الأربعاء، 31 أغسطس، 2016

كلينتون ترد على ترامب: علاقتنا بالكويت تحالف وتعاون وليست لتلقي الأموال

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ردّت مصادر في حملة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون على اتهامات منافسها الجمهوري دونالد ترامب بتقاضي جمعية «بيل وهيلاري وتشيلسي كلينتون» أموالاً من حكومات أجنبية، منها الكويت، وتقديم خدمات سياسية لهذه الحكومات مقابل ذلك.

وقالت مصادر مصرح لها الرد في حملة كلينتون لـ«الراي» إن لقاءات وزيرة الخارجية السابقة «مع نظيرها من الكويت مثلاً، كانت لتحدث بغض النظر عن تبرعات حكومة الكويت لجمعية كلينتون، فالكويت من أبرز حلفاء الولايات المتحدة، ولقاءات كلينتون مع مسؤولين كويتيين هي في السياق الطبيعي للعلاقة والتحالف والتعاون، ولا ترتبط بأي تبرعات».

وتساءل المسؤولون في حملة كلينتون: «أسطولنا الخامس يتمركز في البحرين، هل يمكننا إغلاق باب وزيرة الخارجية في وجه نظيرها البحريني لو لم تتبرع المنامة لجمعية كلينتون الخيرية؟ بالطبع لا، فأبواب الوزيرة (كلينتون) أثناء عملها في وزارة الخارجية، كما أبواب الوكالات الأخرى في حكومتنا، كانت ولا تزال مفتوحة أمام مسؤولي الدول الصديقة والحليفة».

وكانت وكالة «اسوشيتد برس» وزّعت مقالة جاء فيها ان نصف من التقوا كلينتون في مكتبها في وزارة الخارجية كانوا من المانحين لجمعية كلينتون. وردت حملة كلينتون بالقول ان «جمعيتها خيرية تماماً، وان لا هي ولا زوجها، الرئيس السابق بيل كلينتون، ولا ابنتهما تشيلسي، يتقاضون أي مرتبات من الجمعية، بل ان عملهم فيها تطوعي بالكامل، وهو ما ينفي تماماً فكرة ان عائلة كلينتون تستخدم نفوذها السياسي للإثراء المالي».

ونجحت كلينتون، إلى حد بعيد، في احتواء الهجوم الذي شنته ضدها حملة ترامب على خلفية تلقي جمعية كلينتون أموالاً من حكومات أجنبية مقابل خدمات سياسية. وعلى مدى أسبوع كامل، حاول ترامب تحويل القضية إلى مشكلة فساد، ودعا عائلة كلينتون إلى إغلاق جمعيتهم، لكن حملة كلينتون ردّت ببراعة، وتراجع ترامب، إذ توقف عن إثارة الموضوع في إطلالاته.

الرئيس الأميركي المقبل في حلّ من الاتفاق الكيماوي حول سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

على إثر التقرير الصادر الاسبوع الماضي، عن الامم المتحدة، الذي اتهم قوات الرئيس السوري بشار الأسد باستخدام غاز الكلورين، على الأقل مرتين، منذ الهجوم الكيماوي بغاز السارين، الذي شنته هذه القوات على ضواحي دمشق عام 2013، وجدت ادارة الرئيس باراك أوباما نفسها امام معضلة، فالتزامها الحل السياسي مع روسيا تجاه ملف نزع ترسانة الأسد الكيماوية، بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، يجبرها على تفادي التصعيد في هذا المجال، والعودة الى القنوات الديبلوماسية لمتابعته.

على أن من التقوا مسؤولين في البيت الابيض، في الايام الاخيرة، نقلوا عنهم القول إن أوباما يعتقد ان الرئيس الذي سيخلفه في الحكم في 17 يناير المقبل «سيكون في حلّ من الالتزام مع الروس تجاه الأسد، وأن الادارة المقبلة ستتمع بمجموعة واسعة من الخيارات، بما فيها غير الديبلوماسية، لإجبار الأسد على التخلي بالكامل عن أسلحته الكيماوية والتوقف عن استخدام الكلورين المحظور عسكرياً».

ومازال تراجع أوباما عن توجيه ضربة عسكرية لقوات الأسد، على إثر هجومها الكيماوي على ضواحي دمشق في أغسطس 2013، يثير اعتراضات المعنيين بالسياسة الخارجية الاميركية. إلا ان مسؤولي الادارة، مثل مستشار أوباما لشؤون الشرق الاوسط روبرت مالي، في مقابلته الاخيرة مع «فورين بوليسي»، يدافعون عن التراجع عن الضربة بالقول إن التلويح باستخدام القوة أثمر تخلي الأسد عن ترسانته، وان استخدام القوة لم يكن غاية، بل وسيلة حققت هدفها.

ويأتي تقرير الأمم المتحدة عن استخدام الأسد لغاز الكلورين ضد معارضيه، في وقت تجد الادارة الاميركية نفسها مرتبكة امام مواجهة واسعة محتملة على الاراضي السورية بين حليفيها: الجيش التركي، من جهة، والقوات الكردية في سورية وحلفائها من العرب، من جهة ثانية.

وكان مسؤولو أوباما تباهو الاسبوع الماضي، بقيام مقاتلات اميركية بطرد مقاتلات الأسد التي حاولت ضرب مواقع كردية حليفة لأميركا. إلا أن المواجهة بين هؤلاء الحلفاء الاكراد والجيش التركي تضع واشنطن في موقف لا تعرف كيف تتصرف معه.

كذلك، مازالت الادارة الاميركية تعاني من عناد الروس، ففي كل مرة يبدو حلفاء أميركا وكأنهم حققوا نصرا يستدعي تراجعا روسياً وتنازلات في سورية، لا يبدي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اي استعدادات للتراجع في لقاءاته الماراثونية مع نظيره الاميركي جون كيري.

وتتناقل المصادر المعنية أنه على إثر نجاح المعارضة السورية في كسر حصار قوات الأسد و«حزب الله» لحلب، تحادث كيري ولافروف، وكان الوزير الاميركي يأمل في ان يسمع تراجعاً روسياً، لكن هذا التراجع لم يأت. كذلك، على إثر توغّل القوات التركية في العمق السوري، في عملية «درع الفرات»، التي شهدت إنعاشا للمعارضين السوريين المنضوين تحت لواء «الجيش السوري الحر»، توقّع كيري تراجعاً من لافروف، إلا ان لافروف تمسّك بمواقفه القائلة بضرورة انخراط واشنطن وحلفائها في الحرب ضد الارهاب، التي تقودها موسكو وطهران والأسد.

الاثنين، 29 أغسطس، 2016

ضاعت فلسطين..ضاعت سوريا

حسين عبدالحسين

مع عملية "درع الفرات" ودخول الجيش التركي لفرض منطقة نفوذ تابعة لانقرة في الشمال السوري، أصبحت تركيا آخر القوى التي حجزت لها مساحة على الارض السورية، بعد إيران وروسيا والولايات المتحدة، وحتى ألمانيا، التي تسلّح بعض الفصائل الكردية.

وتكمن المفارقة في ان الغالبية الساحقة من الشعب السوري هي من العرب، سنة وعلويين ومسيحيين ودروز وشيعة واسماعيليين ويهود وغيرهم، وأنه -على الرغم من انخراط ضباط ايرانيين وقوات روسية خاصة وميليشيات شيعية افغانية في الحرب السورية- تبقى الغالبية الساحقة للمتقاتلين السوريين والاجانب من العرب.

لكن على الرغم من ان الحرب تجري على ارض العرب وبأيديهم، الا ان مستقبل سوريا وحربها ليست في ايديهم، ونتائج هذه الحرب ستصب في مصلحة قوى غير عربية في الغالب، وهو ما يجعل من العرب، وخصوصاً السوريين، وقوداً لصراع دولي لن يخرج العرب منه منتصرين كيفما دارت دفة الحرب. 

من المسؤول عن هذا الضعف العربي الذي سمح لأمم العالم تحويل ثورة سلمية الى حرب عالمية؟ 

الاجابة ترتبط بالثقافة الشعبية السائدة في المشرق العربي والعراق، حيث لا يتصور المواطنون انفسهم انهم مواطنون متساوون امام القانون، بل يتصرفون كقبائل لا تمانع بالاستعانة بقوى خارجية للتغلب على خصومها الداخليين، وهذه آفة ليست حديثة، بل قديمة قدم التاريخ، منذ ان استعان فينيقيون بالمصريين ضد الآشوريين فوجدوا انفسهم لاجئين في قبرص.

وسياسة الاستعانة بالغريب للاستقواء على الآخرين اتقنها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي ارهق دول الخليج العربي بابتزازه المتكرر لها في موقفه تجاه الجمهورية الاسلامية في ايران، ففيما تكاتف العرب للوقوف في وجه المد الايراني، وجد الأسد فرصة لاستخدام خوف العرب لابتزازهم، وهو فعل ذلك بمهارة كبيرة أدّت الى اعتراف العالم والعرب بابتلاعه لبنان بأكمله.

لكن يبدو ان الولد بشّار ليس سرّ ابيه، فهو لم يفهم لعبة التأرجح بين القوى العالمية والاقليمية، بل القى بنفسه في احضان ايران ليستعدي العرب، فانتهى به الأمر ان سلّم شماله الغربي للروس، والشمال للاتراك، وشماله الشرقي لاميركا، وباقي البلاد للايرانيين، ولم يبق في ايدي الأسد الا بضعة احياء يحكمها في جوار قصره الرئاسي.

هكذا تحول آل الأسد من لاعبين على المستوى الاقليمي الى ضحايا صراع اشعلوه فابتلعهم. وهكذا تحول العرب، في سوريا بعد لبنان، الى مقاتلين مرتزقة يقاتلون باسم من يسدد مرتباتهم، من دون ان تكون لهم كلمة في بلادهم.


وكما دخل "حزب الله" متردداً الحرب السورية على عكس رغبته، بعدما استدعى مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي امين عام الحزب حسن نصرالله الى طهران وطلب منه التدخل، كذلك صار عرب سوريا، الذين يقاتلون الى جانب الأسد او ضده، يقاتلون ويحجمون على القتال بحسب اوامر قوى خارجية غير عربية، وهذه الاخيرة تصدر اوامرها الى مقاتليها العرب والكرد في سوريا حسب مصالحها، لا حسب مصالحهم.


في الذاكرة العربية انه بعد دخول جيش الانقاذ العربي فلسطين في منتصف مايو/ايار ١٩٤٨ لاستعادتها من الاسرائيليين، رفض مقاتلو الجيش العراقي مراراً الانخراط في المعارك المستعرة، وكانوا يرددون بلهجتهم "ماكو (لاتوجد) اوامر". رئيس حكومة العراق وقتذاك محمد الصدر، لم ير في فلسطين السنية ما يستدعي تدخلاً شيعياً، وهو كان يخشى أن يؤدي اي تدخل عراقي جدي في حرب فلسطين الى تفضيل الانتداب البريطاني لنوري باشا السعيد بدلاً منه. هكذا ضاعت فلسطين، فيما حكام العراق منغمسون في مناكفاتهم الشخصية، وهكذا ستضيع سوريا على الارجح لأن عربها، وفي طليعتهم الأسد، يفضلّون احراق البلد على ان يتصرفوا بحكمة ووطنية وحرص على مصلحة شعبهم وبلادهم، فيبقون وقود حرب تقتل ناسهم، بأيديهم وعلى ارضهم، وهم لم يعد لهم ناقة ولاجمل في هذه الحرب المستمرة.

الأحد، 28 أغسطس، 2016

فرصة أخيرة أمام أميركا لإقرار اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ»

واشنطن - حسين عبد الحسين

تتحين إدارة الرئيس باراك أوباما فرصتها الأخيرة لإقرار اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، وهو اتفاق تجارة حرة يجمع الولايات المتحدة مع 11 دولة أخرى تمثل 40 في المئة من اقتصاد العالم. وتأتي محاولات أوباما لاستصدار الموافقة من الكونغرس، بعدما باءت محاولاته السابقة بالفشل، وفي ضوء إعلان المرشحين المتنافسين للرئاسة، الديموقراطية هيلاري كلينتون والجمهوري دونالد ترامب، رفضهما القاطع للاتفاق.

ويعلّق الفريق الرئاسي آماله على دورة تشريعية يعقدها الكونغرس بغرفتيه، بعد انتخابات الرئاسة والكونغرس المقررة في ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ويطلق الأميركيون على الكونغرس في هذه الأيام التشريعية، التي تمتد بين 14 تشرين الثاني و30 كانون الأول (ديسمبر)، اسم جلسات «البطة العرجاء» بسبب انتهاء صلاحيات الكونغرس معنوياً، على رغم استمراره في العمل قانوناً.

ويرى الفريق الرئاسي الفرصة سانحة أكثر لإقرار الاتفاق في الكونغرس في فترة «البطة العرجاء»، نظراً إلى تحرر أعضائه من ضغوط الناخبين التي تبلغ ذروتها اثناء الحملات الانتخابية وتنحسر بعد نهاية الانتخابات. في الوقت ذاته، يمكن أعضاء الكونغرس ممَن خسروا مقاعدهم الإدلاء بأصواتهم من دون الالتفات الى الاعتبارات الانتخابية.

ويستند المعارضون في رفضهم الاتفاق إلى «اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية» (نافتا)، الذي وقعه الرئيس السابق بيل كلينتون عام 1994، وحرر بموجبه التجارة مع جارتي أميركا كندا الى الشمال والمكسيك إلى الجنوب. ومنذ دخول «نافتا» حيز التنفيذ، نقل عدد من المصانع الأميركية بما فيها المصنعة للسيارات، معامل الانتاج الى جنوب الحدود الأميركية للاستفادة من اليد العاملة الرخيصة، والقرب من السوق الأميركية، ما أفقد عدداً كبيراً من العمال الاميركيين وظائفهم، ودفع بهم الى تأييد حملات المرشحين الذين يعارضون اتفاقات التجارة الحرة. وأدى رفض المرشح الديموقراطي السابق للرئاسة بيرني ساندرز اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ» الى قلب موقف كلينتون من مؤيدة له الى معارضة، خوفاً من خسارة أصوات «عمال الياقة الزرقاء»، اي عمال المصانع الذين يتمركزون في ولايات تتأرجح انتخابياً بين الحزبين، وهي ولايات الوسط الشرقي المعروفة بـ «حزام الصدأ» مثل اوهايو وميشيغان وبنسلفانيا.

