحدود السورية يتعلق بتضارب حول فرض النفوذ. وقال هؤلاء ان «تركيا تسعى لتثبيت مناطق آمنة على حدودها مع سورية»، وان المنطقة التي سقطت فيها المقاتلة الروسية هي نفس المنطقة التي سبق ان سقطت فيها مقاتلة تابعة لقوات الرئيس السوري بشار الأسد بسبب اقترابها من الحدود مع تركيا وتهديدها منطقة يسيطر عليها ثوار متحالفون مع انقرة.

وكان بعض الخبراء الاميركيين أشاروا الى تصريح ادلى به أوباما، الأسبوع الماضي، وقال فيه ان روسيا وإيران تحتاجان الى بضعة شهور حتى تتأكدا من عقم عملياتهما العسكرية في سورية، وان التسوية السياسية هي المخرج الوحيد لقواتهما من المستنقع السوري. فهل كان سقوط المقاتلة الروسية أولى بوادر التأكيد لبوتين ان سورية مستنقع عسكري يمكنها ابتلاع قواته وامتصاص قدرات بلاده وان أفضل المخارج المتوافرة له هي القبول بالتسوية السياسية التي تقضي بخروج الأسد من الحكم كمدخل للقضاء على داعش؟

الثلاثاء، 24 نوفمبر، 2015

واشنطن لا تعارض انتخاب فرنجية رئيساً للبنان والعونيون يتحركون لثنيها عن دعمه

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بدأ أنصار رئيس التيار الوطني الحر اللبناني العماد ميشال عون في واشنطن حملة اتصالات مع مسؤولي الإدارة لثنيهم عن قبول النائب المتحالف مع عون سليمان فرنجية رئيساً للبنان، بعدما تردد في العاصمة الأميركية أن الولايات المتحدة لا تتحفظ على انتخاب فرنجية.

وتداولت الأوساط السياسية في العاصمة الأميركية ان حلفاء الولايات المتحدة أطلعوها على المحادثات الداخلية والإقليمية الجارية في الموضوع اللبناني، والتي يتصدرها إمكانية انتخاب رئيس للجمهورية بعد نحو 18 شهراً على شغور المنصب، بانتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان وخروجه من الحكم.

وقالت الأوساط ان حلفاء واشنطن أبلغوها ان «المفاوضات جارية حول إمكانية اختيار النائب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية»، وان الإدارة الأميركية ردت بان «لا تحفّظات لديها على فرنجية، وأنها تقبل بأي رئيس يختاره اللبنانيون».

وفور شيوع انباء حول الموقف الأميركي، سارع مؤيدو عون المرشح الدائم للرئاسة، الى القيام بحملة اتصالات مع مسؤولي الإدارة لثنيهم عن قبول فرنجية رئيساً للبنان. ومن الاتهامات التي كالها العونيون الاميركيون لفرنجية قولهم ان الأخير «لا يتمتّع بثقل شعبي خارج بلدته زغرتا»، وان «التمثيل المسيحي في لبنان ينحصر بعون وحده».

وكانت انباء سرت عن لقاء بين رئيس حكومة لبنان السابق سعد الحريري، رئيس أكبر كتلة برلمانية وزعيم الطائفة السنّية في لبنان، وفرنجية، في باريس. وفي وقت لاحق، أكد أعضاء كتلة الحريري البرلمانية حصول اللقاء.

ورغم الصداقة التي تجمع فرنجية والرئيس السوري بشار الأسد، إلا انه يبدو ان قبول التحالف المعارض للأسد و«حزب الله» برئيس من الصف المناوئ لهم هو قبول مبني على «رزمة متكاملة من الاتفاقيات الجانبية، في طليعتها» تحييد لبنان عن الحرب السورية، وتقديم الدعم والتسليح للجيش اللبناني لإبقاء الحدود اللبنانية آمنة، وصد أي محاولات تسلّل قد يقوم بها ارهابيون من سورية الى الأراضي اللبنانية.

وكانت المواقف في العاصمة الأميركية انقلبت أخيراً، للمرة الأولى منذ سنوات، من معارضة لدعم الولايات المتحدة للجيش اللبناني الى مؤيدة.

ولطالما عارض أعضاء الكونغرس، من الحزبين، تزويد الجيش اللبناني بأسلحة نوعية، معللين معارضتهم بالقول ان «حزب الله»، الذي تضعه وزارة الخارجية الأميركية على لائحتها للتنظيمات الارهابية، يخترق الحكومة اللبنانية ويسيطر على الجيش.

على انه منذ مطلع العام الحالي، كثّفت الولايات المتحدة من دعمها للجيش اللبناني، وتجلّى الدعم ببيع واشنطن بيروت أسلحة للجيش بقيمة مليار دولار، قدمتها المملكة العربية السعودية. ويُضاف المليار السعودي الى ثلاثة مليارات سبق ان اشترت بها المملكة أسلحة وعتاداً نوعياً للجيش اللبناني من فرنسا.

وعلى مدى السنتين الماضيتين، رصد المراقبون حركة زيارات مكثفة لضباط الجيش اللبناني الى واشنطن وعقدهم لقاءات مع نظرائهم في وزارة الدفاع بهدف زيادة التقارب بين الجيشين الأميركي واللبناني وتوطيد العلاقات، خصوصاً لناحية «مكافحة الإرهاب».

والتحالف مع قوات محلية لمواجهة الإرهاب هي واحدة من سياسات الرئيس باراك أوباما، وكانت سياسة من هذا النوع سبق ان قادت واشنطن الى التنسيق حتى مع مجموعات كانت محظورة حتى الأمس القريب، من قبيل التنسيق الأميركي مع المقاتلين الحوثيين في اليمن لمكافحة تنظيم «القاعدة» هناك. لكن هذا التنسيق توقّف، حسب المطّلعين، بعد دخول الحوثيين صنعاء واجبارهم الرئيس عبد ربه منصور على الفرار في فبراير الماضي.

ويبدو ان إدارة الرئيس باراك أوباما لا تمانع التنسيق مع «حزب الله»، وإن بشكل غير مباشر وعن طريق وسطاء، هم في الغالب «استخبارات الجيش» اللبناني، لتثبيت الوضع في لبنان ومكافحة أي مجموعات إرهابية يمكن ان تخترق الحدود السورية والنفاذ الى لبنان.

على ان التنسيق مع الحزب محفوف بمصاعب سياسية جمّة في العاصمة الأميركية، خصوصاً بسبب العداء الذي يكنّه أصدقاء ومؤيدو إسرائيل للحزب داخل الكونغرس.

ويبدو ان مبادلة ضمنية حصلت بين البيت الأبيض وأصدقاء إسرائيل من المشرّعين، وهي مبادلة تقضي بإسقاط أعضاء الكونغرس لمعارضتهم تسليح الجيش اللبناني ودعمه، مقابل اسقاط أوباما التحفّظ الذي كان يفرضه على مشروع قانون يقضي بزيادة العقوبات المالية على«حزب الله»، فانضم أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيون الى زملائهم الجمهوريين في المصادقة على نسخة مشابهة للقانون الذي تم اقراره بالإجماع في مجلس النواب في مايو الماضي.

ومازال قانون العقوبات على الحزب يحتاج الى المزيد من الاخذ والرد بين الغرفتين لتوحيد النصّين والاتفاق على نص موحّد، من المتوقّع ان يحوز على غالبية كبيرة وتوقيع الرئيس.

ويرى مراقبون ان تحييد لبنان عن الحرب السورية عملية جارية منذ أكثر من 18 شهراً، وان الافرقاء المعنيين، خصوصاً السعودية وإيران، توافقان على هذا التحييد الذي افضى الى تأليف حكومة وحدة وطنية في مايو 2014 برئاسة النائب في كتلة الحريري تمام سلام.

وتعتقد الأوساط الأميركية انه يمكن للبنانيين، واصدقائهم الإقليميين المتخاصمين، التوصّل الى تسويات في موضوع رئاسة الجمهورية على غرار تسوية تأليف الحكومة، في وقت يبدو ان التسوية الرئاسية في لبنان صارت موضوعاً ملحّاً، دفَع القوى السياسية اللبنانية وحلفاءها الإقليميين الى تسريع انتخاب رئيس، وهي الخطوة الوحيدة التي يسمح الدستور اللبناني للبرلمان - المنعقد بصفة هيئة رئاسية ناخبة منذ شغور منصب رئيس الجمهورية - القيام بها.

