الاثنين، 27 مارس، 2017

غارات إسرائيلية لحماية الأسد

حسين عبدالحسين

تعتقد إسرائيل أن مصالحها تقضي ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه في الحكم، ولكنها تتمنى لو أن الأسد يعدّل من مواقفه قليلاً، فيبتعد عن إيران، وينخرط في مفاوضات تفضي إلى معاهدة سلام معها، يستعيد بموجبها هضبة الجولان، ويتحول إلى شرطي صالح، يسهر على أمن إسرائيل، وينال حظوة لدى المجتمع الدولي وبعض المنح المالية.

هذه الفكرة الإسرائيلية ليست وليدة الأمس، بل هي تعود إلى الضوء في كل مرة تشعر إسرائيل أن الأسد في مأزق، وأنه يمكنها إخراجه منه مقابل ابتعاده عن إيران. في عام 2009، أدارت إسرائيل سياسة "الانخراط مع الأسد" التي تبنتها واشنطن، حتى أنها كسرت العزلة الدولية التي كانت مفروضة على الأسد، على إثر مقتل رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري عام2005، بانخراطها في مفاوضات غير مباشرة معه.

لكن الأسد عرف أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان يفترق عن إسرائيل، وأنه ليس بحاجة الى منّة إسرائيلية لنيل حظوة أميركيين. ثم إن أوباما ذهب إلى طهران مباشرة، وعندها لم يعد للأسد قيمة إقليمية تذكر، فتحول أكثر إلى "رجل إيران"، التي هبّت لإنقاذه من التظاهرات ضد حكمه عام 2011، وخاضت معه حرباً شعواء ضد السوريين لإبقائه في الحكم، فازداد اعتماد الأسد على نظام طهران وحلفائها في لبنان والعراق.

بعد خروج أوباما، صديق إيران، من الحكم وحلول دونالد ترامب مكانه، عادت واشنطن في يد إسرائيل، التي باشر رئيس حكومتها في استئناف خطة "الانخراط عن الأسد" مجدداً؛ وهذه المرة تقضي الخطة أيضاً كسابقتها، باستقطاب الأسد بعيداً عن إيران وفصلهما، وهذا في الاعتقاد الإسرائيلي خطوة كبيرة لإضعاف إيران و"حزب الله" في لبنان.

إبعاد الأسد عن إيران يتطلب تقليص اعتماده العسكري عليها، مع ما يعني ذلك من محاولة طرد الميليشيات الموالية لإيران من سوريا. طبعاً، طرد هذه الميليشيات ليس نزهة، وإسرائيل غير مستعدة لإرسال جنودها إلى الأرض السورية. لكن إسرائيل مستعدة لتوسيع خطوطها الحمراء أبعد من المنطقة الجنوبية، والتي كانت تحظر بموجبها على إيران و"حزب الله" التمدد جنوباً، أو إقامة بنية تحتية قتالية يمكن من خلالها تهديد أمن شمال اسرائيل.

هكذا كثّفت إسرائيل من غاراتها داخل سوريا، ووسعت نطاقها لتشمل تدمر، شمال شرق دمشق، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمرة الأولى عن هدف غارات إسرائيل، وقال إن بلاده تسعى لإبقاء إيران ومليشياتها بعيدة عن حدود إسرائيل.

وجاءت الخطوة الإسرائيلية بتنسيق كامل مع روسيا، التي زارها نتنياهو، واتفق مع رئيسها فلاديمير بوتين على أن إخراج إيران من سوريا هو في مصلحة تل أبيب وموسكو سوية، فخروج إيران من سوريا يضعف "حزب الله"، وهذا في مصلحة إسرائيل، ويجبر الأسد على التحول إلى تابع لروسيا بالكامل، من دون أن يكون لديه هامش الابتعاد عن موسكو بالاقتراب من طهران.

وحين كانت المقاتلات الإسرائيلية تقصف أهداف إيران و"حزب الله" داخل سوريا، كانت القوات الروسية تتسلم مناطق للمعارضة السورية كانت تحت الحصار، بدلاً من أن تتسلمها مليشيات إيران كما درجت العادة. وفيما كان نتنياهو يوسع دائرة الغارات الإسرائيلية شمالاً، كانت روسيا تسعى لتثبيت وقف إطلاق النار، أي وقف الميليشيات الإيرانية لإطلاقها النار، مع ما يعني ذلك من تحجيم دور إيران، وإبعادها عن الأسد في خطوة لاحقة.