ومع رفض كلينتون الاتفاق، حذا حذوها عدد كبير من اعضاء الكونغرس من الحزب الديموقراطي، خوفاً من أن يؤدي تأييدهم للاتفاق الى خسارتهم مقاعدهم. وتكررت العملية في الحزب الجمهوري المؤيد تقليداً لاتفاقات التجارة الحرة، بعد تحريض ترامب للقاعدة الشعبية ضد اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، فتراجع عدد من اعضاء الكونغرس الجمهوريين وانهارت عملية المصادقة على الاتفاق.

وهكذا، يحاول أوباما إعادة طرح الاتفاق على التصويت في الأيام المتحررة من العملية الانتخابية. وفي هذا السياق، واصلت وزارة التجارة، وغرفة التجارة الأميركية وهي جمعية أهلية، واللوبيات العاملة لدى الشركات الأميركية الكبيرة، التي ستفيد من فتح اسواق آسيا، مثل شركة «بوينغ» للطيران، حشد التأييد الشعبي والسياسي لإقرار الاتفاق.

وتظهر دراسة أعدها معهد «بيترسون» الاقتصادي المستقل، أن «من شأن اقرار الاتفاق رفع صادرات اميركا بواقع 357 بليون دولار سنوياً مع حلول عام 2030، عندما تصبح كل بنودها نافذة. وستؤدي هذه الزيادة في قيمة الصادرات الأميركية إلى إضافة 131 بليوناً في مداخيل الأميركيين. ويقول مؤيدو الاتفاق انه سينهي 18 الف تعرفة جمركية على الصادرات الأميركية إلى الدول الأعضاء، وخمس منها هي من دول شرق آسيا وجنوبها اي اليابان وفيتنام وسنغافورة وماليزيا وبروناي. والى اليابان، ثالث اكبر اقتصاد في العالم، تعوّل أميركا على فيتنام، التي زارها أوباما في ايار (مايو) الماضي، كحليف منافس للصين خصوصاً ان فيتنام في طور الصعود بسبب اليد العاملة الرخيصة لديها، وهي تقتنص المصانع من الصين التي صار سعر اليد العاملة لديها يرتفع وسكانها يشيخون.

وتشير غرفة التجارة الأميركية في بيان، إلى أن في أسواق المحيط الهادئ، انضم بليونا شخص للطبقة المتوسطة على مدى العقدين الماضيين». كما يُتوقع أن يزداد العدد بواقع 1.2 بليون مع حلول عام 2030، ويمثل هؤلاء زبائن محتملين مع شهية للمنتوجات الأميركية».

واعتبرت الغرفة أن اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ» يبقي الزعامة الأميركية قائمة، لأن عدد اتفاقات التجارة الحرة بين دول شرق آسيا وجنوبها ارتفع من 3 فقط عام ٢٠٠٠ الى نحو ٥٠ اليوم، مع ٨٠ اتفاقاً شبيهاً في طور الإعداد، ما يعني أن في حال رفضت أميركا اتفاق «الشراكة عبر المحيط الهادئ، فإنها ستبقى خارج السوق الآسيوية الكبيرة.

بدورها، قدمت وزارة التجارة الأميركية أرقاماً تظهر ان الولايات المتحدة ستفيد من مصادقتها على الاتفاق. ورأت الوزارة مثلاً أن «صادرات البلاد الى دول الاتفاق من معدات النقل، اي الطائرات المدنية ومحركاتها وقطع غيارها، تعاني من تعرفات جمركية بلغت 25 في المئة. وأوضحت أن القطاع يوظف 681 الف أميركي، وشكل 4 في المئة من الانتاج الصناعي الأميركي عام 2013، ونمت صادرات اميركا بواقع 49 في المئة بين عامي 2009 و2014، لتبلغ قيمة الصادرات 123.8 بليون دولار، ربعها على الاقل صُدر الى دول الاتفاق، ما يعني ان مع التخلص من الرسوم الجمركية البالغة 25 في المئة، من المتوقع ان تتحول دول الاتفاق الى أكبر مستورد لمعدات النقل الأميركية.

وكما الطائرات، كذلك السيارات الأميركية التي ستجد أسواقاً جديدة مفتوحة في وجه صادراتها خصوصاً في اليابان، التي تفرض حالياً تعرفات مرتفعة على السيارات الأميركية المستوردة. وكانت اليابان فرضتها قبل اربعة عقود، عندما كان قطاعها لصناعة السيارات في أيامه الأولى. كما تدخل السيارات اليابانية إلى أميركا من دون تعرفة، ما يعني ان اليابان ستتخلى عن رسومها فيما لن تقوم اميركا بتغييرات تذكر على هذا الصعيد.

وأظهرت الوزراة الأميركية سلسلة من الارقام تغطي قطاعات متنوعة، منها الصادرات الزراعية والحيوانية خصوصاً صادرات قطاع الخدمات الأميركي، وهو الأكبر في العالم ويشكل الجزء الأكبر من الصادرات الأميركية عموماً.

السبت، 27 أغسطس، 2016

ترامب يكره اليهود ايضا

حسين عبدالحسين

يسود لدى عامة العرب اعتقاد مفاده ان الاميركيين المسيحيين واليهود والماسونيين يحيكون سويا المؤامرات على العرب والمسلمين، ويطلقون على أنفسهم اسماء من قبيل “المحافظين الجدد”. لكن في الواقع، هذه المجموعات ليست واحدة موحدة، وان بدت احيانا كذلك.

في هذا السياق يأتي ترشيح دونالد ترامب، الذي أبدى قرباً غير مسبوق من مجموعات التطرف اليميني المسيحية في الولايات المتحدة. 

للعين المجردة، يبدو اليمين المسيحي — على انواعه — وأصدقاء اسرائيل، في خندق واحد. لكن بالتدقيق اكثر، يتضح ان اليمين المسيحي الذي يؤيد اسرائيل ينحصر بالانجيليين ممن يعتقدون ان قيام اسرائيل ضرورة لعودة المسيح وبدء سلسلة احداث نهاية العالم. هؤلاء الانجيليون هم الداعمون الرئيسيون لجماعات تأييد اسرائيل، مثل ايباك، الى جانب اليهود الاميركيين.

على ان هذا اليمين الاميركي ليس أقصى اليمين، بل هو يمين محافظ فحسب، فيما يتمركز اليمين المسيحي الاميركي المتشدد في مجموعات التفوق العرقي البيضاء، ويتوزع اليمين المتشدد على مجموعات مثل “النازيين الجدد” و”كو كلوكس كلان” وغيرها.

مجموعات التفوق العرقي للبيض المسيحيين هي الأقرب حاليا لترامب، وهذه تكره كل الشعوب من غير البيض، مسيحيين ام لا. اما في صدارة لائحة الكراهية لدى البيض العنصريين الاميركيين، فتأتي المجموعات المسماة سامية، أي العرب (مسيحيين ومسلمين) واليهود.

وتصريحات الكراهية التي ادلى بها ترامب تجاه العرب والمسلمين معروفة ولا حاجة لتكرارها. لكن ما لم يقله ترامب علناً، بل تكفل بقوله مؤيدوه، هو العداء لليهود، بمن فيهم اليهود الاميركيون من اصدقاء اسرائيل، وهذا العداء غير مسبوق في التاريخ الاميركي الحديث لدى مرشح من الحزب الجمهوري للرئاسة.

على صفحات موقع "برايتبرت" اليميني المتطرف، الذي اصبح مؤسسه ستيفن بانون مدير حملة ترامب الرئاسية، هجوم فريد من نوعه ضد بيل كريستول، وهو يهودي اميركي من زعماء الحزب الجمهوري ومن أبرز وجوه “المحافظين الجدد”. وكريستول هو ناشر مطبوعة “ويكلي ستاندرد”، وهو لطالما تمتع بنفوذ عظيم لدى الادارات المتعاقبة التي ترأسها جمهوريون، وكانت آخرها إدارة الرئيس جورج بوش الابن.

ولأن كريستول يعرف ما خلف الأكمة، ويدرك التماهي بين ترامب ومجموعات التفوق العرقي البيضاء، فهو كان من أول المعارضين لترشيحه، بل ان كريستول ومطبوعته تمسكوا بمعارضتهم لترامب، وتأييدهم لمرشح بديل، حتى بعدما اقتنص الاخير ترشيح الحزب الجمهوري رسمياً.

ولابعاد شبهة “معاداة السامية”، عهد موقع "برايتبرت" الى دايفيد هوروويتز، وهو يهودي من مؤيدي ترامب ممن يندر العثور عليهم، كتابة المقالة التي هاجمت كريستول ووجهت له نعوتاً مثل “اليهودي الخائن”. وكتب هوروويتز انه يهودي غير صهيوني، وانه لا يعتقد انه يمكن لليهود انهاء الكراهية ضدهم بحصولهم على دولة خاصة بهم. 

واضاف هوروويتز: “انا ايضا أميركي، وأميركي اولا”. والعبارة هذه تفتح جراحا عميقة، اذ ان نقاشا حادا يندلع بين اصدقاء اسرائيل الاميركيين منذ فترة، يقوم جزء منهم يعتبر نفسه اكثر ولاء لأميركا باتهام الجزء الآخر بأنهم اكثر ولاء لاسرائيل، ويطلق "الاميركيون اولا" على خصومهم تسمية “إسرائيليين اولا”، وهو ما يجعل هؤلاء اليهود الاميركيين خونة لوطنهم الاميركي.

هذه الفقرة من مقالة هوروويتز قد تبدو جذّابة بالنسبة للقراء العرب، لكن على العرب إدراك ان ترامب ليس صديقهم بمجرد انه يهاجم اسرائيل واصدقاءها الاميركيين، يهوداً او مسيحيين. 

ترامب، من جذور المانية خبأها جده وأبوه لفترة طويلة وتظاهروا بأنهم من السويد لأن اعمالهم في العقارات كانت تتركز في الضواحي اليهودية لمدينة نيويورك. ويبدو ان ألمانية ترامب هذه لم تُضِع على مؤيديه من العنصريين البيض، ان كانوا “نازيون جدداً” او غيرهم. هؤلاء، مثل النازيين القدامى، يغرقون في عنصرية بيضاء وعمياء، وان بدت احيانا تشترك مع بعض المصالح العربية، والأرجح ان هذه العنصرية هي الدافع الرئيسي خلف تأييدهم ترامب ودفعه الى المقدمة.

اما أسوأ من يتعاطى مع ترشيح ترامب فهم العرب الاميركيون من غير المسلمين. هؤلاء يهللون لعدائه للمسلمين، ويأيدونه، ويتبرعون لحملته، ويحشدون الاصوات لانتخابه. ما لا يدركه هؤلاء العرب ان ترامب يكره المسلمين لا بسبب دينهم، بل بسبب عرقهم، وهي كراهية عرقية تطال المسيحيين من السود والاميركيين الجنوبيين، وتطال كذلك المسيحيين العرب، الذين يتصدر واحد منهم فريق ترامب لشؤون السياسة الخارجية. تخريف العرب من غير المسلمين يعيد الى الذاكرة تخريف مسيحيي لبنان في الماضي، وغوصهم في صداقات مع اسرائيل، خسروا بسببها علاقاتهم مع اللبنانيين والعرب الآخرين، فيما انهال الأمن الاسرائيلي عليهم بالضرب في وقت لاحق فيما هم يستنجدون اسرائيل لقمة العيش.

الثلاثاء، 23 أغسطس، 2016

أوباما في طريقه ليصبح أكثر رؤساء أميركا شعبية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

صباح يوم ربيعي دافئ في مايو الماضي، اقفل “«الأمن السري» المولج حماية الشخصيات الاميركية، وفي طليعتها الرئيس باراك أوباما وافراد أسرته، شارعا ماساشوستس وويسكونسن اللذان يؤديان من البيت الابيض الى مدرسة سيدويل التي ترتادها ابنتا أوباما ساشا وماليا. كان يوم تخرّج ساشا من الثانوية، فتوجه الرئيس وزوجه ميشيل الى حرم المدرسة لحضور حفل التخرج.

لم يدرج البيت الابيض حضور الزوج أوباما حفل التخرج على جدول الاعمال الرئاسي، الذي يتم توزيعه يوميا، وآثر أوباما - على عادته - ابقاء حياته الخاصة خارج التغطية الاعلامية.

في اليوم التالي، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بعض الصور التي التقطها اهالي الطلبة الآخرين، واظهرت أوباما وهو يرتدي نظّارات شمس سوداء على غير عادته. في بادئ الامر، لم يفصح البيت الابيض عن السبب، لكن بعد ايام، قال أوباما انه حذّر ابنته انه سيبكي عند مشاهدته لها وهي تتسلم الشهادة الثانوية. وفعلا، لدى اعتلائها المنصة، فاضت دموع الرئيس فرحا، فاستل نظاراته الشمسية ووضعها على عيونه تفاديا للاحراج.

سيتذكر الاميركيون أوباما على انه اكثر الرؤساء الذي لم تشب ولايتيه اي شائبة: لا فضائح مالية لمستشارين، ولا عشيقة سرية للرئيس، ولا استخدام للنفوذ لاغراض شخصية. بعد ثماني سنوات على دخوله البيت الابيض، سيتذكر الاميركيون أوباما على انه اكثر الرؤساء الزاهدين في حياته الشخصية، فهو يبتعد عن الاضواء غالبا بعد الساعة الخامسة، وينتقل الى الجناح الشرقي من البيت الابيض المخصص لعائلته.

ويروي أوباما انه منذ دخوله وعائلته المنزل الرئاسي، يندر ان لم تجلس العائلة على الطاولة مساء لتناول العشاء، و»يتحدث كل منهم عن يومه وشؤونه». ويتمتع أوباما بعلاقة متينه مع زوجه، وابنتيه، ووالدة زوجه، التي تسكن معهما للاهتمام بالبنتين بسبب ارتباطات الرئيس والسيدة الاولى معظم اوقات النهار.

وأوباما هو قصة نجاح شخصية قبل ان ينخرط في العمل السياسي، فهو خريج جامعتين من جامعات النخبة في الولايات المتحدة، «كولومبيا» و»هارفرد»، التي يحمل منها دكتواره في القانون، وكذلك زوجه ميشيل.

