السبت، 31 ديسمبر، 2016

برنامج ترامب الضريبي يؤذي مؤيديه

واشنطن - حسين عبدالحسين

مع استعادة الحزب الجمهوري الأميركي البيت الأبيض بفوز مرشحه دونالد ترامب بالرئاسة، ومع احتفاظ الحزب بالغالبية في الكونغرس بغرفتيه، بات شبه مؤكد أن تقوم الحكومة الأميركية بما يصفه الجمهوريون «أكبر خفض ضريبي» في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. ويَعد الجمهوريون، الذين يسيطرون على الحكم في واشنطن، بربط الخفض الضريبي بتقليص مشابه لمدفوعات الحكومة الفيدرالية، بهدف الإبقاء على موازنة متوازنة وعدم رفع العجز السنوي، أو التسبب بارتفاع حاد في الدين الفيديرالي العام.

فيما تهلل القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري ترحيباً بهذه الخطوات، التي تعتقد الغالبية الجمهورية، أنها ستخرج الاقتصاد الأميركي من نموه البطيء، ورفع نسب نمو الناتج المحلي الى ما كانت عليه في الثمانينات، خلال حكم الرئيس الراحل رونالد ريغان.


لكن نمو الناتج المحلي الأميركي لن ينعكس بالضرورة على توزيع الثروات بين الأميركيين، وقيام الحكومة الأميركية بتقليص ضرائبها وإنفاقها، هو في مصلحة الولايات ذات الغالبية السكانية من مؤيدي الحزب الديمقراطي المعارض. وتظهر بيانات «مكتب الموازنة» أن واردات الحكومة الفديرالية ارتفعت 2.2 في المئة خلال هذه السنة مقارنة بعام 2015، لتصل إلى 6.5 تريليون دولار. وتوقعت أن «تسجل الواردات زيادة أعلى العام المقبل تصل إلى 7.7 في المئة مقارنة بالعام الحالي، لتصل الواردات الفديرالية إلى 7 تريليونات دولار، هذا في حال لم يعبث ترامب بنسب الضرائب المفروضة حالياً.

وتتصدر الولايات ذات الغالبية السكانية المؤيدة للحزب الديموقراطي المساهمات في واردات الحكومة الفيدرالية، وفي طليعتها كاليفورنيا، التي سددت اكثر من 370 بليون دولار عام 2015. فيما حلّت ولاية نيويورك الديموقراطية أيضاً، في المركز الثالث بمساهمة تعدت 250 بليوناً، تلتها فلوريدا وايلينوي ونيوجيرزي واوهايو وبنسلفانيا وماساشوستس ومينيسوتا، وكلها ولايات اقتنصها الرئيس باراك أوبــــاما في انتخابات عام 2010. فيما انتزع منها دونالد ترامب فلوريدا وأوهايو وبنسلفانيا، لكن بفوارق انتخابية ضئيلة جداً لم تتعد ألفي صوت في حالة فلوريدا.

لكن لدى قلب الرسم البياني من ضريبة فيدرالية إلى إنفاق فديرالي، تنقلب الصورة وتصبح الولايات المتصدرة في تمتعها بالإنفاق الفيدرالي هي ميسيسيبي ونيومكسيكو ووست فيرجينيا وهوايي وساوث كارولاينا وألاباما وماين ومونتانا وألاسكا، التي تحصل على التوالي على 4.7 و4.26 و4.23 و3.41 و3.05 و3.02 و2.91 و2.44 و2.36 دولار من الحكومة الفيدرالية، في مقابل كل دولار ضريبي تسدده كل من هذه الولايات. وكل واحدة من الولايات التسع المتصدرة جدول الإنفاق الفديرالي عليها، تقطنها غالبية من مؤيدي الحزب الجمهوري باستثناء ولايتي نيومكسيكو وهوايي.

هذا التباين بين الولايات الأكثر مساهمة في تمويل الحكومة الفيدرالية وهي في معظمها ديموقراطية، والولايات المستفيدة أكثر من أموال الحكومة الفيدرالية، وهي في معظمها جمهورية، هو في صلب توزيع الثروات الذي يتمسك به الحزب الديموقراطي ويعارضه بشدة الجمهوريون. وهذا يعني أن في حال التزم ترامب والكونغرس الجمهوري وعود خفض الضرائب، فهم سيخففون بذلك العبء الضريبي على الولايات الديمقراطية أكثر منها على الولايات الجمهورية. وهذا يعني أيضاً أن في حال التزم الحزب الجمهوري الحاكم تقليص الإنفاق، ستكون الولايات ذات الغالبية السكانية المؤيدة للجمهوريين هي المتضرر.

هذه المفارقة تعني أن الناخبين الجمهوريين اقترعوا لمَن سيعمل عكس مصالحهم المالية، وهي خطوة حيرت الخبراء، الذين يعزو بعضهم سبب قيام المواطنين الجمهوريين بذلك إلى تركيزهم على الوعود الاجتماعية التي يقدمها المرشحون الجمهوريون، مثل معاداة المثليين والأقليات العرقية، بما في ذلك المسلمين والوافدين الى الولايات المتحدة. هذه المفارقة هي التي دفعت توماس فرانك إلى إصدار كتابه عام 2004، الذي حاز على شهرة واسعة في الولايات المتحدة وحمل اسم «ماذا جرى (لولاية) كنساس؟».

ويعتقد الكاتب أن سكان كنساس وغالبيتهم من العمال، يقترعون بكثافة للحزب الجمهوري على رغم أن الأخير يقرّ سياسيات تأتي دائماً في مصلحة المتمولين والشركات. وعلى رغم أن الحزب الجمهوري يعمد إلى تقويض برامج الرعاية الاجتـماعية التي يحتاج إليها سكان كنساس من ذوي المداخيل المحدودة، أكثر بكثير من سكان نيويورك الذين تنتمي غالبيتهم الى الطبقتين العليا والمتوسطة.

وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2008، عمد المرشح الجمهوري جون ماكين إلى استخدام عبارة «جو السمكري» للدلالة على المواطن الأميركي العادي، اذ أطل على قناة «فوكس» اليمينية أميركي اسمه جو ويعمل سمكرياً.

حاز جو وقتذاك على شعبية، وصار يطلق تصريحات تراوحت بين تأييده اسرائيل ومعارضته المشاريع التي تموّلها الحكومة الفديرالية. أما أبرز ما عارضه «جو السمكري»، فكان قانون الرعاية الصحية الذي كان أوباما يقدمه للأميركيين كوعد انتخابي.

وفي إحدى الحوارات المتلفزة، سأل مؤيد للديموقراطيين السمكري الجمهوري: «ألديك تأمين صحي؟»، فأجاب الأخير بالنفي، ليسأله الناشط الديموقراطي «إذا ماذا تنوي فعله في حال تعرضت لوعكة صحية واحتجت لرعاية صحية مكلفة». أجاب السمكري: «أفضل الموت حراً على العيش وأنا أسدد الضرائب للحكومة». هذه الحرية التي يبيعها الحزب الجمهوري لمؤيديه، فيضاعف أصحاب رؤوس الأموال ثرواتهم، ويغرق الأحرار في شقائهم، ويعاودون الكرة بالاقتراع لمَن يقوض برامج الرعاية الفيدرالية التي لا يدفعون ثمنها أصلاً.

الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

أوباما يطرد 35 ديبلوماسياً روسياً ويغلق مقرّين لموسكو

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

وجّهت أجهزة الاستخبارات الاميركية إنذارا لنظيرتها الروسية، مفاده ان واشنطن ليست غافلة عن محاولات الاختراق الإكترونية التي تقوم بها موسكو ضد حسابات حكومية وغير حكومية اميركية.

وقدم «مكتب التحقيقات الفيديرالي» (اف بي آي) و«دائرة الأمن القومي» تقريرا مشتركا فيه تفاصيل الاختراقات الروسية، وتواريخها، وبنيتها التحتية، والاسماء الوهمية التي يتلطى خلفها المهاجمون الروس. وتزامن التقرير الاميركي مع مرسوم تنفيذي وقعه الرئيس باراك أوباما، طرد بموجبه 35 ديبلوماسيا روسيا عاملا في الولايات المتحدة، وأعلن إقفال مقرّين روسيين في ولايتي نيويورك وميريلاند.

كما أعلن أوباما فرض الولايات المتحدة عقوبات على جهازي الاستخبارات العسكرية والمدنية الروسية، وعلى مواطنين روس أعلنت واشنطن ان تحقيقاتها أظهرتهم متورطين في عمليات الاختراق الالكترونية.

وورد في التقرير، الذي وزعته اجهزة الاستخبارات الاميركية، انها أطلقت على الهجوم الالكتروني الروسي اسم «السهل الشايب»، وهو عبارة مرادفة للدب الروسي الأبيض.

وأكد التقرير ان الروس اخترقوا اجهزة «حزب أميركي»، من دون ان يسمي الحزب، في صيف العام 2015، وفي ربيع العام 2016. وتابع التقرير ان آخر اختراق قامت به الاجهزة الروسية حصل بعد يومين من الانتخابات الاميركية، التي جرت في الثامن من الشهر الماضي. وحتى من دون ان تسمي الاستخبارات الاميركية «الحزب» الاميركي المستهدف، يجمع الاميركيون انه «الحزب الديموقراطي»، الذي قام موقع «ويكيليكس» بنشر ايميلات تابعة لقيادييه ولقياديي حملة المرشحة الديموقراطية السابقة للرئاسة هيلاري كلينتون.

وسبق للاستخبارات الاميركية ان أبلغت مشرعين في الكونغرس ان موقعي «ويكيليكس» و«غوسيفر»، اللذين ينشران الـ «ايميلات» الاميركية المسروقة، هما واجهة لاجهزة الاستخبارات الروسية.

وأضاف التقرير ان العمليات الالكترونية الروسية «استهدفت وكالات حكومية» اميركية، و«منشآت حيوية للبنية التحتية، ومراكز ابحاث، وجامعات، وتنظيمات سياسية، وشركات». وتابع انه «في دول أخرى، شن الروس هجمات إلكترونية معرقلة او مدمرة ضد شبكات البنية التحتية، وان المهاجمين الروس حاولوا إخفاء هويتهم والتظاهر وكأن مصدر الهجمات دول غير روسيا».

وفي وقت حاول الرئيس المنتخب دونالد ترامب تفادي التعليق على الموضوع بالقول ان على الاميركيين «المضي قدما والتطلع الى الامام»، عكس بيان رئيس الكونغرس بول ريان موقفا أقوى من الجمهوريين ضد موسكو، اذ أشاد ريان بخطوة أوباما، وتأسّف انها جاءت متأخرة قليلا.

أما أوباما، الذي أعلن انه «أمام الديبلوماسيين الروس 72 ساعة لمغادرة الولايات المتحدة»، وان «اجهزة الأمن الاميركية ستقفل المقرين الروسيين بدءا من منتصف يوم الجمعة(أمس)»، فبدا وكأنه يظهر حزماً في ما قد تكون آخر خطواته في السياسة الخارجية، قبل خروجه من الحكم في 20 المقبل.

وكانت الحكومة الروسية ورثت المقرين من سابقتها السوفياتية، التي اشترت الاول - الذي تبلغ مساحته 14 هكتارا في نيويورك في العام 1954- قبل ان تشتري مقراً أكبر تبلغ مساحته 45 هكتارا، العام 1972.

والمقران يتمتعان بحصانة ديبلوماسية، وإقفالهما، الذي يترافق مع طرد الديبلوماسيين الروس، يعني ان واشنطن أرادت إفهام موسكو انها تتابع وتراقب عن كثب مجريات عمليات التجسس التي تديرها روسيا داخل أميركا، وتستخدم خلالها المقرين المذكورين، وان أميركا تقوم بعمليات تجسس مضادة على جاري العادة في هذا النوع من الحروب الاستخباراتية.

وفور إعلان أوباما المرسوم وإصدار الاستخبارات الاميركية تقريرها، سارعت وكالات الاعلام الاميركية الى التساؤل عن المدى الذي ستبلغه المواجهة الاميركية مع روسيا. واعتبر معظم الخبراء الاميركيين ان خطوة أوباما هي اكبر مواجهة بين البلدين منذ نهاية الحرب الباردة في العام 1990.

في المقابل (وكالات)،أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس، قرارا مفاجئا بان بلاده «لن تطرد احدا» ردا على العقوبات التي اعلنتها واشنطن.

فبعيد اقتراح وزير خارجيته سيرغي لافروف اعلان «31 ديبلوماسيا في السفارة الاميركية في موسكو واربعة ديبلوماسيين في القنصلية العامة الاميركية في سان بطرسبورغ اشخاصا غير مرغوب فيهم»، سعى بوتين الى التهدئة مؤكدا ان روسيا «لن تثير المشاكل للديبلوماسيين الاميركيين».

واوضح بوتين في بيان نشره الكرملين «لن نطرد احدا (...). لن ننحدر الى مستوى ديبلوماسية غير مسؤولة» معتبرا العقوبات الجديدة التي اعلنتها واشنطن «استفزازية» وتهدف الى «تقويض اضافي للعلاقات الروسية - الاميركية».

كما رفض اقتراح لافروف الذي استند الى مبدا «المعاملة بالمثل» وشمل منع الديبلوماسيين الاميركيين من استخدام منزل ريفي في ضاحية موسكو.

لكن بوتين اكد ان روسيا تحتفظ لنفسها «بحق اتخاذ اجراءات رد» وستتخذ خطواتها المقبلة «حسب سياسات ادارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب».

بدوره، قال رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، إن إدارة أوباما تنهي حكمها للولايات المتحدة بـ«نوبة معاداة لروسيا».

أوباما يطلق العنان الأميركي ضد عنصرية إسرائيل تجاه الفلسطينيين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بلغت الأزمة بين الولايات المتحدة واسرائيل مراحل غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الحليفتين.

على شاشات الشبكات التلفزيونية الاميركية - اليمينية «ان بي سي» والوسطية «سي ان ان» واليسارية «ام اس ان بي سي» - ردد الخبراء عبارة لطالما كانت محظورة حتى الامس القريب بوصفهم اسرائيل على انها نظام «ابرثايد» للفصل العنصري، في تشبيه لنظام الفصل العنصري البائد بين البيض والسود في جمهورية جنوب افريقيا.

