الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

انخفاض أسعار الوقود عالمياً يفيد أميركا ... ويقلقها

حسين عبدالحسين - واشنطن

تشير تقارير إلى أن الانخفاض المــــتواصل لأسعار الـنفط العالمـــية تحيّر الأميركيين وتـــقــــلقهم، خصوصاً بعدما تدنّت الأسبوع الماضـــي إلى ما دون مستواها خلال أزمة المال 2008 و2009 لتصل إلى 36 دولاراً للبرميل.

وتوقعت شركات الدراسات وتقويم الأخطار أن يلامس سعر البرميل 20 دولاراً، وألا يرتفع إلى 50 و60 دولاراً قبل حلول العقد المقبل.

وتقليداً، يسعد انخفاض أسعار النفط عالمياً الأميركيين منذ تحوّل الولايات المتحدة من مصدّر إلى مستورد له مع ستينات القرن الماضي. ويعتقد الأميركيون أن تراجع أسعار النفط يعطي بلادهم أفضلية في صناعاتها، ويجعلها أكثر تنافسية في الخارج. كما تظهر بيانات مجموعة «أي أي أي» المتخصصة بشؤون المواصلات، أن انخفاض أسعار النفط قلّص فاتورة استهلاك السائقين الأميركيين بواقع 150 بليون دولار خلال العام الحالي، أي أن تدني السعر وفّر على كل مواطن أميركي 450 دولاراً.

ويُعدّ ضخ السيولة في يد المواطنين إحدى استراتيجيات الحكومة الفيديرالية والكونغرس أثناء الأزمات الاقتصادية، وعلى سبيل المثال وافق الكونغرس عام 2009 على اقتطاعات على ضريبة الدخل بلغت 145 بليون دولار، من ضمن خطة حوافز اقتصادية عـــبر زيادة السيولة في يـــد المـــستـــهلكـــين، فحصل كل مواطن على شيك بقيمة 500 دولار من دائرة الضرائب.

وأظهرت بيانات وزارة التجارة، تقلّص استيراد الطاقة إلى أدنى مستوياته منذ العام 2003، بسبب ارتفاع الإنتاج الأميركي المحلي للطاقة وتراجع تكاليف استيرادها من الخارج. كما يشير العجز التجاري الأميركي إلى الارتفاع مجدداً نتيجة العجز التجاري مع دول لا تستورد منها أميركا نفطاً، مثل الصين والاتحاد الأوروبي واليابان، فيما حقق أرباحاً مع دول «أوبك».

وعلى رغم إيجابية انخفاض الأسعار، لا يبدو مسؤولو الحكومة الأميركية والخبراء مطمئنين، لأن أحد الأسباب الرئيسة لذلك هو تراجع الطلب في الصين، إذ بات شبه أكيد أن المعجزة الصينية بلغت حدها.

لا شك في أن صعود الصين الأسطوري على مدى العقدين الماضيين أخاف أميركا، من إمكان اقتناص الصينيين موقع أكبر اقتصاد، وتالياً القوة العظمى الأكبر في العالم. إلا أن الانكماش الذي يجبر بكين على خفض قيمة عملتها، هي خطوة تبث القلق لدى الأميركيين من تراجع أكبر شريك تجاري لهم في العالم، وتأثير ذلك على مستقبل الصادرات الأميركية إليه، وإمكان كسادها، وانعكاس ذلك على اقتصاد أميركا عموماً.

وما يقلق الأميركيين أيضاً، أن كل التطمينات حول الاقتصاد الصيني الشريك لا تبدو صحيحة، لأن القول إن سبب تباطؤ النمو الصيني هو تدرج الاقتصاد من التصدير الى الاستهلاك هو شعار لا تدعمه الأدلة، إذ لو كانت بكين تسعى للانتقال الى الاستهلاك، لما خفّضت سعر عملتها، ما يعوّق استيرادها واستهلاكها وتعزيز صادراتها. وتقليص الصين قيمة اليوان أرسل إشارة للأميركيين تفيد بأن بكين حتى لو نجحت في وقف تراجع اقتصادها، فهي ستفعل على حساب شركائها التجاريين مثل أميركا لا بالتعاون معهم وزيادة استيرادها منهم.

ومنذ خفض الصين قيمة عملتها في آب (أغسطس) الماضي، سجل العجز التجاري الأميركي معها قفزة بواقع ٣ بلايين دولار شهرياً، إذ تظهر بيانات الحكومة أن أميركا استوردت بـ41 بليون دولار في تموز (يوليو) قبل خفض الصين سعر عملتها، لتقفز وارداتها منها بعد الخفض إلى 44 بليون دولار في آب و45.7 بليون في أيلول (سبتمبر)، قــبل أن تــــتراجع قليلاً إلى 44.4 بليون دولار في تشرين الأول (أكتوبر)، ليسجل بذلك العجز التجاري ارتفاعاً من 31.5 بليون دولار في تموز، إلى 35 بليوناً في آب و36 بليوناً في أيلول، قبل أن ينخفض إلى 33 بليون دولار في تشرين الأول.

وواضح أن زيادة العجز التجاري الأميركي الذي يأتي عادة مع ارتفاع سعر النفط عالمياً، جاء في الربعين الأخيرين من السنة، في وقت وصلت أسعار النفط الى أدنى مستوياتها منذ العام ٢٠٠٨، ما يعني أن خفض الصين عملتها هو السبب الرئيس وراء ميل الميزان التجاري لمصلحتها وضد مصلحة الأميركيين.

وفي حسابات الاقتصاد، يقتطع العجز التجاري من نسبة النمو التي يرفعها الفائض، أي في الحالة الأميركية يتأثر نمو الاقتصاد سلباً بسبب سياسات الصين وارتفاع العجز التجاري الأميركي معها. أما الخوف الأميركي الأخير، فهو يرتبط برفع الاحتياط الفيديرالي سعر الفائدة. وعزا مسؤولو المصرف المركزي خطوتهم هذه إلى «عدم إمكان إبقاء الفائدة قريبة من الصفر إلى الأبد، وهم يحتاجون الى رفعها لتعزيز الثقة بالاقتصاد الأميركي، ولاستعادة واحدة من الأدوات التي يستخدمونها لمكافحة أي ركود جديد يمكن أن يصيب الاقتصاد مستقبلاً.

وكان استطلاع لآراء اقتصاديين أعدّته وكالة «بلومبرغ» قبل أسبوعين أظهر أن ثلثي المستطلعين يعتقدون أن ركوداً سيصيب الاقتصاد الأميركي العام المقبل، والركود بالنسبة إلى الحكومة الأميركية هو أن يشهد الاقتصاد ضموراً على مدى ربعين متتاليين.

ومن شأن رفع الفائدة أن يزيد قيمة الدولار ويساهم في تقليص الصادرات الأميركية، وهي خطوة معاكسة لما قامت به بكين في آب الماضي.

إذاً على رغم ضخ 150 بليون دولار في يد المستهلكين الأميركيين، ومساهمة انخفاض أسعار النفط في تقليص العجز التجاري الذي من شأنه تعزيز فرص نمو الناتج المحلي، إلا أن دافع انخفاض أسعار النفط ذاته أي تباطؤ اقتصاد الصين، دفع الصينيين إلى تبني سياسات قللت من فوائد انخفاض سعر الطاقة بالنسبة إلى الأميركيين وهو ما يجعلهم في حيرة. فأيهما أحسن: انخفاض سعر الطاقة عالمياً مع تراجع الاقتصاد الصيني، أم عودة الصين الى النمو الكبير على رغم دفع النمو الصيني أسعار الطاقة إلى الأعلى؟

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2015

اعترضت عليه واشنطن.. فقتلته موسكو

حسين عبدالحسين

بعد اسبوعين من ابداء واشنطن اعتراضها على "نقطتين" في بيان الرياض، الصادر عن اجتماع المعارضة السورية الموسع، تكفلت موسكو بالقضاء على واحدة من هاتين النقطتين، وماتزال تسعى الى انهاء الثانية. ومن يعرف خلفية الاعتراض الاميركي على بيان الرياض يعرف ان النقطتين كانتا فعليا الاعتراض على مشاركة "جيش الاسلام"، وحركة "احرار الشام الإسلامية" في لقاء المعارضة السورية وتبنيهما بيانها الختامي.

ولطالما وجدت أميركا صعوبة في اتخاذ موقف من هذين الفصيلين، فكلاهما يعلنان السلفية كجزء من هويتهما، لكن الاثنين يعلنان في الوقت نفسه تمسكهما بسوريا مدنية ديموقرطية يلعب الاسلام دوراً في تشكيل هويتها ودستورها، على غرار معظم الدول العربية في المنطقة ومنها عراق ما بعد صدام، الذي اشرفت الولايات االمتحدة على دستوره والذي ينص ان الاسلام "مصدر رئيسي للتشريع" في البلاد.

لكن أميركا، الدولة غير العلمانية، تصرّ على سوريا ما بعد الأسد تكون فيها العلمانية موازية لعلمانية فرنسا، وهو شرط لا يمكن للحكومة الاميركية تحقيقه حتى داخل الولايات المتحدة. 

ولأن أميركا تنشد علمانية بمواصفات غير واقعية في سوريا، فهي لم تعثر على أي فصيل سوري ثوري يمكنها التعامل معه، ما عدا دعمها للقوات الكردية التي تضعها واشنطن نفسها على لائحة التنظيمات الارهابية.

هكذا، ارادت واشنطن مؤتمراً للمعارضة في الرياض يتبنى نقاط فيينا كما وردت، وتشارك فيه قوى ثورية من النوع الذي أمضى السنوات الاربع الاخيرة في ضيافة موسكو والقاهرة دون سواهما من عواصم العالم الاخرى.

لكن عندما وافق "جيش الاسلام" و "احرار الشام"، الى جانب ١٦ فصيلاً سوريا ثوريا آخر، على تبني بيان الرياض، الذي يعلن صراحة الموافقة على سوريا مدنية ديموقراطية لجميع ابنائها على تعدد مذاهبهم واعراقهم، تعثرت الرؤية الاميركية - الروسية المشتركة، والقائلة بضرورة اقامة حكومة وحدة وطنية سورية انتقالية من النظام وعناصر في المعارضة، وتقوم هذه الحكومة بالقضاء على "التنظيمات الارهابية". هذه الرؤية هي جوهر قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ الصادر مؤخراً.