ويقضي أوباما معظم اوقات المساء وهو يقرأ الكتب والصحف، ويطلب من العاملين لديه اختيار عشر رسائل من رسائل المواطنين التي يرسلونها الى البيت الابيض، فيقرأ هذه ايضا، وهي غالبا ما تكون طلبات شخصية، ويحاول تقديم المساعدة لاصحابها، وغالبا ما يتصل بهم ويقدم لهم العون المالي من جيبه الخاص.

والى كونه رجل عائلة وقارئ مثقف، يتمتع أوباما بكاريزما سهّلت من فوزه بالرئاسة في ولايتين، فهو الى مواهبه الخطابية، يتمتع بجاذبية يتحدث عنها الاميركيون، خصوصا عن اطلاقه ابتسامته العريضة او عند مشاركته في نشاطات غير سياسية. في عيد الفصح مثلا، يفتح البيت الابيض ابوابه للتقليد المعروف بـ «مفاقسة البيض»، بحضور ومشاركة باراك وميشيل، ويعقد الرئيس حلقة قراءة للأطفال المشاركين، ويقرأ لهم الكتب فيما يتظاهر وانه الشخصيات في الكتب التي يقرأها.

كذلك، لفت الاميركيين اداء أوباما الفكاهي في العشاءات السنوية لرابطة مراسلي البيت الابيض. وبعتبر الاميركيون أوباما من بين رؤسائهم «المضحكين». وحس الفكاهة الرئاسي غالبا ما يظهر على التلفزيون اثناء مشاركة أوباما في برامج فكاهية معروفة مع كوميديين مشاهير من امثال جون ستيورات وسيتفن كولبير.

وترافقت شخصية أوباما وميشيل المميزة، وغياب الفضائح عن فترة حكمه، مع تقديمه اداء في السياسة الداخلية مقبول نسبيا، فنسبة البطالة تدنت الى ما دون ٥ في المئة، والاقتصاد عاد للنمو في عهده، وان في شكل خجول، في وقت تعاني كل الاقتصادات الكبرى من عثرات وتباطؤ.

المأخذ الوحيد ضد أوباما يأتي من السياسة الخارجية، ان كان في فشله في التعامل مع قضية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، ام في فشله في وقف المجازر السورية، ام في توقيعه اتفاقية نووية مع ايران بدا وكأن غالبية المعنيين بالسياسة الخارجية ضدها.

لكن استطلاعات الرأي تظهر ان ٣ في المئة فقط من الاميركيين يتابعون الشؤون الدولية، وهو ما يجعل السياسة الخارجية في اسفل سلم اولوياتهم، الا اذا كانت اميركا منخرطة مباشرة في حرب مكلفة ماليا وبشريا، مثل حربي العراق وافغانستان. وأوباما حصد شعبيةهائلة بعد سحبه أميركا من الاولى وتقليصه الانخراط الاميركي في الثانية.

الحكم الاميركي الاولي على ولايتي أوباما ايجابي حتى الآن. صحيح ان العالم سيتذكر أوباما ويتذكر تقاعسه عن وقف المجازر في سورية او فشله في منع قيام تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، الا ان هذه الشؤون الخارجية لن تعكر على أوباما المجد الذي سيحوزه على الارجح بعد خروجه من الحكم.

وعلى عكس سلفه جورج بوش، الذي خرج من البيت الابيض ونسبة تأييده لا تتخطى ٢٥ في المئة، يتمتع أوباما بتأييد حالي يتخطى الخمسين في المئة، اي غالبية الاميركيين.

ومن المعروف ان المسؤولين الاميركيين، ومنهم الرؤساء، ترتفع شعبيتهم عند خروجهم من المسؤولية، فشعبية بوش مثلا تكاد تقارب الخمسين في المئة اليوم، بعد ثماني سنوات على خروجه من الحكم، رغم تدنيها في السنوات الاخيرة لحكمه.

هكذا، من المتوقع ان ترتفع شعبية أوباما المرتفعة اصلا، بعد ١٧ يناير، يوم خروجه من البيت الابيض. هذا الارتفاع الكبير في شعبية أوباما سيؤثر ايجابا لدى المؤرخين الذين سيعكفون على كتابة سيرته.

أوباما من الرؤساء الاميركيين القلائل الذين سيتذكر التاريخ انه كان بامكانه الفوز بولاية ثالثة لو ان الدستور الاميركي يسمح ذلك. لكن أوباما سيخرج من الحكم، وسيدخل التاريخ عند الاميركيين، حتى لو ان عددا كبيرا من الشعوب، وفي طليعتهم العرب، يتحينون فرصة خروجه كي لا يترحموا على ولايتيه.

الاثنين، 22 أغسطس، 2016

ترامب ينتقد تلقي كلينتون أموال دول بينها... الكويت

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في محاولة للمرشح الجمهوري دونالد ترامب اللحاق بمنافسته هيلاري كلينتون، التي تظهر كل استطلاعات الرأي تقدمها عليه قبل أقل من 80 يوماً على موعد انتخابات الرئاسة والكونغرس المقررة في 8 نوفمبر، قررت حملته تركيز هجماتها على مؤسسة كلينتون، التي تتسبب بكثير من الإحراج للمرشحة ووزيرة الخارجية السابقة، وكذلك لزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون.

ومعلوم أن الكويت تأتي في المرتبة الثالثة بين أكبر المتبرعين غير الأميركيين لجمعية «بيل وهيلاري وتشيلسي كلينتون».

وأظهر جدول نشرته حملة ترامب تصدر حكومتي النرويج والسعودية الجدول بإجمالي يتراوح بين 10 و20 مليون دولار، تلتهما كل من الكويت واستراليا وهولندا وايرلندا بإجمالي يتراوح بين 5 و10 ملايين دولار قدمته كل من هذه الدول للجمعية، فيما حلّت كل من قطر والامارات وسلطنتي عمان وبروناي في المرتبة الرابعة بتقديم كل منها تبرعات لجمعية كلينتون تراوحت بين مليون و5 ملايين دولار. ولم تقدم حملة ترامب إطاراً زمنياً لهذه التبرعات.

ويتهم خصوم كلينتون وهيلاري باستخدام نفوذهما السياسي للإثراء المالي، خصوصا بعد نهاية ولاية كلينتون الثانية وخروجه من الحكم في العام 2000.

وحسب التقارير المتواترة، خرجت عائلة كلينتون من البيت الابيض وهي تعاني من ديون، لكن الزوجين انخرطا في أعمال درّت عليهما الملايين، خصوصا لناحية عائدات كتب المذكرات التي نشراها، وكذلك عائدات الخطابات التي يدليان بها على مدار العام.

ويتقاضى بيل كلينتون نحو 150 ألف دولار لكل خطاب يدلي به، فيما تتقاضى هيلاري كلينتون نحو 100ألف دولار.

ويتهم الحزب الجمهوري وحملة ترامب الزوج كلينتون بقبول تبرعات من جهات خارجية، بما في ذلك حكومات اجنبية، مقابل «خدمات» على شكل نفوذ تقدمها الجمعية للمتبرعين، خصوصا في السنوات التي عملت فيها كلينتون وزيرة للخارجية بين 2008 و2012، وهي اتهامات دفعت الرئيس باراك أوباما الى الطلب لعائلة كلينتون وقف قبول التبرعات الخارجية أثناء عمل هيلاري وزيرة للخارجية، حسب التقارير الاعلامية الأميركية.

الا انه يبدو ان الرئيس السابق كلينتون استمر في قبول تبرعات خارجية، لكن مع اقتراب امكانية عودة الزوج الى البيت الابيض بانتخاب هيلاري رئيسة، اضطرا الى الاعلان انه في حال انتخاب كلينتون، فإن الجمعية ستحصر التبرعات التي تقبلها بالمواطنين الاميركيين والجمعيات الاهلية المستقلة.

بيد ان خصوم كلينتون، وخصوصا في حملة ترامب، اعتبروا انه يمكن لأي حكومة اجنبية ان تستمر في تقديم الاموال لجمعية كلينتون عن طريق التخفي خلف جمعيات اهلية اميركية ذات التمويل المجهول.

وكانت آخر تقارير انفاق الحكومات الاجنبية على نشاطات اللوبي في العاصمة الأميركية، في العام 2014، أظهرت ان الكويت حلّت في مرتبة متأخرة ( 28) بإجمالي انفاق بلغ 685 ألف دولار فقط، مقارنة بـ 14 مليون دولار أنفقتها الامارات لتحل في المرتبة الاولى، و12 مليونا أنفقتها ألمانيا لتحل ثانية، فيما تساوت كندا والسعودية في المرتبة الثالثة بـ 11 مليون دولار.

البيت الأبيض:العالم أفضل بدون الأسد الا إذا..

حسين عبدالحسين

روبرت مالي هو عقل الرئيس الأميركي باراك أوباما حول شؤون الشرق الاوسط. في الاشهر الاربعة المتبقية من حكم الرئيس الاميركي، يبحث مالي -على غرار زملائه في البيت الابيض- عن عمل، وهو لهذا السبب يلجأ الى الاعلام لاستعراض قدراته.

هذه المرة، في مقابلة مع صديقه آرون ميلر في مجلة "فورين بوليسي"، أدلى مالي بمواقف لا سابق لها في صراحتها. للمرة الاولى منذ اندلاع الثورة السورية في العام ٢٠١١، يحدد مسؤول في الادارة الاميركية رؤية البيت الابيض تجاه الرئيس السوري بشار الأسد، فيقول إن "سوريا والعالم سيكونان افضل بما لا يقاس من دون الأسد، ولكن هذا لا يعني ان (سوريا والعالم) سيكونان افضل بما لا يقاس عندما تفرض بعض المجموعات الجهادية المتطرفة نفوذها وسيطرتها" بدلا من الأسد.

إذاً، الموقف الاميركي الصريح من الأسد هو ان ادارة أوباما تؤمن بضرورة رحيله، باستثناء عندما يكون البديل عنه سيطرة الجهاديين (ومالي لم يلجأ الى التسمية الرسمية التي تتفادى الطابع الديني وتلتزم بوصفهم عنفيين متطرفين).

ويتابع مالي ان الامر لا يتطلب الا معرفة سطحية بشؤون المنطقة وتاريخها، لنفهم ان هذه المجموعات تتمكن اكثر كلّما طالت الحرب الاهلية.

اضافة العنصرين الذين يقدمهما مالي في مقابلته، أي استثناء الأسد من الرحيل لأن البديل جهادي، ثم اعتبار ان اطالة أمد الصراع يعطي الجهاديين "اليد العليا"، يعني ان أميركا تريد بقاء الأسد، وفي الوقت نفسه القضاء على البديل في اسرع وقت ممكن.

بكلام آخر، يتكلم مسؤول أوباما لشؤون الشرق الاوسط باللغة نفسها التي دأب الأسد على استخدامها لتبرير قمعه الدموي للسوريين: إما انا وديكتاتوريتي الدموية، وإما الجهاديين المتطرفين. في هذه الحالة، يختار مالي صراحة بقاء الأسد، ولكن من دون ان يتلفظ بالعبارة. فقط يحدد رؤية واشنطن للحرب السورية، فيصبح استنتاج الموقف الاميركي المتمسك بالأسد أمراً يسيراً.

ومالي هو من اصدقاء الأسد، وكان زاره في دمشق في العام ٢٠٠٧، واقام علاقة صداقة وطيدة مع سفيره في واشنطن عماد مصطفى. وبسبب قرب مالي من الأسد، وبسبب لقاءاته مع "حماس"، اضطر أوباما، عندما كان مرشحاً للرئاسة، إلى إبعاده في العام ٢٠٠٨، ثم ليستعيده بعد فوزه بولايته الثانية في العام ٢٠١٢ ويعهد اليه بصناعة سياسة أميركا الشرق اوسطية برمتها.

والمقابلة التي يدلي بها مالي هي عبارة عن سلسلة من الآراء الملتوية، او اللامنطقية. يفتتح مالي حديثه بتوجيه اصابع الاتهام عن الأزمات التي تعصف بالشرق الاوسط الى غياب الحريات والديموقراطية، ويقول ان سياسة الاقصاء والتهميش وغياب التوزيع العادل للثروات هي السبب الرئيسي خلف هذه الازمات. وهذا كلام جميل.


ثم في الفقرة نفسها، يتابع مالي ان سياسة واشنطن تقضي بتسوية سياسية بين السوريين ونظام الأسد، أي ان الحل الذي يقدمه مالي لا يتناسب وسبب المشكلة، فإذا كانت مشكلة الشرق الاوسط هي غياب الديموقراطية، فمن المنطقي اقصاء من يتسببون بخنق الحريات والقضاء على الديموقراطية، مثل الأسد، بدلا من الاصرار على كبح اندفاعة السوريين ضد ديكتاتوريتهم واجبارهم على الدخول في تسوية مع جلاديهم.

مالي إما شرير متآمر على السوريين، أو أن فهمه للسياسة الدولية متواضع؛ والمثل العامي يقول إن "العبيط اخو الشيطان". في الحالتين، ساهم مالي في صناعة سياسة أميركية تجاه سوريا وقفت بموجبها واشنطن متفرجة، إن لم تعزز، مقتل مئات الاف السوريين ونزوح ملايين الآخرين الى مخيمات اللجوء ودول الشتات.

مالي حاول تبييض صفحة أوباما في السياسة الخارجية وتلميع صورته الشخصية للفوز بوظيفة برّاقة جديدة، لكن التاريخ سيقرأ المقابلة معه، وسيستنتج أن من أداروا واشنطن في زمن الحرب السورية كانوا من اسوأ اصناف السياسيين.

هل ينتخب اللبنانيون رئيسهم قبل خروج أوباما من الحكم؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ادارة الرئيس باراك أوباما صارت بحكم المنتهية. يقوم مسؤولوها بمهام هي اقرب الى تصريف الاعمال، ويحاولون متابعة مشاريع أوباما العالقة وانهائها قبل خروجه من الحكم في ١٧ يناير، مثل المصادقة على «اتفاقية الشراكة عبر الاطلسي»، لكنهم يتفادون اخذ زمام اي مبادرة داخليا او خارجيا.

وعلى سير عادة رؤساء الدول الذين تقارب ولايتهم نهايتها، من المتوقع ان يقوم أوباما بالمصادقة على بعض «الافعال الحسنة» في اسابيعه الاخيرة في الحكم، على سبيل المثال يوقع على اعفاءات تخفيفية بحق بعض المدانين بحكم الاعدام.