اما ذروة الانتقادات التي تعرضت لها اسرائيل داخل أميركا، فجاءت على لسان وزير الخارجية جون كيري، الذي قال ما دأب على قوله كثيرون، وانما ليس بالصراحة نفسها وامام الرأي العام الاميركي، عندما قال كيري ان على اسرائيل ان تختار، اما ان تكون «دولة يهودية» او تكون «دولة ديموقراطية»، وهي من المرات النادرة التي يتجرأ فيها مسؤول أميركي على هذا المستوى على الطعن في «ديموقراطية اسرائيل»، اذ ان تل ابيب واصدقاءها دأبوا، على مدى العقود الماضية، على تسويق اسرائيل بين الاميركيين على انها «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط».

لكن في ايامها الاخيرة، اسدت ادارة الرئيس باراك أوباما خدمة جلية للعرب والقضية الفلسطينية بكسرها حظرا غير رسمي كان مفروضا على السياسيين والاعلاميين الاميركيين، ويقضي بعدم التطرق الى طبيعة الدولة العبرية، وحصر الحديث عن اسرائيل بالاشارة الى صراعها مع الارهابيين العرب المزعومين، وتصويرها الصراع العربي الاسرائيلي على انه جزء من الاصطفافات العالمية، ان «الحرب الباردة»، او «الحرب ضد الارهاب» او «مواجهة التمدد الايراني».

وفي الماضي، كانت اسرائيل تصور نفسها على انها خط الدفاع الاول في الحرب الباردة بين ديموقراطيات العالم، من جهة، والشيوعية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي، من جهة اخرى. ثم بعد نهاية الحرب الباردة، قدمت اسرائيل واصدقاؤها الدولة العبرية على انها رأس حربة التحالف العالمي في مكافحته الارهاب. وفي السنوات القليلة الماضية، حوّلت اسرائيل قضية «الملف النووي الايراني» الى أزمة عالمية، وصورت نفسها على انها ضحية محتملة لايران النووية، مع ما يعني ذلك من ضرورة حصول اسرائيل على دعم مالي وديبلوماسي وعسكري متواصل، وترافق ذلك مع تشتيت الانتباه عن ممارسات اسرائيل ضد الفلسطينيين. وساهمت التصريحات الايرانية الرعناء، من قبيل تكرار المسؤولين الايرانيين في الطعن بالمحارق الاوروبية بحق اليهود، في المزيد من تشتيت الانتباه عن الفلسطينيين وقضيتهم وتحويل الصراع الى اقليمي بين ايران واسرائيل.

لكن التململ الاميركي من اسرائيل وممارساتها العنصرية ضد الفلسطينيين كان يستعر مثل الجمر تحت الرماد، على رغم بقائه بعيدا عن خطاب «المؤسسة الحاكمة» لدى الحزبين الديموقراطي والجمهوري، مثلا يوم قاطع المرشح الديموقراطي للرئاسة السناتور بيرني ساندرز المؤتمر السنوي للوبي الاسرائيلي المعروف بـ «ايباك» في مارس الماضي، اعتبر الخبراء ان الخطوة كانت متوقعة من قبل سياسيين على الهامش من امثال ساندرز.

والتحول في الشعور الاميركي العام ضد اسرائيل لم يكن وليد قرار مجلس الأمن 2334 وامتناع ادارة أوباما عن نقضه، بل هو تراكم لسلسلة من الاخطاء الاسرائيلية والتصرفات المتعجرفة بحق الاميركيين، فنتنياهو سبق ان اعلن تأييده المرشح الجمهوري السابق للرئاسة ميت رومني، قبل ان يعلن صداقته للرئيس الجمهوري المنتخب ترامب. ثم وجهت اسرائيل واصدقاؤها صفعة لاوباما والديموقراطيين بدعوة الكونغرس الجمهوري نتنياهو لالقاء كلمة، من دون ابلاغ البيت الابيض، الذي اغلق ابوابه في وجه الضيف الاسرائيلي.

وعند كل محاولة اعادة اطلاق محادثات السلام، كان نتنياهو يوجه صفعة لأوباما، فهو اعلن عن بناء مستوطنات فيما كان نائب الرئيس جو بايدن في الجو في طريقه الى اسرائيل لاعادة اطلاق المفاوضات. ونتنياهو لا يتردد في اعلان تأييده الاستيطان اثناء كل زيارة له الى البيت الابيض، على الرغم من محاولات ادارة أوباما التقليل من اهمية الموضوع بهدف استرضاء الفلسطينيين لحضّهم على الانخراط في المحادثات المتعثرة.

لكن يبدو هذه المرة ان الكيل طفح لدى الديموقراطيين. صحيح ان امتناع أوباما عن التصويت في مجلس الأمن افضى الى قرار يتيم مع تأثيرات شبه معدومة على الارض الفلسطينية، الا ان حركة أوباما فتحت الباب امام سيل الاحباط الاميركي من التصرفات الاسرائيلية المتعجرفة، وهو سيل أميركي من غير المرجح ان يتوقف حتى بعد خروج أوباما من الحكم.

رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو أجبر أوباما على اطلاق العنان الاميركي ضد اسرائيل، وهو بعدما فعل ذلك، لم يتوقف عن مهاجمة الاميركيين، فدفع بذلك بالمزيد منهم الى الخروج الى دائرة الضوء لمهاجمة العنصرية الاسرائيلية. وفي خضم المواجهة، يستمر نتنياهو في المراهنة على الجمهوريين كحلفاء يقدمون الولاء والطاعة الكاملة لاسرائيل، من دون ان يلتفت الى حقيقة ان الديموقراطيين لا يشكلون نصف الاميركيين فحسب، بل هم اظهروا في الانتخابات الرئاسية الشهر الماضي ان ناخبيهم أكثر من ناخبي نظرائهم الجمهوريين بثلاثة ملايين صوت على الأقل، أي انه حتى لو امسك نتنياهو بالرئاسة والكونغرس في واشنطن، فان غالبية الرأي العام قد تبقى حانقة ضده، وقد تكلفه الكثير اذا ما عاد الديموقراطيون الى الحكم يوما.

اسرائيل تغرق

حسين عبدالحسين

في السنوات السابقة للربيع العربي، كان العالم يتندر بقياس المدة التي امضاها رؤساء العرب مقارنة بنظرائهم الاميركيين. مثلا، عاصر العقيد اللليبي الراحل معمر القذافي ثمانية رؤساء اميركيين هم نيكسون وفورد وكارتر وريغان وبوش الاب وكلينتون وبوش الابن واوباما، وعاصر الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد سبعة منهم من نيكسون الى بوش الابن، والرئيس المصري السابق حسني مبارك تزامن حكمه مع حكم خمسة رؤساء اميركيين من ريغان الى أوباما. 

اليوم، يحمل لقب أطول حاكم في الشرق الاوسط رئيس حكومة “الديموقراطية الوحيدة”، بنيامين نتنياهو، الذي تزعم اسرائيل للمرة الاولى في صيف العام ١٩٩٦، والمرة الثانية في العام ٢٠٠٩ وحتى اليوم، ليصبح صاحب ثاني أطول رئاسة بعد المؤسس دايفيد بن غوريون. واذا ما اتم نتنياهو ولايته الحالية، يصبح صاحب اطول فترة حكم في التاريخ الاسرائيلي.

رئاسة نتيناهو لحكومة اسرائيل، والتي تبدو اليوم رئاسة “الى الأبد”، تشي بالضعف الذي بدأ يدب في الجسد الاسرائيلي، وهو الضعف الذي ينتشر اليوم في معظم ديموقراطيات العالم، وفي طليعتها الولايات المتحدة ودول غرب اوروبا، حيث صارت تطغى الشعبوية، وحيث صار القادة يعمدون الى بث خطابات تحريضية، للاستيلاء على الحكم، ثم التمسك به. 

اسلوب الحكم بالتحريض في الديموقراطيات صار يتطابق مع خطاب الكراهية في الديكتاتوريات، مثل في روسيا وسوريا ومصر، حيث تخلو برامج الحكم من الوعود بالازدهار والبحبوحة، وتنحصر بوعود مكافحة “الارهاب”، الحقيقي منه والمتخيل. 

لكن الحكم عن طريق التحريض مازال تجربة يافعة، خصوصا في الحكومات الاكثر تمرساً في الديموقراطية، فقادة التحريض لم يحصدوا حتى اليوم شعبية تذكر، وهم ان اقتنصوا الحكم، فهم فعلوا ذلك بالصدفة او عن طريق خلل دستوري، مثل حالة رئيس اميركا المنتخب دونالد ترامب، الذي مازالت شعبيته — داخل الولايات المتحدة وحول العالم — متهالكة، حتى قبل دخوله الحكم.

ولاخفاء هذه الشعبية المتهالكة، يلجأ الحكام الى المزيد من التشدد والتحريض، كما في تكرار ترامب حديثه عن نيته اقامة قاعدة باسماء مسلمي أميركا، وهي وعود يبدو تطبيقها شبه مستحيل عمليا، ولكنها وعود تحافظ على التأييد الشعبي لترامب بين المتطرفين الاميركيين.

وكما في أميركا، كذلك في اسرائيل، يلجأ نتنياهو الى التحريض عن طريق إمعانه في انشاء وحدات سكنية في اراضي فلسطين، واقراره خطط بناء وحدات جديدة، وهي سياسة — بعيدا عن شعبويتها وهدف حصدها جمهور اليمين الاسرائيلي المتطرف — غامضة ولا اهمية استراتيجية لها، وتكسب اسرائيل بسبب هذه السياسات اعداء اكثر بكثير من الاصدقاء، كما بدا جليا في قرار مجلس الأمن 2334، الذي حرّم بناء الحكومة الاسرائيلية مستوطنات في الاراضي فلسطينية، ووصفها عقبة تجاه تحقيق السلام.

لكن نتنياهو، كما ترامب، يعيش سياسيا على الغضب، وهو بدلا من ان يسعى لاقناع العالم ان اسرائيل تسعى لسلام يرفضه العرب، على ما دأبت اسرائيل فعله منذ تأسيسها، خاض رئيس الحكومة الاسرائيلي في فورة غضب ضد المجتمع الدولي، وتمسك بتعليلات قد تبدو للاسرائيليين مقنعة، ولكنها للعالم لا منطقية، مثل القول ان تحريم المستوطنات يعرقل السلام، وتكرار ان الاستيطان ليس عائقا امام السلام لأنه يمكن تفكيك المستوطنات على وجه السرعة في حال التوصل لاتفاقية سلام، وهو ما يطرح التالي على نتنياهو: اذا ما كان تفكيك المستوطنات بهذه السهولة، فلا شك ان اصدار مجلس الأمن قرارا معاكسا للقرار 2334 عملية اسهل من التفكيك.

نتنياهو يعيش في عالم اوهام اليمين الاسرائيلي. يعتقد ان قرارا من الكنيست كاف لتثبيت ملكية اسرائيل لهضبة الجولان، التي يسميها العالم بأجمعه الجولان السوري المحتل. ويعتقد متطرفو اسرائيل ان العالم يصدق البهلوانيات الكلامية حول “اراض عربية محتلة”، وان الاراضي الفلسطينية مازالت “متنازعاً عليها”.

حتى صحيفة “نيويورك تايمز” لم تدن قرار مجلس الأمن بعد صدوره. اما افتتاحية “واشنطن بوست”، فادانته بخجل، وادانت اسرائيل في المقالة نفسها. لم تعد أميركا في الظلمة، ولم يعد توماس فريدمان صديقا لاسرائيل من دون حساب. حتى اعتى مسؤولي ايباك، من امثال مديرها السابق توم داين والناطق السابق باسم اللوبي ام جاي روزنبرغ، انقلبوا ضد هذا اللوبي الاسرائيلي.

اسرائيل خسرت اكثر من نصف أميركا، بخسارتها الديموقراطيين، وخسارتها نصف الجمهوريين ممن يصفون انفسهم بـ “الاميركيين اولا” ويعيرون اصدقاء اسرائيل على انهم مواطنون اميركيون ولكنهم في الواقع “اسرائيليون اولا”. كذلك خسرت اسرائيل حفنة من الاصدقاء الدوليين القلائل الذين كانت تتمتع بهم.

الرواية الاسرائيلية حول فلسطين تتهاوى. العالم يتمسك بحل دولتين، والعالم يعرف ان الاراضي الفلسطينية ليست متنازعاً عليها، والعالم يعرف ان الركون لنصوص الهية في النزاعات السياسية، وخصوصا الحدودية، صار امراً معيباً. 

اسرائيل تغرق سياسيا حول العالم. وحده نتنياهو يتمسك بأوهام اليمين الاسرائيلي حتى يحافظ على منصبه.

الخميس، 29 ديسمبر، 2016

خروج أوباما... أضعف إيران في سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

استبدال ايران وصديقها الرئيس باراك أوباما، من جهة، بروسيا وتركيا وصديقيهما الرئيس المنتخب دونالد ترامب، من جهة أخرى، هو الذي ادى الى «الانفراج غير المسبوق في الأزمة السورية»، حسب ما ذكرت مصادر اوروبية في واشنطن. اما الرئيس السوري بشار الأسد، فمصيره تبدل من المشاركة في حرب مفتوحة للقضاء على كل معارضيه، حسب السياسة الايرانية، الى المشاركة «في الاشراف مع معارضيه على التسوية»، حسب السياسة الروسية.

وتؤكد المصادر الاوروبية لـ «الراي» ان «الصراع السوري يبدو الى حد بعيد صراع شخصيات لا صراع سياسات»، فللرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان لائحة من الشكاوى ضد نظيريهما الاميركي أوباما، وهما يحاولان اظهار ان الشؤون الدولية، خصوصا الحرب السورية، كانت مستمرة بسبب سياساته، وان الحل ممكن فور خروجه من الحكم.

وتتابع المصادر ان مستشار ترامب لشؤون الامن القومي مايكل فلين على اتصال مع الحكومتين الروسية والتركية، وان «المشاركة الاميركية في الحل السوري، المقرر اعلانه بين الأسد ومعارضيه في الآستانة، ستأتي في الايام الاولى لدخول ترامب البيت الابيض» في 20 يناير المقبل.