ولطالما وجدت أميركا صعوبة في تعاطيها مع مجموعات مثل "جيش الاسلام"، الذي وضعته لفترة قصيرة على لائحة وزارة خارجيتها للتنظيمات الارهابية، قبل ان تنزعه عن هذه اللائحة بعدما تبين انه لا يستوفي الشروط المطلوبة اميركياً لتصنيفه ارهابياً، وتحت اصرار من عواصم مساندة لثوار سورية ان الفصيل سوري، اي ليس اجنبيا مثل "داعش"، أو بعض قيادات "جبهة النصرة". وفي وقت لاحق، أرسلت واشنطن مسؤول الملف السوري وقتذاك سفيرها روبرت فورد — إبان انعقاد مؤتمر جنيف — لينتزع من بعض التنظيمات الاسلامية اعترافاً بموافقتها على سوريا تعددية، وهو موقف تبنته هذه التنظيمات، وكان منها "جيش الاسلام".

على الرغم من اسمه وشكله، لم يعط "جيش الاسلام" وزعيمه زهران علوش واشنطن الاعذار التي سعت اليها لتصنيفه إرهابياً، بل استمع هذا التنظيم الى نصائح العواصم الحليفة، وأصدر بياناته بتأنٍ، وإلتزم موقفاً سياسياً جعل من الصعب جمعه مع المجموعات الاخرى المتهورة التي جعلت من السهل رمي تهمة الارهاب عليها.

في موسكو قبل اسبوعين، امضى وزير الخارجية جون كيري يوماً كاملاً يناقش سوريا مع نظيره سيرغي لافروف. وفي اليوم التالي، اجتمع كيري لمدة ثلاث ساعات ونصف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي خرج ليقول إن بعض الخطوات المقبلة لن تعجب القيادة السورية، فيما أجمعت المصادر الأميركية أن موقفها وروسيا حول سوريا صار متطابقاً.

هذا التوافق الأميركي الروسي أعطى موسكو الضوء الاخضر لتصفية علوش، بعد أسبوعين من اعتراض واشنطن على مشاركة فصيله في مؤتمر الرياض.

الأسابيع المقبلة قد تكون دموية على معظم فصائل الثوار في سوريا. الأمم المتحدة ستعد لائحة دعوات للمعارضين المطلوب مشاركتهم في مؤتمر جنيف بموجب القرار ٢٢٥٤، فيما تتولى مقاتلات روسيا — بمباركة أميركية لا شك — المساهمة في اعداد لائحة دعوات جنيف بالقضاء على أكبر عدد من المعارضين من أصحاب التأثير على الارض السورية.

الجمعة، 25 ديسمبر، 2015

الأسد يستجدي واشنطن

حسين عبد الحسين

الخبر الذي نشرته وكالة بلومبيرغ حول زيارة سرية الى دمشق قام بها ستيف سايمون، مسؤول الشرق الاوسط في ادارة الرئيس باراك أوباما في العامين ٢٠١١ و٢٠١٢، لم يفاجئ المعنيين بالشأن السوري في العاصمة الاميركية.

فمن يتابع سوريا في واشنطن يعرف انه لم تكد تمر أيام على موافقة الرئيس السوري بشار الأسد على التدخل الروسي في الحرب السورية، الصيف الماضي، حتى أوعز لمؤيديه في واشنطن بشن حملة “علاقات عامة” لاصلاح صورته واعادة العلاقات مع اصدقائه الاميركيين.

ويبدو ان الأسد خاف من التقارب الروسي الايراني في مقاربة أزمة بلاده، أو انه خاف ان تهيمن روسيا على ايران فيخسر مقدرته على الموازنة بينهما، وهي موازنة برع بها سلفه والده الراحل حافظ، فأوعز لمؤيديه بشن حملة لوبي في واشنطن، كانت اولى ثمارها الفيلم الوثائقي الذي اعده مارتن سميث وبثته قناة “بي بي اس” شبه الرسمية، وحاول فيه تصوير الأسد والأقليات التي يتزعمها على انها الخلاص الوحيد للعالم في مواجهة ارهابيين اسلاميين برابرة ومتوحشين.

ومما لا شك فيه ان حملة اللوبي التي شنها الأسد داخل واشنطن تضمنت اعادة احياء العلاقات مع “الخبراء” ممن يركنون سنوات في مراكز الابحاث، ويعملون في سنوات غيرها في مناصب رفيعة في الادارة. من هؤلاء كان سايمون، وهو وخلفه الحالي روبرت مالي، مسؤول الشرق الاوسط في “مجلس الأمن القومي”، من اصدقاء نظام الأسد منذ اكثر من عقد.

وكان مالي يعمل في “مجموعة الازمات الدولية” عندما زار دمشق في العام ٢٠٠٧، والتقى الأسد، وشارك في حملة داخل العاصمة الاميركية حملت عنوان “الانخراط مع الأسد”، التي كان لولبها سفير الأسد في واشنطن عماد مصطفى، والذي نجح بدوره في تجنيد كبار الشخصيات كان في طليعتهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في محلس الشيوخ سابقا ووزير الخارجية حاليا جون كيري. 

لكن مصطفى انخرط في تهديد السوريين ممن تظاهروا ضد النظام في واشنطن في العام ٢٠١١، على مسمع الاستخبارات الاميركية المتنصتة على اتصالاته، فقدمت له الدليل، وعرضت عليه الرحيل بهدوء، فنقله الأسد سفيرا الى بكين.

في الماضي القريب، كما اليوم، كان شعار جماعة الأسد انه حامي الاقليات في الشرق الاوسط، وفي طليعتهم اليهود، وحامي حدود اسرائيل الشمالية.
وفي العام ٢٠١٠، أطل السفير السابق في لبنان جيفري فيلتمان، الذي كان يومذاك مساعدا لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ويعمل اليوم كمستشار سياسي للامين العام للامم المتحدة، وقال ان اسرائيل، عبر مفاوضاتها غير المباشرة مع الأسد في تركيا في العام ٢٠٠٨، فتحت الباب للأسد للخروج من عزلته الدولية التي كانت مفروضة عليه منذ اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام ٢٠٠٥.

اليوم، كما الأمس القريب، يأمل الأسد في تكرار عملية خروجه من العزلة الاميركية، وهو لهذا السبب، استعاد شعارات حماية الاقليات، كما في وثائقي سميث، ويعيد الاتصال باصدقائه اياهم، وفي طليعتهم مجموعة مالي.

اليوم، صار معلوما ان الجناح الاكثر وزنا في الادارة الاميركية، من امثال مالي، هم الاكثر ميلا لاعادة الانفتاح على الأسد تحت شعار الانخراط في الحملة العالمية لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش). 

ومعلوم ايضا ان في داخل ادارة أوباما اصواتاً، وان خافتة، تعمل على معاقبة الأسد والاطاحة به، ويتصدر هؤلاء سفيرة أميركا في الأمم المتحدة سامنتا باور، التي يروي عنها السوريون الناجون من مجزرة الغوطة الكيماوية ممن قابلوها انها لم تتوقف عن البكاء لما رأتهم، وانها وعدتهم بالقيام ما بوسعها للتأثير داخل الادارة للتخلص من الأسد.

الأسد يستجدي واشنطن، لكن الزمن تغير، فالولايات المتحدة ماتزال غارقة في سباتها الدولي وعزلتها التي فرضتها على نفسها بعد حرب العراق، ومشاركتها في الديبلوماسية حول سوريا تتأثر بشكل كبير بحلفائها المصرين على التخلص من الأسد، فيما تحول الارهاب الى وحش يخيف عواصم العالم ويجبرها على القيام بما من شأنه القضاء على الارهاب اكثر مما تخيفها امكانية انهيار الأسد.

الأربعاء، 23 ديسمبر، 2015

أميركا تجاوزت فصلاً من أزمتها

واشنطن - حسين عبدالحسين

يعتقد الخبراء ان الدورة الاقتصادية التقليــــدية تتألف من ازدهار وانحسار، وهو ما جعلـــهم يتوقعون نمواً اقتصادياً، بل ازدهاراً، علــى اثر «الركود الكبير» الذي شهده الاقتصاد الأمـــيركي في النصف الثاني من 2008 وكل 2009، علــــى غرار الازدهار الذي تلا كساد 1929 - 1933، والازدهــار المماثل الذي تلا ركود مطلع الثمانينات، والازدهار الذي عاشه الاقتصاد في السنوات الأخيرة من الألفية الماضية.

وخرج الاقتصاد الأميركي من «الركود الكبير» في الربع الأول من 2010. ومنذ ذلك التاريخ، سجل نمواً في 21 ربعاً، وتقلص في ربعين غير متتاليين، وبلغ أربعة في المئة أو أكثر في ستة أرباع غير متتالية كذلك. إلا ان معدل النمو السنوي بلغ أعلى مراحله العام الماضي إذ سجل نسبة 2.4 في المئة، وهي نسبة لا يصنفها الخبراء في خانة الازدهار.

ويعتقد الخبراء ان الركود هو ان يسجل الاقتصاد نمواً سلبياً في ربعين متتالين، فيما يعتبرون ان البحبوحة تكمن في تحقيق الاقتصاد نسبة نمو بواقع ثلاثة في المئة أو أعلى على مدى سنة كاملة. وبما ان الاقتصاد الأميركي لم يظهر معدلات بحبوحة بعد خمس سنوات على خروجه من الركود واقترابه من موعد ركود جديد محتمل، صار الخبراء يعتقدون ان البحبوحة أمر متعذر، وأن معدل نسبة نمو اثنين في المئة سنوياً هو أقصى ما يمكن للحكومات الفيديرالية والأميركيين توقعه، وأطلقوا على نسبة نمو تساوي اثنين في المئة «الوضع الطبيعي الجديد».

لكن وسط تباطؤ عالمي تعانيه كبرى الاقتصادات، وفي طليعتها الصين والاتحاد الأوروبي ودول «بريكس»، يجد الأميركيون اقتصادهم في وضع جيد نسبياً، حتى لو كان نموه على مدى العقد الماضي لم يبلغ معدلات البحبوحة، فنسبة البطالة انخفضت من 10 في المئة مطلع 2009 إلى خمسة في المئة اليوم. ويتوقع الخبراء ان تبلغ هذه النسبة 4.5 في المئة يوم الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وهي نسبة قريبة من نسبة 3.9 في المئة التي سجلتها البلاد يوم خروج الرئيس السابق بيل كلينتون، والذي يتذكره الأميركيون كرئيس محبوب لأن ولايتيه شهدتا نمواً اقتصاديا كبيراً وبحبوحة.