إيران ردّت بالقول إن لا روسيا، ولا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ولا قوى إقليمية أخرى غيرها، تمسك بالأسد، والدليل أنه للمرة الأولى، في تاريخ عائلة الأسد، ردّت القوات السورية على الغارة الإسرائيلية على مواقع إيرانية داخل سوريا بإطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل. وفي وقت لاحق، أسقطت إيران والأسد طائرة استطلاع إسرائيلية فوق جنوب سوريا. بكلام آخر، تقول إيران لإسرائيل إنها لن تأخذ الأسد منها، من دون مواجهة عسكرية مكلفة للإسرائيليين.

هذه هي قصة الغارات الاسرائيلية داخل سوريا والرد السوري غير المسبوق، حسب رواية مصادر ديبلوماسية في العاصمة الاميركية. 

الجمعة، 24 مارس، 2017

توافق أميركي - روسي - إسرائيلي على «طرد» إيران من سورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

مع حلول الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعادي لإيران بدلاً من سلفه باراك أوباما الذي كان مؤيداً لها، اكتمل الإجماع الدولي على ضرورة طرد القوات الموالية لطهران من سورية، فباشرت إسرائيل بتصعيد وتيرة غاراتها الجوية ضد أهداف تابعة للميليشيات الموالية للنظام الإيراني في الداخل السوري، ما أجبر ايران على الرد، فحاولت قصف شمال اسرائيل بصاروخ أرض - أرض، قبل ان تسقط طائرة استطلاع اسرائيلية جنوب سورية.

وعلمت «الراي» من مصادر ديبلوماسية رفيعة في العاصمة الأميركية ان رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو زار كلا من واشنطن وموسكو للاتفاق مع كل منهما على ان وجود الميليشيات الموالية لإيران في سورية، منها «حزب الله» اللبناني، تشكل «خطراً وجودياً» على دولة اسرائيل، وهو ما يتطلب تكثيف الضربات الاسرائيلية داخل سورية لإبعاد هذه الميليشيات قدر الإمكان عن حدود شمال اسرائيل.

وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، كانت اسرائيل تمنع دخول أي مجموعات أو عتاد مؤيد لايران إلى محافظتي القنيطرة والسويداء جنوب سورية، فتقوم باستهداف مقاتلي ايران وشحنات اسلحتهم، ولا تعلن عن هجماتها.

أما مع ترامب، فيبدو ان الخط الأحمر الإسرائيلي تمدد ليشمل دمشق والمناطق المجاورة لها، فجاءت في هذا السياق غارات اسرائيلية طالت اهدافا في محيط مدينة تدمر، شمال شرقي العاصمة السورية.

هذه المرة، أعلنت تل ابيب عن هدف غارتها، وهو إعلان جاء بعد وقت قصير من إعلان نتنياهو، للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية العام 2011 وانهيار سيطرة الرئيس بشار الأسد على الجنوب، ان اسرائيل ستمنع تمدد ايران وميليشياتها للحلول محل انهيار الأسد، بعدما كانت سياسة اسرائيل في هذا السياق معروفة ولكن غير معلنة.

وتقول المصادر الديبلوماسية في واشنطن، ان ضغط اسرائيل على القوات التابعة لإيران في الجنوب يترافق مع مجهود روسي في الوسط والشمال يقضي بتثبيت وقف النار، وحلول قوات روسية في المناطق التي يتم الاتفاق مع المعارضة السورية المسلحة على إخلائها. وتحاول روسيا تصوير تضييقها على الميليشيات الموالية لايران في سورية على انه تثبيت لوقف اطلاق النار، الذي شكلت موسكو من أجله لجنة ثلاثية تضمها إلى تركيا وايران.

لكن يبدو ان ايران تحاول الإيحاء لاسرائيل انها هي (أي طهران) التي تمسك ببقاء الأسد، الذي تؤيد تل ابيب بقاءه ونظامه، وان الميليشيات المؤيدة لايران هي التي تمسك بأمن الجنوب، وان بامكانها إلحاق الأذى باسرائيل ان استمرت الأخيرة في محاولة الضعط عليها.