ومنذ انتخابه رئيسا الشهر الماضي، باشر ترامب وفريقه بالعمل على مجموعة من السياسات الداخلية والخارجية التي سيتم تنفيذها في المئة يوم الاولى لتسلمه الحكم، وهو ما يتطلب الاعداد لها قبل دخوله البيت الابيض. وفريق ترامب على اتصال بالكونغرس، الذي تسيطر عليه غالبية من حزبه الجمهوري، بهدف الاسراع في الحصول على مصادقات لتعييناته الوزارية، وكذلك من اجل اقرار بعض القوانين مثل تمويل الموازنة، بهدف الاسراع في البدء بتطبيق اجندة ترامب.

وكما في الشؤون الداخلية، عمد ترامب، الذي استهل تعيين فريقه بإعلان فلين مستشاره للأمن القومي، الى التواصل مع حكومات العالم من اجل العمل على التوصل الى سياسات يتوجها الرئيس الاميركي المقبل في الاسابيع الاولى لتسلمه الرئاسة، منها محاولة انهاء الأزمة السورية.

وتسببت حماسة ترامب بإثارة مشاكل مع الادارة الحالية، الباقية في الحكم حتى العشرين من المقبل، ما دفع ببعض المشرعين الديموقراطيين في الكونغرس الى محاولتهم اقرار قانون يحظّر على الرئيس المنتخب ممارسة اي مهام او الاتصال بحكومات اجنبية قبل تسلمه الحكم رسميا. واطلق الديموقراطيون على مشروع قانونهم اسم «تفادي سيناريو وجود رئيسين للولايات المتحدة».

ويبدو انه بهدف تأديب ترامب والجمهوريين وصديقتيهما اسرائيل، عمد أوباما الى الامتناع عن ممارسة حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي وصف المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية بأنها «غير شرعية ومعرقلة للسلام». كذلك، يسارع أوباما الى اقرار مجموعة من المراسيم الاشتراعية في الايام القليلة المتبقية له في الحكم، وهي مراسيم كانت ادارته ماطلت باقرارها اعتقادا منها ان الديموقراطية هيلاري كلينتون كانت سترث الادارة الاوبامية.

ويبدو ان علاقة اميركا بايران تحولت الى جزء من الصراع بين ترامب وأوباما، الذي نجح في التوصل لاتفاقية نووية مع الايرانيين رغم عاصفة المعارضة التي اثارها الجمهوريون والتي يتابعها ترامب اليوم.

وكان أوباما عمد الى مراعاة السياسات الايرانية في الشرق الاوسط، فوافق على الاطاحة برئيس حكومة العراق نوري المالكي، الذي كان يحاول بناء زعامة شيعية مستقلة عن ايران، خصوصا عن طريق التشدد في وجه السنة العراقيين.

كذلك، حصر أوباما سياسة أميركا في المنطقة بمشاركة بلاده في الحرب ضد تنظيم «الدولة الاسلامية»(داعش)، من دون اي من التنظيمات الاخرى التي تصنفها الولايات المتحدة في خانة التنظيمات الارهابية.

وقوف أوباما في صف طهران سمح باطالة أمد الحرب السورية، فايران مصممة على تصفية كل معارضيها في المنطقة، ممن يصنفهم العالم ارهابيين ام لا يصنفهم. لكن ترامب سيعكس سياسة أوباما تجاه الجمهورية الاسلامية، وترامب لم يقدم في سياسته الخارجية حتى الآن الا ثوابت ثلاثة: معاداته «الدولة الاسلامية»و «الجمهورية الاسلامية» الى حد المساواة بينهما، ودعمه المطلق وغير المشروط لاسرائيل.

بدورها، قد لا تتبنى روسيا وتركيا سياسات ترامب بالكامل، خصوصا تجاه اسرائيل، وهو ما بدا جليا في وقوف موسكو في صف العالم ضد تل ابيب في قرار مجلس الأمن الاخير. لكن روسيا توافق حتما على معاداة «الدولة الاسلامية»، وهي تعتقد انه يمكنها ان تستفيد من انقلاب موقف واشنطن تجاه طهران لناحية تحصيل الروس مكاسب في الشرق الاوسط على حساب اصدقائهم الايرانيين.

وتشرح المصادر الاوروبية ان بوتين ارسل حاملة طائراته الوحيدة «كوزنتسوف» الى البحر الابيض المتوسط، في اشارة ضد طهران، بعدما عارضت الاخيرة السماح له باستخدام قواعدها الجوية لاقلاع قاذفاته المشاركة في الحرب السورية. وتضيف المصادر:«بوتين كان يعتقد ان ايران ستتحول الى تابعة له، لكن الايرانيين حرصوا على اظهار العلاقة على انها شراكة، مع حفاظهم على اليد العليا على الارض في العراق وسورية ولبنان».

اما تركيا، فهي تعتقد انه يمكنها الركون الى روسيا لمواجهة المد الايراني داخل سورية والعراق. كما تتأمل تركيا ان تنسج علاقة مع ترامب أمتن من علاقتها المهزوزة مع أوباما، مع ما يعني ذلك من امكانية موافقة الرئيس الاميركي المقبل على تسليم انقرة عدوها اللدود التركي المعارض فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا.

لاسباب شخصية اختلطت بالمصالح الدولية، يبدو ان موسكو وانقرة تدفعان في اتجاه هدنة سورية مؤكدة وتسوية تنتظر فقط مهر ترامب توقيعه عليها. اما ايران، فهي ستضطر اما الى تخريب التسوية الدولية، بتكلفة سياسية وبشرية مرتفعة على الارجح، او انها ستقبل بالمرسوم بانتظار ظهور ثغرة في التحالف الروسي - التركي - الاميركي المستجد، والذي قد ينفرط في أي لحظة مستقبلا.

الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2016

نتنياهو على خطى الأسد

حسين عبدالحسين

الغضب الذي عبرّت عنه اسرائيل، إثر صدور قرار مجلس الأمن الذي حرّم عليها الاستيطان على اراضي فلسطين، يكاد يتطابق مع مسرحيات الغضب التي يقدمها عادة النظام السوري، وهو غضب ضد مؤامرة أميركية مزعومة، مؤامرة غالباً ما تكون نتائجها تشجيع الارهاب وتقويض السلام، على حد زعم حكومتي اسرائيل وسوريا.

أوهام رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتيناهو والرئيس السوري بشار الأسد تتطابق. الرجلان يعتقدان انهما على "الجهة الصحيحة من التاريخ"، فيما الواقع هو أن نتنياهو والأسد يتسابقان على حصد كراهية شعوب العالم، إذ لم تكد تمر ايام على تبني الغالبية الساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار قطري وليختنشتاين القاضي بمحاسبة الأسد واعوانه بتهمة جرائم حرب في سوريا، تبنى مجلس الأمن — بما يشبه الاجماع — قراراً يدين استيطان نتينياهو وحكومته في فلسطين. وصفق الحاضرون في القاعتين على إثر صدور القرارين.


وبسبب تمردهما ضد القوانين الدولية، يعاني نتنياهو والأسد من عزلة دولية متنامية، فرئيس حكومة اسرائيل أراد محاسبة الدول التي وقفت خلف قرار مجلس الأمن، السنغال ونيوزيلندا، فاستدعى سفيريهما، وقلّص بذلك عدد الدول الشحيحة التي تقيم علاقات مع اسرائيل أصلاً، لينضم الى نادي الأسد وكوريا الشمالية والحكومات الخارجة عن الشرعية الدولية.


ويتطابق نتنياهو والأسد كذلك في صداقتيهما الوثيقة مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي يعتقد ان اسرائيل تتحكم بالعالم، حسبما ينقل عنه اصدقاء اسرائيل في العاصمة الاميركية. ويبدو أن أوهام السيسي حول إمساك اسرائيل بالقرار العالمي هي التي دفعته الى سحب القرار الذي قدمته بعثته، بعد طلب الاسرائيليين منه ذلك، لتتلقف القرار حكومات اكثر انسانية من المصرية، وتعيد طرحه امام المجلس. وبعد المصادقة على القرار، ربما رأى السيسي أن أصدقاءه في تل أبيب ليسوا من صنف الآلهة كما يعتقد.


ويتطابق نتنياهو والأسد، وإلى حد كبير رئيس الولايات المتحدة المنتخب دونالد ترامب، في اللجوء إلى التحريض الشعبوي والطائفي، خصوصاً ضد المسلمين، لتشتيت الانتباه عن شبقهم الاعمى نحو السلطة. هكذا يصور نتنياهو اي قرار أممي ضد اسرائيل على أنه تهديد وجودي لها، ويجعل من أوباما — الذي منح اسرائيل ٣٨ مليار دولار مساعدة عسكرية — معادياً للسامية بسبب امتناعه عن حماية الاستيطان الاسرائيلي. أما الأسد، فيربط بين خروجه من الحكم وبين انتصار "البرابرة" المسلمين على الحضارة الغربية المسيحية بأكملها.


واللافت أن الثلاثة، نتنياهو والأسد وترامب، لا يمثلون الغالبية الشعبية في بلدانهم، فنتنياهو حلّ ثانياً في الانتخابات الاسرائيلية التي أعادته إلى الحكم في العام2006، قبل أن يلتف على نتائجها بتشكيله ائتلافاً حكومياً يمينياً متطرفاً، والأسد "فاز" بولاية رئاسية ثالثة اختلطت فيها صناديق الاقتراع ببراميل المتفجرات التي يرميها على رؤوس السوريين، فيما فاز ترامب بالرئاسة بفضل خلل دستوري بعد خسارته الاقتراع الشعبي بقرابة 3 ملايين صوت.


حتى يبقى في الحكم، يمكن لنتنياهو أن يخيف بعض الاسرائيليين والعالم من الارهاب المزعوم، وأن يهدم فلسطين على رؤوس أهلها، ويمكن للأسد أن يفعل الشيء نفسه وأن يخيّر العالم بين بقائه في الحكم وجحيم يبتلع المنطقة والعالم. لكن "حبل الكذب قصير"، حسب المثل العربي، والعالم يعرف الصالح من الطالح، وأصوات الجمعية العامة ومجلس الأمن هي أبرز دليل على أن العالم يرى ويسمع، وإن يكن لا يفعل.


سيبقى نتنياهو رئيساً لحكومة اسرائيل، ولكن مع مرور كل يوم على وجوده في الحكم، سيقوض شرعية اسرائيل في عيون العالم أكثر فأكثر، وسيعزلها، وسيبعد عنها اصدقاءها، بما في ذلك راعيتها الأزلية أميركا، تماماً كما حول الأسد سوريا الى ركام، فقط كي يبقى حاكمها الى الأبد.

الاثنين، 26 ديسمبر، 2016

بيكيتي يحذّر من الهوّة الطبقية في أميركا

واشنطن - حسين عبد الحسين

يردد الاقتصاديون جملة شهيرة أطاحت برئيسهم الجمهوري السابق جورج بوش الأب في انتخابات عام 1992 أمام منافسه الديموقراطي بيل كلينتون، وتقول: «إنه الاقتصاد أيها الأله»، لتعليل خسارة بوش معركة إعادة انتخابه رئيساً لولاية ثانية.

إذ على رغم النمو الاقتصادي القوي في زمن رونالد ريغان ونائبه بوش في الثمانينات، واجهت الولايات المتحدة ركوداً مع حلول الموسم الانتخابي. وعلى رغم محاولات بوش الحثيثة، خسر الانتخابات بسبب التعثر الاقتصادي.


منذ ذلك التاريخ، يعتبر الأميركيون أن نتائج الانتخابات مرتبطة في شكل رئيس بوضع الاقتصاد، إذ انتزع الديموقراطي باراك أوباما الرئاسة من الجمهوريين إثر «الركود الكبير» الذي أصاب البلاد في أواخر عهد جورج بوش الإبن عام 2007.

لكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة كسرت قاعدة الارتباط بين وضع الاقتصاد وهوية الفائز. إذ على رغم تسجيل الاقتصاد نمواً بلغ 3.2 في المئة في الربع الثالث من العام الانتخابي، وانخفاض البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل الركود عام 2007 إلى 4.6 في المئة، لم يختر الأميركيون رئيسهم من الحزب الديموقراطي الحاكم، بل آثروا انتخاب الجمهوري المعارض دونالد ترامب. وعلّلوا خيارهم بتردي أوضاعهم الاقتصادية، واعتبروا أنهم «لا يشعرون» بالبحبوحة المفترضة، على رغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية.

وسبب التباين بين المؤشرات وواقع الناخبين، وفقاً لعدد متنامٍ من الاقتصاديين الأميركيين، هو اتساع الفارق الطبقي في الولايات المتحدة. إذ يجني الأثرياء ثمار نمو الناتج المحلي، فيما لا يسجل مدخول النصف الأدنى من الأميركيين ارتفاعاً يذكر، ما يوسّع الهوة بين الأثرياء والأقل حظاً.

وكان هذا التباين الطبقي عنوان الكتاب الذي اكتسب شهرة واسعة في الأوساط الاقتصادية، للاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي بعنوان «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، في استعارة لتسمية كتاب الفيلسوف الألماني كارل ماركس «رأس المال». وبعدما أشار بيكيتي إلى أن الهوة في المداخيل تتسع بين الطبقات في الدول الغربية، رأى أن من شأن هذه الهوة التأثير سلباً في النمو الاقتصادي الغربي عموماً.

وأطلّ بيكيتي هذه المرة بدراسة ألّفها مع زميليـــــن له يدرّسان الاقتصاد في جامــــعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة، هما ايمانـــويل سايز وغابريال زوكمان. وحملت دراســـة الاقتصاديـــين الثلاثة عنـــــوان «توزيــع الحسابات الوطنية: الطرق والتقديرات في الولايات المتحدة»، وتناولت الدخل الفردي للأميركيين منذ العام ١٩١٣، استناداً إلى بيانات الرواتب والضرائب.

وأشارت الدراسة، إلى أن «معدل الدخل القومي للفرد قبل حسم الضريبة، ارتفع بواقع 60 في المئة منذ العام 1980، لكننا وجدنا أن المداخيل لم تزِد لدى نصف السكان الأدنى على سلم المداخيل، إذ بلغ معدل دخل الفرد 16 ألف دولار سنوياً». وأفادت بأن معدل دخل الفرد قبل الضريبة «ارتفع 40 في المئة لدى 90 في المئة من الأميركيين، لكنه ازداد في شكل حاد في رأس سلم المداخيل. ففي العام 1980، حصّل الواحد في المئة الأعلى دخلاً بين الأميركيين 27 ضعفاً ممّن هم في النصف الأدنى لناحية مداخيلهم، فيما هم يجنون 81 ضعفاً اليوم».