في الاشهر القليلة المتبقية لأوباما في الحكم، يعتقد بعض اللبنانيين ان ادارته تقف في موقع ممتاز لتسهيل عملية انتخاب رئيس جمهورية في لبنان.

لبنان لم يكن على لائحة اولويات أوباما منذ وصوله للبيت الابيض في العام ٢٠٠٩، واقتصرت سياسة واشنطن تجاه بيروت على التنسيق مع الاجهزة الامنية اللبنانية، التي تنسّق بدورها مع مجموعات لا تتواصل معها واشنطن بسبب اعتبارها ارهابية، مثل «حزب الله».

هكذا، تحولت القنوات الرسمية اللبنانية الى قناة غير مباشرة بين الاميركيين و»حزب الله»، خصوصا في الشؤون الامنية بهدف ابقاء لبنان في منأى عن العواصف العنفية التي تعبث بمنطقة الشرق الاوسط.

اما ابرز ما يميز ادارة أوباما، فهي ان وزير خارجيتها جون كيري بتمتع بقناة مفتوحة في شكل مباشر، غالبا عن طريق الـ «ايميل»، مع نظيره الايراني محمد جواد ظريف، وهي قناة يعتقد بعض العاملين في الادارة الاميركية انها نجحت في التخفيف من مضاعفات بعض المواجهات في لبنان، مثل في المواجهة المحدودة و»شبه المتفق عليها» التي تلت قيام اسرائيل باغتيال كبار مسؤولي «حزب الله» اثناء تواجدهم في هضبة الجولان السورية.

قناة كيري - ظريف هي التي يسعى اليها بعض النافذين من المتمولين اللبنانيين، الذين يعتقدون انه مع خروج الرئيس السوري بشار الأسد من المعادلة اللبنانية، ومع قرار السعودية الخروج من لبنان كذلك والتعامل مع دولته على انها تابعة لـ «حزب الله»، ان كان طواعية او عن غصب، تصبح أميركا ثاني اكبر لاعب في لبنان بعد ايران، ويصبح اي اتفاق بين واشنطن وطهران ذي وزن، خصوصا لناحية انتخاب رئيس للجمهورية بعد شغور المنصب اثر نهاية ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في مايو ٢٠١٤.

وتقول المصادر الاميركية ان احد كبار المتمولين من اصل لبناني يتمتع بعلاقة وطيدة مع عاملين في ادارة الرئيس أوباما، منذ ان كان هؤلاء يعملون في ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون في التسعينات، من امثال مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، التي سبق ان عملت كمساعدة وزيرة خارجية لشؤون افريقيا.

واظهرت بعض الـ «ايميلات» التي كشفتها وزارة الخارجية أخيرا، والتي تعود للوزيرة السابقة والمرشحة الحالية هيلاري كلينتون، ان المتمول المذكور يعمل على «شراء نفوذ» لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين في الادارة الاميركية للتباحث في الشأن اللبناني.

وكان المتمول المذكور من ابرز راعي مؤتمر «مسيحيي المشرق» الذي انعقد في العاصمة الاميركية في سبتمبر ٢٠١٤. وكان المؤتمر يسعى الى»توحيد» مسيحيي المشرق خلف بشار الأسد في حربه المفترضة على الارهاب. الا انه مني بفشل ذريع لاسباب متعددة.

اليوم، يعتقد بعض هؤلاء اللبنانيين انهم امام فرصة ذهبية لاقناع ادارة أوباما بممارسة بعض الديبلوماسية مع ايران لانتخاب رئيس في لبنان.

اما عن هوية الرئيس اللبناني المقبل، فلا يبدو ان عملية اختيار اسماء المرشحين بدأت، لكن من يقفون خلف هذه المبادرة كانوا ايضا من داعمي انتخاب النائب سليمان فرنجية، وهو انتخاب تبناه عدد من الزعماء اللبنانيين كان في طليعتهم رئيس مجلس النواب، نبيه بري وصديقه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومعهما رئيس حكومة لبنان السابق سعد الحريري.

ولو دخلت طهران وواشنطن في عملية التوافق على رئيس لبناني، يبدو ان محركي العملية مازالوا يدعمون فرنجية، ما يعني انه في حال تمت اعادة تكوين الاجماع النيابي خلف ترشيحه، يمكن ساعتذاك انتخاب فرنجية رئيسا للبنان قبل خروج أوباما من الحكم.

الأحد، 21 أغسطس، 2016

تخبّط ترامب يُنذر بخسارة الجمهوريين ... الرئاسة ومجلس الشيوخ

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

لم يعد تأخر المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب عن منافسته هيلاري كلينتون، حسب استطلاعات الرأي، وحده المشكلة التي يواجهها الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة والكونغرس المقررة في ٨ نوفمبر، بل صارت شعبية ترامب المتهالكة تنذر بخسارة جمهورية فادحة، بما في ذلك خسارة مجلس الشيوخ، الذي استعاده الجمهوريون من الديموقراطيين قبل عامين فقط.

ومشكلة ترامب هي في صميم النظام الاميركي التي لطالما عانى منها المرشحون من الحزبين، ففي الولايات المتحدة نظامان يتعايشان جنبا الى جنب: الأول محلي على صعيد الولاية والحزب، والثاني فيديرالي على صعيد البلاد. هذا يعني انه يمكن لمرشح من اقصى اليمين ان يكون الاكثر شعبية في ولايته فيفوز في انتخابات المحافظ او يقتنص مقعد الولاية في الكونغرس، لكن ما ينطبق على الولاية لا ينطبق على عموم البلاد، خصوصا مع التغييرات الديموغرافية التي تطال أميركا منذ عقود، والتي شهدت ضمورا في حجم الكتلة الناخبة بين البيض، من نحو ٨٠ في المئة في العام ١٩٨٠، الى قرابة ٧٠ في المئة اليوم.

مشكلة المرشحين الجمهوريين انهم حتى يفوزون في انتخاباتهم المحلية او الحزبية، حيث الاكثرية الساحقة من البيض، يحتاجون الى تبني خطاب يتناسب مع طموحات وآراء هؤلاء البيض، لكن في الانتخابات على صعيد الولايات المتحدة، لا يكفي البيض وحدهم، بل المطلوب هو الانفتاح على الاقليات والحصول على دعمهم.

والقى المرشح الجمهوري خلال تجمع انتخابي في دايمونديل في ولاية ميشيغن، أول من أمس، خطابا توجه فيه الى الاميركيين السود في محاولة لتوسيع قاعدته الانتخابية، مؤكدا ان حزب منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون والرئيس باراك اوباما تخلى عن ناخبيه السود.كذلك، يعاني الخطاب الابيض، الى جانب تحييده الاقليات من غير البيض، من انحياز للرجال ضد النساء. هذا الانحياز للرجال البيض سمح للمرشح الجمهوري للرئاسة في العام ٢٠١٢ ميت رومني بالتفوق على منافسه الرئيس باراك أوباما بـ ٢٧ نقطة مئوية عند هذه الفئة. لكن أوباما عوّض هذا النقص بتفوقه على رومني في كل المجموعات الجندرية والعمرية والعرقية الاخرى.

على ان ترامب يعاني من مشكلة اكبر من رومني، اذ تظهر استطلاعات الرأي ان تأييده ينحصر بين الرجال البيض من غير حملة الشهادات الجامعية. حتى بين البيض من غير الجامعيين، يعاني ترامب من تقهقر يعتقد الخبراء ان اسبابه متعددة، وتتراوح بين احجام رجال بيض مسيحيين عن تأييده لاعتقادهم ان اخلاقه «ليست مسيحية»، من قبيل انه يشتم خصومه علنا، وتخلي آخرين عنه بعد المعركة التي خاضها ضد عائلة خان المسلمة التي خسرت ابنها اثناء قتاله في صفوف الجيش الاميركي في العراق.

والانهيار شبه التام الذي يعانيه ترامب في شعبيته انعكس على شعبية الحزب الجمهوري عموما، اذ ان مناصري الحزب راحوا يعلنون عزوفهم عن الاقتراع، فراحت استطلاعات الرأي تشير الى ان عشرة سناتورات جمهوريين ممن سيخوضون معركة بقائهم في مجلس الشيوخ يواجهون خطر الخسارة.

وينتخب الاميركيون ثلث اعضاء مجلس الشيوخ كل سنتين. هذا العام، يختار الاميركيون ٣٤ سناتورا جديدا، فيما يحافظ ٦٦ على مقاعدهم، منهم ٣٤ ديموقراطيا و٣٠ جمهوريا. من بين المقاعد التي ستشهد انتخابات، يضمن الديموقراطيون فوزهم في ٩، فيما يضمن الجمهوريون ١٤، ما يعني ان ١١ مقعدا يصعب التكهن بهوية الفائز فيها، فتشتد عليها المعارك. من هذه المقاعد، ١٠ للجمهوريين وواحد فقط للديموقراطيين. ولأن الديموقراطيين يكفيهم اقتناص ٦ مقاعد من ١١ المفتوحة للمعارك، تصبح امالهم كبيرة في استعادة الغالبية في مجلس الشيوخ من الجمهوريين، الذين يسيطرون على المجلس حاليا بـ ٥٤ مقعدا من مئة.

ولأن بقاء ارقام استطلاعات الرأي على ما هي عليه تنذر باكتساح كلينتون الرئاسة، لا فوزها على ترامب فحسب، ولأن هذا النوع من الانتصار يعزز امكانية استعادة الديموقراطيين مجلس الشيوخ، وربما عدد من محافظي الولايات والمجالس المحلية، شدد الجمهوريون الضغط على ترامب من اجل محاولة تدارك الوضع وتغيير الاتجاه لحفظ ما يمكن حفظه من ماء الوجه سياسيا.

لكن ترامب لا يستمع للجمهوريين كثيرا. وحده ادائه السيئ في استطلاعات الرأي هو الذي اجبره على اجراء سلسلة تغييرات جذرية في قيادة حملته الانتخابية، وهي المرة الثانية التي يغير فيها ترامب طاقم مستشاريه هذا العام.

على ان المفاجأة جاءت في هوية القادة الجدد، فالقيادة الجمهورية تعتقد ان على ترامب تخفيف جنوحه نحو اليمين المتطرف والعودة الى الوسط لتجديد آماله بالفوز. لكن ترامب طرد بول مانفورت، مدير حملته ومستشاره الذي حاول عبثا تلطيف ترامب، والزامه النص المكتوب، واعادته الى الوسط او الى شكل لائق يمكن تسويقه لدى فئات متنوعة من الاميركيين، ووظّف بدلا منه ستيفن بانون، الرئيس التنفيذي لموقع «برايتبارت» الاخباري.

في الايام القليلة التي تلت التغييرات في حملة ترامب، أطل الاخير في خطاب مكتوب، اعتذر بموجبه عن الاهانات التي وجهها الى بعض الاميركيين، وعزا تصرفاته الى حماوة المعركة الانتخابية التي تدفع المرشحين عادة الى التفوه بما من شأنه ان يحملهم على الندم في وقت لاحق.

واخاف وجه ترامب اللائق الجديد كلينتون، التي حذرت مناصريها من الوقوع في فخ الكلام المعسول الذي قد يتفوه به ترامب حتى يوم الانتخابات، وقالت ان ترامب الذي رأيناه منذ اعلانه ترشيحه هو ترامــــب الحقيــقي.

فهل ينجح ترامب في الاسابيع السبعة المتبقية للانتخابات في قلب صورته، وتاليا استطلاعات الرأي، او على الأقل انقاذ الحزب الجمهوري في معركة مجلس الشيوخ ومعارك المحافظين، ام ان المرشح الجمهوري للرئاسة سيستمر في التخبط في حملته المرتبكة حتى ينهار هو و الجمهوريون امام اكتساح ديموقراطي صار مرجحا؟

كبير مستشاري أوباما: إنجازاتنا في سورية فاقت توقّعات الإسرائيليين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في معرض دفاعه عن السياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما، اعتبر كبير مستشاريه ومسؤول شؤون الشرق الاوسط في البيت الابيض روبرت مالي أن السياسة الاميركية في سورية ناجحة، بدليل انها أفادت إسرائيل وأمنها. واصفاً نزع الترسانة الكيماوية للرئيس بشار الأسد بأنها «إنجاز» أميركي «فاق أكثر التوقّعات الإسرائيلية تفاؤلا».

وقال مالي إن «الولايات المتحدة حقّقت هدف الخط الأحمر»، الذي كان حدّده أوباما للأسد ضد استخدام الاخير اسلحة كيماوية، «من دون اللجوء الى ضربة عسكرية، لم تكن نهايتها واضحة، ومن دون مبرر قانوني دولي».

وكانت الولايات المتحدة تراجعت عن توجيه ضربة لقوات الأسد بعدما قامت هذه القوات بقصف ضواحي دمشق بالاسلحة الكيماوية صيف عام 2013، في مقابل تخلي الأسد عن ترسانته الكيماوية، بإشراف الأمم المتحدة ودعم أميركي وروسي.

وفي مقابلة أجراها معه آرون دايفيد ميلر، صديقه وزميله في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، ونشرها في مجلة «فورين بوليسي»، وصف مالي الاتفاقية النووية مع إيران بأنها واحدة من الإنجازات الاميركية في العلاقات الدولية، الى جانب اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991.

ومالي كان من أكثر المتحمّسين لسياسة «الانخراط مع الأسد» التي بدأتها وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس في السنتين الاخيرتين من ولاية الرئيس جورج بوش الابن، بدءا من صيف عام 2007. وكان مالي، في سياق سياسة الانخراط، قابَل الأسد في دمشق، وأقام علاقة وطيدة مع سفيره السابق في واشنطن عماد مصطفى.

وانضم مالي إلى حملة أوباما الرئاسية الاولى عام 2007 للمشاركة في صناعة سياسته الخارجية، إلا ان لقاءات مالي مع مسؤولي حركة «حماس» الفلسطينية اجبرت أوباما على إخراجه وإبعاده، حتى فاز أوباما بولايته الثانية، فعيّن مالي في ارفع المناصب المسؤولة عن صناعة السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط.