ويمكن للمواجهة بين اسرائيل وايران، فوق سورية، ان تتوسع لتشمل لبنان، لكن المصادر الديبلوماسية تستبعد ذلك، وتعتبر ان المواجهة بين طهران وتل ابيب في سورية لا تستدعي، حتى الآن، توسيعها إلى مواجهة شاملة عبر الحدود اللبنانية، لكن المصادر نفسها حذرت بالقول ان «الحروب غالباً ما تندلع بسبب حسابات خاطئة، وان التصعيد بين الطرفين قد يؤدي إلى حرب عبر الحدود اللبنانية».

ويبدو ان اسرائيل تأمل في ان يختار الأسد روسيا ويبتعد عن ايران، وهو إن حصل، فقد يدفع الاسرائيليين، ومعهم واشنطن، إلى محاولة تسويق الأسد على ان يمكنه لعب دور الشريك في القضاء على الارهاب بشقيه، الداعشي والايراني، حسب رأي إسرائيل وأميركا.

كذلك، تعتقد المصادر الديبلوماسية ان استدعاءات موسكو المتكررة للسفير الاسرائيلي لديها لاستنكار الضربات الاسرائيلية داخل سورية هي من باب المناورة السياسية، وانه بسبب الوجود العسكري الروسي في سورية، يمكن للروس متابعة الضربات الإسرائيلية أثناء حدوثها، والطلب من الإسرائيليين الامتناع عن ذلك في ساحة المعركة نفسها، تحت طائلة التدخل الروسي، بدلاً من الانتظار حتى تتم الغارات الإسرائيلية، ثم «الحديث عنها» مع السفير الإسرائيلي في موسكو.

الخميس، 23 مارس، 2017

ضحالة الدبلوماسية اللبنانية



حسين عبدالحسين

عكست اطلالة وزير خارجية لبنان جبران باسيل، في مركز وودرو ويلسن في العاصمة الاميركية، إنحداراً غير مسبوق في الدبلوماسية اللبنانية. هذا ليس انتقاصا من شخص الوزير الكريم، فهو بدا هادئا، وتحدث بالانكليزية بشكل مقبول. لكن فحوى كلامه عكست ضحالة ثقافته، وكسل وزارته، وطغيان ثقافة الاستخفاف لدى اللبنانيين بذكاء العالم.

ضحالة ثقافة باسيل تجلّت في قوله ان لبنان يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” داعش منذ اكثر من مئة عام، وان هذه الحرب أجبرت ثلث اللبنانيين على الهجرة في العام 1915، فيما مات الثلث الثاني “تحت الحصار” في الحرب العالمية الاولى، والثلث الثالث هو الصامد في الارض اللبنانية. 

والغرابة لا تكمن في ان في العام 1915 لم يكن داعش موجودا فحسب، بل في ان لبنان نفسه لم يولد حتى العام 1920. هذا يعني ان في مخيلة الوزير باسيل، حرب داعش على اللبنانيين هي تكملة لحرب متخيلة اخترعها مؤرخو لبنان من “الفينيقيين الجدد”، وهي حرب يفترض ان الحاكم التركي جمال باشا، المسلم المتطرف، شنّها ضد المسيحيين الاستقلاليين في لبنان وشركائهم المسلمين. طبعا لم يكن الحكم التركي اسلاميا متطرفا، بل عكس ذلك، اذ هو كان في سباق مع الزمن من اجل “تغريب” السلطنة، واستقدم الارساليات المسيحية، ورعى عملها وانتشارها، وكان في طليعتها “الكلية الانجيلية السورية”، التي بدّلت اسمها الى “الجامعة الاميركية في بيروت”، و”جامعة القديس يوسف”.

كذلك، لم يكن ضحايا جمال باشا، “الشهداء”، من المطالبين باستقلال لبنان، بل ان غالبهم — مسيحيين ومسلمين — كانوا من رواد العروبة، وذلك قبل ان يحتدم السباق بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني في المنطقة، ويلجأ كل منهما الى رعاية أشكال متنوعة من المشاريع القومية: اللبنانية والعلوية والدرزية والقومية السورية. 

لكن في مخيلة الوزير باسيل، عقيدة داعش الاسلامية “قديمة” وتكره اللبنانيين، حتى قبل قيام لبنان، وهي اليوم تكره التعددية و“التعايش” بين “الاديان” الثمانية عشرة اللبنانية، حسب تسمية باسيل الانكليزية للطوائف اللبنانية. 