وفي انعكاس لنظرية بيكيتي في كتابه، لفتت الدراسة إلى أن ارتفاع مداخيل الأثرياء الأميركيين بين عامي 1913 و2000، نتج من النمو في معاملهم، لكن منذ العام 1980 انحصر سبب ارتفاع مداخيل الأثرياء الأميركيين بعائدات أموالهم».

واعتبرت الدراسة أن محاولة تقليص الفارق في رواتب النساء مع نظرائهم الرجال «ساهمت في التخفيف من عدم المساواة في المداخيل بين الأفراد، لكن حصة النساء تنخفض في شكل حاد كلما صعدنا على سلم الدخل. إذ تشكل النساء الأميركيات 11 في المئة فقط من أثرى الأميركيين (أو مجموعة 0.1 من الأميركيين الأعلى دخلاً في البلاد).

واستناداً إلى الدراسة، تظهر أرقام عام 2014 أن عدد الأميركيين ممّن يجنون دخلاً بلغ 234.4 مليون بمعدل مدخول سنوي بلغ 64400 دولار. وتبيّن الأرقام أن قبل الضرائب، يشكل النصف الأدنى من الأميركيين ممن يجنون 16200 دولار 12.5 في المئة من أصحاب الدخل. فيما تشكل 40 في المئة في النصف الأعلى 40.5 في المئة من أصحاب المداخيل بمعدل 65400 للفرد. أما العشرة في المئة الأكثر دخلاً، فيبلغ عددهم 23.44 مليون بدخل 304 آلاف دولار سنوياً.

وبعد الضريبة، تصبح هذه الأرقام على الشكل التالي، يجني النصف الأدنى 25 ألف دولار سنوياً وتصبح نسبتهم 19.4 في المئة من أصحاب المداخيل. فيما ترتفع نسبة الأميركيين في الطبقة الوسطى ارتفاعاً طفيفاً من 40.5 في المئة إلى 41.6 في المئة بدخل سنوي يبلغ 67.2 ألف دولار. وتنخفض نسبة الفئة الثالثة الأثرى من 47 إلى 39 في المئة. فيما ينخفض مدخول الفرد السنوي فيها من 304 آلاف إلى 252 ألف دولار سنوياً.

على صعيد نمو المداخيل، تشير الدراسة إلى أن المجموعات الأميركية الثلاث المصنفة وفق دخلها، تطورت مداخيلها على الشكل التالي: المجموعة الأدنى نما دخلها بنسبة واحد في المئة بين عامي 1980 و2014، مقارنة بنمو بلغ 102 في المئة بين عامي 1946 و1980. أما المجموعة الوسطى، فارتفعت مداخيلها 42 في المئة بين ١٩٨٠ و٢٠١٤ مقارنة بارتفاع بلغ 105 في المئة بين ١٩٤٦ و١٩٨٠.

أما مجموعة الأثرياء الأميركيين، فهي الوحيدة التي ارتفعت نسبة نمو مداخيلها، من 79 في المئة بين ١٩٤٦ و١٩٨٠ الى 121 في المئة بين ١٩٨٠ و٢٠١٤.

على رأس الأثرياء الأميركيين مجموعة صغيرة نسبتها 0.001 في المئة من أصحاب المداخيل، ويبلغ عدد هؤلاء 2344 أميركي فقط. هؤلاء، ارتفعت نسبة نمو مداخيلهم من 57 في المئة بين ١٩٤٦ و١٩٨٠ الى 636 في المئة بين ١٩٨٠ و٢٠١٤.

ينمو الاقتصاد الأميركي، لكن النمو يذهب إلى الأثرياء الأميركيين، فيما أكثر من نصف السكان لا يشعرون بالبحبوحة التي ترصدها المؤشرات الاقتصادية الإيجابية. هذا التباين هو الذي أطاح بالحزب الديموقراطي الحاكم، وهو ما قد يطيح بالحزب الجمهوري العائد الى الحكم، وهو حزب عائد مع وعود بمزيد من الاقتطاعات الضريبية للأثرياء، على أمل تشجيعهم على توظيف أموالهم في السوق، ما سيؤثر سلباً في الطبقات الأدنى وفقاً لدراسة بيكيتي وصحبه، حتى لو أظهر الاقتصاد مؤشرات نمو عالية.

الجمعة، 23 ديسمبر، 2016

ترامب سيشدّد العقوبات على طهران حتى «تكسر» الاتفاقية النووية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في الفترة التي كان يسود فيها اجماع على حتمية فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة، قدمت اسرائيل واصدقاءها في واشنطن مجموعة من الاقتراحات الى فريق السياسة الخارجية في فريق المرشحة الديموقراطية للرئاسة. كان يمكن تلخيص الاقتراحات الاسرائيلية الى كلينتون على انها بمثابة «تحطيم ايران مقابل سلام اسرائيلي مع الفلسطينيين».

وكان الاسرائيليون يعلمون ان كلينتون متمسكة بالاتفاقية النووية مع الايرانيين، خصوصا ان ابرز مهندسيها، جايك سوليفان وويندى شيرمان، كانا من كبار وجوه الحملة الرئاسية لكلينتون، وكان من المرشح ان يشغلا مناصب قيادية في الفريق الحكومي المقبل. لذا، عرض الاسرائيليون الانخراط الجدي مع الفلسطينيين والتوصل الى سلام فعلي، مقابل انخراط الاميركيين في زيادة الضغط على نظام «الجمهورية الاسلامية في ايران»، من اجل منعها من التسلح او تجربة صواريخ باليستية، ومنعها من دعم ميليشياتها في المنطقة، وخصوصا «حزب الله» اللبناني المرابض على حدود اسرائيل الشمالية.

لكن الفوز غير المتوقع للمرشح الجمهوري دونالد ترامب اطاح بالعرض الاسرائيلي للاميركيين، اذ سبق لترامب ان وعد «بتمزيق» الاتفاقية النووية مع الايرانيين، ووعد بنقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس، واطلاق يد الحكومة الاسرائيلية تماما في تعزيز نشاطاتها الاستيطانية في اراضي الفلسطينيين.

ويمكن ان فوز ترامب فاجأ، الى الاسرائيليين، ترامب نفسه وفريقه المكلف صناعة سياسة خارجية جديدة، فتمزيق الاتفاقية النووية مع ايران يعني عودة طهران الى عملية التخصيب وزيادة عدد الطرود المركزية وتوسيع برنامجها النووي، من دون امكانية لوقفها غير توجيه ضربة عسكرية لها. وأي عمل عسكري أميركي من هذا القبيل من شأنه ان يثير حنق غالبية الاميركيين، وان يؤدي الى غرق ترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في العام 2018، وبعدها في الانتخابات الرئاسية في العام 2020.

لذلك، كان لا بد امام فريق ترامب من تحويل وعوده الانتخابية غير الواقعية الى سياسات ممكنة ضد ايران. ويشارك الاسرائيليون في صناعة هذه السياسة ضد النظام الايراني، الذي يعتبرونه بمثابة الخطر الوجودي الوحيد الذي يتهدد الدولة العبرية.

ويقول اصدقاء اسرائيل ان محاولة التوصل الى اتفاقية نووية بديلة أمر شبه مستحيل سياسيا، فلا دوافع لايران للحضور الى طاولة المفاوضات، ولا دوافع لدى المجتمع الدولي لاعادة فرض عقوبات عليها واعادة الانخراط في مفاوضات مضنية كالتي سبقت التوصل للاتفاقية الحالية.

اما البديل، حسب الاسرائيليين، فيقضي بتأكيد تطبيق الاتفاقية النووية التي وقعها أوباما، والتي هاجمها الاسرائيليون والحزب الجمهوري في الماضي القريب ووعدوا بتخريبها «في اليوم الاول» لاستعادتهم البيت الابيض. لكن تقارير المراقبين الامميين تشير الى تجاوب ايراني كامل مع بنود الاتفاقية، وهو ما يحرم ترامب واسرائيل العثور على ثغرات يمكن من خلالها اعادة التفاوض، او على الاقل الغاء الاتفاقية والعودة الى مرحلة العقوبات الدولية على ايران.

ولأن ايران ملتزمة القرارات الدولية فيما يتعلق بملفها النووي، يعتقد اصدقاء اسرائيل انه على فريق ترامب الالتفات الى «نشاطات ايران المزعزعة» في المنطقة، واقرار عقوبات في الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون بغرفتيه، ضد «ممارسات ايران الارهابية».

في هذا السياق، يقول مؤيدو اسرائيل من الاميركيين ان واشنطن تفرض حاليا عقوبات على 25 مؤسسة ايرانية تابعة للـ «الحرس الثوري الايراني». ويعد هؤلاء بتقديم لائحة بحوزتهم فيها 575 مؤسسة ايرانية تابعة للحرس، وهو ما يرفع عدد المؤسسات الايرانية الخاضعة للعقوبات الى 600.

ويبدو ان فريق ترامب - اسرائيل يعتقد ان من شأن تشديد العقوبات استفزاز الايرانيين الى درجة تحملهم على الاخلال ببنود الاتفاقية النووية، وهو ما يقدم فرصة لواشنطن للانقضاض على الاتفاقية، و«تمزيقها»، واعادة فرض عقوبات اقسى، والدخول في مفاوضات اكثر تشددا من التي خاضها أوباما وفريقه.

سياسة ترامب المقبلة حيال ايران مازلت قيد الاعداد. على ان الثابت الوحيد في هذه السياسة المتوقعة هو ان ترامب ومجموعته يعادون «الجمهورية الاسلامية» بالمطلق، وهو عداء يزكيه اصدقاء اسرائيل من الاميركيين واسرائيل نفسها، وهو ما يفتح الطريق امام انتاج سياسة اميركية تجاه طهران غير مسبوقة لناحية تشددها.

الخميس، 22 ديسمبر، 2016

اعتذار ضحايا سوريا لقاتليهم

حسين عبدالحسين

أمر يجافي المنطق ان يمضي السوريون وأصدقاؤهم الاسبوع وهم يبكون ضحايا حلب، ثم يكللون حزنهم بالاعتذار الى جلاديهم عن مقتل سفير روسيا في تركيا.

قتل المدنيين مدان، في كل زمان ومكان. وكذلك مدان قتل اي شخص غير منخرط في اعمال حربية. ومدان ايضا الغدر بحق أشخاص غير متحسبين، أبرياء كانوا ام مجرمين. 

وليس مبررا القتل الا عند الدفاع عن النفس، وهذا دفاع جائز لدفع الضرر اثناء وقت الهجوم، وليس انتقاما او عقابا، على غرار “جيش الدفاع الاسرائيلي”، الذي “يدافع” باستيطان اراض فلسطينية تصفها المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية انها لضرورات استراتيجية “للدفاع” عن الممر الساحلي الذي يربط الشمال بالجنوب. 

القتل بشع ومدان، من الموصل الى الكرك الى برلين. لكن الارهاب ليس الآفة العنفية الوحيدة السائدة في المجتمعات البشرية. قتل المعارضين بالسم في لندن وكييف، وبالرصاص في واشنطن وموسكو، على غرار ما يفعل رئيس روسيا فلاديمير بوتين بحق معارضيه، هي جرائم تتعارض مع كل القوانين، الروسية والدولية.

ولأن القتل مدان، لا يجوز قتل الأشخاص بناء على معلومات استخباراتية وحدها من دون محاكمة. منذ ان قامت الولايات المتحدة بقتل الناشط في تنظيم “القاعدة في اليمن” الاميركي أنور العولقي في العام 2011، ثار نقاش أميركي ما زال مستمرا حتى اليوم، ويتمحور حول السؤال التالي: هل يجوز لرئيس السلطة التنفيذية اعدام مواطن أميركي من دون حكم قضائي؟ اما السؤال الذي يتفرع عنه، فهو: هل يحق لرئيس أميركا تصفية أي شخص، أميركي او غير أميركي، من دون حكم قضائي؟ 

لا يمكن لأي قانون ان يسود عبر تطبيقه على مجموعات بشرية دون أخرى. لذلك، ألبست الحضارة الانسانية سيدة العدالة عصبة على عينيها، قبل ان تسلمها ميزان العدالة. 

ولا عدالة في ان يعتذر العالم لمقتل السفير الروسي وحده، وان يعد بمحاسبة المتورطين في اغتياله، من دون ان يعتذر العالم للسوريين، في حمص وحماة وداريا والغوطة وحلب ودرعا، ويعدهم بمحاسبة المتورطين في اهراق دمائهم.

في التغطية الاخبارية لمقتل السفير الروسي في انقرة على قناة “ام اس ان بي سي” الاميركية، أطلّ المراسل ريتشارد انغل، وهو سبق ان حرره من الأسر ثوار سوريا فشكرهم على حسن معاملتهم له. وبعد ان روى انغل تفاصيل عملية الاغتيال، أطلق سلسلة من التحليلات. قال ان الجاني “صرخ بالعربية الله أكبر، وهو يرفع سبابته” دلالة على التوحيد وتماهيا مع ما يفعله إرهابيو داعش. ذكر انغل ايضا ان الجاني صاح ان لا تنسوا حلب، وان العالم لن يعيش في أمان طالما ان السوريين ليسوا في أمان.

اعترض العالم على موقف قاتل السفير الروسي. رأوا في تهديده أمن العالم، تكرارا لمواقف إرهابيي القاعدة. 

هذا التماهي، وهذا التداخل بين قضية محقة يحملها مهرجو “تنظيم القاعدة” وقضية مجحفة يحملها القتلة المحترفون من الروس والايرانيين، هي التي تطيل أزمة الارهاب حول العالم، وهي التي تزيد في شقاء العرب، الذين يجدون انفسهم يعتذرون وهم الضحايا.

الاختلال هو في ان يطلب العالم الى من يبحثون عن أحبائهم بين ركام بيوتهم، ان يعتذروا الى جلاديهم، الذين لا تميز مقاتلاتهم بين المستشفيات والمخابز والمدارس والبيوت وقافلات المساعدات الانسانية. والاختلال هو ان يعلن العالم نيته التسوية مع من اتهمه مجلس الأمن باستخدام السلاح الكيماوي بحق مدنيين، فيما يعلن العالم نفسه ان كل من يتعاطف مع الضحايا في سوريا هو اما ارهابي، ام متعاطف مع الارهاب.