كذلك نجحت إدارة الرئيس باراك أوباما في مضاعفة كمية الصادرات الأميركية، بالتزامن مع انخفاض حاد في سعر الطاقة، وهو انخفاض يحفز الاقتصاد إذ يمنح المستهلكين أموالاً أكثر للإنفاق، ما يرفع النمو ويعزز الوظائف، التي تعود بالمزيد من الاستهلاك والنمو، ويرفع النمو من العائدات الضريبية للحكومة الأميركية.

رفع الفائدة
النمو الأميركي على مدى السنوات الماضية، والتفاؤل الذي رافقه، دفع مجلس الاحتياط الفيديرالي إلى رفع الفائدة، وهي خطوة يعتقد الخبراء ان من شأنها ان تؤدي إلى بعض الانكماش الذي يؤدي إلى بعض التراجع في النمو. ويخشى الخبراء ان يؤدي رفع الفائدة إلى تدفق أموالاً عالمية لا آفاق لديها في ظل التباطؤ في معظم الاقتصاد الكبرى وخفض معظم المصارف المركزية الفائدة لحفز النمو. ومن شأن تدفق الأموال العالمية على مصارف الولايات المتحدة ان يرفع سعر الدولار في مقابل عملات العالم، وهو ما يؤثر سلباً في قطاعي الصادرات والسياحة الأميركية التي تستقطب وافدين من خارج البلاد.

الخوف السابق لرفع الفائدة دفع أهم الخبراء الأميركيين إلى مطالبة المجلس ببتأجيل خطوته. ووصف الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» بول كروغمان الاقتصاد الأميركي بـ «الاقتصاد غير السيئ كثيراً». واعتبر ان اثر «الركود الكبير»، قام كل من البيت الأبيض ومجلس الاحتياط الفيديرالي بخطوات أظهرت أنهما كان يعيان تماما الأخطار المحدقة بالاقتصاد والخطوات المطلوب اتخاذها، فيما لم يظهر الكونغرس، الذي تسيطر عليه غالبية من الحزب الجمهوري المحافظ اقتصادياً واجتماعيا، حكمة مشابهة.

وقال كروغمان ان قيام المصرف المركزي بـ «تشغيل مطابعه» لضخ سيولة في السوق الأميركية خطوة أثبتت نجاعتها، على رغم مطالبة جمهوريين، على رأسهم رئيس الكونغرس الجديد بول رايان، بمحاسبة المصرف والتدقيق بحساباته. وأدت خطوات المصرف المركزي إلى خفض البطالة، ورفع سعر الأصول، ورفع قيمة أسواق العملات. وضخ البيت الأبيض أموالاً، يعتبر كروغمان أنها لم تكن كافية، فيما راح الكونغرس يبتز البيت الأبيض ليجبره على اقتطاعات في الإنفاق تحت طائلة التخلف عن تسديد ديون الحكومة الفيديرالية وإغلاقها.

ظاهرة تتسع
والخطوات الذي اتخذتها واشنطن قبل سنوات دفعت الاقتصاد الكبرى، مثل أوروبا، إلى حذو حذوها. ويوجه كروغمان سهام انتقاده إلى الأوروبيين بالقول ان ذعرهم دفعهم إلى تقشف أغرقهم في مزيد من الركود، وهم أدركوا اليوم ضرورة ضخ السيولة في أسواقهم. على ان أميركا تخشى ان يؤدي التباطؤ العالمي إلى كساد في الصادرات الأميركية وتراجع في النمو الأميركي أو إجباره على الدخول في ركود أظهرت وكالة «بلومبرغ» ان ثلثي الاقتصاديين ممن استفتهم يتوقعون حصوله بدءاً من نهاية العام المقبل.

لكن خبراء أميركيين آخرين يتوقعون استمرار النمو الأميركي، ويعولون على مصادقة واشنطن على «اتفاق الشراكة حول الأطلسي»، والتي تجمع 40 في المئة من اقتصاد العالم في سوق حرة موحدة، من شأنها ان تسعف اقتصاد أميركا كبديل عن اكبر شركائها ممن تتأرجح اقتصاداتهم مثل الصين وأوروبا.

ويعزو مؤيدو الاتفاق تفاؤلهم إلى اعتقادهم أنها تسمح لأميركا الإفادة من تصدير خدماتها، بسبب بنود حماية الملكية الفكرية التي تفرضها الاتفاق. ويتزامن التحسن المتوقع لتصدير الخدمات الأميركية مع تراجع في سعر النفط، وإنتاج أميركا لكميات منه أعادت الصناعات البتروكيماوية إلى البلاد، والمكننة التي قللت من الاعتماد على اليد العاملة وسحبت الميزات التفاضلية للدول الصناعية ذات اليد العاملة الرخيصة.

لكن على رغم التفاؤل الأميركي الغالب للنمو الاقتصادي العام المقبل، لا بد من ملاحظة ان نسب النمو المتوقعة في 2016 جرى تعديلها مرارا، من أربعة في المئة قبل عامين، إلى 3.6 في المئة العام الماضي، ثم إلى 2.5 في المئة اليوم، وممكن ان يسجل النمو الفعلي للاقتصاد الأميركي العام المقبل نسبة أقل من اثنين في المئة المعتادة، وهو ما من شأنه ان يقلب المزاج الأميركي بحلول 2017 ويعدّ الأميركيين لركود صار متوقعاً، لكن هذه المرة ركود لن يلي بحبوحة ولا فقاعة.

مسؤول سابق في إدارة أوباما زار دمشق سرّاً والتقى الأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

زار مسؤول الشرق الاوسط السابق في «مجلس الأمن القومي» لإدارة الرئيس باراك أوباما، ستيفن سايمون، دمشق سراً قبل أشهر، والتقى الرئيس السوري بشار الأسد، حسب وكالة «بولمبيرغ».

وكان الأسد شن مع حلول سبتمبر الماضي حملة «علاقات عامة» لتحسين صورته في الولايات المتحدة واعادة علاقاته بمسؤوليها. واثمرت الحملة فيلماً وثائقياً بعنوان «داخل سورية الأسد» أعدّه الإعلامي مارتن سميث، وبثته شبكة «بي بي إس» شبه الرسمية. وكان سميث زار المناطق التي يسيطر عليها النظام بدعوة من المخرج السوري المؤيد للأسد، نجدت إسماعيل أنزور.

ويبدو انه في إطار الحملة نفسها، سعى الأسد الى تفعيل علاقاته مع أكاديميين اميركيين ومسؤولين سابقين وحاليين، من امثال سايمون، الذي عمل مسؤولاً للشرق الاوسط في «مجلس الأمن القومي» في 2011 و2012، وانضم الى «معهد الشرق الاوسط» في ابريل 2014.

وفور شيوع نبأ زيارة سايمون الأسد، سارع «معهد الشرق الاوسط»، الذي يتلقّى تبرعات كبيرة من دول عربية وخليجية، الى نفي اي علاقة له بسايمون.

وتعود علاقة «معهد الشرق الاوسط» بنظام الأسد الى زمن سفيره السابق في واشنطن عماد مصطفى، الذي يعمل مصطفى سفيراً للأسد في الصين، ومن أبرز اصدقائه مسؤول الشرق الاوسط في «مجلس الأمن القومي» حالياً روبرت مالي، الذي كان يعمل في «مجموعة الأزمات الدولية»، وسبق ان زار دمشق والتقى الأسد.

وبين سايمون ومالي، عمل فيليب غوردون بين 2013 ومطلع العام الحالي في منصب مسؤول الشرق الاوسط في «مجلس الأمن القومي» في ادارة أوباما. وفي 25 سبتمبر الماضي، اي قبل 5 ايام من بدْء العملية العسكرية الروسية في سورية، كتب غوردون مقالة مطولة في مجلة «بوليتيكو» دعا فيها الى تخلّي الولايات المتحدة عن مطلب رحيل الأسد، واستبدال ذلك بالعمل على تسوية سياسية مبنية على هدنات محلية بين المتقاتلين.

هكذا، بين زيارة سايمون ولقائه الأسد، ومواقف غوردون الداعية إلى إبقاء الأسد في الحكم، وصداقة مالي الوطيدة بالأسد واركان حكمه، يبدو جلياً ان مسؤولي الشرق الاوسط المتوالين في ادارة أوباما يتمسّكون بالموقف نفسه حول الأزمة السورية، وهو موقف ينعكس في تصريحات أوباما واركان ادارته منذ اندلاع الأزمة السورية في العام 2011.

ولأن ادارة أوباما مبنية على مركزية تمنح «مجلس الأمن القومي» نفوذاً اكبر بكثير من الوزارات، حتى الاساسية منها كالخارجية والدفاع، يصبح منصب مسؤول الشرق الاوسط في «مجلس الأمن القومي» أكثر تأثيراً في قرارات ادارة أوباما من وزراء مثل جون كيري او آشتون كارتر او اسلافهما، وهو ما يعني ان زيارة سايمون الى دمشق ولقائه الأسد، على الرغم من كون سايمون مسؤولاً سابقاً، هي زيارة ذات وزن اكبر بكثير من القنوات الديبلوماسية الاميركية الاخرى.

القرار 2254 عكس تراجعاً في مواقف موسكو


يبدو أن تلك الزيارة للأسد وعلاقات المسؤولين الأميركيين معه، ساهمت في الوصول إلى القرار 2254 الخاص بالأزمة السورية والذي تفادى الاشارة الى مصيرالأسد في العملية الانتقالية.

ثمار هذه «التسوية الكبرى» بين الولايات المتحدة وروسيا، بدأت أيضاً بالظهور على مستوى تراجع مواقف موسكو، التي سبق ان اشارت اليها «الراي» قبل ايام، نقلاً عن مسؤولين أميركيين تحدثوا إليها - طلبوا عدم كشف أسمائهم - موضحين ان «أبرز تراجع قدّمته موسكو في القرار 2254 هو تنازلها عن موقفها المبدئي بأن لا صلاحية للأمم المتحدة للتدخّل في الشأن السوري، وان الازمة المندلعة منذ العام 2011 هي شأن سوري داخلي تحاول فيه الحكومة ان تقضي على ارهاب يهددها ويهدد العالم».

ولطالما اعتبرت موسكو تدخّل مجلس الأمن في الأزمة السورية بمثابة تعدّ على سيادة سورية، باستثناء الموافقة على قرارات نزع الترسانة الكيماوية السورية ومحاولة إجبار الحكومة السورية على إدخال المعونات الانسانية الى المناطق التي تحاصرها منذ سنوات.