ولأن الوزير باسيل من المؤمنين بالتعايش بين الأديان، فهو قال ان الحل الوحيد في سوريا يقضي ببقاء نظام علماني، وعودة اللاجئين السوريين الى بلادهم “حفاظا على التنوع” السوري. هذا التضارب في الافكار يطرح اسئلة حول مدى “الارتجال” في تصريحات باسيل اثناء اطلالته، فالتعايش اللبناني الذي يتباهى به، والتنوع السوري الذي يدعو لاستعادته، يتناقض مع العلمانية، التي يقدمها على انها الحل في سوريا.

ثم ينتقل باسيل للحديث حول لبنان، وهنا يظهر المزيد من الكسل في اداء الدبلوماسية اللبنانية. لا استعداد مسبقاً ولا نقاط كلام امام الوزير ليلتزم بها، بل مجرد ثرثرة وافكار متضاربة، وكأن السيد الوزير كان يخال نفسه في صالون في لبنان يدور فيه نقاش سياسي.

بعدما أصرّ باسيل ان سياسة لبنان الخارجية “الرسمية” (وهو اعتراف ضمني بازدواجية السياسة الخارجية اللبنانية بين رسمية وغير رسمية) هي النأي بالنفس عن الصراعات في المنطقة، ذكّره محاوره الأميركي ان “حزب الله” يقاتل في سوريا والعراق واليمن. في ردة فعله الاولية، قال باسيل بأنه لا يتكلم باسم “حزب الله” وان الأجدى سؤال الحزب نفسه. يبدو ان باسيل لم يفطن انه عندما يكون في واشنطن، فهو يتحدث باسم كل لبناني، وهو ما قاله المحاور، الذي توجه لباسيل بالقول انه عندما يقاتل حزب لبناني خارج لبنان، فان ذلك ينتقص من السيادة اللبنانية.

هنا، قرر باسيل الاطاحة بالسيادة اللبنانية بأكملها، وقال انه منذ اندلاع الحرب السورية، و”كل واحد” في لبنان يتدخل في سوريا، وهناك دول اخرى تتدخل، والموضوع معقّد وأكبر من حكومة لبنان، وعلى العالم بأكمله — لا لبنان وحده — التوصل الى حل في سوريا. فجأة، انهارت نظريات باسيل عن “النأي بالنفس” اللبناني، ونجاح جيش لبنان في مكافحة الارهاب بعدما انهارت جيوش الدول المجاورة، وكون لبنان شريك العالم في الحرب على الارهاب لأنه يخوضها منذ اكثر من قرن. فجأة، تحول باسيل من شريك في “التحالف الدولي” للحرب ضد داعش الى مجرد ضحية يستجدي العالم ايقاف الحرب السورية لأنها دفعت لبنانيين الى التورط بها، ولا سيادة لحكومة لبنان على هؤلاء اللبنانيين، ولا مقدرة لبنانية على استيعاب اللاجئين السوريين.

محاور أميركي بالكاد يفقه شؤون الشرق الأوسط ولبنان تغلّب على وزير خارجية لبنان، واجبره على الحاق ضحالته الثقافية والتاريخية بسلسلة من التناقضات في المواقف السياسية، و”التخبيص”، على قول اللبنانيين.

الأربعاء، 22 مارس، 2017

باسيل: منذ مئة عام واللبنانيون يحاربون عقيدة «داعش»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أعلن وزير خارجية لبنان جبران باسيل ان اللبنانيين يحاربون تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) منذ مئة عام، أي منذ ما قبل قيام دولة لبنان.

وفي ندوة في «معهد وودرو ولسن» في العاصمة الاميركية أول من امس، قال باسيل ان «داعش عقيدة موجودة منذ وقت طويل، وان بسببها هاجر ثلث اللبنانيين الى بلاد الاغتراب في الولايات المتحدة وحول العالم، وقضى الثلث الثاني تحت حصار الحلفاء في الحرب العالمية الاولى. اما الثلث الاخير من اللبنانيين، فهم الذين بقوا في لبنان ومازالوا يحاربون داعش حتى اليوم. لقد واجهنا داعش عبر تاريخنا، لذلك نحن حلفاء طبيعيون في الحرب ضده».