الاختلال في الميزان الاخلاقي العالمي، والاختلال في ميزان العدالة العالمي، والاختلال في ميزان القوى العالمي، كلها تدفع العرب الى الاعتذار وهم يبكون، وتدفع قلّة منهم الى التورط في ما تيسر لهم من عنف، ارهابي او معتدل.

كل العرب أدانوا جريمة قتل سفير روسيا في تركيا، لكن غالبية العرب لم تبك السفير الروسي.

نقل احتفالات الكويت بعيدها الوطني إلى «فندق ترامب» يثير حفيظة الديموقراطيين الأميركيين

| الكويت - من خالد الشرقاوي | | واشنطن - من حسين عبدالحسين |

فيما تصدرت الكويت عناوين نشرات الأخبار الأميركية بعد إعلان السفارة الكويتية نقلها موقع الاحتفال بالعيد الوطني، المقرر في 25 فبراير المقبل، من «فندق فور سيزونز»، حيث تحيي السفارة العيد فيه كل عام، إلى «فندق ترامب»، الذي يملكه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، نفى نائب وزير الخارجية خالد الجارالله وجود أي ضغوط سياسية على سفارة الكويت في واشنطن لنقل مكان الاحتفال، معتبراً أن ذلك كلام بعيد كل البعد عن الواقع.

وأورد موقع «ثينك بروغرس» اليساري المؤيد للحزب الديموقراطي أن «السفارة الكويتية ألغت عقداً كانت وقعته مع (فور سيزونز) في أكتوبر الماضي، ووقعت عقداً آخر مع فندق ترامب بعد ممارسة ضغوط من قبل مؤسسة ترامب».

إلا أن السفير الكويتي الشيخ سالم الصباح نفى تعرّض السفارة لأي ضغوطات، معتبراً أن «للكويت أصدقاء كثر في العاصمة الأميركية».

لكن الصباح لم ينف وجود اتصالات مع مقربين من ترامب.

والكويت هي الدولة الثالثة التي تعلن إقامة فعالياتها في فندق الرئيس المنتخب، بعد مملكة البحرين التي أقامت احتفالاً فيه في السابع من الشهر الجاري، ومن قبلهما أذربيجان.

ويثير «فندق ترامب» جدلاً سياسياً واسعاً في الولايات المتحدة بسبب مادة في الدستور تحرّم على أي رئيس أميركي تقاضي أي أموال من حكومات أجنبية أثناء فترة رئاسته.

وتعتقد الهيئات الرقابية الأميركية أن أي دولار ينفقه أي ديبلوماسي يزور واشنطن أثناء إقامته في «فندق ترامب» يتجاوز المادة الدستورية. لذا، دعت هذه الهيئات ترامب إلى بيع كل أسهمه في الفندق المذكور لمنع الملاحقة القانونية التي ستطاله في حال تمسكه بملكيته له، وحذا حذو هذه الهيئات عدد كبير من

المشرعين الديموقراطيين في الكونغرس.

وكان ترامب أعلن مراراً أنه لن يتدخل في أي من أعماله أثناء ولايته الرئاسية حتى لا يبدو وكأن في الأمر أي عملية إفادة من المنصب أو إثراء غير مشروع.

وقال ترامب إنه سيسلم إمبراطوريته المالية إلى أولاده الراشدين الثلاثة ايفانكا ودونالد الصغير واريك. إلا أن القانونيين الأميركيين، يتصدرهم الفريق القانوني للرئيس السابق جورج بوش الابن، وهو من حزب ترامب الجمهوري، اعتبروا أنه حتى لو تسلّم الأولاد إدارة الإمبراطورية المالية، فإن ذلك لن يمنع المحاباة والفساد، داعين الرئيس المقبل إلى إيداع ثروته تحت إدارة وكيل مستقل لا يتحدث إليه ترامب أو افراد عائلته طوال فترة رئاسته.

ترامب يتسلم من أوباما اقتصاداً معافى

واشنطن - حسين عبدالحسين

لا يبدو أن النمو الاقتصادي، الذي انفردت به الولايات المتحدة بين اقتصادات العالم الكبرى على مدى السنوات الأخيرة، ساهم في توجيه النقاش الاقتصادي الذي رافق الانتخابات الأميركية. فاقتصاد أميركا أوقف انحداره الذي تلى «الركود الكبير» عام ٢٠٠٨، وعاد إلى النمو مع منتصف ٢٠٠٩، محققاً ٣,٩ في المئة خلال الفصل الثالث. لكن منذ ذلك التاريخ، استمر النمو الأميركي بالتأرجح، وحقق نسب نمو بلغت ٤,٦ في المئة في الفصل الرابع من عام ٢٠١١، و٤,٦ في الفصل الثاني من ٢٠١٢، و٤,٣ في الفصل الثالث من ٢٠١٣.

لكن نسب النمو التي تقارب ٤ في المئة أو تتجاوزها كانت قليلة ومبعثرة، وفصلت بينها نسب منخفضة، بما في ذلك رُبعا تقلص اقتصادي في مطلع العامين ٢٠١١ و٢٠١٤. هكذا، أنهى الرئيس باراك أوباما ثماني سنوات، أو ٣٢ فصلاً اقتصادياً، في الحكم مع معدل نمو بلغ ٢ في المئة، وهي النسبة ذاتها التي شهدها الاقتصاد الأميركي في ولايتي سلفه جورج بوش بين ٢٠٠٠ و٢٠٠٨، وهي تمثل انخفاضاً عن ٣,٨ في المئة التي شهدتها البلاد في العقد الأخير من القرن الماضي تحت رئاسة بيل كلينتون، وقبلها ٣,٦ في المئة التي عاشتها أميركا في عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان.


تراجع النمو الأميركي بواقع نقطة مئوية بين العقدين الأخيرين من القرن الماضي من جهة، والعقدين الأولين من هذا القرن، من جهة ثانية، دفع غالبية الاقتصاديين الأميركيين إلى اعتبار هذا التراجع غير مرتبط بالسياسات الحكومية، بل بتغيرات بنيوية في الاقتصاد الأميركي، أبرزها شيخوخة السكان، وخروج عدد كبير من الأميركيين من سوق العمل، ما طرح نقطة مئوية من معدل النمو السنوي بين الفترتين.

كذلك، عزا بعض الاقتصاديين، مثل وزير الخزانة السابق ورئيس جامعة هارفرد المرموقة لاري سامرز، إمكان الانخفاض المزمن للنمو إلى «اقتصاد المشاركة» الذي سهلته فورة تكنولوجيا التواصل. ويعتبر سامرز أن الثقافة الشعبية الأميركية انتقلت من شراء البضائع، مثل البيوت والسيارات، إلى شراء «التجارب»، مثل الإنفاق على المطاعم والسياحة، وهو انتقال ساهم في ضمور الصناعة الأميركية، وعزّز صعود قطاع الخدمات. ولأن الصناعة تقدم وظائف أكثر وزناً من الخدمات، شهدت المداخيل الأميركية تراجعاً، أو على الأقل صارت تعاني من جمود.

أطلّ دونالد ترامب على الأميركيين في حملته الانتخابية الرئاسية، وقدم لهم وعوداً بإعادة نمو الناتج المحلي إلى ٤ في المئة سنوياً، وهو ما لم تشهده أميركا منذ عهد الرئيس الراحل ليندون جونسون في الستينات. كما وعد بالعمل على وقف عملية «شحن الوظائف» الأميركية إلى المكسيك ودول آسيا، وهي الوعود التي حملته إلى الانتصار بفارق ضئيل في ولايات «حزام الصدأ»، التي عانت اقتصادياً بسبب إقفال معاملها التي انتقلت إلى دول حيث كلفة الإنتاج أقلّ.

وعود ترامب الاقتصادية لا تبدو بعيدة المنال فحسب، بل هي متناقضة نظرياً. فهو وعد بخفض الضرائب على الشركات من ٣٥ إلى ٢٥ في المئة لتشجيع رأس المال على الاستثمار في الولايات المتحـــدة، وإطلاق عنان المستثمرين، ما من شأنه رفع النمو وتالياً خلق وظائف. في الوقت ذاته، وفي سياق يناقض وعــود إطلاق حرية الشركات، هدد ترامب الشركات التي تنقل معاملها إلى خارج أميركا بفرض تعرفات جمركية تبلغ ٣٥ في المئة على البضائع التي تستوردها إلى السوق الأميركية، ما يعني أنه يعد بإطلاق حرية الشركات، ويفرض عليها في الوقت ذاته موقع إنشاء معاملها.

ومن التناقضات التي وعد بها ترامب أيضاً، إصراره على «العمل لمصلحة» العمال الأميركيين، لكنه في الوقت ذاته شكل حكومة فيها الكثير من أصحاب الملايين، ممن سيعملون على خفض الضرائب على مداخيلهم، وتحطيم القوانين التي وضعها أوباما لمنع المضاربة في أسواق المال. كما أطل ترامب ليستعرض رجال الأعمال من زواره من حول العالم، الذين وعدوا باستثمار بلايين الدولارات في الولايات المتحدة.

لكن الاستثمارات الخارجية في أميركا لا تكفي لرفع نسبة النمو. كما يمكن لهذه الاستثمارات، الآخذة بالتدفق منذ فترة بسبب غياب إمكانات الاستثمار في كبرى اقتصادات العالم الأخرى المتباطئة، أن ترفع قيمة الدولار أمام العملات العالمية، ما يقلّص الصادرات الأميركية، ويؤثر سلباً في القطاع السياحي الأميركي، مع ما يعني ذلك من تراجع في النمو.

الاقتصاديون الأميركيون لا يرون خطة واضحة لدى ترامب لإعادة أميركا إلى نسب نمو تقارب ٤ في المئة سنوياً، بل يرجحون أن اقتصاد الولايات المتحدة قارب موعد ركوده الدوري بعد سبع سنوات من النمو. وكانت علامات هذا الركود بدأت تظهر، مع تراجع مبيعات شركات السيارات الأميركية، والانكماش في السوق العقارية، وانخفاض مؤشر الصناعة. ثم أن بلوغ البطالة معدلاتها الدنيا يشير كذلك إلى أن النمو الأميركي بلغ حده، وأن الحفاظ على مكتسبات أوباما الاقتصادية قد لا يكون بالسهولة التي يتصورها ترامب.

يبقى بندان في جعبة ترامب للنهوض الاقتصادي، أولهما خفض معدلات ضريبة الدخل، وهذا من شأنه أن يضع المزيد من الأموال في جيوب الأميركيين، ويعزز ثقة المستهلكين ويدفعهم على الشراء، ما يحرك عجلة العرض والطلب ويساهم في زيادة النمو.

وكان الرئيس السابق جورج بوش الابن تبنى هذا السيناريو بعدما تعثر الاقتصاد القوي، الذي تسلمه من كلينتون وتسلم معه فائضاً في الموازنة السنوية للحكومة الفيديرالية. إلا أن خفيض الضرائب الذي قام به بوش لم يعط الدفع المرجو، وهو بالكاد رفع نسب نمو الناتح المحلي لفصلين أو ثلاثة، قبل أن يسير الاقتصاد في ركب الفقاعة العقارية التي كانت تكبر. وبعد الانهيار الأميركي المالي عام ٢٠٠٨، انتهى «شهر العسل» الاقتصادي الذي فرضه اقتطاع الضرائب، وتحول الاقتصاد إلى الانكماش، ولكنه ركود ترافق مع عجز سنوي ضخم ساهم في انفلات نمو الدَين العام.

البند الأخير لدى ترامب للنهوض بالاقتصاد الأميركي مبني على إنفاق تريليون دولار على مدى العقد المقبل، لصيانة البنية التحتية الأميركية المتهالكة وتحسينها. وقد يبدو المبلغ المذكور ضخماً، لكن ١٠٠ بليون دولار سنوياً قد لا تؤثر كثيراً في اقتصاد يقارب ١٩ ترليوناً، على رغم اعتقاد الاقتصاديين أن كل دولار يتم إنفاقه على البنية التحتية يعود بثلاث دولارات على الاقتصاد. ثم أن أعمال صيانة البنية التحتية التي وعد بها ترامب تحتاج إلى تمويل حكومي، وهذا التمويل - بالترافق مع خفض الضرائب - من شأنه أن يؤدي لارتفاع حاد في العجز السنوي والدَين العام. وكان ترامب أعرب عن أمله في أن تكون مشاريع صيانة البنية التحتية عبارة عن مشاريع يمولها القطاع الخاص في شكل لا يؤثر في الدَين العام، لكن مشاريع الجعالة (بي أو تي) غالباً ما تقتصر على الطرق السريعة والجسور التي يمكن فرض رسوم على مستخدميها، ما يترك الطرق الفرعية خارج عملية التحديث التي أصبحت ضرورية.

سيتسلم ترامب من أوباما اقتصاداً معافى. صحيح أن الاقتصاد الأميركي لا يحلق كما في الثمانينات والتسعينات، لكنه ينمو في وقت يعاني معظم الاقتصادات الكبرى من الضمور. وترامب يعتقد أن خططه ستعيد الاقتصاد إلى أيام بريقه، على رغم تشكيك غالبية الاقتصاديين بذلك واعتبارهم أن ترامب قدم وعوداً اقتصادية غير واقعية، وأن أفكاره هي في الغالب مرتبكة ومتضاربة.

الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2016

مكرم ربح دوّن «حرب الجبل»... وحصل على الدكتوراه في التاريخ

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

ربح: الذاكرة الجماعية تتطور بشكل جماعي وتنحرف في أحيان كثيرة عن الواقع التاريخيتدوين تاريخ «حرب الجبل» - المواجهة المسلحة بين مسيحيي ودروز جبل لبنان في العام 1983 والتي تخللتها مجازر دموية بين الطرفين - هي الرسالة التي قدمها الباحث مكرم ربح، ونال على اساسها شهادة الدكتوراه في التاريخ في جامعة جورجتاون المرموقة.

ويقول ربح ان النائب اللبناني وليد جنبلاط حرص على تدوين شهادات الدروز ممن شاركوا في «حرب الجبل» فور انتهائها، مشكلا بذلك ارشيفا غنيا يطلق عليه الباحثون اسم «الذاكرة الجماعية». والاستناد الى الذاكرة الجماعية، فضلا عن الوسائل الاخرى المتوفرة، هي المساهمة التي قدمها ربح في رسالته لتطوير دراسة تاريخ الحرب الاهلية اللبنانية، التي اندلعت بين 1975 و1990.