في الماضي، يقول الاميركيون، «كان الموقف الروسي مطابقاً للموقف الايراني القاضي بالتمسّك بالأسد بأي ثمن، ودعمه مالياً وعسكرياً تحت شعار القضاء على الارهاب. ويعزو المسؤولون الاميركيون تمسّك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببقاء نظيره السوري في الحكم الى ان بوتين اراد إظهار انه لا يتخلى عن حلفائه»،خصوصا ان التمسّك بالأسد على مدى السنوات الاربع الماضية لم يكن مكلفاً كثير لموسكو، واقتصر على مساعدات عسكرية واستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن.

لكن تغييرين أسهما في تعديل الموقف الروسي السابق القاضي بالتمسّك بالأسد، حسب المسؤولين الاميركيين، الذين يعتقدون ان«دخول بوتين الحرب السورية جعل مع مرور الوقت امراً مكلفاً مالياً وسياسياً لبوتين، وهو ما يجبره على التوصل الى نتائج، إن كان بالديبلوماسية او على الارض».

ويتابع المسؤولون أن«موسكو اعتقدت ان بإمكانها تحقيق النتائج على الارض من دون ديبلوماسية، ولكن حملتها العسكرية التي استندت الى قوات الأسد وحلفائه، من دون تقدير ان هذه القوات وصلت اقصى طاقتها، تعثرت، وانه لا يمكن لأي سلاح جوي قلب المقاييس من دون تغييرات في قدرات القوات المتحاربة على الارض».

ويلفت الاميركيون الى ان خطة بوتين الاصلية كانت تقضي بإعادة تأهيل قوات الأسد حتى تواكب الحملة الجوية الروسية، وهو ما دفع موسكو الى تزويد دمشق بعتاد ودبابات ومدرعات، لكن اتضح في ما بعد ان الأسد كان متفوقاً اصلاً في السلاح والجو، وان ما ينقصه هو الكوادر البشرية، وهذا نقص لا حيلة لموسكو في التعويض عنه إلا بإشراكها قوات ارضية، وهو ما يحوّل حملتها الى مستنقع شبيه بأفغانستان الثمانينات او بالعراق في العقد الماضي بالنسبة للجيش الاميركي.

ومع انسداد السبل عسكرياً،«لانت موسكو و راحت تدفع باتجاه حل ديبلوماسي، افتتحته باعتبار انها منتصرة، وان الحل يجب ان يعكس انتصارها، لكن واشنطن وحلفاءها لم يقبلوا الطرح الروسي، فانهار مؤتمر فيينا، ووجد الروس انفسهم في حملة عسكرية لا افق لها»، وهذا ما دفعهم، حسب المسؤولين الاميركيين،«الى العودة الى الديبلوماسية لتأمين مخرج مشرّف لهم من سورية».

وكان من أولويات روسيا، بقاء الأسد رئيسا لسورية، ربما للحفاظ على موطئ قدم لها على شواطئ المتوسط. لكن القواعد الروسية في سورية لم يعد لها قيمة إستراتيجية.

ديبلوماسياً، تراجعت موسكو عن معارضتها السابقة للتدخّل في الشؤون السيادية للحكومة السورية بموافقتها على وجود معارضة ندّية للأسد وفرْض مجلس الأمن إجراء انتخابات رئاسية في منتصف 2017، وهو ما يقوّض من سلطة الأسد.

القرار 2254 قد يبدو لمصلحة الأسد«لكن شكل هذه العملية لا يترك اي مجال للشك بأن حدوثها، كما نص على ذلك القرار الاممي، لن يترك اي مساحة للأسد لا للمناورة او للبقاء رئيساً، فبقاؤه صار عبئاً على حلفائه وصار معوقاً للحرب العالمية على الارهاب»، يختم احد المسؤولين الاميركيين.

الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2015

التدخّل الروسي أعاد للنظام السوري 0.4 في المئة فقط من الأراضي

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تشير التقارير المتواترة في العاصمة الاميركية حول الحرب السورية ان روسيا منذ تدخّلها في 30 سبتمبر الماضي، ضاعفت عدد مستشاريها العسكريين من ألفين الى 4 آلاف، لكن قوات الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه لم تنجح باستعادة اكثر من 0.4 في المئة من الاراضي.

وتضيف التقارير ان تدخّل روسيا أوقف الخسارات المتتالية لقوات النظام أمام المعارضة منذ مطلع الصيف، وهو ما أسكت التوقّعات التي كانت تشير الى قرب انهيار الأسد ونظامه.

وتشير التقارير كذلك الى ان كل الفرقاء المتقاتلين على الارض السورية حققوا انتصارات هامشية وعانوا من خسائر، إلا ان احدا منهم لم يظهر قوة حاسمة يمكنها ان تؤثر في مجرى المواجهات المندلعة منذ العام 2011.

وعن التدخّل الروسي، تلفت التقارير الاميركية الى انه «قبل تدخّل موسكو، كان الأسد يبدو في موقف ضعيف، بعدما نجح المعارضون في طرد نظامه من محافظة ادلب الشمالية الغربية، ووضعوا مناطق الأسد العلوية الساحلية في مرمى نيرانهم، وهو ما دفع روسيا إلى شن حملة جوية لمساعدة (الجيش العربي السوري) في وقف تقدم المعارضة، خصوصاً في محافظات ادلب وحماة وحمص».

لكن التدخّل الروسي لم يقلب الموقف، وهو ما اضطر موسكو الى توسيع جهودها لتشمل اقامة قاعدة جوية ثانية في مطار الشعيرات، شرق حمص، لاستخدامه للمقاتلات، بعدما كان الروس يستخدمونه للمروحيات فقط.

وتعدّد التقارير الاميركية إنجازات قوات الأسد منذ بدء التدخّل الروسي، فتشير إلى انها تشمل كسر حصار تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) على مطار كويرس، واعادة فتح الخط السريع بين دمشق وحلب، الذي كان مقاتلو «داعش» استولوا عليه في اكتوبر الماضي. كما ساعد الروس الأسد وحلفاءه في استعادة بعض التلال في محافظة اللاذقية. لكن بشكل عام، «لم تستعد قوات الأسد إلا 0.4 في المئة من الاراضي منذ التدخّل الروسي».

وتوضح التقارير أن المعارضين من غير الاسلاميين، «خسروا اراضي تساوي مساحتها الاراضي التي استولوا عليها من قوات النظام، منذ بدء الحملة الروسية، فسيطروا على مواقع استراتيجية في محافظة حماة، ولكنهم خسروا مساحات في حلب امام هجوم شنه (الحرس الثوري الايراني) بقيادة قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني».

وتعزو التقارير صمود المعارضة الى الدعم الغربي والاقليمي. «مثلاً، ازداد عدد صواريخ (تاو) الاميركي المضادة للدروع بحوزتهم من 13 في سبتمبر الماضي الى 82 في اكتوبر، وهو ما سمح لهم بالتصدي لهجمات الجيش السوري، الذي تستخدم قواته دبابات ومدرعات حديثة استلمتها من روسيا قبل بدء الحملة الجوية الروسية».

ويعتبر الباحث في «معهد بروكنغز» تشارلز ليستر ان «التطور الابرز الذي شهدته المعارضة السورية منذ 30 سبتمبر لم يكن عسكرياً، بل سياسياً، كما بدا في مؤتمر الرياض، حيث شارك 18 فصيلاً معتدلاً يمثّلون قوة مقاتلة من 65 ألفاً داخل سورية». ويصف ليستر قوات المعارضة المعتدلة بالقول ان «رؤيتها وطنية، مقاتلوها محليون، وهي فصائل تؤيد مبدأ المساواة بين الطوائف والإثنيات السورية المختلفة في مرحلة ما بعد الأسد».

موعد رحيل الأسد

حسين عبدالحسين

قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ المخصص للأزمة السورية قد يبدو في صالح الرئيس السوري بشار الأسد لأنه لم يتطرق الى مصيره في الحكم، لكن المسؤولين الاميركيين يعتقدون ان بنود القرار تشي بعكس ذلك.

بادىء ذي بدء، القرار يشبه الى حد بعيد قرار مجلس "جامعة الدول العربية" الصادر في أيلول/سبتمبر ٢٠١١، والمؤلف من ١٣ بنداً، طالبت "الجيش العربي السوري" بوقف اطلاق النار والانسحاب من مدن سوريا، وطالبت الحكومة بالافراج عن المعتقلين والمساجين السياسيين، وطالبت نظام الأسد بالدخول في حوار "ندي" مع المعارضة السورية الفعلية، وطالبت بتشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة تشرف على انتخاب جمعية عامة انتقالية تضع بدورها دستورا جديدا وتقدمه لاستفتاء شعبي. بعد اقرار الدستور، تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية.

لم يوافق الأسد على قرار الجامعة يومها، فقامت بتعليق "عضوية الجمهورية العربية السورية"، واستمرت الحرب، واستمر موت السوريين وتهجيرهم.

الاسبوع الماضي، وبعدما أبقت موسكو القضية السورية خارج مجلس الأمن لأربع سنوات، ما عدا نزع ترسانة الأسد الكيماوية ومحاولة فرض ادخال مساعدات انسانية للمدنيين المحاصرين في مناطق النزاع، وافقت روسيا على تبني المجلس قراراً جاء يشبه في محاوره السبعة قرار الجامعة العربية الذي رفضه الأسد في العام ٢٠١١.

على أن قرار المجلس ملزم للحكومة السورية ولا ينتظر موافقتها، على عكس قرار الجامعة. والقرار اسقط بعض الخطوات الانتقالية، فلا انتخاب لجمعية ولا دستور جديد ولا مطالبة لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي" بتبني التعددية، بل وقف اطلاق نار، وحكومة انتقالية وانتخابات رئاسية. والقرار ٢٢٥٤، على عكس قرار الجامعة، لا يطالب بوضع جدول زمني، بل يقدم القرار جدولا زمنيا يتمحور حول ثلاثة تواريخ: ١٨ المقبل موعدا لتقديم الامانة العامة للامم المتحدة آلية مراقبة وقف اطلاق النار، ومنتصف العام المقبل تاريخا لتشكيل الحكومة الانتقالية، ومنتصف العام ٢٠١٧ موعدا لانتخابات رئاسية.