وقال الوزير اللبناني ان بلاده «تدفع ثمنا غاليا لما يجري في سورية، بما في ذلك تدخل حزب الله» في الحرب الدائرة هناك. واوضح ان السياسة الرسمية اللبنانية، حسب البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية القائمة حاليا، تقضي بوقوف لبنان بعيدا عن كل صراعات المنطقة.

وقال باسيل انه لا يتحدث باسم الحزب، وانه ممكن توجيه الاسئلة للحزب حول تدخله في سورية او اي من دول المنطقة.

وأمام إصرار المحاور على القول ان تدخل لبنانيين، اي مقاتلي «حزب الله» في العراق واليمن، يقوّض سيادة لبنان، قال باسيل ان لا علم لديه عن نشاطات لـ «حزب الله» في العراق، لكن سورية هي موضوع معقد وأكبر من لبنان وحكومته، وانه «في سورية، كل واحد في لبنان تدخل، وكذلك تدخلت دول اخرى، وان هذه التدخلات والحرب الدائرة هي التي تكلف لبنان غاليا».

باسيل، الذي زار العاصمة الاميركية للمشاركة في «مؤتمر مكافحة داعش» الذي عقدته وزارة الخارجية الاميركية بحضور ممثلين عن 68 دولة تشكل «التحالف الدولي» للحرب ضد التنظيم المذكور، قال ان لبنان «يواجه خطرين: اسرائيل، التي تتعدى في شكل مستمر على لبنان وعلينا الدفاع عن لبنان، وعليه، لدينا اتفاقية مع حزب الله… اي اننا نحتاج الدفاع عن لبنان لا مهاجمة احد».

الخطر الثاني، الذي يواجه لبنان حسب الوزير اللبناني، «هو الارهاب الذي يأتي من سورية او من داخل لبنان، ومسؤولية الجيش اللبناني مواجهة التحديات لتثبيت الأمن الداخلي، بما في ذلك محاربة الارهاب»، مضيفا ان «حزب الله يعرفون ان دورهم ليس تطبيق القوانين داخل لبنان».

واشار باسيل الى ان «لبنان شكّل حتى الآن النموذج الامثل لمواجهة داعش»، وقال ان «التعددية والتعايش في لبنان هما اكبر عدو للتنظيم، الذي يعتاش على الفوضى». واعتبر وزير الخارجية اللبناني ان «حكومة لبنان وجيشه ابليا بلاء حسنا في مواجهة الارهاب، في وقت انهارت بعض جيوش الدول المجاورة». وتابع ان «داعش هو عقيدة تنتقل مثل الفيروس، ولا يهمه مكان تواجده، ويمكنه ان يأخذ صورا واشكالا واسماء متعددة».

وعلى رغم اغداق باسيل المديح على نموذج «التعايش» و«التعددية» بين «الاديان الثمانية عشر» المشكلة للبنان، الا انه اعتبر ان الحل في سورية يقضي «ببقاء سورية موحدة وعلمانية»، معتبرا ان «اي بديل سيكون التطرف الذي نراه اليوم». وقال ان الحل الوحيد في سورية هو حل سياسي، وقيام «نظام يمكنه التعاون مع كل الاطراف».

وشنّ باسيل هجوما على «العدالة الدولية»، معتبرا انها لا تتحرك في وجه داعش و«لا تدينه». وفيما بدا وكأنه هجوم ضد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي اتهمت خمسة من «حزب الله» في التورط بمقتل رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام 2005، قال باسيل: «كل العدالة الدولية هي موضع مساءلة… ما دور محكمة الجنايات الدولية؟ نحن لسنا موقعين على الانضمام اليها لكننا ابلغنا المدعي العام الدولي عما جرى في الموصل (تهجير داعش للأقليات)، ولم نر اي (رد فعل)».

ودعا باسيل اللاجئين السوريين في لبنان الى العودة الى المناطق التي انحسرت فيها الحرب في سورية، مثل المناطق المجاورة للحدود مع لبنان او الى مدينة طرطوس في شمال سورية الغربي، التي يعتقد باسيل ان لا حرب تجري فيها، وانه لا مبرر لوجود سوريين لاجئين من طرطوس في لبنان.