ويحدد مالي أهداف إدارة أوباما في المئة يوم او اكثر المتبقية لها في الحكم، فيعتبر أنها ثلاثة، في طليعتها حماية الولايات المتحدة والمواطنين الاميركيين من الهجمات الارهابية، وثانيها إلحاق «هزيمة نهائية» بتنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، معتبرا ان «كلمة نهائية هي بأهمية كلمة هزيمة، اي ان تكون هزيمة (داعش) مؤكدة ولا تسمح له بالقيام من الرماد مجددا».

وقال مالي إنه بالعمل مع الحكومة العراقية «وقوات محلية»، يتم التقدم نحو معاقل التنظيم في الموصل والرقة وفي ليبيا.

أما ثالث أهداف أوباما قبل رحيله عن الحكم - حسب مالي - فهو «حماية الاتفاقية مع إيران، مع ما يعني ذلك من البقاء على يقظة تجاه التزام إيران تعهّداتها».

السبت، 20 أغسطس، 2016

لماذا حرّك عمران عواطف الأميركيين وإعلامهم؟

حسين عبدالحسين

في خلال خمس سنوات، هي عمر الثورة السورية، خرج السوريون اشلاء او بعض اشلاء من تحت الركام. أطفال من دون رؤوس، أمهات تحجّرن وهن يعانقن أولادهن، مسنون يبكون وهُم يعاينون المنقذين الذين فتحوا كوة في الركام.. يد من هنا، رجل من هناك… رأس. لم تُثر أفظع أنواع الصور، حفيظة الأميركيين، الذين كانوا يطالعون صور المجازر في سوريا، فتتراءى لهم صور جنودهم العائدين من العراق في توابيت ملفوفة بالأعلام الأميركية، أو الجنود الذين كانوا أكثر حظاً فعادوا أحياء، لكن بعدما بترت أيديهم أو أرجلهم.

بين الحين والآخر، كان بعض صور الموت السوري يجد طريقه إلى الإعلام الأميركي، الذي قدمها بخجل. صورة الطفل عيلان الكردي، الذي لفظه البحر واستلقى ميتاً على شواطئ تركيا، حرّكت بعض الضمير الأميركي. لكن صورة عيلان كانت ملائكية. فابن السنوات الثلاث بدا نظيفاً لماعاً، وبدا نائماً بسلام وأمواج البحر تتلاطم خلفه. ثم إن المسؤول عن موت عيلان لم يكن واضحاً. صحيح ان عائلته فرّت من جحيم الحرب السورية، إلا أن موته كان نتيجة غير مباشرة للحرب. خلف موت عيلان الملائكي، مجموعة من العوامل، منها الحرب السورية، ومنها جشع تجار الموت من المهربين الذين يحملون اللاجئين السوريين في قوارب لا تتوافر فيها شروط السلامة. صحيح ان عائلة عيلان ركبت قوارب الموت السورية ليأسها، لكنها، بركوبها القارب، قررت المجازفة بأمنها وأمن عيلان، فجاءت النتيجة مفجعة.

ثم جاءت صورة عمران دقنيش، ابن السنوات الخمس الذي أخرجه المسعفون من بيته الذي تعرض للقصف الروسي في حي القاطرجي في حلب. في خلال أكثر من عقد منذ هجرتي إلى الولايات المتحدة، ومعاصرتي لأميركا والأميركيين في زمن سادته الحروب وتصدر صفحاته الموت، منذ هجمات 11 ايلول 2001، مروراً بحربي أفغانستان والعراق، فليبيا وسوريا واليمن.. لم يسبق أن هزّت صورة واحدة من كل هذه الحروب، الأميركيين، مثل صورة عمران، التي افردت لها "نيويورك تايمز"، اليوم الجمعة، أربعة أعمدة في أعلى صفحتها الأولى.

في شبكة "سي إن إن"، ومباشر على الهواء، بكت المذيعة كايت بلدوان، أثناء قراءتها للخبر وعرض الصورة، فتحوّل بكاء مذيعة على الهواء الى عنوان آخر تصدر صفحات الصحف الاميركية.

وفي وقت كتابة هذه السطور، كان الأميركيون ما زالوا يدققون في صورة عمران، يحاولون الفهم: كيف يمكن لصورة من هذا النوع أن تجتاح وجدانهم وتسيطر عليه، من دون أن تكون لديهم المقدرة على الإشاحة عنها أو تناسيها؟ 

أما المفارقة، فتكمن في أن عمران لم يمت، ولم يبكِ، ولم يصرخ. عمران ظلّ جالساً في الكرسي الذي أجلسه عليه المنقذ. عمران كان يحمل دمه على رأسه، ويحمل بيته الذي تحول غباراً على جسده الصغير. جلس صامتاً. حاول مسح الدم الذي على رأسه، بالغبار الذي تبقى من منزله على يديه. ثم نظر في الكاميرا محدقاً. نظرة عمران هذه، هي التي اخترقت الأميركيين في الصميم، وهي النظرة التي حملت شبكة "ان بي آر" شبه الرسمية على التعليق بالقول إن "العالم يحدق في عمران، وهو يحدق في العالم".

"هل تهتمون لكلب أكثر من لاجئ؟"، كتب المعلق نيكولا كريستوف في "نيويورك تايمز"، قبل انتشار صورة عمران بساعات. وقال كريستوف في مقالته انه وعائلته تفجعوا على موت كلبة العائلة المسنة، والتي كانت تبلغ من العمر 12 عاماً، ليتذكر أن السوريين يعانون، فيما الأميركيون يهتمون لكلابهم أكثر من اهتمامهم لمعاناة السوريين. وتابع كريستوف ان حتى الكلاب تعرف أن "لكل حياة إنسانية قيمة".

ربما لو كانت قاذفات فلاديمير بوتين الاستراتيجية، التي تقلع من قاعدة نوجا الايرانية وتقصف حلب في محاولة لتحويلها الى غروزني، وتسويتها بالأرض تماماً، لو كانت تؤدي الى قتل آلاف الكلاب والقطط، لربما أبدى الاميركيون والغربيون اهتماماً أكبر لوقف مجازر بوتين وبشار الأسد في حق السوريين.

لكن الرياح الأميركية بدأت تهب في اتجاه مختلف اليوم. صورة عمران أثبتت بدء تعاطف الأميركيين مع السوريين، وكذلك مقالة كريستوف، وهو من أقصى اليسار (مثل المرشح السابق للرئاسة السناتور بيرني ساندرز). كريستوف كان من معارضي حرب العراق، وهو من معارضي التدخل العسكري الأميركي في اي بقعة من العالم عموماً. فأن يكتب كريستوف إنه يخجل لحزنه على كلبته، فيما السوريون يموتون، يشي بأن المزاج في أميركا بدأ ينقلب، وأن الرئيس المقبل سيتعامل مع الحرب السورية أمام رأي عام تجاه سوريا، يختلف تماماً عن الذي تعامل معه أوباما على مدى السنوات الخمس الماضية.

الخميس، 18 أغسطس، 2016

صفقة «إف 18» للكويت قبل رحيل أوباما؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وكيلة وزير الدفاع هايدي غرانت تقود حملة بالتعاون مع لوبي صناعة السلاح لتذليل عقبات الكونغرس أمام إتمام الصفقة الكاملةرجحت مصادر في البيت الأبيض لـ «الراي» أن يتراجع الكونغرس عن معارضته لصفقة بيع مقاتلات أميركية للكويت وقطر والبحرين قبل خروج الرئيس باراك أوباما من الحكم في 17 يناير المقبل.

وقالت المصادر إن معركة سياسية قاسية تدور خلف الأبواب الموصدة حول مصير صفقة المقاتلات. وكانت إدارة أوباما وافقت، قبل نحو عام، على بيع الكويت وقطر والبحرين 76 مقاتلة بسعر إجمالي بلغ 8 مليارات دولار. ووافقت وزارتا الدفاع والخارجية الأميركيتان على الصفقة التي تقضي بتزويد الكويت 24 مقاتلة من طراز «إف 18 سوبر هورنيت» بسعر إجمالي بلغ 3 مليارات دولار، وبيع قطر 36 مقاتلة «إف 15» بسعر إجمالي بلغ 4 مليارات دولار. أما البحرين، فكانت ستتسلم 16 مقاتلة «إف 16»، بسعر مليار دولار.

والمقاتلات من صناعة شركة لوكهيد مارتن، وهي الشركة نفسها التي تصنع طائرات «بوينغ» المدنية.

وبعد صدور الموافقة من وزارتي الدفاع والخارجية على صفقة بيع المقاتلات للدول الخليجية الثلاث، وافق البيت الأبيض، وقامت وكالة التعاون الأمني الدفاعي بإبلاغ الكونغرس، في عملية روتينية غالبا ما تمر بسلاسة. لكن هذه المرة، انتفض عدد من أعضاء الكونغرس، وقاموا بعرقلة الصفقة، وبقيت أسباب هذه العرقلة مبهمة ومتضاربة، وكان مصدرها عدد من الأعضاء من الحزبين الجمهوري والديموقراطي.

ويمارس المعنيون صمتا شبه مطبق حول الأسباب الفعلية للمعارضة، ما عدا المواقف الرسمية التي يطلقونها، والتي تتراوح بين معارضة شنّها عضوا مجلس الشيوخ، الديموقراطي المرشح لمنصب نائب الرئيس تيم كاين والجمهوري الذي انهارت طموحاته الرئاسية ماركو روبيو، وتأييد لإتمام الصفقة، خصوصا من المؤسسة الدفاعية مدعومة بلوبي الصناعات العسكرية التي تعتاش من صفقات دولية من هذا النوع.

ويقول العارفون بخبايا الحملة ضد صفقة المقاتلات الأميركية للدول الخليجية الثلاث إن معارضة كاين وروبيو الصفقة للبحرين، إضافة إلى معارضة أخرى لصفقة قطر، التي ربما يكون خلفها أصدقاء إسرائيل لأسباب غير واضحة، بمثابة حجة، إذ إن صفقة بيع المقاتلات تظهر وكأنها رزمة واحدة، على الرغم من أنها صفقة بين «لوكهيد مارتن» وثلاث حكومات خليجية مختلفة.

وتقول المصادر الأميركية إنه «بعرقلة عملية البيع لإحدى الدول الثلاث يعرف معارضو الصفقة أن عملية البيع ستتعثر»، مع تأكيد أن لا تحفظ لدى أي طرف على بيع مقاتلات «إف 18» للكويت، لكن تأخير الصفقة ناجم عن شمل الكويت مع جارتيها الخليجيتين.

وتقف في الصف المؤيد لإتمام الصفقة، وكيلة وزير الدفاع للقوة الجوية هايدي غرانت، التي تعمل خلف الكواليس من أجل حمل الكونغرس على الإفراج عن الصفقة، وهي تعقد لقاءات دورية مع أعضاء الكونغرس، وتؤكد لهم أن «المصلحة القومية للولايات المتحدة تقضي بتسليح الحلفاء الثلاثة، الكويت وقطر والبحرين».

وينقل متابعو لقاءات غرانت في العاصمة الأميركية أنها غالبا ما تشير إلى الكويت لتفنيد معارضة الصفقة، ويقول هؤلاء إن غرانت تردد أنه إذا كانت الولايات المتحدة ستتلكأ في بيع مقاتلاتها لأرفع حلفائها مستوى خارج «تحالف الأطلسي»، مثل الكويت، فإن مصداقية واشنطن مع كل أصدقائها حول العالم ستكون موضع تشكيك مستقبلا.

ويبدو أن لوبي صناعة السلاح، في صدارته «لوكهيد مارتن»، يعاون غرانت وإدارة أوباما في سعيهم لتذليل العقبات الكونغرسية أمام إتمام الصفقة. لهذا السبب، دعت الشركة المذكورة العاملين لمصلحتها من أرباب اللوبي للعمل على إقناع أعضاء الكونغرس، واستند هؤلاء إلى عنوان عريض في محاولة تليين المعارضة بالقول إنه «عندما تمنع واشنطن بيع حلفائها مقاتلات بتسعة مليارات دولار، فإن إنتاج أميركا للمقاتلات سيتقلص، ما يعني أن تكاليف إنتاج المقاتلة الواحدة سيرتفع، وهو ما سيزيد تكاليف القوة الجوية الأميركية ويكبد موازنة وزارة الدفاع أعباءإضافية، في زمن تقشف الحكومة الفيديرالية واقتطاعها من موازنات كل وزاراتها من دون استثناء، كذلك، من شأن الإحجام عن صناعة وبيع 76 مقاتلة أن يؤثر سلبا في عمل مصانع إنتاج المقاتلات في ولاية تكساس، مع ما يعني ذلك من إمكانية تقليص عدد الوظائف».

وقام بعض مؤيدي الصفقة بالتهديد أنه في حال تمسك الكونغرس بمعارضته، فإن خط إنتاج مقاتلات «إف 15» قد يتم إقفاله تماما ونهائيا.

أما في البيت الأبيض، فتفاؤل حذر من أن الكونغرس سيتراجع عن معارضته. وعندما حاولت «الراي» الحصول على موعد لإتمام الصفقة، قالت مصادر البيت الأبيض إنها «تعتقد وتأمل أن تتم الصفقة قبل رحيلنا عن الحكم».

الحرب بعد داعش

حسين عبد الحسين

يسود اوساط فريق الرئيس الاميركي باراك أوباما تفاؤلٌ سببه الاعتقاد ان تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) هو في طريقه لهزيمة مؤكدة قبل نهاية هذا العام. ويأمل الفريق الرئاسي ان يقف أوباما، في اطلالته الاخيرة امام الاميركيين والعالم، ليزفّ اليهم الخبر السار يوم وقوع الموصل في ايدي قوات التحالف.

لكن الاحتفال الذي يمني أوباما نفسه به يشبه انتصار “المهمة تمت”، يوم وقف الرئيس السابق جورج بوش الابن على متن حاملة طائرات يتباهى بوقوع بغداد في ايدي القوات الاميركية، اذ لم يلبث ان تحول انتصار بوش العسكري الى سنوات من الفوضى، والاقتتال الاهلي، والحروب الدموية.