ماذا وراء ولع روسيا بالجيش السوري الحر؟

حسين عبدالحسين

وجّهت صديقة صحافية سورية مقيمة في واشنطن أصابع اللوم الى الديبلوماسي السوري السابق جهاد مقدسي، لرفعه صورة علم الحكومة السورية على صفحته على فايسبوك مع عبارة "فخور أني سوري"، وكتبت له "لم تعد لك كرامتك سيدي في ظل اجرام نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد"، فانتفض مقدسي معتبراً أن ما يرفعه هو "علم الدولة لا علم السلطة"، وأن "علم المعارضة هو علم حراك معارض".

وتابع مقدسي ان المشكلة يمكن حسمها "في مجلس الشعب المنتخب بحرية يوماً... من داخل دمشق، بعد الحل السياسي". واتهم مقدسي الصحافية بقلة الأدب لأنها تجرأت على القول إنه خسر كرامته... في ظل جرائم الأسد.

ويدعي مقدسي – الذي يقيم في مدينة خليجية صديقة للأسد – أنه شارك بمبادرة فردية منه في لقاء فيينا الثاني، الذي تم تخصيصه للأزمة السورية الاسبوع الماضي. لكن مشاركين في الوفود الغربية أكدوا ان مقدسي حضر الى فيينا برفقة سوريين آخرين، بمعية الروس، الذين أصروا أن مقدسي وصحبه يمثلون المعارضة السورية، وهو إصرار روسي متوقع طالما أن مقدسي ورفاقه ينظرون الى سوريا فلا يرون أسلحة كيماوية وبراميل متفجرة وغارات روسية على المدنيين، بل يرون الحرب السورية مجرد خلاف في المفاهيم حول شكل الدستور السوري، ولون العلم، وكيفية انتخاب البرلمان.

وبالضبط كما حاول الروس فرض مقدسي وأمثاله في فيينا كممثلين للمعارضة، التي يسميها الأسد أحيانا "معارضة وطنية"، يحاول الروس فرض متحدثين مزعومين بأسماء المجموعات المقاتلة على انهم يتحدثون باسم "الجيش السوري الحر".

ولأن صناعة "معارضة وطنية" على طراز المقدسي هي عملية معقدة تستغرق وقتاً ومجهوداً تقوم به العواصم الثلاث المتحالفة، موسكو وطهران ودمشق، بمساعدة عواصم عربية مثل القاهرة، تحتاج صناعة "جيش سوري حر"، بمواصفات روسية وايرانية، وقتاً كذلك، ومجهوداً عسكرياً وديبلوماسياً.

هكذا، بدأت روسيا منذ اليوم الأول لحملتها الجوية، التي تستهدف المعارضة السورية المسلحة مثل "الجيش السوري الحر"، بالحديث عن نيتها "الفصل" بين الجيش الحر و"المجموعات الإرهابية" المقاتلة داخل سوريا. ولما رفضت الدول الداعمة للمعارضة تقديم لائحة بأسماء فصائل هذا الجيش الى الروس، راح الروس يعملون على استقطاب مجموعات سورية معارضة مسلحة، ينضوي بعضها تحت لواء "الجيش السوري الحر".

ومن نافل القول إن الجيش الحر هو مثل المعارضة السورية ولكن بحلة عسكرية، أي ان هذا الجيش هو مجموعة فصائل تكونت ذاتياً وأعلنت انضواءها تحت لوائه، ما يعني ان قيادة هذا الجيش فضفاضة الى حد ما.

لكن موسكو تريد اختراق "الجيش السوري الحر" ثم إعادة ترتيبه بطريقة تتناسب ومصالحها بتركها مجموعات سورية مسلحة خارجه. وبعد الاستيلاء على "الجيش السوري الحر"، ستسعى روسيا لإقناع العواصم المعنية بالشأن السوري، خصوصاً واشنطن، بأن كل المجموعات السورية المسلحة غير المنضوية تحت لواء هذا الجيش لا يحق لها ان تتمثل في الحل السياسي، ما يعني أن المطلوب هو القضاء عليها بمباركة عالمية تحت لواء "مكافحة الإرهاب".

مسؤولون أميركيون ممن شاركوا في اللقاءات المخصصة لسوريا في فيينا، وبعدها في أنطاليا، قالوا إن السعودية وتركيا وأميركا عارضت إصرار موسكو على ان "الجيش السوري الحر" وحده من يمثل المعارضة السورية المسلحة وأن كل من سواه إرهابيون. وبعد أخذ ورد، اتفقت الوفود المشاركة في فيينا أن المجموعات المسلحة التي سيتم تمثيلها في "العملية السياسية" في سوريا عليها أن تنال "إجماعاً" من الدول المشاركة في فيينا، وهو ما يجعل عملية الاتفاق على هوية هذه المجموعات عملية شائكة ومعقدة.

تعثر روسيا وإيران في اقناع المجتمع الدولي بحصرية تمثيل "الجيش السوري الحر" للمعارضة السورية المسلحة بأكملها لا يعني ان الولع الروسي المستجد بهذا الائتلاف العسكري الفضفاض سيتوقف، بل يتوقع المسؤولون الاميركيون ان تزيد موسكو من دعايتها حول تواصلها المزعوم مع "الجيش السوري الحر" الى ان تتوصل لإنشاء معارضة عسكرية سورية "وطنية"، حسب مواصفات الأسد، شبيهة بالمعارضة المدنية "الوطنية" الطيعة في ايدي روسيا وإيران، على الرغم من انهيار محادثات فيينا وتعليق الحل السياسي "بضعة شهور"، حسب تعبير الرئيس الأميركي باراك أوباما.

الجمعة، 20 نوفمبر، 2015

مصادر أميركية: انهيار محادثات فيينا أعاد الأطراف الدولية إلى مواقعها


اعتبرت مصادر أميركية رفيعة المستوى ان محادثات فيينا المخصصة للأزمة السورية «وصلت طريق مسدود»، مستبعدة التوصّل الى حل للحرب السورية المندلعة منذ العام 2011، ومحمّلة روسيا وإيران مسؤولية الانهيار.

وذكرت المصادر ان واشنطن وحلفاءها قدما تنازلات لدفع العملية السياسية قدماً، لكن روسيا وإيران توقعتا تنازلاً تاماً مترافقاً مع تمسّكهما ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم.

وبعد أقل من أسبوع على صدور بيان مشترك عن لقاء فيينا الثالث، انفجر الخلاف بين الأطراف المعنيّة، وتراجعت كل منها عن لغة الديبلوماسية.

فالولايات المتحدة كانت تراجعت عن شرط رحيل الأسد، كمدخل للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، واستبدلته بشرط «التوصّل الى تسوية سياسية» تسمح بهزيمة التنظيم المذكور، حسبما جاء على لسان وزير الخارجية جون كيري في خطابه امام «معهد الولايات المتحدة للسلام» الخميس الماضي.

اما روسيا وإيران، فتراجعتا قبل محادثات فيينا عن تمسّكهما العلني بالأسد. وقالت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا ان بلادها لا تؤيد الأسد ولا تتدخّل بمسألة بقائه او خروجه من الحكم، فيما ردد مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين عبداللهيان ان طهران لا تعتقد ان الأسد سيبقى رئيساً الى الأبد.

هكذا، اتفق الطرفان - اميركا وروسيا - على تجاوز بند مصير الأسد وابقائه غامضاً، بتخلي واشنطن عن شرط رحيله وبإطلاق الروس والإيرانيين تصريحات تفيد انهما لا تتمسّكان ببقائه.

وتوقّعت إدارة الرئيس باراك أوباما ان تؤدي تسوية فيينا الى فرض روسيا وإيران وقفاً للنار على الأسد ودفعه إلى الانخراط في عملية سياسية تؤدي الى تشكيل حكومة انتقالية وكتابة دستور واجراء انتخابات خلال 18 شهراً. بعد ذلك، يمكن البحث بمصير الأسد.