الثلاثاء، 21 مارس، 2017

ترامب: كان علينا ألا ننسحب من العراق

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضيفه رئيس حكومة العراق حيدر العبادي، أثناء اللقاء بينهما في البيت الابيض ليل أول من أمس، انه كان على الولايات المتحدة ألا تسحب جيشها من العراق أبداً، لأن الانسحاب الاميركي خلّف فراغاً وأدى إلى عودة الارهاب.

وأثنى ترامب على العبادي، مشيراً إلى أنه يبلي بلاء حسناً في موقعه رئيساً للحكومة العراقية.

وقال الرئيس الأميركي «بالتأكيد كان يجب ألا نرحل… كان لا يجب أن نرحل أبداً. (أدى رحيلنا الى) خلق فراغ، وناقشنا اليوم ما حصل».

وتوجه إلى العبادي بالقول «أنا أكن احتراماً كبيراً لك، وأنا أعرف أنك تعمل بكد، والجنرال جيمس ماتيس والجنرال ماكماستر وريكس تيلرسون يقولون لي انك تقوم بعمل جيد، وهو عمل ليس سهلاً، بل صعب جداً، وجنودك يقاتلون بقوة».

وتشكّل تصريحات ترامب افتراقاً مع السياسة الأميركية المتبعة منذ العام 2009، وهي تناقض الرأي العام الأميركي الذي يكاد يجمع على ضرورة بقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الصراعات المسلحة حول العالم، خصوصاً في الشرق الاوسط.

وشملت المشاورات التي جرت بين ترامب والعبادي حواراً في شأن إيران والاتفاق المبرم بينها وبين الدول الكبرى بشأن برنامجها النووي.

وقال ترامب للعبادي، حسب مصادر مطلعة على مجريات اللقاء، ان «إيران دولة راعية للارهاب الاسلامي المتطرف»، وإن على العراق المساهمة في مواجهة الخطر الإيراني في المنطقة.

من جهته، حاول العبادي إقناع ترامب أن «رأس الارهاب» هو تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، الذي تساهم ايران في الحرب ضده، وانه «من دون القضاء على داعش في العراق وسورية، قد تتعرض منطقة الشرق الاوسط لهزات أمنية كبيرة».

وفسرت المصادر كلام العبادي بأنه إشارة الى تصدي صواريخ أرض - جو سورية، يشغّلها إيرانيون، لمقاتلات اسرائيلية كانت أغارت الجمعة الفائت على مواقع خاضعة لسيطرة قوات الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه.

وأصر ترامب على أن إيران هي «رأس المشكلة»، معتبراً أن إسرائيل «تحاول الدفاع عن نفسها في وجه التهديد الايراني الوجودي لها».

وخلص الرئيس الأميركي إلى أن أولويته هي «القضاء على الارهاب بكل اشكاله، من داعش وإيران»، وأنه سعيد بالشراكة مع العبادي في هذه الحرب.

ولقاء ترامب والعبادي هو الثالث من نوعه بين الرئيس الاميركي ومسؤول عربي، بعد لقاء ترامب الأسبوع الماضي مع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ولقائه الشهر الماضي مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني.

ويحرص البيت الابيض على الاحجام عن عقد أي لقاءات قمة مع الزعماء العرب بانتظار من سيكون الزعيم العربي الأكثر حظوة الذي سيتمتع بهذا الشرف، وسط ترجيحات بأن ترامب سيمنحه للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ويعتبر البيت الأبيض أن لقاء القمة هو الذي يتضمن عقد الرئيس الاميركي مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع ضيفه، على غرار المؤتمرات التي عقدها بعد اجتماعيه مع رئيسي حكومتي بريطانيا تيريزا ماي وكندا جستن ترودو، وبعد لقائه المستشارة الألمانية انجيلا ميركل.

وبعد اللقاء، القصير نسبياً، بين ترامب والعبادي في المكتب البيضاوي، انتقل الرجلان الى قاعة اجتماعات الحكومة الأميركية، حيث عقدا لقاء موسعاً بين حكومتي البلدين، شارك فيها من الطرف الاميركي، الى ترامب، وزيرا الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جيمس ماتيس، ورئيس موظفي البيت الابيض رينس بريبس، ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، وصهر الرئيس ومستشاره جارد كوشنر. وكانت لافتة مشاركة وزير التجارة الاميركي ويلبر روس، في خطوة تشي بأن ادارة ترامب تسعى لتقوية التبادل التجاري بين أميركا والعراق، وفتح السوق العراقية أمام البضائع والاستثمارات الاميركية.