والى الارشيف الجنبلاطي الغني، قام ربح باجراء عشرات اللقاءات مع مقاتلين سابقين في الحرب اللبنانية، من المسيحيين والدروز. كما عمد الى دراسة الدعاية الحربية للفريقين، المسيحي الذي حمل تنظيمه اسم «القوات اللبنانية»، بزعامة آل الجميل،والدرزي الذي قاتل تحت لواء «الجيش الشعبي»، وهي الميليشيات التي كانت تتبع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، الذي يترأسه جنبلاط. ويقول ربح: «ان الذاكرة الجماعية تتطور بشكل جماعي، وتنحرف في احيان كثيرة عن الواقع التاريخي. مثلا، يقول الباحث اللبناني: ان الدروز يعتقدون اليوم انهم اجمعوا على خوض المواجهة ضد المسيحيين في الجبل، لكن الواقع معاكس، ويشير الى ان غالبية الدروز كانت تعارض المواجهة وتطالب التوصل الى تسوية سياسية». الا ان القيادة الجنبلاطية هي التي حشدت التأييد الدرزي للدخول في مواجهة كانت تراها مصيرية، اذ ان «القوات اللبنانية» المسيحية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، كانت تسعى لنزع سلاح الدروز، وهذا أمر يرفضه الدروز تقليديا.

وربح هو من اكثر المؤرخين المتأثرين بالمؤرخ الكبير الراحل كمال الصليبي، صاحب الكتاب الشهير عن تاريخ لبنان والذي يحمل عنوان «بيت بمنازل كثيرة». ويقول ربح: «ان التاريخ اللبناني ما زال يحتمل الكثير من الابحاث والتطوير، وان الروايات الحالية السائدة متضاربة ويتأثر معظمها بالمواقف السياسية لاصحابها».

لكن ربح لا يعتقد ان على اللبنانيين القيام بالتوصل الى «كتاب تاريخ موحد»، وهو المطلب الذي يتمسك به لبنانيون كثيرون منذ عقود. ويرى ربح ان علم التاريخ الحديث هو أقرب الى فرضيات، يقدمها الباحث، وهي عرضة للنقاش والتعديل، ويمكن للقراء تحديد ما هي النسخة الاكثر قبولا او قربا الى المنطق.

وشارك في اللجنة المشرفة على نقاش رسالة الدكتوراه الدكتور اسامة ابي مرشد من جامعة جورتاون، وهو من المتخصصين في تاريخ شمال افريقيا. كذلك شارك في النقاش الدكتور في الجامعة الاميركية عبدالرحيم ابو حسين، وهو من ابرز المتخصصين في التاريخ العثماني في منطقة الشرق الاوسط.

واشار ابي مرشد الى ربح بالقول: «ان المادة التي قدمها الاخير غنية، وكفيلة ان تجعل منه(مؤرخ لبنان)». وقدم ابي مرشد وابو حسين بعض النصائح لتطوير الرسالة واعدادها لاصدارها في كتاب، قبل ان يعلنوا موافقتهم على منح ربح الدكتواره، ويتقدموا منه بالتهاني.

إسرائيل تطلع ترامب على «إعلان موسكو» حول سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يمرّ الاتفاق الروسي - الإيراني - التركي حول سورية من دون متابعة أميركية تذكر. مكاتب العاملين في السياسة الخارجية في ادارة الرئيس باراك أوباما اصبحت خاوية، في وقت تستعد البلاد للدخول في اسبوعين من الاجازات بسبب أعياد الميلاد ورأس السنة.

وحدها اسرائيل تتابع التطورات السورية، وتبلغ حليفتها أميركا بالتطورات. وفي هذا السياق، زار رئيس جهاز الاستخبارات الاسرائيلية (موساد) يوسي كوهين الرئيس المنتخب دونالد ترامب، وعقد الطرفان اجتماعا تمحور حول شؤون الشرق الاوسط، وخصوصا القضية السورية. وجاءت الزيارة الاسرائيلية الى نيويورك قبل «اعلان موسكو» بأيام.

والتقارير الواردة من داخل الفريق الانتقالي الرئاسي التابع لترامب حول مجريات اللقاء متضاربة. لكن بعض المتابعين نقلوا ان «اسرائيل منخرطة في الاتفاق الثلاثي الروسي الايراني التركي حول سورية»، وانها على اطلاع دائم على تطورات الاتفاق عن طريق الروس والاتراك.

ويبدو ان للاسرائيليين «بعض الاعتراضات» على تحديد من هم الارهابيون داخل سورية، فالحكومة الاسرائيلية تصرّ ان الميليشيات التابعة لايران، وخصوصا «حزب الله» اللبناني، هي مجموعات ارهابية مثل «النصرة والقاعدة وداعش»، وان اي حل في سورية، يقضي ايضا باخراج هذه الميليشيات من الاراضي السورية، وخصوصا الجنوبية المحاذية للحدود الاسرائيلية.

وعلى رغم ان التأثير الاميركي في تطورات و «إعلان موسكو» يبدو شبه معدوم، الا انه يبدو ان الرئيس الاميركي المنتخب شدد على تمسك بلاده بإسرائيل وأمنها ومصالحها، معتبرا ان «الصورة ستتغير بعد خروج هذه الادارة من الحكم ودخول ادارته». لكن لم يكن ممكنا الحصول على تفاصيل حول «التغيير» في منطقة الشرق الاوسط عموما، وفي سورية خصوصا، الذي وعد به ترامب الاسرائيليين بعد دخوله البيت الابيض.

وكان ترامب اثار حفيظة فئات واسعة من الاميركيين، بمن فيهم عدد من اعضاء حزبه الجمهوري، على اثر اعلان نيته تعيين المحامي اليهودي دايفيد فريدمان، وهو من الأرثوذوكس اليهود المحافظين، سفيرا للولايات المتحدة في تل ابيب. وفريدمان هذا يكرر تأييده لضرورة اعتراف أميركا بالقدس عاصمة للاسرائيليين وحدهم، مع ما يقتضي ذلك من نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس.

ويعتقد بعض المتابعين في «الحزب الديموقراطي» انه في حال اظهر ترامب انحيازا لمصلحة «اليمين الاسرائيلي» في الحكم في اسرائيل، على حساب باقي الاسرائيليين، فهو قد يؤدي الى تأزيم العلاقة مستقبلا في حال تغير الفريق الحاكم في اي من العاصمتين.

وفي الموضوع السوري، يبدو ان اجماعا يسري بين الولايات المتحدة واسرائيل حول كيفية التعاطي مع الصراع هناك. اما العناوين الاساسية لهذا الاجماع، فيتصدرها الاعتقاد ان مصلحة البلدين تقضي بعدم ممانعة استمرار الصراع بين تنظيم «القاعدة» و»حزب الله» المصنفين ارهابيين في البلدين. ثانيا، لا تمانع أميركا او اسرائيل انخراط روسيا في ما يبدو «مستنقعاً سورياً». ثالثا، أكثر ما يهم واشنطن وتل ابيب هو ابقاء «حزب الله» خارج المنطقة المجاورة لهضبة الجولان السورية المحتلة.

الاثنين، 19 ديسمبر، 2016

لماذا ترك أوباما سوريا وحيدة؟

حسين عبدالحسين

في مؤتمره الصحافي الأخير بصفته رئيساً للولايات المتحدة، كرر باراك أوباما نظرياته البائسة، التي يلجأ إليها عادة، لتبرير تقاعس بلاده والعالم عن ثني روسيا وايران والرئيس السوري بشار الأسد عن هدم مدن سوريا على رأس ساكنيها. قال أوباما إنه من دون قوات أرضية أميركية كثيفة، لا يمكن تغيير الاوضاع العسكرية على الأرض السورية، وإن أي تدخل عسكري أميركي من دون دعوة حكومة ذات سيادة، ومن دون مسوّغ أممي، من شأنه ان يعقّد الأمور أكثر من ان يساهم في حلّها.

وقال أوباما أيضاً، إن مجموع اللقاءات التي عقدها مع مستشاريه المدنيين والعسكريين استغرقت ساعات طويلة، وتوصلت كلها الى نتيجة عقم التدخل العسكري الاميركي في سوريا، خصوصاً في وجه "قوة عظمى" هي روسيا، وقوة "اقليمية" هي ايران، وفي ظلّ ضعضعة المعارضة السورية وانعدام قدرتها على الحكم في حال انهيار النظام.


شرح أوباما يبدو منطقياً للوهلة الاولى، ولكن ما يقله أوباما هو التالي:
أولا، إن فريق المستشارين الذي نصح الرئيس بعدم جدوى التدخل هم من الاشخاص الذين اما اختارهم أوباما بسبب موقفهم المؤيد للأسد، مثل المسؤولين الثلاثة المتعاقبين على منصب "مسؤول الشرق الاوسط" في مجلس الأمن القومي ستيف سايمون وفيل غوردن وروب مالي، أم من المستشارين ممن يضمرون عكس ما يعلنون، تمسكاً بمنصبهم، مثل وزيري الخارجية والدفاع جون كيري وآشتون كارتر.


ثانياً، لتبرير تقاعس أميركا عن انقاذ السوريين من المجازر، وصف أوباما روسيا على انها "قوة عظمى"، وهو وصف لا يصدقه أوباما نفسه ولا أي من متابعي السياسة الخارجية الاميركية، فالرئيس فلاديمير بوتين قد يكون مشاغباً، ولكن قوته العسكرية محطّ تندر في العاصمة الاميركية، خصوصاً بعدما ارسل حاملة طائراته الوحيدة كوزنتسوف، التي تسير وسط عاصفة من الدخان الأسود مثل قطارات القرن التاسع عشر، والتي تسببت تقنيتها البدائية بتحطم مقاتلتين روسيتين، حتى الآن، اثناء محاولتيهما الهبوط على متنها.


ثالثاً، لا يبدو أن أوباما يكترث للقانون الدولي ومبدأ احترام سيادات الدول الا في الحالة السورية. الطائرات الاميركية من دون طيار تجوب سماء الكوكب، وتطلق صواريخها في اي اتجاه تشاء لتصفية اعداء أميركا هنا أو هناك. عملية قتل زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، وهي التي يتباهى بها أوباما يومياً للدلالة على حكمته وصلابته، جرت من دون التنسيق مع السلطات المحلية، في اختراق واضح للسيادة الباكستانية. القوة العسكرية الاميركية لا تحترم سيادات الدول، لا قبل أوباما، ولا في عهده، ولا بعد رحليه.


ثم إن مقاتلات الولايات المتحدة تخترق السيادة السورية شرق الفرات لاستهداف تنظيم "الدولة الاسلامية"، فيما تشارك قوات أميركية خاصة في عمليات عسكرية في المنطقة السورية نفسها، من دون قرار من الأمم المتحدة أو دعوة من حكومة الأسد.


رابعاً، إذا كان أوباما لا يؤمن بجدوى تسليح المعارضة السورية، التي تأرجح في وصفها بين حفنة من المقاتلين الهواة وبين ارهابيين متمرسين، فلماذا تتمسك واشنطن بنموذج الشراكة مع ميليشيات أخرى في سوريا والعراق، مثل تحالفها مع ميليشيات كردية في البلدين، ومجموعات شيعية وبعض العشائر السنية؟ ولماذا عمدت "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي اي)، بالشراكة مع عدد من نظيراتها العربية، منها المصرية، على إقامة غرفة تنسيق عسكرية لدعم المعارضة السورية في الأردن؟ ليتضح في وقت لاحق أن الغرفة المزعومة كان هدفها السيطرة على المعارضة السورية المسلحة في الجنوب وكبحها، بدلاً من دعمها.


لقد تخلى الرئيس باراك أوباما عن السوريين وتركهم وحدهم أمام آلة قتل فظيعة. هو تعاطف معهم قولاً، ولكنه لم يقم بأي فعل على الأقل لتقليص، لا وقف، المجازر بحقهم. تخلي أوباما عن السوريين هو وصمة عار على سجله، وهي وصمة صارت محط إجماع الاميركيين من الحزبين، حتى قبل خروجه من الرئاسة.


أما أسباب تخلي أوباما عن السوريين، فالأرجح مردها الى شخصيته المترددة. الاميركيون أيضاً مستاؤون من تقاعسه عن حمايتهم من "التشبيح" الروسي الذي طال كومبيوتراتهم وأسرارهم الشخصية. لم يمارس أوباما استخبارات مضادة للتحسب لاختراقات روسيا الحسابات الاميركية، ولم يقم كذلك بردة فعل تجعل الروس يندمون على فعلتهم. جلّ ما فعله هو وقوفه أمام الاعلاميين ليقول إنه طلب من بوتين التوقف عن اختراق الحسابات الاميركية، على نفس طراز استجداء الديبلوماسية الاميركية نظيرتها الروسية الرحمة في سوريا، وحول العالم.


أوباما الضعيف ظهر على مدى سنين حكمه كأستاذ جامعة ومحلل سياسي أكثر منه رئيس أقوى قوة عسكرية في العالم. هكذا سيذكره التاريخ، وهكذا سيلعنه السوريون.

رفع الفائدة الأميركية يثير جدلاً مع ترامب

واشنطن - حسين عبدالحسين

اتخذت خطوة مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي برفع الفائدة شكلاً سياسياً أكثر منه اقتصادياً، إذ اعتبر الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب دونالد ترامب أن المصرف المركزي رفع الفائدة من 0.5 إلى 0.75 في المئة، للمرة الثانية منذ العام 2007، من أجل كبح جماح نمو الناتج المحلي وقائياً قبل نحو شهر على دخول الرئيس المنتخب إلى البيت الأبيض.

وعزا المصرف المركزي خطوة رفع الفائدة إلى إظهار البيانات الاقتصادية نمواً في الناتج المحلي بلغ 3.2 في المئة في الربع الثالث من العام الحالي، فضلاً عن انخفاض معدل البطالة إلى 4.6 في المئة، وهو مستوى لم تشهده الولايات المتحدة منذ ما قبل «الركود الكبير» في أيلول (سبتمبر) 2008.


وتوقع «المركزي» أن ينمو الاقتصاد بنسبة 2 في المئة في العامين المقبلين. وبالتزامن مع المؤشرات الأخرى، رجّح ارتفاع نسبة التضخم، ما يدفع الاقتصاد الأميركي نحو دائرة «الحماوة الزائدة»، ما يحتم عليه رفع الفائدة بهدف لجم التضخم المتوقع، وتفادي نمو فقاعات اقتصادية محتملة.