عندما اغلقت موسكو مجلس الأمن الدولي في الماضي، تذرعت بعدم جواز التدخل في الشؤون السيادية للحكومة السورية. مع القرار ٢٢٥٤. يبدو جلياً أن روسيا تأكدت من عجز الحكومة السورية على القضاء على المجموعات المتطرفة من دون تدخل خارجي، عسكري وسياسي.

هكذا، تراجعت موسكو عمّا دأبت على رفضه، فالجدول الزمني الذي يفرض انتخابات رئاسية في ٢٠١٧ يقوض الولاية الثالثة للأسد والتي تنتهي في ٢٠٢١، واصرار القرار ٢٢٥٤ على اشراف مباشر للأمم المتحدة على الانتخابات، ينتزع من الأسد المقدرة على "اكتساح" المرشحين الآخرين للرئاسة، وموسكو الأعلم بكيفية تأكيد فوز مرشح ما على منافسيه بغض النظر عن شعبيته.

المسؤولون الاميركيون يكررون ان نظراءهم الروس "يقسمون الايمان" انهم لا يتمسكون بالأسد ولا يهتمون لرحيله، وان هدف موسكو هو وقف تمدد المجموعات الارهابية، والقرار ٢٢٥٤، الذي قوض "سيادة" الأسد وقدم اعترافاً بالمعارضة الندية، يشير بأن الروس فعلياً لم يعودوا متمسكين بألاعيب الأسد التي يحدد بموجبها معارضيه (في حين المعارضة حسب القرار تختارها الأمم المتحدة)، او التي يشرف فيها على انتخابه رئيسا (الأمم المتحدة تجري الانتخابات).

يدرك الروس والاميركيون ان الأسد — الذي حول نفسه الى زعيم ائتلاف اقليات سوريا — لا يمكنه التفوق شعبياً وسياسياً على خصومه، وانه يحتاج الى ألاعيب سياسية، مقرونة بعنف مضمر وظاهر، للبقاء في السلطة. 

ويدرك الروس والاميركيون كذلك انه عندما تمسك الدول باللعبة السياسية السورية، تصبح احدى رجلي الأسد خارج باب القصر الرئاسي.

ان تفوق الأسد في العملية السياسية كان مبنياً على فرض وقف اطلاق نار وترك الأسد يدير هذه العملية السياسية، لكن المجتمع الدولي هذه المرة سيشرف على الاثنين، الهدنة والعملية الانتقالية. وحتى لو لم يضع العالم شروطاً تمنع ترشح الأسد، ستكون فرص فوزه بالرئاسة في منتصف العام ٢٠١٧ شبه مستحيلة، او هكذا يتصور الاميركيون وحلفاؤهم الاوروبيون.

ماذا لو كانت روسيا تناور، وتوافق على القرار ٢٢٥٤ لإضاعة الوقت وابقاء الأسد في السلطة؟ يجيب المسؤولون الاميركيون: اذا لتستمر العمليات العسكرية الروسية بتكلفة مليار دولار في الشهر، ولتستمر روسيا في الغرق في المستنقع السوري، في إجابة تشي بأن واشنطن، على ما تقوله علناً، تعتقد ان في مصلحة موسكو الخروج من الدوامة السورية في اقرب فرصة، وان القرار ٢٢٥٤ هو الفرصة الامثل لذلك، وهذا إن صح يعني أن موعد رحيل الأسد هو منتصف ٢٠١٧، حتى لو لم يتلفظ أحد بذلك.

أميركا: الإنفاق على المتقاعدين يهدّد الاقتصاد ومستقبل الشباب

واشنطن - حسين عبدالحسين

الشيخوخة التي بدأ يعاني منها الشعب الأميركي، لا تهدّد عدد العمال المطلوبين لإبقاء الاقتصاد يعمل في شكل منتظم فحسب، بل باتت تهدّد الأجيال المقبلة. وحدا هذا الوضع بعدد من مراكز البحوث إلى إصدار دراسات، تشير إلى قلق من ازدياد الإنفاق الحكومي على المتقاعدين، وتأثير ذلك في الاقتصاد عموماً وفي شرائح الشعب من غير المتقاعدين.

وتهدّد الزيادة في الإنفاق على المتقاعدين صناديق الرعاية والطبابة للمتقاعدين ومحدودي الدخل بالإفلاس مع حلول عام ٢٠٣٠. إذ تستهلك هذه الصناديق ٤٨ في المئة من الإنفاق السنوي للخزينة الأميركية، البالغ 3.5 تريليون دولار خلال العام الحالي.

ورجّح معظم مراكز البحوث، أن يرتفع الإنفاق على هذه الصناديق بسبب الزيادة غير المسبوقة في أعداد المتقاعدين في الدول الصناعية، التي عزاها الخبراء إلى «التحسّن الكبير في نوعية الرعاية الطبية، ما سمح برفع معدل الحياة. وبات المتقاعدون يمضون فترات أطول، وهم يتمتعون بتقديمات هذه الصناديق في شكل دفع عدداً من الخبراء والمسؤولين إلى اقتراح رفع سن التقاعد من 65 حالياً إلى 72 عاماً.

وفي حال إضافة كلفة الدَين العام الأميركي، التـــي تستهلك 6 في المئة من الإنفاق الإجمالي السنوي، يصبح الإنفاق الإجباري للحكومة الفـــيديرالية 54 في المئة في مقابل 17 في المئة مــــن الإنفــــاق غير الإلزامي على البرامج الأخرى، و١٧ في المئة مخصّصة للشؤون الدفاعية.

وتشير التوقعات إلى ارتفاع فاتورة صناديق الرعاية الاجتماعية إلى 56 في المئة بحلول عام 2025، تُضاف إليها الزيادة في كلفة خدمة الدَين لتبلغ 13 في المئة، ما يعني أن الحكومة الفيديرالية ستخصص 69 في المئة من إنفاقها السنوي للشقّ الإجباري، أي أنها ستكون قادرة على التحكم بـ31 في المئة فقط من إنفاقها الإجمالي السنوي، ما يخفّض الإنفاق الدفاعي إلى 12 في المئة، وإلى تقشّف في معظم البرامج الحكومية الأخرى.

ودقت غالبية الاقتصاديين الأميركيين ناقوس الخطر في هذا المجال، خصوصاً لجهة تآكل سيطاول الأبواب المخصصة للتنمية في الإنفاق الأميركي على البحوث العلمية والتعليم.

وينصّ القانون الأميركي على مجانية التعليم لجميع المواطنين والمقيمين في الولايات المتحدة، في كل المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

وفي هذا السياق، كتب كبير الخبراء الاقتصاديين في «معهد بروكنغز» غاري برتلس، أن «السؤال الأساس لصنّاع السياسة مستقبلاً، هو ما إذا كان الارتفاع في الإنفاق على برامج المسنين سيعصر النفقات على برامج الأطفال، خصوصاً لناحية خفض الاستثمار في قطاع المدارس». ولفت إلى أن «المتشائمين يعتقدون أن هذه النتيجة حتمية، ما يدفعهم إلى حضّ الحكومة على تقليص التزامات الإنفاق على المسنين لإفساح المجال أمام الاستثمار في الشباب».

وأظهرت بيانات أصدرها «معهد اربان»، أن الإنفاق على الذين هم دون سن الـ18 في الولايات المتحدة، ارتفع من ٨ في المئة من الإجمالي السنوي عام ٢٠٠٠ إلى ١١ في المئة في عهد الرئيس باراك أوباما عام ٢٠١٠. لكــن مع سلسلة التقشف التي فرضها الكونغـرس على الحكومة الفيديرالية تحت طائلــة إجبار أميركا على التخلّف عن تسديد ديونها وإقفال الحكومة، خفّض أوباما الصرف على الأولاد إلى 10.2 في المئة.

لكن بيانات المعهد تظهر أن الإنفاق الأميركي المخصّص لمَن هم دون الثامنة عشرة سينخفض إلى 7.8 في المئة من الصرف الفيديرالي السنوي مع حلول عام ٢٠٢٤، بسبب الارتفاع المتوقع في الإنفاق الحكومي الإجباري لسدّ عجز صناديق الرعاية وخدمة الدَين العام، وهي نسبة مقلقة لأن القطاع التربوي لا يزال يعاني من ثغرات، حتى مع تخطّي الإنفاق نسبة 10 في المئة».

ويكمن أبرز الثغرات التي يشهدها هذا القطاع، في أن الحكومة لا تقدم تعليماً مجانياً في مرحلة الحضانة وما قبل المدرسة، على عكس معظم الدول الأوروبية، ما يلزم الأميركيين إما بإبقاء أولادهم في المنازل أو إرسالهم إلى حضانات خاصة بتكاليف باهظة.

لهذا السبب، حاول أوباما توسيع التعليم المجاني ليشمل الحضانات والكليات التي تقدم شهادات «أي أي»، التي يمكن اكتسابها في سنتين وسط معارضة جمهورية قاسية.

واعتبر الخبراء أن من شأن الزيادة في الصرف على مَن هم دون الثامنة عشرة، إعطاء أهلهم مزيداً من الوقت للاستثمار في العمل وتالياً في رفع نسب نمو الناتج المحلي ورفد الحكومة الفيديرالية بنسب ضريبية أعلى. فيما الإنفاق على المسنّين لا يعود على الاقتصاد بفوائد شبيهة.

ويجمع الاقتصاديون أيضاً، على أن الإنفاق على الشباب خصوصاً في قطاع التربية، ينتج عائدات أكبر كثيراً منه على المسنين. لكن المشكلة تكمن في إمكان المسنين على عكس الأولاد، الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الأميركية، ما يعطيهم قوة سياسية أكبر تجبر السياسيين على الانحياز إليهم على حساب الأولاد والشباب والتعليم.

ولأن السياسيين يتفاعلون وفق الكتل الناخبة، حذّر الاقتصاديون من مغبة السياسات الاقتصادية التي تأخذ في الاعتبار مصلحة فئات ناخبة، لكنها في الصورة الأكبر تؤذي الاقتصاد الأميركي وتهدّد مستقبل الولايات المتحدة.

الأحد، 20 ديسمبر، 2015

65 ألف مقاتل من الفصائل السورية الممثلة في مؤتمر الرياض خارج الاستهداف في قرار مجلس الأمن 2254

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ربما لم يتنبّه المعنيّون بالأزمة السورية الى أن القرار رقم 2254، الذي صادق عليه مجلس الأمن بالإجماع أول من أمس، يكاد يتطابق في بنوده ومبادرة جامعة الدول العربية الصادرة في سبتمبر 2011، والتي رفضها الرئيس السوري بشار الأسد، فتسبّب بتعليق عضوية حكومة الجمهورية العربية السورية في الجامعة في نوفمبر منذ ذلك العام.