الاسبوع الماضي، قال منسق التحالف الدولي للحرب ضد داعش بريت ماكغرك، في تغريدة، ان داعش يتقهقر امام تقدم قوات البيشمركة و”قوات الأمن الداخلي” العراقية نحو الموصل. وسألت ماكغرك في تغريدة تعليقا على ما ادلى به: “ومن سيمسك الاراضي السنية التي ستجتاحها البيشمركة الكردية وقوات وزارة الداخلية العراقية الشيعية وميليشياتها؟” 

طبعا تجاهل ماكغرك، النشيط عادة عبر تويتر في الرد على المتسائلين، سؤالي، والسبب ان ماكغرك يعرف، كما يعرف معظم المعنيين بالشأنين العراقي والسوري في العاصمة الاميركية، ان العالم مقبل على مشكلة “صبيحة اليوم التالي” لانهيار داعش والموصل، فالقوات المتحالفة ضد داعش هي في الواقع مجموعة من الاطراف المتخاصمة، التي كادت الحروب ان تشتعل بينها مرارا في الماضي، والتي كادت ابرز المواجهات بينها قبل سنوات في طوزخورماتو، الواقعة على الحدود بين العراق واقليم كردستان العراق، ان تتحول حربا طاحنة بين البيشمركة الكردية وقوات بغداد، لولا الضغوط الاميركية التي احتوت الأزمة.

والتناحر بين كردستان وبغداد ليس حديثا، اذ لطالما لعب دورا رئيسيا في معظم ازمات العراق منذ العام ٢٠٠٣، وتضمن اختلافات حول توزيع عائدات النفط، وحول السيادة على الموصل، وحول شؤون اخرى تتعلق بمدى استقلالية كردستان عن المركز. 

والتناحر بين كرد العراق وشيعته ليس الخلاف الوحيد بين القوات المتحالفة ضد داعش، فكردستان العراق تتمتع بعلاقة متينة مع انقرة، وكرد العراق والاتراك على عداء مع “حزب العمال الكردستاني”، الذي يعتقد كثيرون ان ميليشيات مسلحة تابعة له تقود القتال ضد داعش في سوريا، برعاية اميركية، ما يعني ان السباق نحو الموصل ليس كرديا - شيعيا فحسب، بل كردي - كردي كذلك.

وتبقى المشكلة الاكثر تعقيدا، والتي تتمثل في ان هذه الفصائل المؤلفة للتحالف ضد داعش ستخوض قتالها المتوقع بعد داعش على اراضٍ غريبة عنها، اذ ان غالبية سكان هذه الاراضي هم من السنة الذين لا يكنون اي مودة للكرد ولا للشيعة. 

“صبيحة اليوم التالي” هي مشكلة معروفة تواجهها واشنطن منذ ٩ نيسان ٢٠٠٣، اذ ان الانتصار العسكري غالبا ما يكون سهلا للاميركيين، لكن تثبيت وادارة المناطق التي تجتاحها القوات الاميركية، او الميليشيات المتحالفة معها، هي المعضلة.

ويردد الاميركيون ان بطل حرب العراق الجنرال دايفيد بترايوس التفت الى احد الصحافيين المرافقين للحملة العسكرية، بعد نجاح قواته في التغلب على العراقيين في معركة المطار، وقال: “الآن ماذا؟”

و”صبيحة اليوم التالي” هي المشكلة التي تمسك بها أوباما نفسه في كل مرة طالبه فيها كبار اركان ادارته بالتدخل عسكريا في سوريا للاطاحة ببشار الأسد، وكان دائما يجيب بالتساؤل: “من يمسك دمشق بعد الأسد؟” وبسبب هذه المشكلة، استنبطت الادارة الاميركية حلها الديبلوماسي القائل بتسوية بين نظام الأسد، من دونه، وبين معارضيه، بهدف الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، وكأن في الديكتاتوريات دولاً او مؤسسات.

الاطاحة بداعش، كما الاطاحة بالأسد، قد تؤدي الى سلسة حروب الى ان يتسنى لفصيل من الفصائل التغلب على الآخرين والحكم. لكن الاطاحة بداعش، حتى لو نتج عنها حرب اهلية، تفيد أوباما سياسيا. اما الاطاحة بالأسد، فقد تغضب كثيرين، في طليعتهم كل من عارض توجيه ضربة لقوات الرئيس السوري في الكونغرس على اثر مجزرته الكيماوية. 

تقفي اثر اللوبيات التي فرضت، ومازالت تفرض، نفوذها في الكونغرس لمصلحة الأسد، قد يشي بهوية من يجعلون من القضاء على داعش امرا مختلفا عن القضاء على الأسد، ومن يجعلون من الانتصار، في الحالتين، فاتحة المزيد من الحروب بدلا من ان يكون فاتحة حلول.

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

لإعادة كتابة تاريخ الفينيقيين والعرب‎

حسين عبدالحسين

مع حلول منتصف القرن التاسع عشر، وسّع المؤرخون الاوروبيون، وخصوصا الألمان، عملية اعادة كتابة التاريخ بحسب أصول علمية لا تتفق بالضرورة مع الرواية المسيحية الدينية، فانكبوا على دراسة تاريخ العرب والمسلمين، وقدموا اعمالا تحول بعضها الى اعمال كلاسيكية ومرجعية لكل الاعمال التاريخية التي تلت.

الا ان الضوابط الحديثة للتدوين التاريخي لم تلغ الانحياز الاوروبي للرجل الابيض والاعتقاد بتفوقه على باقي الشعوب. ولأن تاريخ الرجل الابيض ونهضته في عصر التنوير كان تاريخاً حديثاً، استنبط الاوروبيون تاريخا لهم يعود الى منتصف الالفية الاولى قبل الميلاد، ويبدأ مع اليونان، ثم الرومان، ثم البيزنطيين والصليبيين، فعصر النهضة والتنوير. 

وحاولت مجموعات التنوير الاوروبية، مثل الماسونية، مصادرة الحضارات الأقدم، فاعتبرت ان عقيدتها عن البناء تعود الى عصور غابرة تربو على ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، مرورا باحيرام الفينيقي باني هيكل سليمان اليهودي، وصولا الى بنّائي الكاتدرائيات الاوروبية الضخمة، فبناء عاصمة الامبراطورية الاميركية الجديدة، فعليا وفكريا.


إلا أن التدوين الاوروبي العام للتاريخ كان يتطلب التقليل من اهمية بعض الحضارات الماضية او رميها بالبربرية، وهي عملية بلغت ذروتها مع معاداة السامية الاوروبية، وطرد اليهود، واندلاع الهولوكوست النازية. 

وفي تهميش تاريخ الحضارات غير الاوروبية، نسب بعض المؤرخين الاوروبيين سلسلة من الانجازات لليونان، على الرغم من ان هؤلاء — باعترافهم — نقلوا جملة معارفهم، بما في ذلك حروفهم وعلم الابحار، عن الفينيقيين. هكذا، ضاعت قرون من الانجازات والمستوطنات الفينيقية في حوض المتوسط، خصوصا في شبه الجزيرة الايبرية (اسبانيا والبرتغال)، التي تعود الى خمسة قرون قبل الميلاد، وتم استبدالها بغزوات بربرية عربية في القرن السابع الميلادي. ولتأكيد انتصار الحضارة على البرابرة، قام الاوروبيون بتصوير استعادة الايبيريين الاندلس، في القرن الخامس عشر، على انه عملية طرد.

وعلى مدى القرن الماضي، ساهم "الفينقيون الجدد"، وهم من المسيحيين اللبنانيين، في الغاء انجازات الفينيقية بسبب اصرارهم على ربط القومية اللبنانية الفينيقية بأوروبا وابعادها عن العرب، وهي محاولات امتدت قروناً، وتضمنت خزعبلات تاريخية مثل اعتبار بطرك الموارنة في القرن الثامن عشر اسطفان الدويهي، أن شرلمان، ملك اوروبا في القرن التاسع، هو خال مار مارون، مؤسس طائفة الموارنة في القرن الرابع.

الفينيقيون لم يكونوا عرباً، لكنهم كانوا ساميين، مثل اليهود والآراميين والآشوريين والعرب، ومحاولة الموارنة فك ارتباطهم بالشرق والصاقه بالغرب، ألغى انجازات الفينيقيين التاريخية، وفي الوقت نفسه لم ينل رضى الرجل الابيض، وأكسبهم عداء أقرانهم الساميين، خصوصاً العرب.

هنا في لشبونة، لا يمكن اخفاء الدور الفينيقي. القلعة الأهم التي أعطت المدينة اسمها هي قلعة الأخبونة التي شيدها الفينيقيون وورثها الرومان، فالمرابطون، فالبرتغاليون، وربما لو قيّضت إعادة كتابة التاريخ الايبري، لتبين ان للفينيقيين دوراً رئيسياً في تمرير علومهم عن البحار الى الشعوب المحلية، التي تحولت، بحلول القرون الوسطى، الى كبرى الامبراطوريات البحرية التي استعمرت العالم، بما فيه القارة الاميركية.

ولأن التماهي مع اوروبا الحضارة تحول طموحا لدى شعوب العالم، كتب الايبيريون تاريخهم بشكل صوّر ملوكهم على طراز نظرائهم الفرنسيين والبروسيين والبريطانيين. 

غربي لشبونة، بلدة سينترا، مصيف ملوك "البرتغال والچرڤ"، اي الغرب، نسبة الى غرب الاندلس. والاسم سينترا مستوحى من سينتيا، اي إلهة القمر، وهو يتماهى مع سينات او سيناء المصرية، والتي يعتقد انها جبل سينين في النص القرآني. شعار هذه البلدة المسيحية هو هلال ونجمة على الطراز الاسلامي.

الا ان المفاجأة تكمن في قصر بنها (او بينا او بنرأ وهو اللفظ اللاتيني الذي يعني ريشة وصخرة في الوقت نفسه، ومنه بترا او بطرس)، وهو قصر تم تشييده على اثر ظهور العذراء في نقطة البناء، وهي اسطورة شبيهة باسطورة فاطمة العذراء التي ظهرت في بلدة فاطمة شرق لشبونة. 

القيمون على القصر يفتحونه للزوار، فيمر هؤلاء في غرف الدير، الذي حوّله ملك البرتغال فيرديناند الثاني إلى قصر له ولعائلته. داخل الغرف استعراض للفخامة — على طراز ملوك اوروبا — التي عاشها حكام البلاد. 

لكن خارج القصر، وخارج برنامج الزيارة، نصب غير لافت للنظر، داخله نقوش عربية، يشي التباين في الخط انه تم نقشها على دفعتين. النقش الأول، نص يؤرخ اقامة الدير، وهو على الشكل التالي: "السلطان ضون مانويل بنا هذا الدير المبارك على اسم سيدتنا مريم ده پنها سنة ١٥٠٣". النص الثاني، يؤرخ رحلات البحّار الشهير فاسكو دي غاما، ويضيف ان بناء القصر تم برعاية فيرديناند وزوجه ماريا: "ذكر الرجوع ضون ڤاسكو ده غامه سالما من كشف واستملاك الاراضي والبلاد التي وجدها، اعنى، كابو بونا اسپير، (نسه)، والهند وغيره، ثم حضرة السلطان ضون فرناندو الثاني قرين ذات الجلالة ضون ماريا سيكونده عمرة واتقنة هذا (دير) وقلعة سنة 1840".

هذا النقش يقدم لمحات رواية مختلفة عمّا قدمه مؤرخو اوروبا.

أولاً، إذا كان الاوروبيون دحروا العرب من ايبيريا مع نهاية القرن الخامس عشر، فلماذا الاستمرار في استخدام النصوص العربية حتى العام 1840؟ ثانياً، من الواضح ان عملية تغريب النصوص البرتغالية استغرقت فترة طويلة، فمريم في العام 1503 هي ماريا في العام 1840. ثم ان التسميات الجغرافية صارت اوروبية ايضا في الجزء الثاني، فرأس الرجاء الصالح هو كابو بونا اسپير، وماريا الثانية هي ماريا سيكونده. اما في الاسلوب، فيشي النقش بأن عرب الأندلس استخدموا حروفاً من خارج الابجدية العربية، مثل ڤ وپ، واستخدموا التاء المربوطة في الفعل ايضاً، بدلاً من تاء التأنيث، مثل "عمرة واتقنة" بدلاً من "عمرت وأتقنت".

ويبدو ان الايبيريين لم ينظروا الى العرب كبرابرة قبل بدء مؤرخي النهضة الاوروبية بتصوير العرب على انهم شعب لا حضاري يحتاج للاوروبيين لإعداده للحداثة والحضارة. ولو كانت صورة العرب بأنهم برابرة، لما كان ملك البرتغال، حتى العام 1853، ليستخدم العربية تخليداً لذكراه وذكرى دي غاما.

إن نقش قصر بنها، وشعار سينترا، واسميهما، وقلعة الأخبونة وتاريخ المرفأ الفينيقي المجاور، كلها مواد تاريخية تحتاج الى إعادة نظر بهدف إعادة كتابة التاريخ بعيداً من الحمية القومية التي غلبت على كتابات مؤسسي التأريخ الحديث من الاوروبيين. ولا شك أن الكتابة الجديدة للتاريخ قد تنصف الفينيقيين وانجازاتهم، وتعيدهم الى ساميّتهم، والى قربهم من العرب، والى مساهمتهم في صناعة التاريخ العربي، بدلاً من تصوير التاريخ على انه صراع حضارات اجتاح بموجبه العرب البرابرة، فينيقيا وايبيريا الاوروبيتين.

الجمعة، 12 أغسطس، 2016

ما بعد بعد حلب

حسين عبدالحسين

في أقل من شهر، تبين ان رئيس تركيا رجب طيب اردوغان أقوى داخليا مما ادعى خصومه حول العالم، وانه لم يستجد نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وان أردوغان لم يتخل عن ثوار سوريا. وفي الاسابيع الاربعة نفسها، تبين ان قوات الرئيس السوري بشار الأسد والميليشيات المتحالفة معها، والغطاء الجوي الروسي، هي أضعف مما تقدم نفسها، وانها غير قادرة على الحاق الهزيمة بثوار سوريا، او انتراع حلب منهم، او حتى حصارهم. وفي أقل من شهر، ألغى الكرملين بروتوكول اعلان برنامج الرئيس حول رحلاته الداخلية والخارجية، في وقت تواترت التقارير عن اشتداد المعارك السياسية - الامنية في موسكو بين بوتين وخصومه.