لكن الأسباب التي ساقها المصرف لم تعجب الفريق الرئاسي الانتقالي، الذي اتهه بـ «التسييس» وبمحاولة استباق الفورة الاقتصادية، التي يَعد بها الرئيس المنتخب.

وكان ترامب عمد الى مهاجمة الاحتياط الفيديرالي ورئيسته جانيت يلين، معيباً عليها إبقاءها الفائدة منخفضة في شكل غير مسبوق، من أجل تمويل نمو مصطنع في الناتج المحلي في عهد الرئيس باراك أوباما. واتهم ترامب يلين بأنها تنتمي إلى الحزب الديموقراطي المعارض، وأنها تسعى الى تقويض حكمه وحكم حزبه الجمهوري.

وسبق لترامب أن كرر مراراً أنه «رجل الفائدة المنخفضة» أي انه كرجل أعمال، يؤيد إبقاء الفائدة متدنية لتنشيط رأس المال والاقتصاد، وهو على الأرجح سيمارس ضغوطاً كبيرة على يلين ومجلس الاحتياط لإبقاء الفائدة منخفضة، تزامناً مع البرامج الحافزة الأخرى التي يتطلع الى القيام بها، وفي طليــعتها وعــده بإنفاق تريليون دولار على ترميم البنية التحتية المتهالكة وتوسيعها على مدى العقد المقبل.

ووعد ترامب بخفض ضرائب الشركات والمتمولين الكبار من 35 إلى 15 في المئة، بالتزامن مع خفض ضرائب الدخل على الأميركيين لتشجيع الاستهلاك وتالياً النمو. وكان كرر وعوده بأن الناتج المحلي الأميركي سيعود الى النمو بنسبة 4 في المئة سنوياً في عهده. لكن الخبراء يرون أن أسباباً كثيرة تعوّق وصول الولايات المتحدة إلى نسب مرتفعة من هذا النوع، في صدارتها شيخوخة السكان التي تفرض خروج عدد كبير منهم إلى التقاعد، واستنادهم الى تقديمات صناديق الرعاية الاجتماعية، بدلاً من مساهمتهم في الإنتاج الاقتصادي.

وعلّق الخبراء بالقول إن النسبة البسيطة في رفع الفائدة لن تؤثر في خطط ترامب، التي لا يرى الخبراء انها ستحقق نسبة نمو 4 في المئة. وكان مجلس الاحتياط وعد بايصال الفائدة إلى نحو 1.9 في المئة مع نهاية عام 2018، وهو موعد نهاية ولاية يلين، التي يبدو من شبه المؤكد أن ترامب سيستبدل بها اقتصاديين أكثر قرباً منه، في محاولة لتقويض الاستقلالية التي يتمتع بها الاحتياط الفيديرالي منذ تأسيسه.

لكن معلّقين اقتصاديين يمينيين، اعتبروا أن في رفع الفائدة إيجابيات، منها أنها تجبر البيت الأبيض على الاتكال على خططه الاقتصادية القاضية بخفض الضرائب وتعزيز رأس المال، بدلاً من التراخي والاستناد إلى الفائدة المتدنية، التي يعتقد هؤلاء بأنها غطّت على عيوب أوباما الاقتصادية، وسمحت بنمو اقتصادي خجول، على رغم سياساته التي يصفونها بالـ «معادية للاقتصاد والنمو».

وكتب المعلّق الاقتصادي اليميني في قناة «فوكس نيوز» بيتر موريشي، موضحاً أن «رفع الفائدة في شكل طفيف هذا الأسبوع، على طريق إعادتها إلى معدلاتها الطبيعية في 2017 و2018، هي خطوة جيدة لإنهاء التمادي في السياسة المالية الذي سمح لأوباما بترؤس اقتصاد بائس، وستجبر ترامب على الوفاء بوعوده».

السبت، 17 ديسمبر، 2016

تصاعد النقمة الأميركية ضد روسيا

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في اليوم التالي لانتصار المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب على منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون، أوقف موقع «ويكيليكس» نشر الرسائل الالكترونية الخاصة التي هزّت صورة كلينتون وحملتها، وساهمت في الغالب في هزيمتها. فجأة، بدا جليا لوكالات الاستخبارات الأميركية ان هدف نشر تلك الرسائل كان التأثير في مجرى الانتخابات الأميركية، فكثّفت هذه الوكالات من تحقيقاتها، لتصل لنتيجة مؤكدة مفادها ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشرف شخصيا على عملية اختراق الحسابات الأميركية ونشر الرسائل المحرجة لكلينتون عبر موقعي ويكيليكس وغوسيفر.

وفي آخر مؤتمر صحافي له رئيسا للولايات المتحدة، قال باراك أوباما انه طلب من بوتين وقف الاختراقات الروسية الالكترونية للحسابات الأميركية، وانه منذ ذلك الوقت، توقفت كل هجمات موسكو.

وكان أوباما وعد ان بلاده سترد على الاختراقات الروسية بأشكال علنية وسرية. لكن وعود أوباما بالرد، في أقل من اربعة اسابيع متبقية له في البيت الابيض، لا تبدو جدية، بل يبدو ان بوتين نجا بفعلته من دون عواقب.

على ان الهجمات الروسية جددت النقمة الأميركية ضد روسيا، فالعداء بين البلدين قديم، وكان تراجع بعض الشيء في التسعينات على اثر انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنه يبدو وكأنه عاد الى زمن المواجهة، التي ظهرت اولى بوادرها في رأي عام أميركي انقلب ضد موسكو، الى درجة احرجت حتى ترامب نفسه، الذي مازال يتباهى بانتصاره الانتخابي وشعبيته العارمة، على حد زعمه.

وبدأت ردة الفعل الأميركية ضد روسيا في مجلس الشيوخ، حيث وقع ١٢ عضوا من الحزبين على رسالة طلبوا منها من أوباما رفع السرية عن التقارير الاستخباراتية التي أطلعتهم عليها وكالات الاستخبارات حول الهجمات الروسية الالكترونية والدعائية ضد الولايات المتحدة.

وفور اعلان أوباما طلبه من وكالات الاستخبارات اعداد تقاريرهم حول تدخل روسيا بالانتخابات الأميركية، وتقديمها اليه قبل خروجه من الحكم، أعلن اكبر اربع اعضاء في مجلس الشيوخ، من الحزبين، تأييدهما للتحقيق، الذي رفضه ترامب وفريقه بشدة، قبل ان يتدخل زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي فازت زوجته بتعيين بمنصب وزيرة في حكومة ترامب، ليؤيد زملائه ويطلق تصريحات ضد التدخلات الروسية، مطالبا بمحاسبة موسكو.

ويبدو ان الحركة في الكونغرس تعكس مزاجا شعبيا، في الحزبين الجمهوري والديموقراطي، ضد روسيا. والجمهوريون هم عادة أكثر حدة ضد الروس، وهم ينسبون الى زعيمهم الرئيس الراحل رونالد ريغان فضل التغلب على ما كان يسميها «امبراطورية الشر»، اي الاتحاد السوفياتي، فيما يتخذ الديموقراطيون عادة مواقف اكثر لينة من روسيا.

على ان الديموقراطيين، الذين يعتقدون ان بوتين ساهم في ترجيح كفة ترامب ضد مرشحتهم، انقلبوا هذه المرة ضد روسيا تماما، وبثت شبكة «ام اس ان بي سي» تقارير قاسية ضد بوتين، جاء ابرزها عبر برنامج «رايتشل مادو»، الاكثر شعبية.

ونقلت مادو عن الاستخبارات الأميركية تقديراتها ان بوتين هو «أغنى رجل في العالم» بثروة تبلغ ٨٥ مليار دولار، متقدما على مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل غايتس الذي تبلغ ثروته ٧٥ مليارا.

وصب الديموقراطيون غضبهم على وزير الخارجية المعين ورئيس شركة «اكسون» النفطية ريكس تيليرسون، الذي يتمتع بصداقة شخصية مع بوتين. وقال ستيف كول، مؤلف كتاب «اكسون: الامبراطورية الخاصة»، ان تيليرسون لم يكترث لفرض الولايات المتحدة عقوبات على موسكو على اثر ضمّها شبه جزيرة القرم الاوكرانية، بل طار الى روسيا وشارك في مؤتمرات نفطية قال فيها ان قرارات الحكومات أمر لا يعنيه ولا يعني شركته.

كذلك رصدت وسائل الاعلام الأميركية تصريحات مسؤولين في الخارجية الروسية قالوا فيها انهم على اتصال شبه دائم مع «الفريق الانتقالي الرئاسي» التابع لترامب.

هكذا، تتصاعد التعبئة لدى الرأي العام الاميركي ضد بوتين، الذي ينحصر اصدقاؤه بترامب وحده وحفنة من مستشاريه، في وقت يعتقد الخبراء الاميركيون ان المواجهة بين ترامب وبوتين قد تحصل في وقت قريب بسبب شخصية الرجلين، اذ يعتقد كل منهما انه يستغل الآخر من اجل مصالحه.

اما كيف سينعكس التوتر الاميركي - الروسي المقبل على منطقة الشرق الاوسط، فالأرجح ان الطرفين - في حال تأجج الصراع بينهما - سيسعيان الى جمع أكبر عدد اصدقاء ممكن بين حكومات العالم، وهو ما قد يعيد حسابات الحرب الباردة في السياسة الدولية ويسمح باعادة توازن اقليمي فقدته المنطقة، على الأقل منذ اطاحت حرب العراق بنظام صدام حسين، حسب رأي عدد من الخبراء الاميركيين.

الخميس، 15 ديسمبر، 2016

لو كانت حلب النهاية

حسين عبدالحسين

أقسى ما في ابادة حلب لا المجازر والتهجير بحق مدنييها، بل أقسى ما في ابادة حلب انها لن تكون الاخيرة، فبعد حمص تستغيث، وداريا تحترق، وحلب تباد، ستتجه الانظار الى ادلب، فغوطة دمشق، فريف حمص وحماة، ثم الجنوب. 

وكل عملية ابادة في سوريا ارتكبتها قوات روسيا وايران والرئيس السوري بشار الأسد، سبقتها عملية قصف مكثف، فمعارك، فمجازر بحق المدنيين، فعاصفة استنكار عالمية عبر الاعلام والاعلام الاجتماعي، فاخراج من تبقى من الاحياء من المدينة المنكوبة، فتعليق صورة الرئيس السوري بشار الأسد فوق بقايا مبنى محترق، وهي صور يبدو فيها الأسد عادة عملاقا فوق شعار “سوا منعمرها”، قبل ان يبدو صغيرا في وسط مدينة من الركام، وقبل ان يبدو صغيرا جدا وسط صراع دولي يلتهمه ويلتهم كل السوريين فيما هو يعتقد نفسه ينتصر.

أقسى ما في ابادة حلب انها مجزرة كانت منتظرة، وانها كانت مستهجنة، وان نفس من انتظروها واستهجنوها، انتظروا سابقاتها من محارق ومجازر، واستهجنوها كذلك، وبكوا، كما يبكون اليوم، وسيبكون غدا.

وأقسى ما في ابادة حلب انها محطة سريعة في خط طويل من الاحباطات العربية، من النكبة، فالنكسة، فحرب لبنان، ثم مجزرة قانا فجنين، فحروب العراق، فحربي غزة، فاشتعال سوريا واليمن وليبيا، والآتي قد يكون اعظم.

في مجلس الأمن، جلس مندوب الأسد بشار الجعفري يستعرض نُبل رئيسه وجيشه. رفع صورة ردد انها صورة سورية ركع امامها جندي من قوات الأسد لتدوس فوق ظهره وتعبر. اتضح ان الجعفري، على عادته، يكذب، وان الصورة لمقاتل من الحشد الشيعي العراقي ينحني امام مسنة عراقية. المشكلة ليست في اختلاق الأسد واصحابه للقصص وفبركتها. المشكلة هي في ان صورة الضحايا واالمهجرين العرب صارت اكثر من ان تحصى، جغرافيا وزمنيا.

أقسى ما في ابادة حلب انها اثبتت ان النظام الدولي أكذوبة، وان حقوق الانسان نقاش فكري للمثقفين من النخبة، وان شعوب العالم مازالت قبائل متناحرة ومتنافسة، تعلن انسانيتها فيما تضمر انانية شديدة تقتصر على مصالحها، او في الغالب مصالح اثريائها ممن يتلاعبون بعواطف الناس العاديين عن القومية والاثنية والمذهبية. 

أقسى ما في ابادة حلب انه فيما كان الاطفال والمستشفيات تحت الركام، وفيما كان الحلبيون يركضون في الشوارع من دون هدى بحثاً عن ملجأ او مخبأ، كانت الولايات المتحدة، زعيمة العالم الحرّ المزعوم، تعيّن رئيس أكبر شركة نفط في العالم وزيراً لخارجيتها.

وأقسى ما في ابادة حلب ان المبعوثة الدائمة الأميركية الى الأمم المتحدة كانت تبكي متأثرة في سرّها، قبل ان تشن أقسى الهجمات الخطابية ضد روسيا وايران والأسد وتحملهم مسؤولية دماء الحلبيين، ثم تسكت. هذا الموقع الأميركي نفسه في مجلس الأمن، الذي وقف في وجه العالم حتى يستكمل مرتكبو مجازر قانا والمنصوري جرائمهم، وهو الموقع نفسه الذي منع العالم من التحري عن جرائم مخيم جنين ومقتل الطفل محمد الدرة في حضن ابيه. هذا المنصب الاميركي الفتّاك نفسه، يقف عاجزا متفرجا على ابادة حلب، والابادات التي سبقتها في العراق، والمجازر التي ستليها في سوريا. 

أقسى ما في ابادة حلب هو تعزيز شعور العرب انهم احياء بالصدفة، وانهم حتى لو فرّوا من مجازر ماضية، قد يواجهون ابادات مستقبلية، فالدم العربي مباح، من المحيط الى الخليج، ولن يأتي العالم لنجدتهم، ولا لفرض مناطق حظر طيران فوق رؤوسهم، ولا ليمنع دموية قاتليهم عنهم. 

اين يذهب العرب؟ اين ينفسون عن احباطاتهم؟ اين برامج ابعاد شبابهم عن اليأس المؤدي للتطرف؟ كلها اسئلة تطرحها حلب كما طرحتها من قبلها المجازر السابقة لحلب. 