اما روسيا وإيران، فيبدو انهما توقعتا - حسب مصادر الإدارة الأميركية - ان تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها، لا بفرض وقف للنار على الفصائل المسلحة المعارضة للأسد فحسب، بل بتفكيكها ودمجها بقوات النظام كجزء من التسوية. اما الفصائل التي كانت سترفض الدخول في تسوية فيينا، فستتعرض الى حرب إلغاء، بغطاء دييبلوماسي دولي واسع.

وبعد أيام على فيينا، بدا جلياً انه لا روسيا وإيران تنويان وقف النار، ولا حلفاء أميركا ينوون إلقاء السلاح، ما يعني استمرار الحرب حتى اشعار آخر، وما يعني فعلياً «انهيار محادثات فيينا عن بكرة أبيها»، حسب مسؤول أميركي رفيع المستوى.

وبعد تأكيد الانهيار، تراجع الطرفان عن مواقفهما الغامضة حول مصير الأسد، فأعلنت واشنطن علانية ان رحيل الأسد شرط للتسوية السياسية، وان التسوية شرط للنجاح في القضاء على «داعش».

اما روسيا، فتخلّت عن الحيادية التي حاولت اظهارها في الأسابيع الماضية، وأفادت علانية بأنها تؤيد بقاء الأسد.

ومع انهيار ديبلوماسية فيينا وتراجع الدول المعنية، علمت «الراي» ان واشنطن تنوي تكثيف عملية تسليحها لمجموعة «قوات سورية الديموقراطية»، وهي ائتلاف من المجموعات المقاتلة شرق الفرات، عملت أميركا بالتنسيق مع كل من تركيا واكراد سورية، على اختيار مقاتليه لتسليحهم ودعمهم ضد «داعش».

واعتبر المعلقون الاميركيون ان «الميليشيات السورية المدعومة من الغرب ستحتفظ بكل ارض تنتزعها من(داعش)، ولن يتم السماح للأسد او قواته باستعادتها».

إنهيار محادثات فيينا

حسين عبدالحسين

بعد ثلاثة لقاءات وبيانات وخطة روسية وخطاب أميركي وعشرات التصريحات والتسريبات، يبدو ان محادثات فيينا المخصصة للتوصل الى حل للأزمة السورية انهارت، كما ظهر جليا في تخلي الطرفين عن الملاطفة الديبلوماسية والتكاذب الذي تمسكا به على مدى الشهر الماضي.

وليس واضحا بعد ما هي الأسباب التي أدت الى نسف هذه المحادثات، على الرغم من ان عمق الخلاف بين الطرفين وكثرة التباينات بينهما تجعل من التكهن عملية سهلة.

لكن الواضح فعلا هو ان الطرفين تراجعا عن مواقفهما التي مهدت لانعقاد سلسلة مؤتمرات فيينا. الولايات المتحدة تراجعت عن مقولة ان مفتاح القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) هو رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم، واستبدلت شرط رحيل الأسد بشرط غامض يعتبر وقف الحرب في سوريا مدخلا للقضاء على داعش، وتاليا انهاء الحرب في سوريا، حسب خطاب وزير الخارجية جون كيري، الذي كان مثقلا بالتناقضات. 

هذا الأسبوع، تراجعت واشنطن عن المواقف التي ادلى بها وزير خارجيتها الأسبوع الماضي، فقال الرئيس باراك أوباما، على هامش زيارته الى الفيليبين انه "لا يمكن القضاء على داعش إلا بعد التوصّل الى تسوية سياسية في سورية، والتوصّل لمثل هذه التسوية لن يكون ممكناً مادام الأسد في السلطة".

روسيا وإيران، بدورهما، تراجعتا. الأولى تراجعت عن تصريح للناطقة باسم خارجيتها ماريا زاخاروفا قالت فيه ان روسيا لا تؤيد الأسد ولا رأي لها في بقائه في الحكم. هذا الأسبوع، قال وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ان بلاده تعتقد ان الأسد جزء من العملية السلمية، وان شريحة واسعة من السوريين متمسكة ببقائه في الحكم.

اما إيران، فقال مساعد وزير خارجيتها حسين عبداللهيان ان بلاده لا تعتقد ان الأسد سيبقى رئيسا الى الأبد. هذا الأسبوع، قال عبداللهيان ان "الأسد خط أحمر".

إذا، تراجعت اميركا، من جهة، وروسيا وإيران، من جهة ثانية، عن تصريحاتها السابقة التي حاولت لف مصير الأسد بغموض، وتأجيل البت بهذا المصير الى "الفصل الأخير" من العملية السياسية في سوريا، على اعتبار ان في المراحل الأخيرة من التسوية، تكون العملية السياسية قد أدت الى تثبيت الوضع السوري بشكل يسمح برحيل الأسد والقضاء على داعش في الوقت نفسه.

هكذا، إنهارت محادثات فيينا في وقت أسرع مما توقع الكثيرون.

التبرير الأميركي، حسبما جاء على لسان أوباما، مفاده ان روسيا وإيران مازالتا تحتاجان الى شهور للاقتراب من التسوية. وسبق لأوباما اعتبر، بعد اول اتصال معه بادر اليه نظيره الروسي للتباحث حول الأزمة السورية في تموز، ان بوتين يتصل به لأن الأسد كان قارب الانهيار ولأن بوتين يبحث عن مخرج للأسد.

وعززت الحملة العسكرية الروسية في سوريا رأي أوباما، الذي اعتبر ان موسكو سارعت عسكريا لإنقاذ الأسد.

ثم زار بوتين الأمم المتحدة في نيويورك والتقى أوباما على أمل ان يرى الرئيس الأميركي انه – بعد التدخل الروسي – لا مفرّ لداعمي المعارضة السورية، خصوصا أميركا، الا التراجع وقبول شروط روسيا وقبول بقاء الأسد.في نيويورك، انتظر بوتين تنازلا اميركيا يوقف ماكينة الدمار الروسية في سوريا فيما انتظر أوباما تنازلا روسيا يؤمن للماكينة العسكرية الروسية مخرجا ديبلوماسيا يحفظ لموسكو ماء الوجه.

هكذا، تكاذب الطرفان، اميركا وروسيا، وذهبا الى فيينا، ودعيا الدول المعنية أولا، ثم الدول غير المؤثرة ثانيا. وبعد بيان لقاء فيينا الثالث، تبين ان الفجوة بين الطرفين مازالت عميقة، فعاد كل منهما الى موقعه، وأعطى أوباما نفسه مزيدا من الوقت حتى يقتنع الروس والإيرانيون ان مخرجهم من المستنقع العسكري السوري هو عبر ديبلوماسية تترافق مع موافقتهم على رحيل الأسد.

ما بعد فيينا، قد تستعر الحرب السورية أكثر فيما يستمر عناد شخص واحد يمكن لرحيله عن الحكم ان يغير الكثير وان يحقن دماء سورية، لو كان حريصا عليها اصلا، لما كان العالم يقف متكاذبا حول حل لا يبدو انه يقترب.

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

الجمهوريون يفتعلون أزمة وهمية حول اللاجئين السوريين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قدّم اليمين الأميركي هدية سياسية قيّمة للرئيس باراك أوباما، بإعفائه من مهمة رفض دخول لاجئين سوريين الى البلاد لأسباب إنسانية. وقام محافظو الولايات ذات الغالبية الجمهورية، ومعظم المرشحين الاميركيين للرئاسة، بانتفاضة ضد استقبال أي لاجئين سوريين قد يصلون الولايات المتحدة، بحجة ان أحد منفّذي هجمات باريس تسلّل الى أوروبا بين حشود اللاجئين السوريين المتدفّقين عبر الحدود.

والجمهوريون يعلمون ان لا صلاحية لحكومات الولايات او كونغرساتها او محافظيها بمنع او السماح بالدخول لأي شخص الى أراضيها، فهذه صلاحية منوطة بالحكومة الفيديرالية حصراً، ولا حدود بين الولايات الأميركية أصلاً حتى يتم إغلاقها او فتحها في وجه حركة عبور الافراد، وحتى لو قررت احدى الولايات منع دخول لاجئين سوريين إليها، فسيتعذّر عليها تطبيق قرار من هذا النوع.

لكن اليمين الأميركي لا يهتم، بل إن السياسيين الجمهوريين يعلمون ان البلاد مقبلة على انتخابات مقررة في أقل من عام، وأن الإدلاء بتصريحات ضد اللاجئين السوريين المسلمين من شأنه ان يكسبهم نقاطا شعبية امام القاعدة اليمينية المسيحية للحزب.