يتمحور القرار الأممي الجديد حول بنود سبعة، يتصدّرها بند وقف النار وبدء «محادثات رسمية» بين الأسد والمعارضة مطلع الشهر المقبل. وفي هذا السياق، طلب المجلس من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ان يقدم تقريراً حول كيفية مراقبة وقف النار في 18 المقبل.

يستثنى من وقف النار العمليات العسكرية، بما في ذلك الغارات الجوية الاميركية والروسية، ضد المجموعات المصنفة ارهابية، التي تتضمن «(الدولة الاسلامية - داعش) وجبهة النصرة».

وحسب قرار مجلس الأمن 2254، المخصص للأزمة السورية، على النظام والمعارضة في سورية تشكيل حكومة «جامعة، غير طائفية، وتتمتع بمصداقية» مع حلول يونيو المقبل، على ان تشرف الأمم المتحدة على اجراء «انتخابات حرة ونزيهة» للرئاسة في سورية في غضون 18 شهراً من صدور القرار، اي قبل حلول يونيو 2017. ويختم القرار بأن العملية السياسية يقودها السوريون.

وكانت جامعة الدول العربية اصدرت في سبتمبر 2011 قراراً من 13 بنداً، تضمنّت وقف الاعمال الحربية ضد المدنيين، وانسحاب قوات الأسد من المدن، ودخول النظام السوري في حوار مع المعارضة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على عملية انتقال سورية من حكم الحزب الواحد الى نظام تعددي، على ان يتم انتخاب جمعية تأسيسية تعد وتقر دستور جديد يتم طرحه لاستفتاء شعبي. وفي ختام المبادرة العربية، تقام انتخابات برلمانية ورئاسية على اساس الدستور الجديد. ومثلما حدد مجلس الأمن جدولاً زمنياً لتنفيذ القرار 2254، تبّت الجامعة العربية، في قرارها قبل اربعة سنوات، بنداً ينص على «برنامج زمني محدد لتنفيذ المبادرة».


اذاً، قرار 2254 هو عود على بدء، لكن هذه المرة، لن يتسنّى للأسد رفضه، اذ تصدّر المصادقين على القرار روسيا الاتحادية، الراعي الاكبر لنظام الأسد والتي انقذ تدخّلها العسكري، منذ 20 سبتمبر الماضي، النظام من انهيار اعتقد كثيرون انه كان وشيكاً.

على ان القرار الأممي جاء، كمبادرة جامعة الدول العربية، مليئا بالثغرات، فاستثناء المجموعات الارهابية من وقف النار، يفتح الباب للنظام السوري وروسيا وايران لتجاوز هذا الوقف، بحجة ان من يقومون باستهدافهم هم من المجموعات الارهابية.

لذا، عمدت موسكو الى مطالبة واشنطن والدول الداعمة للمعارضة السورية بتقديم لائحة بالمجموعات المحسوبة عليها، او العمل معاً لإصدار لائحة بالتنظيمات الارهابية المقاتلة داخل سورية.

وللسبب نفسه، فرضت الرياض على «أحرار الشام» و«جيش الاسلام» و16 فصيلاً مسلحاً الانخراط في المعارضة المجتمعة في العاصمة السعودية منذ اسبوعين.

ويعتقد الخبير في «مركز ابحاث بروكنغز» تشارلز ليستر، ان عدد مقاتلي الفصائل المسلحة الممثلة في مؤتمر الرياض يبلغ نحو 65 ألف مقاتل، ما يعني ان انخراط هؤلاء تحت مظلة المعارضة السورية يجنّبهم التصنيف في خانة الارهاب، ويفرض على الأسد وقف اعماله الحربية ضدهم وضد المناطق التي ينتشرون فيها، ويجبر النظام على الانخراط في حوار التسوية السياسية مع وفد يشارك فيه ممثلّون لهذه المجموعات المسلحة.

ومع مشاركة موسكو في لقاء نيويورك وموافقتها على القرار 2254، تخرج المعارضة السورية المجتمعة بالرياض - في شقّيها المدني والمسلّح - من خانة الارهاب، وتتحول الى قوات ندّية تحاور الأسد.

هيغل: الإدارة الأميركية طعنتني في الظهر


كشف وزير الدفاع الاميركي السابق تشاك هيغل، ان البيت الابيض حاول تدميره، وان المقربين من أوباما كانوا يتدخّلون بتفاصيل وزارة الدفاع «بنتاغون»، وانهم طعنوه في الظهر إبان خروجه من الحكومة، مضيفاً ان ادارة أوباما «ماتزال من دون إستراتيجية في سورية».

وفي مقابلة حصرية منذ أن أجبر على الخروج من الحكم، روى هيغل أمس، لمجلة «فورين بوليسي»

انه كان في 30 أغسطس 2013 بصحبة زوجته يتناولان العشاء في مطعم في ايطاليا عندما هاتفه أوباما، طالباً منه إعطاء الاوامر للسفن الاميركية المتمركزة امام شواطئ سورية بالتراجع عن توجيه ضربة ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد، الذي تعتقد واشنطن انه أمر بقصف غوطة دمشق بالاسلحة الكيماوية في 21 أغسطس من ذلك العام.

يقول هيغل ان تراجع أوباما عن توجيه ضربة لقوات الأسد آذى سمعة الرئاسة الاميركية والولايات المتحدة بشكل عام، معتبراً انه «التاريخ سيقرر ما اذا كان التراجع عن الضربة هو القرار الصحيح ام لا، ولكن لا شك برأيي ان الخطوة آذت مصداقية كلمة الرئيس».

ويضيف الوزير السابق انه على اثر تراجع أوباما، سمع من نظرائه حول العالم ان «ثقتهم بواشنطن اهتزت»، لافتاً الى ان ان ادارة أوباما «تخبّطت في محاولة الخروج بسياسة متكاملة حول سورية».

ويضيف هيغل ان الادارة عقدت سلسلة من الاجتماعات برئاسة أوباما حول سورية من دون الخروج منها بأي قرار، «حتى في الوقت الذي كانت الاوضاع في سورية تسوء وعدد القتلى يتزايد باضطراد».

وتفيد الرواية المتواترة في واشنطن بأن هيغل سأل مستشارة الأمن القومي يوماً إن كانت المقاتلات الاميركية، التي كان من المفترض ان تقدم غطاء جوياً للمعارضة السورية المعتدلة التي ارادت واشنطن تجنيدها وتدريبها وتسليحها في حرب الاخيرة ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، ستقدم غطاء جوياً في حال التحمت هذه المعارضة السورية مع قوات الأسد، فجاء جواب سوزان رايس الى هيغل، في «إيميل»: استقل.

ويقول هيغل انه لم يكن للادارة موقف من هذا الامر، فارتجل هو وقال ان أميركا تدافع عن اصدقائها اينما كانوا، وهي الاجابة التي اغضبت رايس، مردفاً أنه من غير المنطقي او الاخلاقي لواشنطن ان تطلب من اصدقائها السوريين ان يهاجموا «داعش»، وان تمتنع هي عن الدفاع عن هؤلاء الاصدقاء في حال تعرضهم لهجوم من اي جهة كانت، «داعش» ام الأسد.

ويؤكد هيغل ان سبب تركه منصبه هو اصطدامه برايس، ويقول ان الاخيرة كانت تدعوه للمشاركة في اجتماعات «مجلس الأمن القومي» التي تمتد لساعات وتنتهي من دون الخروج بقرار، قائلاً ان اجندة الاجتماعات كانت تصله بعد منتصف الليل، وكان يتم اعلامه عن موعد الاجتماع قبل ساعات قليلة من انعقادها.

ويذكر هيغل أنه على اثر وصفه «داعش» بأنه «خطر لم يسبق ان رأينا مثله»، سمع امتعاضاً من البيت الابيض، الذي أصر على التقليل من اهمية وخطورة التنظيم.

ويختم أن وزراء دفاع الدول الحليفة كانوا يأتون اليه في اجتماعات الحلف الأطلسي وفي لقاءات اخرى ويسألون ما الذي تفعله اميركا في سورية؟ وما هي إستراتيجيتها؟ والى اين تذهب«، قائلاً: «حتى اليوم، مازالت الادارة تصارع للخروج بسياسة إستراتيجية» حول سورية.


أوباما: على الأسد التنحّي لوضع حدّ لإراقة الدماء

واشنطن - وكالات - وعد الرئيس باراك اوباما في مؤتمره الصحافي الاخير لهذه السنة، بتكثيف مكافحة تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، معدّداً قبل ان يبدأ عطلة مع عائلته في هاواي، نقاط التقدم التي سجلت في العراق وسورية، ووعد بالتقدم «بجرأة» على الجبهتين العسكرية والديبلوماسية، لكنه اطلق تحذيرا الى الاميركيين القلقين بعد اعتداءات باريس (130 قتيلا) وسان بيرناردينو في كاليفورنيا (14 قتيلا).

وقال: «نطاردهم بلا توقف لكن للقضاء عليهم بالكامل علينا ازالة مناطق +اللاقانون+ التي ينشطون انطلاقا منها»، مؤكدا من جديد انه لن يكون هناك سلام في سورية التي يدمرها نزاع منذ نحو خمس سنوات «من دون حكومة شرعية».

وصرح الرئيس الاميركي: «اعتقد ان على (الرئيس السوري بشار) الاسد ان يتنحى لوضع حد لاراقة الدماء في البلاد وليتمكن كل الاطراف المعنيين من المضي الى الامام». اضاف ان «الاسد فقد كل شرعية في نظر بلاده (...) ولا يمكن وضع حد للحرب الاهلية ما دام ليس هناك حكومة تعتبرها غالبية هذا البلد شرعية».

وتابع "ان بقاء الاسد في السلطة بعدما اختار قتل شعبه بدلا من القيام بانتقال سياسي شامل ليس ممكنا، ونتيجة لذلك، رأينا هو انه لا يمكن احلال السلام في سورية ولا يمكن انهاء الحرب الاهلية ما لم تكن هناك حكومة معترف بها على انها شرعية من قبل غالبية هذا البلد».

وتحدّث اوباما خصوصا عن التقارب مع كوبا قبل عام تماما،وقال عن ايران « ان ابرام الاتفاق التاريخي بين نحو مئتي دولة في باريس اصبح ممكنا بفضل القيادة الاميركية».