وفور شيوع انباء نجاح الثوار في كسر حصار الأسد على حلب، نشر الباحث والاكاديمي الاميركي المؤيد للثورة السورية ستيفن هايدنمان، على صفحته في فايسبوك، رابطاً لندوة سابقة لخبراء في الشأن السوري، أبدع فيها مؤيدو الأسد من الاميركيين، فقدموا حصاره حلب على انه البرهان على قدرته على حسم الحرب السورية لمصلحته، وان لا مفر لواشنطن الا قبول سطوته وتأييده وتأييد موسكو في تحويل الثورة السورية الى حرب ضد المجموعات الارهابية، الحقيقية منها والمتخيلة.

الخبراء الاميركيون ممن خابت تحليلاتهم حول حتمية انتصار الأسد، لم يكونوا وحدهم، ففريق كامل من المحللين العرب في واشنطن والعالم باشروا بعملية تصوير فك الثوار حصار حلب على انه انتصار للاسلام المتطرف والسلفية الجهادية، واستخدموا كل العبارات التي تثير ريبة الغربيين، وادعوا ان عملية كسر حصار حلب كان قررها الثوار في حزيران الماضي، وهو ادعاء يجافي المنطق اذ ان كسر الحصار يتطلب اولا ان يتحقق الحصار نفسه، وهو ما لم يتم الا في شهر تموز. بكلام آخر، حاول مؤيدو الأسد المستترون الايحاء ان نجاح الثوار في فك حصار كان سيؤدي الى تجويع ربع مليون حلبي هو جزء من خطة اسلامية ارهابية متطرفة، وهي خطة قديمة ولديها اهداف مرحلية وطويلة الأمد، وما فك حصار الأسد على حلب الا واحدة من هذه المراحل.

في الزمن الذي يكثر فيه الكلام من دون حساب، لا حياء، بل امعان في الثرثرة. اما الواقع، فيشي بعكس ما قدمه هؤلاء حول قوة الأسد “الانساني” و”حامي الاقليات والغرب” وضعف معارضيه الخبثاء “الارهابيين”. 

لم ينهر اردوغان في تركيا لا تحت ضغط بوتين ولا امام متآمرين محليين، بل اشتد حكمه صلابة واكتسب تأييداً اوسع بين معارضيه قبل مؤيديه. ولم يتخل حلفاء ثوار سوريا عنهم، لا سياسيا ولا ماليا ولاعسكريا، بل آزروهم ووثقوا بهم وساعدوهم على قلب حصارهم انتصارا. 

اما في الضفة المقابلة، فتبين ان الصراع بين بوتين وايغور سيكين رئيس روزنفت، شركة الطاقة الروسية العملاقة والمدير الفعلي لوكالة الأمن الفدرالي الروسي، التي خلفت جهاز “كي جي بي” السوفياتي، هو صراع في أشده، وان الاخير ماض في تعزيز قبضته على القوة الامنية الى حد دفع بوتين في نيسان الماضي الى اقامة جيشه الخاص، وعهد به الى رئيس أمنه الشخصي، حسب تقرير مجموعة ستراتفور الاميركية للاستخبارات الخاصة.

وبسبب خشيته من الانقلابات المحتملة، الغى بوتين اعلانه عن برامج سفره داخل البلاد وخارجها، خوفا من ان تتحول احدى اجازاته خارج موسكو الى اجازة مفتوحة. 

في هذه الاثناء، تشير التقديرات الاميركية ان بوتين تحت ضغط كبير بسبب تكاليف ضرباته الجوية ضد السوريين لمؤازرة الأسد، يترافق ذلك مع امكانية ارتفاع التكلفة البشرية للمستشارين العسكريين الروس المشاركين في الحرب السورية، كما بدا جليا في اسقاط الثوار مروحية روسية فوق جسر الشغور ومقتل خمسة عسكريين روس كانوا على متنها، بينهم ضابطان.

وتقول التقارير الاميركية ان واحدة من ابرز دلالات نجاح الثوار في حلب هو بلوغ مقدرة روسيا على مساندة الأسد ذروتها، ما يعني ان تقدم الثوار من الآن فصاعدا صار مستقلا عن مواقف بوتين او دعمه للأسد.

كسر حصار حلب قلب صورة سوريا. الآن على الأسد وداعميه “إخراج أرنب” من قبعتهم، حسب التعبير الاميركي، او القبول باستحالة حسمهم الحرب او انهائها حسب شروطهم.

الاثنين، 8 أغسطس، 2016

إدارة أوباما تقترب من موقف كلينتون الأكثر حزماً تجاه الأسد

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تتصرف إدارة الرئيس باراك أوباما وكأنها صارت خارج الحكم فعلياً، خصوصا تجاه الأزمة السورية، وعلى الرغم من الحديث عن جولة مقبلة من المفاوضات، بين نظام الرئيس بشار الأسد ومعارضيه، إلا أن غالبية المسؤولين الأميركيين يجمعون على أنها «جولة شكلية، ولن يخرج عنها اي نتائج اكثر من إضاعة الوقت».

وينشغل مسؤولو أوباما في تقديم تصوّر لما ستكون عليه سياسة أميركا الخارجية في عهد الرئيس المقبل، خصوصاً في حال وصول مرشحة الحزب الديموقراطي وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون الى البيت الابيض، في الانتخابات المقررة 8 نوفمبر المقبل.

ويعتقد هؤلاء ان «كلينتون ستظهر حزما أكبر في التعاطي مع روسيا والأسد، وستلجأ إلى استخدام القوة العسكرية الاميركية، على الأقل لتعطيل مقدرة الأسد على شن هجمات ضد معارضيه»، مردفين أن «السياسة المتوقعة لكلينتون تجاه سورية هي النتيجة الطبيعية لقيام موسكو بإفشال المساعي الاميركية الديبلوماسية للتوصل الى حل» وانه «لو قيّض لأوباما البقاء في الحكم لمارس ضغطا اكبر، بما في ذلك اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية الاميركية، لفرض حلول في سورية».

على ان المواقف المستجدة لمسؤولي الادارة الاميركية تبدو في غالبها محاولة لتبييض صفحة الرئيس الاميركي، بعدما صار من شبه المؤكد أن سورية تحولت لطخة على سجله الرئاسي، فأوباما من الرؤساء القلائل الذين يخرجون من الحكم واستطلاعات الرأي تشير الى تأييد شعبي كبير لهم.

ولأن المحللين يعتقدون ان شعبية المسؤولين السابقين تزداد بعد خروجهم من الحكم - مثل بوش، الذي خرج بشعبية بالكاد تتعدى العشرين في المئة، وصارت اليوم تناهز الخمسين، وكذلك بلوغ شعبية كلينتون، مابين خروجها من وزارة الخارجية وترشحها للرئاسة، معدلات قياسية لامست الثمانين في المئة - فإن أوباما ضمِن لنفسه شعبية شبه أسطورية بعد خروجه من البيت الابيض.

لكن شعبية أوباما هذه يعكّرها فشله في التعاطي مع الأزمة السورية، التي تحولت الى مأساة تطال العالم. لذا، شنت حملة أوباما «حملة جاذبية» تهدف من خلالها الى تعديل صورته في هذا المجال، وهو ما يتطلب اقترابه اكثر من الموقف الذي صار يجمع عليه الاميركيون، وهو القيام بمجهود اكبر لوقف المجازر في سورية ولوضع حد لتحول بعض اراضيها الى مرتع للارهابيين، الذين صاروا يعودون منها الى اوروبا لشن هجمات ارهابية مميتة.

ولأنه من المتوقع ان تظهر سياسة كلينتون الاكثر حزماً في سورية، مع مرور ايام حملتها الانتخابية الرئاسية، ولأن أوباما اعلن تأييده كلينتون والمساهمة في حشد الشعبية لها، فهو سيحتاج الى الاقتراب من موقفها، بما في ذلك تجاه سورية، حتى لا يبدو تأييده لها شكلياً فحسب.

لكن اقتراب أوباما من موقف كلينتون في الموضوع السوري لن ينعكس فعلياًعلى سياسته الخارجية في الاشهر الخمسة المتبقية له في الحكم، فالرئيس الاميركي صار يتصرف كصاحب الولاية المنتهية، وهو يفوّض وزير خارجيته جون كيري الاستمرار بالديبلوماسية التي دأب على القيام بها مع روسيا على مدى السنتين الماضيين.

وعلى الرغم من ان واشنطن تعتبر ان لا جدوى للديبلوماسية مع الروس - خصوصاً في الموضوع السوري - إلا انه لا خطط اميركية بديلة، ما يجعلها سياسة إضاعة وقت، بسبب غياب الخيارات الاخرى.

وحول نجاح المعارضة في كسر حصار قوات النظام لأحياء حلب الشرقية، يكرر المسؤولون الاميركيون موقفهم بأنه «لا حسم عسكرياً لأي طرف في سورية»، وان «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واهمٌ، إن كان يعتقد أن في امكانه مساعدة الأسد في عملية الحسم»، بل إن التقارير الاميركية تشير الى «تزايد التورط الروسي في الحرب السورية، مع تكلفة مالية وبشرية ترتفع مع مرور الاسابيع، من دون نتائج تذكر».

ووفق المسؤولين الاميركيين، فإن «كسر المعارضة الحصار على حلب يجب ان يكون الدليل الابرز امام بوتين على أنها نجحت في التكيف مع القوة الجوية الروسية التي تشارك في المعارك الى جانب النظام، وان الدفع الذي قدمه الروس للأسد انتهى، وان القوة الروسية تحولت الى مجرد واحدة من القوة الاخرى المتعددة التي تقاتل على الساحة السورية».

خطة كلينتون: الإطاحة بالأسد

حسين عبدالحسين

لا مساومة في موضوع سوريا لدى فريق السياسة الخارجية والدفاعية للمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، في حال انتخابها رئيسة في 8 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فالفريق الرئاسي المتوقع يتوافق على بند رئيسي، مفاده ان سياسة الرئيس باراك أوباما القاضية بالحفاظ على نظام الأسد واشراكه في التسوية هي سياسة فاشلة، وان الحل الوحيد الممكن يقضي بالاطاحة بالأسد.

ولأن وصول كلينتون الى الرئاسة سيصنع التاريخ في أميركا لناحية وصول اول أمراة الى ارفع منصب سياسي في البلاد، ولأنه من المتوقع ان تعين كلينتون عدداً غير مسبوق من النساء في مناصب حساسة في صناعة القرارات الخارجية، كتتمة لمشاركة المرأة الاميركية في القرار السياسي، يمكن توقع سياسة كلينتون بناء على استعراض آراء خمس سيدات من اللواتي يتوقع ان يلعبن دوراً اساسياً في ادارتها.


أولى السيدات هي ميشال فلورنوي، التي رفضت منصب وزيرة دفاع خلفاً لتشاك هيغل لعلمها ان آراءها تختلف مع أوباما، خصوصاً في الموضوع السوري، فأحيل المنصب لوزير الدفاع الحالي آشتون كارتر، الذي كان يعمل في الوزارة بأمرتها. وفلورنوي ترأست مجموعة عمل شارك فيها كبار المعنيين بالسياسة الخارجية، كان اهمهم بطل حرب العراق ومدير "سي آي ايه" السابق دايفيد بترايوس. وجاء في الدراسة ان تسليح المعارضة السورية واقامة احزمة آمنة للمعارضين هما من الشروط الاساسية للتوصل الى حل سوري.


وكيلة وزارة أخرى متقاعدة لعبت دوراً بارزاً في ادارة أوباما وتلعب حالياً دوراً قيادياً في فريق كلينتون للسياسة الخارجية هي وندي شيرمان، وكيلة وزارة الخارجية السابقة والتي لعبت دوراً محورياً في المفاوضات النووية مع ايران. وعلى عكس توجيهات أوباما، كانت شيرمان من معارضي فتح قنوات سياسية مع الايرانيين، الى جانب المحادثات النووية، وكانت تدعو لحصر المفاوضات بالشؤون النووية والتمسك بموقف قوي في التصدي لايران في الشؤون الاخرى، خصوصاً في سوريا والعراق. وبسبب معارضتها، وتسريبها بعض المعلومات الخاصة لمعارضي الاتفاقية النووية، تم تحييدها، وتولى وزير الخارجية جون كيري فتح قناة مباشرة، وما زالت مفتوحة، مع نظيره الايراني جواد ظريف.


وتتمتع شيرمان بعلاقة قوية مع كلينتون منذ ان عملت الاخيرة وزيرة خارجية في ولاية أوباما الاولى. وقادت شيرمان المفاوضات في وجه فريق المرشح السابق بيرني ساندرز، الذي حاول عن طريق ممثله وممثل بعض الدول العربية جايمس زغبي، ان يضّمن بيان الحزب الديموقراطي للانتخابات بنداً يفرض على الرئيس المقبل عدم استخدام القوة العسكرية في سوريا، فتصدت له شيرمان وأطاحت ببند الزغبي، فظهرت وكأنها في طليعة مؤيدي توجيه ضربة عسكرية للأسد في حال تولي كلينتون الرئاسة.


من وزارة الخارجية أيضاً تبرز قياديتان ناشطتان في حملة كلينتون، هما مديرة السياسات السابقة في وزراة الخارجية آن ماري سلوتر، ومساعدة وزيرة الخارجية السابقة ايضاً لشؤون حقوق الانسان تامارا ويتس كوفمان. الاولى كتبت في مقالة رأي، الصيف الماضي، أن على أميركا وأروبا أن تغيرا سياستيهما تجاه سوريا، وأن تقيما منطقة حظر جوي يمكن فرضها باستخدام الصواريخ البحرية. واعتبرت سلوتر أن "المرة الوحيدة التي دخل فيها الاسد في صفقة تسوية كانت يوم شعر أن الولايات المتحدة كانت في طريقها الى توجيه ضربة اليه، رداً على استخدامه الاسلحة الكيماوية".


بدورها، انتقدت كوفمان — في دراسة اصدرتها في مركز ابحاث بروكنغز حيث تعمل — تركيز بعض الحكومات، مثل روسيا، على الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، وقالت إنه حتى لو نجحت موسكو في ذلك، فإن الدولة السورية لم تعد قادرة على استعادة سيطرتها على اراضيها، وان الثوار لن يلقوا السلاح طالما ان شكل الدولة السورية على ما هو عليه، ورئيسها الأسد. ودعت كوفمان الى التفكير بحلول تفرض على دول مثل روسيا التخلي عن تركيزها على مستقبل الأسد، على الرغم من ان بقاءه في السلطة في سورية من عدمه لا يؤثر في المصالح الاميركية او الاوروبية.