وكان آخر استطلاعات الرأي الذي أجرته وكالة «بلومبرغ» أظهر ان غالبية 53 في المئة من الاميركيين يعارضون خطة أوباما باستقبال وتوطين 10 آلاف لاجئ سوري، قبل خروجه من الحكم مطلع العام 2017. وقال 11 في المئة من الذين تم استفتاؤهم، إنهم يؤيدون استقبال أميركا وتوطينها لاجئين سوريين مسيحيين فقط.

وعلى الرغم من قيام أوباما، في تصريحاته، وفي اتصال هاتفي اجراه مع 34 محافظاً، بتصوير نفسه وكأنه المدافع الأول عن فكرة استقبال الولايات المتحدة للاجئين سوريين هاربين من الحرب الدائرة في بلادهم، إلا أنه يعلم ان الإعلانات الأميركية المتكررة حول نية استقبال لاجئين سوريين هي تصريحات للاستهلاك الإعلامي فحسب.

أما سبب اقفال الولايات المتحدة حدودها في وجه السوريين عموماً، واللاجئين منهم خصوصاً، فسببه ان نظام اصدار السفارات الأميركية للتأشيرات، حتى السياحية منها والدراسية، يشترط حصول السفارات على موافقة أمنيّة، وهذه تستند الى عمليات بحث وتحر عن الشخص المطلوب.

وعمليات التحري عن الأشخاص ممن تم منحهم تأشيرة دخول أميركية تتضمن قيام السفارة باستيفاء أكبر معلومات مالية وعائلية ووظيفية عن صاحب الطلب. وفي أوقات، تتصل السفارات الأميركية بالسلطات المحلية للمزيد من التحقق.

في الحالة السورية، لا سفارة أميركية تعمل في دمشق، فيما العلاقة مقطوعة مع السلطات السورية، ما يجعل من عملية التحقّق من معلومات اللاجئين قبل منحهم تأشيرات دخول وحق لجوء عملية شبه مستحيلة.

هكذا، تنطّح السياسيون اليمينيون الاميركيون وأطلقوا تصريحات معارضة لإمكانية استقبال او توطين لاجئين سوريين. واليمينيون أنفسهم هم من دأبوا على دعوة أوباما الى التدخّل في سورية لحماية الأقليات، خصوصاً المسيحيين.

وفي هذا السياق، كتب السيناتور الجمهوري في كونغرس ولاية فرجينيا ريتشارد بلاك، وهو سيناتور محلي، وليس عضواً في الكونغرس الفيديرالي عن ولاية فرجينيا، حسبما صوّرت الرئاسة السورية، رسالة الى الرئيس السوري بشار الأسد «شكره» فيها على حماية الأقليات المسيحية واليهودية من خطر المتطرّفين الإسلاميين.

وأثارت رسالة بلاك الى الأسد عاصفة من الردود، شاب بعضها التهكّم، وقام زميله الجمهوري أيضاً في كونغرس ولاية فرجينيا، بالتعليق قائلاً: «ما الأمر يا ديك (ريتشارد)؟ أتعاني من أن حاكم كوريا الشمالية (كيم جونغ أون) لا يرد على رسائلك النصّية الهاتفية؟»

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

موسكو وطهران تركّزان في فيينا على محاصرة حركة «أحرار الشام»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لخّص ديبلوماسيون غربيون، ممن تسنّى لهم الاطلاع على فحوى محادثات فيينا التي تم تخصيصها للأزمة السورية، السبت الماضي، مجريات اللقاء الدولي بأنه مؤتمر «سعى اليه الروس والايرانيون خصوصاً، من اجل محاصرة حركة أحرار الشام».

وأضافوا أن الانطباع الذي تولّد لدى العواصم الداعمة للمعارضة السورية، مفاده ان روسيا وإيران تسعيان الى تشكيل معارضة سورية مسلّحة تابعة لهما، وفرضها على وفد المعارضة السورية المسلحة الذي يفترض ان يشارك في الحوار حول سورية، وفي ما بعد في العملية السياسية».

وتابع الديبلوماسيون ان روسيا تسعى لاستمالة «الجيش السوري الحر» لجهتها وتقديمه على انه الجهة الوحيدة المخوّلة ان تتمثّل في العملية السياسية. وفي حال تسنّى للروس فرض سيطرتهم على «الحر» وإبعاد الفصائل المعارضة التي لا تناسبهم عنه، يمكن لروسيا آنذاك «اعتبار أي مجموعة سورية مسلحة خارج الجيش العربي السوري والجيش السوري الحر (إرهابية)».

وعندما تحصل روسيا على موافقة دولية في فرض صفة «الإرهاب» على مجموعات سورية لا تناسبها، «يكون ذلك بمثابة إجازة دولية للقضاء على هذه المجموعة، حتى لو تطلب ذلك شن حرب عسكرية شديدة الدموية».

وفي مقابل موافقة واشنطن وحلفائها على الرؤية الروسية حول من يمثّل المعارضة السورية المسلحة، تعرض موسكو تخلّيها عن التمسّك بالأسد «والإبقاء على مصيره معلقاً، مع إمكانية خروجه من الحكم في وقت لاحق»، حسب المصادر الديبلوماسية المذكورة.

إلا ان المصادر نفسها قالت إن «واشنطن أعربت عن استعدادها للمقايضة، بالتخلّي عن مجموعات سورية معارضة وإلصاق صفة (إرهابية) بها، شرط تخلّي الروس تماماً وعلناً وفوراً عن الأسد، ودعوتهم إياه إلى الخروج من الحكم»، وهو شرط لم يقبله الروس، واكتفوا بالقول إن «موسكو لا تتمسّك بالأسد»، وإنها تقبل «من يختاره الشعب السوري رئيساً، حتى لو كان غير الأسد».

لكن حلفاء أميركا، وفي طليعتهم السعودية وتركيا، رفضوا المقايضة، وتمسّكوا «بحق السوريين بالدفاع عن أنفسهم في وجه حرب الأسد عليهم عبر تشكيلهم فصائل مسلحة». وقال السعوديون والأتراك إن هناك «ميليشيات غير سورية تقاتل داخل سورية، وهي مصنّفة أصلاً(إرهابية) على لوائح اميركا وأوروبا ودول الخليج»، في إشارة الى «حزب الله» المنخرط في الحرب السورية.

وفي أنباء تداولتها الأوساط الأميركية أن «مشاركين عرباً توجهوا الى الوفد الأميركي بالقول إن واشنطن تصنّف (حزب الله) منظمة إرهابية منذ منتصف التسعينات، ثم توجّهوا الى الأوروبيين بالقول ان الاتحاد الأوروبي يصنّف ما يعرف بالجناح العسكري للحزب، وهو الذي ينخرط في معارك سورية اليوم، على انه تنظيم إرهابي كذلك».

وتابع معارضو الرؤية الروسية من المشاركين في فيينا أنه «إذا تحولت الحرب في سورية الى حرب ضد الإرهاب، فالأجدى محاربة التنظيمات الموضوعة على لائحة الإرهاب أصلاً مثل الدولة الإسلامية (داعش) وحزب الله». وأضاف الاتراك المشاركون في فيينا أن انقرة تريد ان ترى فصائل كردية مسلحة على لائحة التنظيمات الإرهابية المطلوب محاربتها كذلك، وأنها قلقة من قيام بعض الدول بتسليح هذه الفصائل، في إشارة الى قيام الولايات المتحدة بتزويد مقاتلين أكراد بكميات من العتاد والأسلحة لتعزيز قدراتهم القتالية ضد «داعش» في مناطق شرق الفرات.

في المشهد السوري المعقد، تصرخ كل دولة من المشاركين في مؤتمر فيينا أن هذه المجموعة او تلك هي الإرهابية، فيرتفع صوت دولة مناوئة تعتقد العكس، وهو ما يجعل من شرط توافر إجماع على المجموعات المسلحة التي سيتم السماح لها بالمشاركة في العملية السياسية أمراً شبه مستحيل، حسب المطلعين الاميركيين.

إلا أن العارفين في العاصمة الأميركية يعتقدون ان روسيا وإيران ستسعيان الى تكرار عملية إغراق المعارضة السورية المسلحة بمقاتلين سوريين يفترض أنهم معارضون، ولكنهم في الواقع مقرّبون من الأسد ونظامه ومن طهران وموسكو.