أما الوفد العراقي، الذي ترأسه العبادي، فتضمن وزراء الخارجية ابراهيم الجعفري، والدفاع عرفان الحيالي، والنفط جبار اللعيبي، والاعمار آن نافع اوسي، وممثل اقليم كردستان فؤاد حسين، والسفير العراقي في واشنطن فريد ياسين، ورئيس صندوق اعادة الاعمار مصطفى الهيتي.

وكان العبادي استهل اللقاء مع ترامب بالحديث عن مخاطر «داعش» والتفجيرات التي يشنها التنظيم حول العالم.

ولفت إلى أن علاقات العراق مع الولايات المتحدة هي علاقات طوعية اختارها العراقيون، ولا تقتصر على التعاون أمنياً، بل أيضاً في مجالات الاقتصاد والطاقة والثقافة.

وقال العبادي لترامب إن «مخاوفنا ومخاوفكم واحدة، وجنودكم يمنحون الغطاء الجوي لجنودنا».

وتوجه العبادي من البيت الأبيض الى «معهد السلام الأميركي» حيث ألقى خطاباً، ومن المقرر ان يشارك اليوم وغداً في «مؤتمر مكافحة داعش»، الذي تعقده وزارة الخارجية الاميركية في واشنطن بمشاركة ممثلين عن الدول الثمانية والستين المنخرطة في التحالف الدولي للحرب ضد «داعش».

وخلال مشاركته في ندوة «معهد السلام الاميركي»، اعتبر العبادي أن الإدارة الاميركية الجديدة تبدو «أكثر انخراطاً» من سابقتها في مكافحة الارهاب.

وأكد أن وتيرة الدعم الأميركي للقوات العراقية في معركتها لاستعادة مدينة الموصل من قبضة «داعش» «تسارعت» منذ تسلمت الادارة الجديدة دفة الحكم.

وقال «أعتقد أن هذه الادارة تريد أن تكون أكثر انخراطاً في مكافحة الارهاب. أشعر بفارق في ما يتعلق بمقارعة الارهاب».

وعلى صعيد العلاقات العراقية - السعودية، اعتبر العبادي أن هناك «انفتاحا على علاقة جوار حسنة جداً» بين البلدين.

ونفى العبادي، في رده على أسئلة من حضور الندوة، أن تكون إيران متسلطة على العراق، لكنه قال إن الشعب العراقي «لا يريد أن يكون جزءاً من الصراع (بين السعودية وإيران)».

وأكد أن بلاده تريد أن تربطها علاقات حسن جوار مع المحيطين بها.

كينيدي و“الخلافة”الاسلامية:جدل سياسي..نقاش تاريخي

حسين عبدالحسين

في ما تبدو محاولة للافادة المالية المشروعة من موضوع يشغل الغرب والعالم، نشر المؤرخ في “جامعة لندن” هيو كينيدي كتابا حمل عنوان “الخلافة”، واستعرض فيه بشكل سريع ومبسط أبرز التواريخ التي أعلن فيها مسلمون خلافتهم، من الراشدين الى الأمويين، فالعباسيين، مرورا بالبويهيين والسلاجقة، فالفاطميين، والمرابطين، والموحدين، وختاما مع المماليك والعثمانيين. 

وكينيدي هو صاحب سلسلة من الكتب التي تتناول تأريخ الخلافة والفتوحات الاسلامية، بدءا من كتاب “الخلافاء العباسيون الاوائل”(1981)، ثم “النبي وعصر الخلفاء”(1986)، ثم “اسبانيا والبرتغال الاسلامية”(1996)، فـ “جيوش الخلفاء”(2001)، فكتاب “عندما حكمت بغداد العالم الاسلامي”(2005)، ثم كتاب “الفتوحات العربية العظمى”(2007)، وصولا الى كتاب “الخلافة" الصادر مؤخرا، والذي يصفه كينيدي على انه كتاب تاريخ وليس كتابا في السياسة.

الا ان كينيدي لا يجد بدا من ان يعرج على الاحداث الراهنة، بين الحين والآخر، بشكل يشي بأن كتابه مخصص لمناقشة مبدأ الخلافة على خلفية قيام تنظيم “الدولة الاسلامية” في العراق والشام باعلان قيامها في صيف 2014. 