الجمعة، 18 ديسمبر، 2015

«تسوية كبرى» بخروج الأسد بين بوتين وكيري

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

علمت «الراي» من مصادر أميركية رفيعة المستوى أن اللقاء الذي استمر ثلاث ساعات ونصف الساعة بين وزير الخارجية جون كيري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين تمحور حول الحديث عن «تسوية كبرى» بين الولايات المتحدة وروسيا حول عدد من الملفات العالقة حول العالم، وفي طليعتها روسيا واوكرانيا والعقوبات الأميركية والدولية على موسكو.

وقالت المصادر الأميركية إن الروس أبدوا استعدادهم لتأييد «انتخابات نزيهة تشرف عليها الأمم المتحدة في سورية وتؤدي لانتخاب خلف للرئيس (السوري بشار) الأسد، وأن تقوم حكومة سورية جديدة تتألف من عناصر من النظام والمعارضة، وتكون أولويتها القضاء على داعش (الدولة الاسلامية)».

وبررت المصادر قبول واشنطن أن تحدد الانتخابات هوية الرئيس السوري القادم بالقول إن «رفضنا لانتخابات نزيهة بإشراف دولي في سورية يضعنا نحن في موقف لا نستطيع الدفاع عنه».

في المقابل، أعرب الاميركيون عن موافقتهم على «ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في حال وافقت الحكومة الاوكرانية على ذلك». وقالت المصادر ان كيري وبوتين ناقشا امكانية اجراء استفتاء شعبي في القرم لتحديد مصيرها، وان الرجلين اعتبرا ان حسم مصير القرم يرتبط بالتوصل لاتفاقية سلام دائمة وشاملة بين موسكو وكييف.


بكلام آخر، تقول المصادر: «أبدى بوتين استعداده لمقايضة سحب دعمه للانفصاليين الاوكران وضبط الحدود مع اوكرانيا وتبادل بعثات ديبلوماسية، مقابل موافقة كييف على التخلي عن القرم اذا ما جاءت نتائج الاستفتاء الشعبي في مصلحة روسيا».

في مقابل التوصل لتسوية تؤدي الى سلام في سورية وسلام روسي - اوكراني، تعهد الوزير الاميركي امام مضيفه الروسي برفع الولايات المتحدة عقوباتها عن الاقتصاد الروسي، والعمل مع شركاء الولايات المتحدة لرفع هذه العقوبات.

ويعتقد الخبراء الاميركيون أن روسيا تعاني من انهيار كبير في اقتصادها ومن تقلص في النمو يبلغ 4 في المئة سنويا. ويقدر الخبراء ان موسكو انفقت نحو نصف احتياطها من العملات الاجنبية، والذي بلغ 650 مليار دولار عشية اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في خريف العام 2008. وللحفاظ على احتياطها، افلت المصرف المركزي العملة الوطنية، الروبل، الذي راح يتهاوى امام العملات الاجنبية، فيما حافظت موسكو على 370 مليارا في احتياطها حسب بيانات «صندوق النقد الدولي».

كذلك، يعتقد الخبراء الاميركيون ان بوتين ينفق مليار دولار شهرياً على حملته العسكرية في سورية، ويرجحون ان الرئيس الروسي يبحث عن مخرج يحفظ له ماء الوجه، ويخرجه من الدوامة السورية.

ولطالما صرّح الرئيس باراك أوباما ان مصلحة روسيا تقضي بخروجها من المستنقع السوري، وانه ينتظر اتصال بوتين الذي يعرض فيه الرئيس الروسي على الاميركيين والعالم إيقاف الحرب السورية والبحث عن تسويات سلمية.

وتابعت المصادر الاميركية انه «عندما يتحدث بوتين عن تسويات، فهو لا يعني تثبيت الوضع في سورية فحسب، فبوتين بحاجة الى تسويات توقف انهيار اقتصاده، ولكن كبرياءه يمنعه الحديث عن هذا النوع من التسويات، فيخبئها خلف عنوان الحرب السورية».

واعتبرت واشنطن ان دعوة موسكو لوزير خارجيتها هي نقطة إيجابية بذاتها، ويبدو ان الوزير الاميركي أبدى مرونة وايجابية عاليتين اثناء لقائه نظيره سيرغي لافروف، وكذلك في لقائه بوتين.

وبادل الروس كيري إيجابيته، وأعلنوا قبولهم المشاركة في «مؤتمر اصدقاء سورية»، الذي انعقد في نيويورك أمس، رغم انه سبق لروسيا والاعلام الموالي لها ان هاجما المؤتمر بضراوة.

أما الصيغة النهائية للحل في سورية، فلا يبدو أن كيري ومضيفيه الروس تحدثوا عنها تفصيلياً. وتقول المصادر الاميركية ان بحث كيري مع المسؤولين الروس كان في العناوين العريضة لتسوية روسية مع أميركا والعالم، وان الحل السوري صارت معالمه واضحة، وتقضي بوقف اطلاق النار، وبناء حكومة انتقالية جامعة، وتحضير البلاد لانتخابات رئاسية بإشراف دولي. أما مصير الأسد، تختم المصادر الاميركية، فلا يبدو انه «يقلق الروس، فموسكو لن تترك اقتصادها ينهار لابقاء الأسد في الحكم، وهذا الاخير أصبح ضعيفاً جداً على كل حال».

عندما يخطئ الحريري

حسين عبدالحسين

من يعرف السياسة اللبنانية يعرف ان كل من يقوم بخطوة سياسية غير مبررة، يلجأ الى تعليل خطوته بالقول انه أقدم على فعلته تفاديا لحتمية "وصول الدم للركب".

في العام ٢٠٠٢، أبطلت الوصاية السورية نيابة غبريال المر في المتن، فاقتنص غسان مخيبر الفرصة لاستعادة "مقعد عمه". كان مخيبر مستقلا ومحسوبا على المعارضة، التي انتقدته لقبوله السير في الاعيب السلطة وقبوله المقعد بما يشبه التعيين. أطل مخيبر تلفزيونيا، وقال انه قبل مقعد المتن النيابي "كي لا يصل الدم الى الركب".

بعد ذلك بقليل، تصاعدت مطالبة اللبنانيين للرئيس السوري بشار الأسد بسحب قواته من لبنان، فجاء الرد منه ومن حلفائه ان اي انسحاب يؤدي الى اندلاع حرب اهلية و"وصول الدم الى الركب". وابان الانسحاب السوري من لبنان، وقعت سلسلة من التفجيرات كانت بمثابة حرص من البعض على اثبات صحة تلك التنبؤات.

ومع نهاية العام ٢٠٠٩، زار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري دمشق، والتقى الاسد، وادلى بتصريحات اعتبر فيها انه أخطأ بتوجيهه "اتهاما سياسيا" بحق الأسد في جريمة اغتيال والده رفيق. وقتذاك، تحرك فريق مستشاري الرئيس الحريري، وحاولوا اقناع معارضي خطوة مصالحته مع الأسد بالقول انها كانت تهدف الى "حقن الدماء"، واطلقوا مقولة ان رفيق الحريري كان اكثر من ضحى وساوم من اجل مصلحة لبنان وتفاديا للفتنة.

والقول ان رفيق الحريري تنازل فحقن الدماء مجاف للحقيقة، فالحريري الأب تنازل فعليا ووقع مرسوم التمديد لولاية الرئيس السابق اميل لحود، وكان ثمن موافقته خروجه من الحكومة، وفي وقت لاحق غرق هو نفسه بدمائه، على الرغم من تنازلاته. 

في كتاب الأسد وحلفائه، يغيب مفهوم المساومة لحقن الدماء، فهم لا يمانعون استخدام العنف المفرط واهراق الدماء، ولا يقبلون وقف عنفهم من دون تنازل كامل واذلال الخصم. من هنا جاء شعار "الأسد او نحرق البلد"، وفعلا أحرق الأسد البلد الذي ما زال يصر على حكمه حتى وقد اصبح ركاما.

في ترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة، لجأ فريق الرئيس السابق سعد الحريري الى التبرير نفسه القائل ان لبنان يمر بمرحلة خطيرة، وان تجاوزها يحتم موافقة الحريري على انتخاب الشخص، الذي كان وزيرا للداخلية يوم اغتيال والده، رئيسا.

طبعا لبنان ليس في مهب الريح ولا خطر عليه، والدليل التوافق الاقليمي على فرنجية للرئاسة، الذي لم يعرقله الا رفض أكبر تكتلين مسيحيين.

والتبرير المسيحي لرفض رئاسة فرنجية لا يقل سطحية عن تبريرات الحريري لانتخابه، اذ دأب الزعيمان ميشال عون وسمير جعجع على "بهدلة" الدنيا وتحميل الجميع مسؤولية الفراغ الرئاسي، وتصوير المسلمين وكأنهم يسعون لاضعاف "موقع الرئاسة" فيما الواقع ان السبب الاول للفراغ الرئاسي هو تضارب في شخصانية عون وجعجع واستحالة عبور احدهما للرئاسة دون اما موافقة الآخر، او الحصول على اجماع المسلمين لقهر الآخر.

وتزداد بشاعة التبرير المسيحي عندما تختلط مصلحة لبنان في ذهنهم بمصلحة المسيحيين، فتراهم يتمسكون بالتعايش المسيحي الاسلامي للاستقواء على بعضهم البعض، ثم يتمسكون بمصلحة المسيحيين ويختبئون خلف البطريركية المارونية، مثل في اصرارهم على قانون الانتخاب العنصري الارثوذكسي.

في ترشيح فرنجية، كان على الرئيس الحريري وفريقه ان يبتكروا تبريرات جديدة واكثر اقناعا، خصوصا ان غالبية مناصريه لايتمتعون بالعصبية نفسها التي يتمتع بها الشيعة او الدروز، فالسنة لا يستديرون خلف زعيمهم برشاقة، ولا يمكن لانتخاب فرنجية الا ان يعزز شعورهم بالاحباط المزمن الذي يعانون منه منذ اغتيال رفيق الحريري.

على الرئيس الحريري وفريقه ان يدركا ان الجزء الاكبر من مناصريهم يتبعونهم لتمسكهم بمبادئ. لذا، عندما يقرر الحريري ان يطل بتبرير مصلحة لبنان وحقن الدماء، عليه ان يشرح لماذا لم يكن ممكنا حقن الدماء بابقاء عمر كرامي في الحكم على اثر اغتيال رفيق الحريري، ولماذا لم يكن ممكنا حقن الدماء بالتخلي عن المحكمة الدولية في بلد لا تسعى غالبية مواطنيه للعدالة، بل للتغلب على الآخر واكتساحه.