ويقول المتابعون الاميركيون ان روسيا وإيران تحاولان اقتناص «الحر» باستضافة زعماء مجموعات مسلحة يزعمون انهم من قادته، ثم إضعاف هذا الائتلاف العسكري الفضفاض بخلق قياديين داخله يكسرون وحدته ويقيّضون من مصداقية مواقفه، على غرار ما فعلوا في إضعافهم المعارضة المدنية قبل ذلك.

الموت للسوريين

حسين عبدالحسين

ستة عشر ولاية أمريكية أعلنت عزوفها عن استقبال لاجئين سوريين على إثر هجمات باريس، التي يبدو ان أحد المهاجمين فيها اندس بين اللاجئين السوريين الهاربين من الموت في بلادهم، وتسلل بينهم عبر الحدود الى داخل اوروبا.

والى الولايات الأمريكية، أعلن عدد من مرشحي الحزب الجمهوري الرئاسيين ضرورة اقفال الحدود في وجه أي لاجئين سوريين قد يفدون الولايات المتحدة.

طبعا إعلانات الولايات والمرشحين الرئاسيين هي من باب الشعبوية فقط، فاستقبال أي ولاية للاجئين سوريين يشترط ان تقوم الحكومة الفدرالية أولا بمنحهم تأشيرات دخول وصفات لجوء. ومنذ اندلاع الحرب السورية في العام 2011، أعلنت واشنطن في كل عام نيتها زيادة اعداد السوريين الذين تنوي استقبالهم لأسباب إنسانية، حتى وصلت واشنطن في آخر إعلاناتها الى القول انها تنوي استيعاب 6500 لاجئ سوري.

لكن واشنطن تكذب، على الرغم من إعلانها استقبال الاف السوريين، فعدد اللاجئين الذين استقبلتهم حتى اليوم لا يتعدى العشرات. اما السبب خلف اقفال أميركا أبوابها فهو تعذر قيامها بإجراءات التحقق من هويات من تمنحهم حق اللجوء، فكل التأشيرات التي تمنحها واشنطن للوافدين اليها، بما فيها تأشيرات السياحة والدراسة، تقترن بعمليات تحقق من الهوية، وهذه العمليات تستند بدورها الى السفارة الأمريكية في البلد المعني، وأحيانا توجه السفارات أسئلة الى سلطات البلد الذي تتحرى فيه عن هذا الشخص او ذاك ممن تدرس طلبات تأشيراتهم.

ولأن في سوريا اليوم لا سفارة أمريكية ولا اتصال مع السلطات السورية، يبدو التحقق من هوية اللاجئين السوريين متعذرا، لذا، لم تستقبل أميركا الا العشرات من اللاجئين السوريين، وحتى من استقبلتهم مازالوا يعانون من عقبات في معاملاتهم وفي الحصول على أوراق لجوء ثبوتية.
هكذا يبقى أمن أميركا فوق كل اعتبار، حتى ان كان ذلك يعني اقفال الحدود الأمريكية في وجه لاجئين لأسباب إنسانية، من أينما كان مصدرهم.

وكما في أميركا، كذلك في فرنسا، انقلبت الدنيا على إثر الهجوم الاجرامي الذي نفذه ارهابيو داعش في باريس. اضاءة شموع، وورود، ودموع، ومقابلات صحافية تدمي القلب. ذاك الذي كان يحضر مباراة كرة قدم ويستعد لزفافه في اليوم التالي ومات، وتلك التي انتظرتها شقيقتها امام محطة الباص ولم تصل، وآخر كان يحتفل بوظيفته الجديدة بتناوله وجبة طعام فاخرة برفقة زوجته ومات كل منهما. كلها قصص إنسانية حقيقية تدمي القلب.

وقصص الفرنسيين تدفع المشاهد الى التفكر بقصص السوريين: ألم يكن للقتلى السوريين احباء ينتظرونهم؟ ألم يكن ذاك السوري واقفا امام فرن الخبز، وعائلته تنتظره، عندما ألقت عليه مروحيات الأسد براميلها المتفجرة وقتلته جماعيا مع الآخرين؟ الم يكن ذاك السوري ذاهبا لمصارحة والدة حبيبته وإعلان خطوبته عليها قبل ان تقتله غارة روسية عشوائية في الطريق؟ الم تكن تلك السورية تصرخ وهي تلد قبل ان تعاجلها مدفعية الأسد بقذيفة أسكتتها واسكتت صراخ مولودها؟

السوريون ليسوا دواعش، والأهم، ليسوا كلهم ضحايا داعش. السوريون بشر قادهم حظهم العاثر الى ان يجدوا أنفسهم بين اجرام ديكتاتور سيذكره التاريخ الى جانب هتلر وستالين وبين اجرام شباب داعش الطائش المحبط الذي لم يعرف الا لغة القوة حوارا وحيدا بين البشر.

كقصص الفرنسيين، تدمي القلب حكايا السوريين. لكن للفرنسيين من يبكي عليهم، وللسوريين براميل الأسد، وسيوف داعش، والبحر، وحدود العالم المغلقة.

ربما الأفضل للعالم ان يصمت، لان ثرثرته تظهر قباحته. لا يكفي ان يهب العالم للدفاع عن أقليات سوريا فحسب. لا يكفي ان يربط العالم بين لعنة الموت التي تطارد السوريين، من غير الأقليات، والتوصل لاتفاق كوني حول شكل الدستور السوري ونظام الحكم والتفاهات السياسية الأخرى.

في عالم ظالم كهذا، موتوا يا أهل سوريا وناموا قريري الأعين، فالموت لكم أفضل من العيش في عالم انسانيته قاصرة وأناسه ظالمون.

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

أوباما غارقا في تناقضاته وسط تعثر حربه على "داعش"

حسين عبدالحسين

هكذا وصف الرئيس باراك أوباما ما صوّره، عقم إشراك قوات أميركية أرضية في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية": "هذا ليس خصماً عسكرياً تقليدياً، بإمكاننا استعادة الأرض، وطالما نبقي على جنودنا هناك، يمكن الاحتفاظ بهذه الأرض، لكن ذلك لا يحل المشكلة ولا يقضي على العوامل التي تنتج هذا النوع من المجموعات العنيفة المتطرفة".

وهكذا وصف أوباما ما يميز تنظيم الدولة عن باقي التنظيمات الإرهابية: "ما هو فريد في داعش هو مدى سيطرته على الأرض، وهو ما يسمح له بجذب المزيد من المجندين".

إذا، يقول أوباما إن لا جدوى من استعادة قوات أميركية الأرض من "داعش" والاحتفاظ بها لأن ذلك لا يغير شيئاً. ثم يناقض أوباما نفسه ويقول إن احتفاظ "داعش" بالأرض يمنحه افضلية تساعده على التجنيد. تناقضات أوباما، وارتباك سياسته الخارجية عموماً وحربه ضد "داعش" خصوصاً، بدت جلية في مؤتمره الصحافي في مدينة أنطاليا التركية.

في أقل من ستين دقيقة أجاب فيها على ستة أسئلة، بدا أوباما منزعجاً من إلحاح الصحافيين على سماع استراتيجيته البديلة للقضاء على "داعش" بعدما ثبت قصور استراتيجيته الحالية على إثر هجمات باريس. لكن أوباما لم يتراجع. أدلى بأقوال متناقضة، ولم يعترف بقصور سياسته تجاه "داعش" وسوريا، وآثر العناد.

وكان أوباما نجح، على مدى السنوات الأربع الماضية، في اقناع الاميركيين أن إشاحة نظره عن الحرب التي يشنها الرئيس السوري بشّار الأسد ضد شعبه، هي في مصلحة الولايات المتحدة، فالأسد هو السد المنيع في وجه الإرهاب، ولو انهار من دون بديل، سيسيطر الارهابيون على سوريا وينطلقون منها لشن هجمات ضد اهداف غربية.

لكن السوريين ماتوا ورحلوا، وبقي الأسد، وبقي الإرهاب، وبعد سنوات من وعود القضاء على "داعش"، أصبح الأميركيون يتململون من فشل سياسة رئيسهم في مكافحة الإرهاب. لكن هدف أوباما يبقى "تقليص المساحة" الخاضعة لسيطرة "داعش"، من دون استخدام قوات أميركية، وهو ما يحتاج الى مقاتلين بديلين.