أقسى ما في مجازر حلب ان العرب لم يقتربوا من النهاية بعد، ولا لاح أمامهم بصيص أي امل، ولا يبدو ان في البعيد أي أفق.

الثلاثاء، 13 ديسمبر، 2016

وعود ترامب الاقتصادية تخالف عقيدة حزبه ولا يرجِّح أن تعزز النمو على المدى البعيد

واشنطن - حسين عبد الحسين

لا يشتهر «الحزب الجمهوري» في الولايات المتحدة بنصرته العمّال، إذ يتبنى عقيدة يمينية تدعو إلى التمسّك باقتصاد السوق الحر ومصلحة رأس المال وأصحابه على حساب العاملين لديهم. والتصاق الجمهوريين بفكرة الحرية المطلقة للسوق، دفع غالبيتهم إلى معارضة إنفاق الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما نحو تريليوني دولار إبان الركود الكبير عام 2008، لتثبيت وضع المصارف الأميركية وإنقاذ قطاع السيارات من الإفلاس، على اعتبار أن أي تدخل حكومي هو بمثابة «تشويش» على حرية السوق.

وقدّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب وعوداً تخالف عقيدة الحزب، إذ أعلن مراراً أن خطته الاقتصادية تتمحور حول التصدي للتجارة الحرة لوقف نزيف الوظائف الذي تعانيه الولايات المتحدة، خصوصاً في مصانعها. وكرر ترامب، خلال إطلالاته الانتخابية، انتقاده للحكومات للإدارات المتعاقبة لسماحها للشركات الأميركية بنقل معاملها إلى الدول حيث كلفة الإنتاج منخفضة. وكرر الإشارة إلى شركة «يونايتد تكنولوجيز»، التي تنوي إقفال معملي إنتاج مكيفات «كاريير» في ولاية انديانا. وأعلنت الشركة نيتها تسريح 2100 عامل، ونقل 1400 وظيفة إلى معاملها في المكسيك.


وإثر انتخابه رئيساً، انخرط ترامب شخصياً في مفاوضات مع «يونايتد تكنولوجيز» لإقناعها بإبقاء الوظائف التي تنوي الاستغناء عنها في أميركا. وللشركة المذكورة عقود قيمتها 5.6 بليون دولار مع الحكومة الفيديرالية ثمن محركات مقاتلات عسكرية وقطع غيار، أي 10 في المئة من الواردات السنوية للشركة، وفق بيانات العام الماضي.

ويبدو أن ترامب لوّح بهذه العقود الحكومية أثناء المفاوضات، ووعد «يونايتد تكنولوجيز» بتحفيزات تشمل خفض الضرائب التي ينوي إقرارها على الشركات العاملة في الولايات المتحدة من 35 إلى 15 في المئة. وتحت الضغط، رضخت «يونايتد تكنولوجيز» ووافقت على الإبقاء على ألف وظيفة من أصل 2100. وعلى الفور، اعتبر ترامب ما قام به إنجازاً اقتصادياً، وسافر من مقره في نيويورك إلى انديانابوليس، عاصمة انديانا، للاحتفال.

ولكن انتصار ترامب في الحفاظ على نصف الوظائف في انديانا لا يشكل أساساً لسياسة اقتصادية واقعية للولايات المتحدة في عهده، إذ إن التلويح بعقود الحكومة الفيديرالية يعني أن الشركات المتعاقدة مع الحكومة وحدها ستُبقي على معاملها في البلاد، ما يعني أنها ستصنّع منتجات أغلى من منافسيها الذين يصنّعون في الخارج، ما سيفرض بدوره على ترامب رفع التعرفة الجمركية لحماية الصناعة المحلية، وسيجبر الدول التي تواجه تعرفات أميركية أن تواجهها بالمثل، فتخسر الشركات الأميركية، القادرة على التنافس، أسواقاً في الخارج، وتضطر إلى خفض إنتاجها وتالياً إقفال معاملها، من دون نقل المعامل إلى المكسيك أو أي دولة أخرى.

أما الشق الثاني من وعود ترامب بفورة اقتصادية، فمبني على نيته خفض ضريبة الشركات إلى 15 في المئة. وكان وزير المال الأول في عهد أوباما حاول خفض النسبة إلى 28 في المئة، لكنه لم ينجح في تمرير القانون، في وقت يبدي الكونغرس الجمهوري استعداده لخفض الضريبة إلى 25 في المئة.

ويعتقد خبراء أن خفض ضريبة الشركات إلى 15 في المئة سيؤدي إلى تراجع واردات الحكومة الفيديرالية من 6.6 تريليون دولار خلال العقد المقبل، إلى أربعة تريليونات فقط، ما من شأنه رفع العجز السنوي للموازنة العامة بمقدار الثلث، وهو ارتفاع يعارضه الأميركيون بغالبيتهم من الحزبين الجمهوري والديموقراطي.

وأطل وزير الخزينة المعيّن ستيفن منوكين ليقدم رؤية اقتصادية قال إن بموجبها ستعمد الإدارة المقبلة إلى خفض ضرائب الشركات، ما يحفزها على إعادة أموالها المخزنة في الخارج لتفادي تسديد الضرائب المتوجبة عليها في حال إدخالها إلى الولايات المتحدة. وللشركات الأميركية 3.7 تريليون دولار خارج الولايات المتحدة، وهي طلبت من أوباما مراراً «عطلة ضريبية» تسمح لها بإدخال هذه الأموال بضرائب مخفضة، ولكن أوباما رفض الطلب.

ويعتقد منوكين أن عودة رأس المال الأميركي سيؤدي إلى خلق وظائف وتحريك الاقتصاد، ولكن يفوته أن من شأن تكديس الدولار في خزائن المصارف الأميركية أن يرفع من سعر الدولار أمام العملات الأجنبية، ما يقلص من تنافسية الصادرات، وتالياً ينتقص من نمو الناتج المحلي ومداخيل الخزينة. ولا تعاني الشركات الأميركية نقصاً في السيولة لاستثماره في البلاد، وما الأموال التي تكدسها في الخارج إلا أرباح تعود في الغالب إلى الأثرياء الأميركيين، الذين لا تؤثر زيادة مداخيلهم في مصاريفهم، التي لا تكفي للتأثير في نسبة الاستهلاك المحلي.

وأكد منوكين أن الإدارة المقبلة تنوي خفض ضرائب كبار المتمولين من 39 إلى 33 في المئة، وسترفق ذلك بخفض ضرائب على عموم الأميركيين. ولكنّ خفضاً من هذا النوع يزيد مداخيل الأثرياء ما بين 12 و14 في المئة، وفق مراكز الأبحاث، ومداخيل متوسطي الدخل والفقراء ما بين 0.8 و1.8 في المئة فقط، ما لا يطلق عجلة الاستهلاك بالشكل الذي يتصوره ترامب ومنوكين.

ومن دون نمو يتراوح بين ثلاثة وأربعة في المئة، وهو أمر يعتقد اقتصاديون أنه متعذر بسبب شيخوخة السكان وإصرار ترامب على إقفال باب الهجرة أمام اليد العاملة، يصبح تعويض انخفاض الواردات الناتج من خفض الضرائب متعذراً، فيرتفع الدين العام مترافقاً بارتفاع في النمو لا يدوم أكثر من بضعة فصول اقتصادية، ثم يعاود التراجع.

وتعتبر حكومة ترامب حكومة الأثرياء، إذ يبدو أن الرئيس المنتخب يعتقد أن الأثرياء الذين يعرفون كيف يجمعون الثروات، قادرون على إثراء البلاد. ولكن أولوية الأثرياء في حكومة ترامب تبدو، حتى الآن، اقتطاع الضرائب المفروضة عليهم، أما الحديث عن نهضة اقتصادية من دون زيادة في الدين، فيبدو أنها أحلام مؤجلة.

الاثنين، 12 ديسمبر، 2016

اقتصاد أميركا يتعافى وتحدياته بعيدة المدى

واشنطن - حسين عبدالحسين

تتوالى التقارير الاقتصادية الإيجابية الأميركية، إذ بعد التقرير الذي أظهر نمو الناتج المحلي للربع الثالث 2.9 في المئة، أضاف الاقتصاد الأميركي 161 ألف وظيفة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وتراجع معدل البطالة إلى 4.9 في المئة. ولأن هذا المعدل تراوح عند 5 في المئة على مدى الأشهر الـ 13 الماضية، على رغم استمرار الزيادة في عدد الوظائف المتوافرة، ارتفعت أجور العمال الأميركيين وفق قانون العرض والطلب، بنسبة 4 في المئة، وبلغت نسبة ازدياد الأجور 2.8 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وهي نسبة جيدة وفقاً لاقتصاديين.

ويعتقد خبراء أميركيون أن اقتصادهم ينمو بمعدلات مقبولة، وأن التحديات التي تواجه الأميركيين واقتصادهم هي مستقبلية، وتتطلب بعض الرؤية والخطط المطلوبة للمدى البعيد، على رغم أن فترة خروج الاقتصاد الأميركي من «الركود الكبير» الذي أصابه في خريف 2008 هي من أطول الفترات في تاريخه، وقوة التعافي لم تبلغ الزخم المطلوب ولم ترفع الاقتصاد إلى مراحل نمو قوية على غرار فترات التعافي الماضية، بل بالكاد أعادته الى ما كان عليه قبل وقوع الركود عام 2007.


ويتمثل أبرز المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تواجهها الولايات المتحدة، بالشيخوخة التي تصيب تركيبتها السكانية. إذ بلغ معدل النمو الاقتصادي 3 في المئة في العقد الأخير من القرن الماضي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، واعتبره الأميركيون مثابة بحبوحة. لكن معدل النمو انخفض إلى 2 في المئة في سنوات الرئيس باراك أوباما بين عامي 2008 و2016، وهي النسبة التي تشير إلى اقتصار النشاط الاقتصادي على أدنى المطلوب، من دون أن يولّد بحبوحة تنعش أوضاع الأميركيين وتملأ الخزانة الفيديرالية لتلافي عجزها السنوي، وربما الحد من أزمة تفاقم الدَيْن العام القريب من عتبة 20 تريليون دولار ويشكل نسبة مئة في المئة من الناتج المحلي. ويرى الاقتصاديون الأميركيون «التقليديون»، أن سبب الفارق البالغ واحداً في المئة في معدل النمو بين التسعينات والعقد الأخير، يعزى الى شيخوخة السكان وضمور القوة الأميركية العاملة. ويعتبرون أن الاقتصاد كان اليوم في وضع أفضل لو قيض للولايات المتحدة استبدال متقاعديها، الذين ارتفعت نسبتهم في شكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة، بأيدٍ عاملة شابة.

لكن خبراء آخرين لا يرون لشيخوخة الأميركيين تأثيراً يُذكر في النمو الاقتصادي، إلا في العجز المتوقع أن يصيب صناديق الرعاية الاجتماعية. ويعلن الخبراء أن قوة الاقتصادات الحديثة لم تعد مرتبطة بحجم القوة العاملة للبلد ولا بكمية الصناعة فيه، بل يرون أن قوة الصناعة والصادرات هي في نوعيتها وقيمتها. مثلاً، يمرّ جهاز «آي فون» في مراحل صناعته في دول كثيرة آخرها الصين، إذ يخرج منها إلى المستهلكين ويبدو كأنه صناعة صينية. لكن واقع الأمر هو أن الولايات المتحدة تجني أكثر من 70 في المئة من مبيعات هذا الجهاز لأن مساهمتها فيه، لناحية التقنية والتصميم والهندسة، قيمتها أعلى بكثير من مجرد جمع قطعه في المصانع الصينية.

وفي هذا السياق، يمكن المقارنة بين مصنع «آي فون» أميركي يعمل فيه 10 عمال يتقاضون 70 في المئة من ثمن الإنتاج، ونظيره الصيني الذي يعمل فيه مئة عامل ويتقاضون 10 في المئة من ثمن الإنتاج.

ولأن الأفكار والابتكارات ونوعية المساهمة في الصناعة تتقدم على الكمية في الصناعات الحديثة، صارت تنتشر بين الاقتصاديين الأميركيين فكرة مفادها بأن نهوض الاقتصاد الأميركي وبحبوحته في العقدين المقبلين يعتمدان على درجات التحصيل العلمي للعمال الأميركيين لا على عددهم. وهي فكرة باتت تنتشر في معظم العواصم الغربية، وكانت تجلياتها الأخيرة في مجموعة الدول الإسكندنافية، التي أعلنت حكوماتها عن مبادرات تعليمية وتثقيفية لرفع المستوى العلمي والعملي والمهني لعمالها، بدلاً من البحث عن زيادة أعداد الشباب بينهم، كما درجت العادة في العقدين الأخيرين. ويشير الاقتصاديون «التجديديون» الأميركيون، إلى أن نمو الاقتصاد الأميركي على مدى العقد الماضي قادته ابتكارات، خصوصاً في قطاع الطاقة، سواء لناحية استخراج الوقود الأحفوري، أو توسيع حقول توليد الطاقة البديلة الشمسية والهوائية.

وفي التسعينات، كانت أي فكرة لامعة تحتاج إلى تمويل كبير ومصانع وعمال وقوانين تسهل إقامة الأعمال وإدارتها. اما في الاقتصادات الحديثة، فيقتصر المطلوب على فكرة لامعة وجهاز كومبيوتر. وهكذا، نرى اليوم زعماء القطاع الخاص من أمثال مالك شركة «أمازون» جيف بيزوس، وصاحب شركة سيارات «تيسلا» الكهربائية إيلون ماسك، اللذين يتوليان مبادرة تطوير برامج الفضاء إلى جانب وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، لأن الاعتقاد السائد يقضي بأن القطاع الخاص أكثر مهارة ويتطلب رأس مال أقلّ من القطاع العام.

الأفكار الأميركية لاقتصاد المستقبل كثيرة، وثقة الأميركيين بنفسهم واقتصادهم عالية. يبقى أن دور الحكومة بات يقتصر على إعداد الأميركيين لتحديث اقتصادهم، ما يتطلب رفع كفاءة الأيدي العاملة لا زيادة عددها، وهي التجربة التي انكب عليها الإسكندنافيون، والتي أصبحت تشغل حيزاً مهماً من النقاش الاقتصادي في أميركا.

Since December 2008