السيدات الخمس المتوقع أن تلعبن ادواراً رئيسية في اي ادارة محتملة لكلينتون تجمعن على ضرورة رحيل الأسد كمقدمة للحل السوري، وهو اجماع يعكس رأي كلينتون نفسها وآراء معظم القيمين على السياستين الخارجية والدفاعية في حملتها، وغالباً في إدارتها في حال انتخابها رئيسة.


في العام ٢٠٠٨، انتظر الأسد بفارغ الصبر حلول أوباما مكان سلفه جورج بوش، واعتبر أن انفتاح أوباما عليه هو دليل على هزيمة أميركا وعلى انتصار "نهج الممانعة والمقاومة". في العام ٢٠١٦، على الثوار انتظار حلول كلينتون بدل أوباما، لأن صمودهم كل هذه الاعوام سيثمر في حال وصولها للرئاسة، وهو وصول لا شك انه يقلق الأسد، ويدفع معلمه الروسي فلاديمير بوتين الى المراهنة على منافسها دونالد ترامب، الذي في حال انتخابه رئيساً، ستتطلب سياساته الخارجية تحليلاً مختلفا بالكامل.

الخميس، 4 أغسطس، 2016

مسلمون يلقنون ترامب درسا

حسين عبدالحسين

نجحت عائلة مسلمة اميركية حيث فشلت أعتى الشبكات السياسية الاميركية، من مؤسسة عائلة بوش المتجذرة في العمل العام، الى الطبقة الحاكمة في الحزب الجمهوري، الى ماكينة عائلة كلينتون. فعلى مدى العام الماضي، حاولت كل الشبكات السياسية الاميركية، من اليمين واليسار، وقف صعود نجم رجل الاعمال المثير للجدل دونالد ترامب، من دون جدوى.

وكان آل بوش أول من بدأوا هجومهم ضد ترامب عن طريق مرشحهم الرئاسي المتبقي جب، ابن الرئيس جورج الاب وشقيق الرئيس جورج الابن. لكن ترامب عطّل قدرة بوش الهائلة، وقلب سحرهم عليهم، وتحول مرشحهم الى شخصية هامشية. وواصل ترامب توظيف شعبويته المعهودة وخطابه العنصري، الموجه خصوصا ضد المسلمين، لاستقطاب اليمين المسيحي المتطرف، فقضى على المؤسسة الحاكمة داخل الحزب الجمهوري، وتصدى لآخر مرشحين جمهوريين للرئاسة جون ماكين وميت رومني، واخرجهما من المعادلة الرئاسية، فتغيبا عن حضور المؤتمر الحزبي العام، خلافا للعادة، وتحول المؤتمر الى سهرة شخصية لمع فيها ترامب وافراد عائلته.

من اليسار الاميركي، كان من الطبيعي ان تشن مرشحة الحزب الديموقراطي وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون هجوما ضد منافسها الجمهوري. لكن مرة اخرى، اظهر ترامب قدرة عجائبية على امتصاص قوة خصومه وقلبها عليهم. هكذا، على الرغم من ان ترامب يواجه محاكمات بسبب قيام الجامعة التي تحمل اسمه بخداع طلاب انضموا اليها، وعلى الرغم من ان ترامب ما يزال يرفض الكشف عن ضرائبه على جاري عادة المرشحين من الحزبين، الا ان المرشح الجمهوري افاد من النقمة الشعبية ضد ايميلات كلينتون واللجنة المركزية للحزب الديموقراطي، على الرغم من ان الايميلات هذه لا تشي بفضائح معينة، بل هي عبارة عن ثرثرة سياسية على شكل ان تقول فلانة عن فلان انه يكذب.

كل عظمة ترامب التي لم تقف في وجهها اي من القوى السياسة الاميركية التقليدية، حطمتها فجأة عائلة مسلمة اميركية، ليلة وقف خزر وغزالة خان امام المؤتمر العام للحزب الديموقراطي، وتحدثا عن فقدان ابنهما الذي كان يقاتل في صفوف الجيش الاميركي في العراق، وحاز على ارفع الاوسمة بسبب البسالة التي اظهرها قبل مقتله. 

فجأة انهارت رواية ترامب التي تصور المسلمين الاميركيين انهم طابور خامس في اميركا، وتتهمهم بالمساهمة في تسهيل هجمات الارهابيين، والعمل ضد مصلحة اشقائهم الاميركيين. فجأة انهارت رواية ترامب عن “الطبيعة المخادعة” للمسلمين، وهي تسمية يتداولها أكثر المسيحيين الاميركيين تطرفا، من امثال القس بات روبرتسون او زميله الراحل جيري فالاويل. 

ولم يكتف خزر خان في تقديم وطنيته واظهار نفاق ترامب بالقول متوجها للمرشح الرئاسي الجمهوري “انا فقدت ابني وهو يدافع عن اميركا، وانت لم تفقد احدا”، بل حمل خان الدستور الاميركي وراح يلوح به ليقول لترامب انه لا يفقه حتى الدستور. 

خان انتزع فعليا من ترامب اعلى مرتبتين في المخيلة الشعبية الاميركية: الجيش والدستور. ومنذ اطلالة خان، راحت كبرى وسائل الاعلام الاميركية تستعيد ملف خدمة ترامب في التجنيد الاجباري، الذي كان سائدا ايام شباب ترامب اثناء حرب فيتنام، ليتبين ان المرشح الجمهوري تهرب من الخدمة بحجج واهية منها تقرير طبي عن الام في كاحله.

وفيما بدت اثار كدمات خان السياسية على وجه ترامب، قرر الاخير ان يعتصم بسياسته التي دأب على ممارستها منذ اليوم الاول لترشيحه، والقاضية بالتمسك بالكلام الطائفي نفسه، فهاجم غزالة خان، واتهمها بالسكوت امام المؤتمر الديموقراطي لأن المسلمين لا يسمحون لنسائهم بالحديث، لتطل غزالة في مقالة رأي في “واشنطن بوست” وتحطم هجوم ترامب المضاد. 

ومع الغرق الذي تسببت به عائلة خان لترامب، وبسبب عناده ورفضه التراجع، راح الجمهوريون ينفضّون عنه خوفا من ان تؤذيهم مواجهة ترامب مع عائلة قدمت ابنها العسكري فداء للوطن، وهي تضحية لا تقف في وجهها الثرثرات الطائفية والتفرقة بين المسلمين والمسيحيين.

ترامب طرد عدداً من كبار مديري حملته بسبب الغرق الانتخابي الذي يعانيه، لكنه لم يتراجع امام عائلة خان المسلمة الاميركية، وبذلك، مازال يجد نفسه خائر القوى انتخابيا في مواجهة لا يبدو انها ستنحسر عن قريب، ولا يبدو ان ترامب سيفوز فيها في وجه عائلة مسلمة اميركية يبدو انها الوحيدة التي نجحت، حتى الآن، في التغلب عليه. 

الأربعاء، 3 أغسطس، 2016

الفائدة الأميركية منخفضة بلا سقف زمني

واشنطن - حسين عبدالحسين

يعتقد على نطاق واسع بأن مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي لن يرفع أسعار الفائدة في المدى المنظور، حتى لو استمر أداء الاقتصاد الأميركي عند المستويات المقبولة السائدة منذ خمس سنوات. ويعزو اقتصاديون إحجام المصرف المركزي عن رفع الفائدة إلى أسباب خارجة عن إرادته، بل أيضاً عن إرادة الولايات المتحدة. إذ إن رفعها في وقت يستمر فيه المصرفان الأوروبي والياباني المركزيان في سياسة التيسير الكمي بالتزامن مع استمرار الحفز الصيني، يعني أن رؤوس الأموال ستهاجر من أرجاء المعمورة إلى السندات الأميركية، ما من شأنه أن يزيد سعر صرف الدولار أمام العملات العالمية، ما يؤثر سلباً على صادرات أميركا في حقلي الصناعة والخدمات، وما يؤذي قطاعها السياحي.

وكان المصرف الأوروبي أعلن في آذار (مارس) الماضي، زيادة في «التيسير الكمي» الذي يقدمه من 66 مليون دولار في الشهر إلى 88 مليوناً، وترافق ذلك مع خفض غير مسبوق في الفائدة الأوروبية إلى معدلات ما دون الصفر، ما يعني أن المصرف الأوروبي يدفع للمصارف ثمن إقراضها السوق والمستثمرين.

وكما في أوروبا كذلك في اليابان، يبلغ حجم شراء المصرف المركزي لسندات الإيداع نحو 60 بليون دولار شهرياً، أي ضعف السندات الصادرة في السوق، ما يعني أن مصرف اليابان المركزي بات يواجه صعوبة في العثور على سندات ليشتريها من ضمن برنامج «التيسير الكمي» الخاص به. في وقت يحاول فيه المستثمرون اليابانيون التمسك بسنداتهم والابتعاد عن أي استثمارات تشوبها الأخطار، بسبب قلقهم من عدم الاستقرار الذي يشهده الاقتصاد الياباني، وعدم قدرة المصرف والحكومة على لجم الانكماش السائد منذ قرابة عقدين.

أما الصين وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فتبدو وكأنها أدمنت على تمويل نمو اقتصادها بالدين مهما ارتفع حجمه، في سبيل بلوغ معدل النمو الذي حددته الحكومة لهذا العام بواقع 5.6 في المئة. وهكذا، بلغت قيمة الديون التي أقرضتها مصارف الصين بتشجيع من الحكومة، 709 بلايين دولار في الربع الأول من العام. وهو رقم أعلى بكثير من الديون التي قدمتها المصارف الصينية في ذروة الركود العالمي الكبير عام 2009. وتزداد هذه الديون في وقت تظهر فيه البيانات الصينية ارتفاعاً قياسياً في حجم الديون غير الحكومية لتبلغ 260 في المئة من الناتج المحلي، مقارنة بـ 160 في المئة عام 2007.

في هذه الأثناء، وعلى أن رغم البيانات الاقتصادية الأميركية، أظهرت أن نمو الناتج المحلي بلغ 2.1 في المئة للربع الثاني من هذا العام، لكن «الأخبار السارة» كانت تكمن في نمو الاستهلاك الأميركي بنسبة 4 في المئة في الفترة ذاتها. وأشارت التقارير إلى أن تراجع النمو الأميركي وسط نسب الاستهلاك القوي، سببه إحجام الحكومات المحلية والحكومة الفيديرالية عن الإنفاق، فضلاً عن انخفاض الصادرات الأميركية، بفعل تباطؤ أكبر الاقتصادات العالمية.

وينقل المتابعون عن مسؤولين كبار في الاحتياط الفيديرالي، أنهم يدركون أن المستثمرين حول العالم يحيرون في أموالهم، فأوروبا واليابان تنتهجان سياسات تبعد رؤوس الأموال عن سنداتها والإيداع فيها، بهدف تشجيع الاستثمار في اقتصاداتهم. وفيما تبدو الصين ملاذاً آمناً للمستثمرين بسبب نموها المستمر، إلا أن تريليونين من الدين في القطاع الخاص يرهبان حتى المستثمرين المغامرين.

ولأن المسؤولين الكبار في الاحتياط الفيديرالي يدركون أن رؤوس الأموال تبحث عن ملاذ آمن لها، ولأنهم يعرفون أن أي رفع للفائدة الأميركية سيكون بمثابة دعوة للمستثمرين لركن أموالهم في سندات أميركية، ما يؤدي إلى رفع قيمة الدولار أمام العملات العالمية، ويؤثر سلباً في صادرات أميركا الصناعية والخدماتية وكذلك في قطاعها السياحي، يعلّق مركزي الولايات المتحدة قرار رفع الفائدة حتى إشعار آخر.

ويعتقد القيمون على الاحتياط الفيديرالي، أن من شأن رفعهم الفائدة إلغاء مفاعيل التسهيلات المالية والحوافز التي تقدمها الاقتصادات الكبرى، ما يساهم في مزيد من الضغط السلبي على الصادرات الأميركية.

ويبدو أن غالبية الأميركيين المعنيين في شؤون الاقتصاد، من مسؤولين وخبراء، يدركون أنه بسبب العولمة والترابط الوثيق بين الاقتصادات العالمية، لم يعد ممكناً اتخاذ قرارات اقتصادية أميركية بمعزل عن سياسات الاقتصادات الكبرى الأخرى، وهو ما أكده الاحتياط الفيديرالي، الذي أشار في بياناته الأخيرة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتباطؤ النمو الصيني، ليبرر تأخره في رفع الفائدة، على رغم أن نسب البطالة الأميركية تكاد تقارب حدها الأدنى، وهو المؤشر الذي كان هبوطه في الماضي يعني رفع نسب الفائدة في شكل شبه تلقائي.

ويدرك الأميركيون أيضاً، أن على رغم تراجع حجم اقتصادهم من 40 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي عام 1960 إلى 23 في المئة اليوم، إلا أن 90 في المئة من التجارة الدولية تتم بالدولار، الذي يعيش سنته السادسة والتسعين كعملة العالم، متفوقاً على سلفه الاسترليني الذي حمل اللقب لمدة 94 عاماً، وفق الحسابات التي أجراها روشير شرما مؤلف كتاب «صعود الأمم وهبوطها».

ويلفت شرما إلى أن احتياطات العالم بالدولار ارتفعت من 3 تريليونات إلى 11 تريليوناً في السنوات الـ 15 الماضية، كما أن القروض الأميركية إلى جهات خارج الولايات المتحدة، تضاعفت اليوم مقارنة بعام 2009، لتصل إلى 9 تريليونات دولار.

مجلس الاحتياط الفيديرالي هو جزء من منظومة دولية، قد يكون أحد أبرز أركانها، لكن ذلك لا يعني إمكانه التصرف بمعزل عن السياسات الاقتصادية التي يتبعها الآخرون. وهكذا، ستنتظر واشنطن بروكسيل وطوكيو وبكين لترى متى تتوقف هذه العواصم عن ضــخ «المال السهل» في اقتصاداتها، قبل أن يفكر «الاحتياط الفيديرالي» في رفع فائـــدته.

ويهدف هذا الانتظار إلى تفادي العودة لنظام ما قبل عام 2008، الذي كان مبنياً على دولار قوي ومستهلكين أميركيين يحـركون اقتصاد العالم، حتى جاء اليوم الذي انهاروا فيه وأدى انهيارهم إلى آخر عالمي لا تزال الدول تعاني منه.

Since December 2008