والقوة البديلة، حسب تصور الإدارة الأميركية، تتألف من "مقاتلين محليين". والشراكة بين اميركا والمقاتلين المحليين سبق ان تحدث عنها الرئيس الأميركي في خطابه امام اكاديمية "وست بوينت" العسكرية، قبل عامين، وقال فيه إن أميركا نجحت في التغلب على المجموعات الإرهابية، وأن النموذج الجديد لمكافحة الإرهاب هو شراكة مع قوات محلية. وضرب أوباما اليمن مثالاً على نجاح سياسته.

لكن الحكومة اليمنية انهارت بعد خطاب أوباما، ومعها انهارت القوات المحلية. وفي العراق، توسع "داعش" واستولى على محافظات نينوى والانبار وصلاح الدين وديالى، وانهارت القوات المحلية العراقية، شريكة واشنطن، وتبعثرت خطة أوباما ورؤيته. ومع إصرار أوباما على التمسك بشراكة مع المقاتلين المحليين، يصبح السؤال: من هي هذه القوات التي يسعى أوباما الى العمل معها للقضاء على داعش؟

الإجابة قد تشي بأن أوباما تبنى مقولة الإيرانيين إن القوات النظامية لا تحارب، على عكس الميليشيات، لأن الأخيرة عقائدية. هكذا، يستند أوباما الى الميليشيات الشيعية والكردية في العراق للقضاء على "داعش". أما الميليشيات السنية، فتراجع أوباما عن فكرة تسليحها بشكل مستقل تحت تهديدات رئيس حكومة العراق حيدر العبادي بالانسحاب من التحالف الدولي.

وفي وقت لاحق، حاول أوباما انشاء قوة سنية سورية رمزية لإشراكها في الحرب ضد "داعش"، لكن المشروع تبعثر بسبب البلاهة الأميركية التي طالبت المعارضين السوريين بتأمين مصالح أميركا في قتالهم "داعش"، ورفضت أميركا مبادلة ذلك بدعمها المعارضين السوريين في قتالهم الرئيس السوري بشار الأسد.

ومع بدء الشراكة بين القوة الجوية الأرضية والقوات المحلية على الأرض، تبين أن أكراد العراق وسوريا ليسوا مهتمين بالقضاء على "داعش"، بل يسعون الى قضم أكبر مساحة ممكنة يعتقدون انها ستصبح يوما جزء من دولة كردستان.

أما حليف أميركا الآخر، أي الميليشيات الشيعية في العراق، فهذه على الرغم من الغطاء الجوي الأميركي تقاتل خارج قراها وبلداتها، وغالبا في بلدات ذات غالبية سنية معادية، ما أعاق تقدم القوات الشيعية وجعل انتصارها على داعش متعذراً.

رؤية أوباما للقضاء على "داعش" أثبتت فشلها حتى الآن، وأوباما، بارتباكه أمام الأسئلة حول ضرورة تغيير استراتيجيته، يبدو انه يدرك ذلك. لكن أوباما ليس مستعداً لأي تغيير، فالباقي على رئاسته 13 شهراً بالتمام، وهدفه هو إضاعة الوقت حتى تصبح "داعش" مشكلة خلفه.

السبت، 14 نوفمبر، 2015

عندما يموت معتدلو السنة.. يصعد المتطرفون

حسين عبدالحسين

في 18 كانون الثاني (ديسمبر)، غادر 500 جندي أميركي العراق معلنين نهاية احتلال دام 8 سنوات. صبحية اليوم التالي، أصدرت محكمة عراقية مذكرة اعتقال بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي بتهم مزيفة تتعلق بالإرهاب.

والهاشمي سني معتدل، سبق ان تعرض لمحاولات اغتيال من تنظيم القاعدة عراق. لكن الهاشمي الذي تحدى تهديدات القاعدة، اضطر للهروب من البلاد بعدما حاصرت منزله دبابات الحكومة العراقية، واعتقلت مرافقيه وعذبتهم.

كان واضحا ان رئيس الحكومة الشيعي نوري المالكي دبر الاتهامات المفبركة بحق الهاشمي، وهو تدبير كررته الحكومة الشيعية في بغداد في حملتها القمعية ضد السياسيين السنة. وفي العام 2013، اعتقلت شرطة المالكي عضو مجلس النوّاب احمد العلواني ومرافقيه بعد قتل أخيه. بعد ذلك لاحق المالكي أحد أعضاء حكومته، وزير المالية السني رافع العيساوي.

ومع قضاء حكومة بغداد الشيعية – وراعيتها إيران – على المعتدلين السنة من مسؤولين حكوميين ومشرّعين، وجد السنة المذعورون والمحبطون أنفسهم في العراء من دون مكان للاحتماء فيه، باستثناء الانضمام لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش). ومع حلول صيف 2014، كان داعش استولى على المحافظات العراقية الأربعة ذات الغالبية السنية، بما في ذلك مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق.

وكما في العراق، قامت إيران وحلفاؤها – “حزب الله” اللبناني والرئيس السوري بشار الأسد – باستهداف معتدلي السنة في لبنان، بدءا برئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، الذي أدى اغتياله الى تشكيل الأمم المتحدة لمحكمة تحاكم اليوم خمسة من قادة “حزب الله”، غيابيا، بتهمة التورط في عملية الاغتيال.

ومنذ مقتل الحريري في العام 2005، يسود اعتقاد ان إيران وحلفاءها قاموا بتصفية نصف دزينة من مستشاري الحريري من السياسيين والعسكريين. حتى ابن الحريري وخلفه، سعد، يعيش اليوم في المنفى بعدما أظهرت تقارير استخباراتية انه الهدف التالي لإيران.

منذ اضعاف قيادة عائلة الحريري، أصبح السنة في لبنان من دون قادة. وبما انهم يعانون من الظلم على ايدي حزب الله والأسد، انضم عدد من الشباب السنة الى مجموعات إرهابية في سوريا، مثل داعش، للانتقام. بعض هؤلاء السنة اللبنانيين ممن انجروا الى التطرف عادوا الى بلادهم ونفذوا عمليات انتحارية في احياء ذات غالبية سكانية شيعية، فيما بقي عدد من السنة اللبنانيين المتطرفين غيرهم في سوريا، على الأرجح بانتظار تكليفهم القيام بعمليات إرهابية في العراق أو تركيا أو أوروبا.

داعش هي تنظيم عراقي سبق لقيادييها ان عملوا تحت امرة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهذا الأخير، على الرغم من دمويته، أعطى السنة في العراق وسوريا ولبنان شعورا بالقوة بعدما نجح في التصدي لإيران القوية في الحرب بينهما في الثمانينات.

لكن بعدما أطاحت أميركا بصدام، قامت إيران ومواليها – حزب الله والأسد وحكومة بغداد – بملاحقة السنة العراقيين الذين لم يجدوا ملاذا الا داعش. هؤلاء السنة اليوم يلومون العالم لسقوط صدام، ولتمدد إيران الشيعية على حسابهم، لذا يقومون بهجمات إرهابية في السعودية وتركيا ولبنان ومصر وفرنسا اعتقادا منهم انها الطريقة لرفع الظلم.
لا مفرّ من القضاء على داعش وتفكيكه. لكن من دون رفع الظلم بوقف مجازر الأسد بحق السنة في سوريا، ومحاكمة حزب الله لقتل سنة في لبنان بمن فيهم الحريري، واجبار بغداد على وقف اضطهادها بحق السنة، سيكون من المستحيل إعادة شعور بالعدالة بين السنة في الشرق الأوسط.

للقضاء على داعش، على العالم ان يرسل رسالة لا ريب فيها ان القوة ليست الطريق الصحيح، وان القوانين يتم تطبيقها وان المجرمين، سنة ام شيعة، تتم محاكمتهم. أي شيء عدا عن إعادة العدل الى الشرق الأوسط يعني ان المنطقة، والعالم، ستعاني من ردة الفعل ضد اللاعدل، وهي ردة فعل تأتي للأسف على شكل إرهاب.