لا يمكن للحريري حقن الدماء يوما والوعد بالانتصار للعدالة يوما آخر، فالسياسة والعدالة نقيضان، وجمعهما يزيد التناقض تناقضا. 

الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

واشنطن «قلقة» من احتمال تفاقم الصراع التركي - الروسي

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ينتاب القلق المسؤولين الاميركيين من تفاقم الوضع بين حليفة الولايات المتحدة وعضو الحلف الأطلسي تركيا، وغريمة أميركا والغرب روسيا، بعد اسبوعين على قيام مقاتلة تركية من طراز «إف - 16» بإسقاط مقاتلة روسية من طراز «سوخوي - 24» على الحدود التركية - السورية، وبعد حادثتَي مواجهات بحرية بين البلدين، وإلغاء قمة، كانت واشنطن سعت بجهد لعقدها بين رئيسي تركيا رجب طيب أردوغان وروسيا فلاديمير بوتين.

وكانت واشنطن حذّرت تركيا من مغبة استفزاز روسيا، وطالبتها باحتواء التصعيد. وينبع القلق الاميركي من ارتباط أميركا وتركيا بمعاهدات دفاعية ثنائية و«أطلسية» تفرض على واشنطن والعواصم الغربية ان تتدخّل الى جانب الاتراك في حال تعرّض اجوائهم او اراضيهم او مياههم الاقليمية للمزيد من الاستفزازت الروسية. كما تقع تركيا - حسب المعاهدات - تحت المظلة النووية الاميركية، ما يعني ان تفاقم الصراع الروسي مع تركيا هو بمثابة صراع بين قوتين نوويتين. وتقول المصادر الاميركية ان «تصاعد وتيرة المواجهات بين الاتراك والروس دفع الرئيس باراك أوباما الى مطالبة فريقه بتسريع إنهاء الأزمة السورية، التي يعتقد انها سبب التوتر بين البلدين».

لكن المشكلة تكمن في ان واشنطن صارت تدرك انها ليست بيدها حيلة لإنهاء الحرب السورية غير تكثيف ديبلوماسيتها. وتفيد المصادر الاميركية بأنه «حتى لو ارادت واشنطن استخدام قوتها العسكرية لفرْض إنهاء الحرب السورية، فلا يمكن لاستخدام هذه القوة إلا ان يزيد الامور تعقيداً، خصوصاً مع ركن روسيا 30 مقاتلة لها في المناطق التابعة للرئيس السوري بشار الأسد».

وتتابع المصادر ان «الوضع كما كان قبل تصاعد التوتر التركي - السوري كان شديد التعقيد اصلاً، فالسماء السورية مزدحمة بمقاتلات لدول عدة، وهو ما دفعنا الى التواصل عسكرياً مع الروس لوضع بروتوكول تواصل يمنع وقوع الحوادث».


وتضيف المصادر أنه «على إثر حادثة إسقاط المقاتلة الروسية، سعت واشنطن لدى انقرة وموسكو لحملهما على التواصل عسكرياً والتوصّل الى بروتوكول مشابه يسمح بتفادي الحوادث. ويبدو ان قمة اردوغان - بوتين كانت تهدف الى الموافقة على إنشاء لجنة عسكرية مخصصة للتوصّل الى بروتوكول وفتح قناة اتصال عسكرية بين العاصمتين».

هل كانت الحادثة البحرية مفتعلة لنسف القمة التركية - الروسية ومنع قيام تواصل عسكري بينهما؟، سألت «الراي» المصادر الاميركية، التي استبعدت بدورها ان تكون الحادثة مقصودة، بل اعتبرت انها جاءت على خلفية توتر لم ينجح البلدان في تخفيض مستواه، على الرغم من المساعي الحثيثة والوساطات التي تقوم بها واشنطن وباريس.

إذاً، قلق اميركي يرافقه شعور بتعثر الوساطات الديبلوماسية وخوف مما قد ينتج عن ذلك من تفاقم في التوتر ووقوع حوادث مستقبلية.

أما السبيل الوحيد للولايات المتحدة - حسب المسؤولين الاميركيين - فيبدو انه يكمن في ممارسة ضغوط ديبلوماسية على الحلفاء في الأزمة السورية لتسريع التوصّل الى حل يؤدي الى انفراجات على اصعدة متعددة، ويخفف الاحتقان التركي - الروسي.

«للأسف، لا يوجد لدينا الكثير من الاوراق للعبها باستثناء تكثيف ديبلوماسيتنا ووساطتنا بين تركيا وروسيا وأملنا ان تدرك كل منهما ان التصعيد ليس في مصلحة أحد، وان نزع فتيل التوتر هو في مصلحة الجميع»، حسب المصادر الاميركية، التي تختم: «بعد ذلك، يمكننا اقامة تواصل مباشر بين الاثنين، ويمكن معالجة اي مظلومية يعتقد اي منهما انه يواجهها في التعاطي مع الآخر».

الاثنين، 14 ديسمبر، 2015

كيري متحدثاً باسم روسيا وايران

حسين عبدالحسين

لم يفطن وزير الخارجية الاميركية جون كيري أن زلة لسانه بحديثه عن نقطتين عالقتين في بيان "مؤتمر الرياض" كشفت هشاشة علاقة الولايات المتحدة بالمعارضة السورية وأصدقائها، وأظهرت أن واشنطن ليست شريكة في دعم المعارضين السوريين، بل هي الوسيط الذي يحثهم على التراجع، وعلى القبول بوجهة نظر روسيا وايران والرئيس السوري بشار الأسد.

كيري ما لبث أن تراجع عن هفوته بقوله إنه سيتشاور مع المسؤولين السعوديين حول البيان السوري، ولكن إذا كان التنسيق الاميركي قائماً مع السعودية، فكيف خرج بيان المعارضة إلى العلن من دون معرفة الاميركيين؟ وهل قرأ كيري البيان في الاعلام واصدر حكمه عليه في العلن؟

من اكبر المفارقات التي تلت اعلان المعارضة السورية بيانها هو تسجيل واشنطن تحفظها على بعض النقاط الواردة فيه، وهو تحفظ جاء متناسباً مع رفض روسيا والأسد للبيان، ما وضع أميركا وروسيا والأسد في خانة واحدة في مواجهة المعارضة السورية.

ويتصدر من تنبهوا للبلاهة في المواقف الاميركية، الديبلوماسي السابق المعني بالشأن السوري فرد هوف، الذي وجه نقداً لاذعاً لسياسة الرئيس باراك أوباما الخارجية، ووصفها بأنها سياسة مبنية على التمني والتحليل السياسي. في الحالة السورية، يقول هوف، دأب أوباما على القول إن روسيا وايران تدركان ان مصلحتهما تكمن في انهاء الحرب السورية والتوصل الى تسوية سياسية.

وبعد فشل مؤتمر فيينا، قال أوباما ان روسيا وايران تحتاجان الى بضعة شهور للعودة الى الحل السياسي. ويعلق هوف، في مقالة في صحيفة "واشنطن بوست"، ان بضعة شهور هو أمر يسهل قوله على رئيس يجلس على بعد الاف الاميال ويقدم تحليلات بدم بارد، فيما كل شهر اضافي من الحرب السورية يعني زيادة الاف القتلى السوريين وعشرات الاف المهجرين.

في واشنطن، كما في عموم العالم، صار جلياً أن ادارة الرئيس باراك أوباما ليست واحدة من "اصدقاء سوريا"، كما كانت تزعم ابان انطلاق الثورة، بل هي مجرد وسيط بين المعارضة السورية واصدقائها الاقليميين، من ناحية، وروسيا وايران والأسد، من ناحية ثانية.

ولو كانت أميركا شريكة في دعم المعارضين السوريين، لما اشبعت العالم بالتحليلات عن مصلحة روسيا وايران، ولما اغرقت المعارضة السورية بشروط هدفها انتزاع تنازلات حتى ترضى سوريا وايران، فيما هاتان الاخيرتان لن ترضيا بأقل من تفكيك المعارضة بالكامل وانتصار الأسد الساحق عليها.

لو كانت واشنطن شريكة في دعم المعارضة السورية، لكانت تبنت بيان المعارضة السورية الذي يدعو الى رحيل الأسد مع بدء العملية الانتقالية بدلاً من تسجيل التحفظات. اما اذا ارادت ان تعرف أميركا كيف تكون الرعاية والشراكة، فليقرأ كيري تصريح الأسد الذي وصف المعارضة المجتمعة بأكملها في الرياض بالارهابية، ورفض التفاوض معها (في وقت شكلت المعارضة وفداً للتفاوض مع نظامه)، وحصد بتصريحاته موافقة روسية وايرانية، تلا ذلك انتقاد روسي لمؤتمر "اصدقاء سوريا" ترافق مع تكرار تمسك موسكو بالأسد، وتالياً رفض التسوية مع المعارضة.

إن احدى أكبر العقبات التي واجهتها المعارضة السورية للتخلص من حكم الأسد هي في كون الولايات المتحدة خصماً لها بثياب شريك، ففي الأوقات التي احرزت المعارضة انتصارات عسكرية على الأرض، مارست واشنطن ضغوطاً على دول الجوار لمنع التسليح، وفي الوقت الذي توحدت فيه المعارضة السورية واصدرت بياناً وافق على عملية سياسية وبقاء الدستور الحالي والنظام، من دون الأسد، لم تخطُ واشنطن لتبني المعارضة ولا بيانها، بل طالبت بالمزيد من التراجعات اعتقاداً منها انه يمكنها حمل روسيا وايران على التنازل في سورية، وان قليلا، مقابل التنازلات الكبيرة التي تطلبها واشنطن من المعارضين.

في الرياض، ادركت المعارضة السورية واصدقاؤها الاقليميون أن كيري، الذي يبدو انه صار يتحدث باسم روسيا وايران ويحث على قبول شروطهما التعجيزية، لن يرضى حتى لو "اضاءت المعارضة السورية اصابعها العشرة"، حسب التعبير العامي. لذا، أبدت المعارضة السورية في الرياض مرونة، وايدها وزير خارجية السعودية عادل الجبير بتبني قبول الحل السياسي، لكنه اتبعه بقول انه ان لم يخرج الأسد سياسيا، "فبالقتال".

Since December 2008