الجمعة، 13 نوفمبر، 2015

كيري: القضاء على «داعش» عبر وقف الصراع السوري

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في مواقفها حول الأزمة السورية، إدارة الرئيس باراك أوباما لا تخجل. تستخفّ بعقول المتابعين. صباح أول من أمس، أقامت وزارة الخارجية الأميركية الدنيا ولم تقعدها، استعداداً للكشف عن إستراتيجية جديدة مزعومة في سورية.

حان الموعد، وتحدث وزير الخارجية جون كيري في خطاب دام خمسين دقيقة، حيث أطلق سلسلة من المواقف المتناقضة، فيما يشير الى استمرار الاضطراب الفادح في سياسة أميركية خارجية، لا شك ان القيّمين عليها هم من الهواة.

في أول الخطاب، اتهم كيري الرئيس السوري بشار الأسد بأنه سبب صعود واستمرار تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). وفي منتصف الخطاب، قال إنه لايوجد حل عسكري للأزمة السورية. وفي نهاية خطابه، أسهب في الحديث عن إنجازات أميركية العسكرية ضد «داعش». ولم يقل كيري، كما يرد عادة في تصريحات مسؤولي إدارة أوباما، أن رحيل الأسد هو مفتاح القضاء على «داعش»، بل قال هذه المرة ان القضاء على «داعش» يكون عبر وقف الاقتتال وإنهاء الصراع في سورية.

خطاب كيري المثقل بالتناقضات، جاء عشية انعقاد لقاء فيينا، الثالث من نوعه، والمخصّص للبحث في الأزمة السورية، بمشاركة 15 دولة ومنظمة عالمية، تتصدرها اميركا وروسيا والسعودية وإيران وتركيا.

كيري القى خطابه في «معهد الولايات المتحدة للسلام»، وهو مركز أبحاث يموله الكونغرس، حيث صعد الى المنبر وسط جمهور غفير من المعنيين ممن كانوا ينتظرون الجديد في سياسة واشنطن السورية.

وذكر كيري انه ذاهب الى لقاء فيينا، المقرر انعقاده اليوم، وانه سيحمل نتائج اللقاء وينضم إلى أوباما في تركيا، حيث يشارك الرئيس الأميركي في قمة الدول العشرين.

وتابع كيري القول ان النقاش في قمة العشرين سيتركز حول سبل التوصّل الى حل للأزمة السورية.

ويشارك في قمة العشرين، غداً، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وخادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، فضلاً عن أوباما ورئيس الدولة المضيفة التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس فرنسا فرنسوا هولاند، ورئيس حكومة بريطانيا ديفيد كاميرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل.

والى جانب تكثيف نشاطها السياسي والديبلوماسي، في واشنطن وفيينا وانطاليا التركية، في محاولة للتوصل الى حل للأزمة السورية، وعلى الرغم من إصرار وزارة الخارجية الأميركية على ان السياسة الأميركية في سورية هي سياسية جديدة، أظهر خطاب كيري في واشنطن ان لا جديد في المواقف الأميركية غير التراجع الأميركي عن اعتبار ان شرط إلحاق الهزيمة بـ «داعش»هو خروج الأسد من الحكم، واستبداله بمقولة ان انهاء الصراع السوري هو شرط التغلب على«داعش».

وعلى الرغم من ان اطلالة كيري حملت رسمياً عنوان«خطاب حول سورية»، إلا ان الخطاب تفرّع ليشمل الحديث عن التحالف الدولي الذي اقامته الولايات المتحدة، الصيف الماضي، للحرب ضد«داعش»في العراق.

وحول سورية، أوضح كيري في خطابه انه«على الرغم من ان (داعش) والأسد ألد الأعداء، إلا انهما جزء من المشكلة نفسها». وتابع كيري، الذي ذكر التنظيم باستخدام اسمه العربي«داعش»، ان صعود هذا التنظيم«يرتبط مباشرة بسياسات وأفعال نظام الأسد»، واصفا العلاقة بين الاثنين بـ «التكافلية». وزاد ان«كره السوريين للأسد دفعهم الى أحضان (داعش)»، وان«الخوف من (داعش) دفع بعض المجموعات السورية الى الاعتقاد ان لا خيار امامهم غير الانضمام لهذا التنظيم».

وبعدما أسهب كيري في تعداد المساهمات الأميركية العسكرية في الحرب ضد«داعش»، عاد ليقول ان«لا شيء يدعم مجهود القضاء على (داعش) أكثر من عملية تتمتع بدعم ديبلوماسي واسع وتبدأ بإنهاء الصراع السوري».

واشنطن تذعن لروسيا وإيران

حسين عبدالحسين

تفوقت الديبلوماسية الأميركية على نفسها في البلاهة والاستخفاف بعقول متابعيها. في خطاب مثقل بالتناقضات الواضحة امام "معهد الولايات المتحدة للسلام"، حاول وزير الخارجية جون كيري اخفاء آخر التنازلات الأميركية امام المطالب الروسية والإيرانية في سوريا.

في خطاب كيري، لم يعد رحيل الرئيس السوري بشار الأسد سبيلا لوقف الحرب السورية، بل صار وقف الحرب السورية سبيلا.. لوقف الحرب السورية. على مدى الأسبوع الذي سبق الخطاب، سعت الخارجية الى حشد التأييد للتغيير الذي سيكشفه كيري في "الاستراتيجية الأميركية الجديدة في سوريا".

الخطاب حمل عنوان "خطاب حول سوريا"، ولكنه كان فعليا خطاب حول تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش). 

يقول كيري، من دون ان يلاحظ أي تناقض في قوله، ان بلاده ماتزال متمسكة برؤية أن لا حل عسكرياً في سوريا، لذا أقامت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً دولياً لشن حرب ضد داعش في سوريا والعراق.

ثم يقول كيري ان الأسد هو سبب صعود داعش، ويعتبر ان أربعة عقود من ديكتاتورية آل الأسد، لا حكم الابن وحده، هي التي قضت على الحياة السياسية في سوريا، وبثت اليأس في نفوس مواطنيها، فانتفضوا في ثورة حولتها دموية الأسد الى حرب طاحنة وأجبرت كثيرين من السوريين على اما الاحتماء بداعش من بطش الأسد او الخوف من دموية داعش والانضمام الى هذا التنظيم.

ولأن الأسد هو سبب الحرب السورية، يلخص كيري الرؤية الأميركية للحل في سوريا بضرورة رحيل داعش.

ولأن حرب الأسد ضد شعبه هي سبب صعود داعش، يلخص كيري الرؤية الأميركية للتخلص من داعش بوقف دفاع السوريين عن أنفسهم في وجه حرب الأسد ضدهم.

في استراتيجيتها الجديدة حول سوريا، تراجعت الولايات المتحدة عن مبدأ ضرورة زوال سبب وجود داعش، أي الأسد، واستبدلتها بمقولة القضاء على داعش أولا، ما يتطلب – حسب واشنطن – وقف إطلاق نار والمباشرة بتسوية سياسية سورية، "بدعم ديبلوماسي واسع"، وبمشاركة الأسد. استبدال أولوية البت بمصير الأسد بأولوية وقف إطلاق النار للقضاء على داعش هو تقديم أولوية "محاربة الإرهاب" على أولوية "نزع سبب الإرهاب" في سوريا. أولوية رحيل الأسد هي مطلب المعارضين السوريين واصدقائهم العرب. أولوية الحرب ضد داعش وتأجيل البت في مصير الأسد هي مطلب الأسد وإيران وروسيا.

في استراتيجيتها الجديدة، انقلبت أميركا من متمسك بمطلب المعارضة السورية واصدقائها العرب الى مؤيدة لمطلب الأسد وعرابيه إيران وروسيا. ربما يعتقد كيري ان الإيحاء بأن خطابه ذا أهمية، وأن بزجّه ببعض العبارات في خطابه التي ساوت بين داعش والأسد وتحدثت عن ديكتاتورية الأخير وبطشه ودمويته، لن يلاحظ مطالبو رحيل الأسد الاستدارة في الموقف الأميركي.

ربما يعتقد كيري ان تقدم الهجوم الكردي ضد داعش في جبل سنجار في العراق والهجوم الأسدي ضد داعش في مطار كويرس في سوريا يؤشران الى جدية دولية تتطلب زخما ديبلوماسيا مستجداً يوازي التحرك العسكري. اما الزخم الديبلوماسي فيتطلب، حسب كيري، تراجعا اميركيا – عربيا – سوريا وتبني الرؤية الروسية – الإيرانية للحل السوري.

هكذا غادر كيري واشنطن وهو يعتقد انه حشد التأييد المطلوب لبيان فيينا، الذي أغدق عليه المديح في خطابه. لم يقل كيري ما المطلوب فعليا من لقاء فيينا يوم السبت، لكن ما قد يحاول الوزير الأميركي فعله هو تهديد الدول العربية وتركيا، التي تدعم المعارضة السورية، بفرض وقف إطلاق نار على المعارضة تحت طائلة تصنيف هذه المجموعات على أنها إرهابية، وهو تصنيف يمنح روسيا وإيران والأسد إذناً علنياً لتكثيف حربهم الدموية ضد المعارضة داخل في سوريا.

كيري قدم الديبلوماسية الأميركية بصراحة لا سابق لها، وهي ديبلوماسية مطابقة – منذ اليوم الأول للثورة السورية في العام 2011 – للرؤية الروسية – الإيرانية، وهي رؤية منحازة تماما للأسد ضد معارضيه.

لكن في فيينا، كما في سوريا، لاعبون غير أميركا، وتراجع واشنطن في سوريا – وهو ليس الأول – لا يعني بالضرورة تراجع غيرها او هزيمة الثوار، الذين يبدو انهم مازالوا يتمسكون برحيل الأسد، "سياسيا ام عسكريا"، حسب تعبير وزير خارجية السعودية عادل الجبير.

الخميس، 12 نوفمبر، 2015

إسرائيل تحرص على إقامة «توازن» بين القوى المتحاربة على حدودها الشمالية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

ذكرت مصادر أميركية مطلعة ان الأزمة السورية استغرقت الحيّز الأكبر من المحادثات التي جرت بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وضيفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي.

وأضافت ان «الزعيمين وجدا مساحات تشابه واسعة في رؤيتيهما الى كيفية التعامل مع هذه الأزمة بما يتناسب ومصلحتي الولايات المتحدة وإسرائيل».

فمحور الرؤية الإسرائيلية لكيفية التعامل مع الوضع السوري هو استخدام نفوذها العسكري وعلاقاتها مع عواصم العالم المعنيّة «لضمان بقاء النار السورية تحت السيطرة»، حسب المصادر التي واكبت لقاء الزعيمين.

وتفيد المصادر الأميركية بأن لإسرائيل أعداء بين الجهتين المتخاصمتين. ففي الجبهة المؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد، لإسرائيل عداء قديم مع «حزب الله» وإيران. وفي جبهة المعارضة السورية، لإسرائيل عداء قديم متجدد مع الكوادر التي تشكل اليوم تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

ورغم تداول بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية فان مصلحة البلدين تقضي باستمرار الصراع بين الجبهتين العدوتين، على غرار تمنّيات بعض الشخصيات الأميركية اثناء الحرب العراقية - الإيرانية بـ «خسارة الطرفين»، ورغم تصريح رئيس الأركان الأميركي السابق الجنرال مارتن ديمبسي، في اجتماع في البيت الأبيض ترأسه أوباما في الأشهر الأولى لاندلاع المواجهات في سورية في العام 2011، وقال فيه ان في الحرب بين «حزب الله» و«القاعدة» تقضي المصلحة الأميركية بعدم التدخل، إلا ان المصادر الأميركية تؤكد ان «الإسرائيليين اليوم لا يعتقدون ان مصلحتهم القومية تقضي باستمرار الحرب السورية، إذ إن استمرار هذه الحرب يعني المزيد من التجنيد وجمع الأموال والتدريب لميليشيات، لن يكون سهلاً التعامل معها في حال انتهت الحرب في سورية يوماً.

وينقل الاميركيون عن المسؤولين الإسرائيليين قولهم إن «الحكومة الإسرائيلية لديها سيناريوات تفضّلها أكثر من غيرها في سورية، لكن تل أبيب واقعية ومضطرة للتعامل مع ما يواجهها لا مع ما تتمناه فحسب».

والسيناريو الافضل بالنسبة للحكومة الإسرائيلية الحالية - حسب المصادر الأميركية - هو عودة الأمور في سورية الى ما كانت عليه قبل اندلاع الازمة في مارس 2011، أي استعادة الأسد سيطرته الكاملة على كل الأراضي السورية، خصوصاً المجاورة لإسرائيل في الجنوب.

وقال مسؤولون اميركيون: «الإسرائيليون يدركون أن الأسد ليس صديقهم، كما يدركون ان (حزب الله) ليس صديقهم أيضاً، ولكن من وجهة النظر الإسرائيلية، الأسد والحزب هما الاحسن لضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل».

ولكن لأن الوضع العسكري للأسد وحلفائه لا يسمح بالعودة الى ما قبل 2011، تعتقد إسرائيل ان عليها ان تكون «أكثر تورطاً» في التعاطي مع الجهات المتحاربة على الطرف الآخر من حدودها، وهي لذلك توجه ضربات جوية لأي شحنات أسلحة تعتقدها موجهة الى «حزب الله» ومن شأنها إعطاء الحزب «أفضلية» في حال اندلعت الحرب يوماً بين الطرفين عبر الحدود اللبنانية.

ويعتقد المسؤولون الاميركيون انه عبر موسكو، والى درجة أقل واشنطن، «نجحت تل أبيب في إقامة قناة اتصال غير مباشرة مع حزب الله في جنوب لبنان لرعاية الهدوء الذي يسود هذه الحدود منذ حرب 2006». على ان إسرائيل يقلقها الى حد ما ان يعتبر «حزب الله» والايرانيون أنفسهم في حلّ من اتفاقيات التهدئة اللبنانية في الجولان.

ويضيف الاميركيون، نقلاً عن الإسرائيليين، أن «إيران حاولت إقامة بنية تحتية في الجولان لشن هجمات على إسرائيل، وجعل الجولان بذلك بديلاً عن جنوب لبنان، الذي يمكن لاشتعاله إشعال حرب قد تتحول الى مواجهة إقليمية كاملة». لكن الإسرائيليين وجهوا ضربات منعت إيران وحليفها اللبناني من إقامة موطئ قدم لهما في الجنوب السوري.

وفي هضبة الجولان، يقول المسؤولون الاميركيون إن «الإسرائيليين على علاقة بالعشائر العربية هناك منذ ما يقارب النصف قرن». بعض هؤلاء العشائر يتقاضون أموالاً ويتسلّمون أسلحة من (النصرة)، لذا هم يرفعون علمها، لكن الإسرائيليين يعرفون من هي هذه المجموعات وهم على اتصال بها لضمان أمن الحدود الإسرائيلية.

هكذا، عن طريق العلاقات غير المباشرة مع نظام الأسد وإيران و «حزب الله»، وعن طريق اتصالات مباشرة مع «النصرة» جنوب سورية حصراً، وعن طريق ضربات إسرائيلية محددة هدفها منع تمدد أي من الفرقاء المتحاربين في سورية، نجحت إسرائيل في الإبقاء على حدودها مع سورية، كما مع لبنان، آمنة على مدى الأعوام الأربعة الماضية.

ولضمان هدوء الحدود الإسرائيلية، يسعى الإسرائيليون الى إبقاء ميزان القوى كما هو عليه بين الأطراف المتحاربة داخل سورية، مع ما يعني ذلك من حرص على عدم هزيمة الأسد و «حزب الله»، وهذا ما قد يبدو من المفارقات.

عن موقف إسرائيل من بقاء او رحيل الأسد، توضح المصادر الأميركية أن تل ابيب - كما واشنطن - لا يعنيها الأسد شخصياً، و «إن كانوا هم (أي الإسرائيليون) يفضّلون في الغالب بقاء الشيطان الذي يعرفونه (أي الأسد) في الحكم، فيما لدينا نحن (الإدارة الأميركية) حسابات حول الأسد ترتبط بتحالفاتنا الإقليمية وتعني التزامنا التام برحيله».

لكن التباين حول الأسد لا يؤثر في رؤية كل من اميركا وإسرائيل لسورية وأحداثها، وهي رؤية بدا - على إثر لقاء أوباما ونتنياهو - أنها رؤية شبه متطابقة.

Since December 2008