وعلى الرغم من شهرة كينيدي الواسعة، الا ان بعض الاخطاء تطرح اسئلة حول تمكنه في اللغة العربية، فكلمة جاهلية ترد مرتين في النص مكتوبة جابلية بطريقة تدفع القارئ الى التشكيك في امكانية وقوع خطأ مطبعي. كذلك، يكتب كينيدي بالاحرف اللاتينية “دولة الاسلامية”، بدلا من “الدولة الاسلامية”، في اشارة اخرى الى ان المؤرخ المعروف قد لا يكون فصيحا بالعربية كما يلزم.

يرد كتاب “الخلافة” في 11 فصلا، يفتتحها كينيدي بمحاولة الغوص في معنى كلمة خلافة، ويتطرق الى النقاش الاسلامي القديم حول ان كانت تعني “خليفة الله”، كما ورد في القرآن في وصف آدم وداود، ام “خليفة الرسول” وتاليا “خليفة المسلمين”، كما تواتر في السنّة والاحاديث. على ان كينيدي لا يبحث في الاصل اللغوي للكلمة، وهو ربما لو فعل ذلك، لأمكنه مقارنة كلمة خلّف، بمعنى ترك بعده ولداً يرثه، بكلمة كلّف فلان فلانا بادارة شؤون كذا (كما في تكليف رئيس دولة لرئيس حكومة). ويمكن ايضا المقارنة بكلمة كلّل، اي وضع فلان إكليلاً على رأس فلان لتطويبه ملكاً. 

ويربط العالم اللغوي ربيع المكي الجذر كلّل بالكلمة السامية العبرية كتل (يلفظها العبرانيون كوتيل مثل في اشارتهم الى حائط المبكى في القدس). والكلمة هي مرادف جدار في الفينيقية والعربية، وتعني كل ما يفيد كتلة. وكان الاراميون اطلقوا تسمية "بيت قطرايا” على الكتل او الجزر التي يسكنها العرب في الخليج، وهي التسمية التي ماتزال تحملها شبه الجزيرة التي تشكل دولة قطر اليوم. 

وربما لو ربط كينيدي بين كلمتي “خليفة” و”إكليل” لتوصل الى سبب ممكن لاطلاق صحائف “تسجيل الاحداث” (chronicle) المارونية في القرن السابع الميلادي لقب ملك على الخليفة الأموي الاول معاوية، وهي صحائف يشير اليها كينيدي في الكتاب. وكذلك اطلق المؤرخ البيزنطي ثيوفانيس، في القرنين الثامن والتاسع، لقب “ملك العرب” على رسول المسلمين محمد وعلى خلفائه.

وربما لأن الكتاب موجه لجمهور غير متخصص، لا يخوض كينيدي في تاريخية الاحداث والنقاش الاكاديمي المندلع حولها، بل يكتفي بتقديم وجهة النظر الاكثر قبولا في استعراضه الزمني لتتابع الخلافة، فيما يحاول الاضاءة على آلية اختيار الخلفاء، ووجود شورى او عدمه، ووجوب كون الخليفة من قريش عموما، او من عائلة الرسول خصوصا. ثم يقدم مطالعات ثلاثة كتاب مسلمين في القرن الحادي عشر حول الخلافة، وهم الماوردي والجويني والغزالي.

والكتاب سهل القراءة لغير المتخصصين، ويقدم تلخيصا سريعا حول الموضوع للمتخصصين. لكن يؤخذ على كينيدي تصنيف المسلمين عبر التاريخ وفقا للتصنيف السائد حاليا، اي سنة وشيعة، فيجعل من الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين والعثمانيين سنة، ويضع البويهيين والزيديين والفاطميين في صف الشيعة. لكن، في فهم كينيدي قصور للولاية في المفهوم الشيعي، حتى الاثني عشرية منهم، وهو مفهوم تعرّض لتطورات وانقسامات استعرضها أكبر المؤرخين العرب، وفي طليعتهم العراقي الراحل جواد علي، في اطروحته للدكتوراه في برلين التي حملت عنوان “المهدي المنتظر”.

وحسب جواد علي، اضطر الشيعة للتكيف مع مشكلة تدبير أمورهم في زمن الغيبة الكبرى للامام الحجة حتى ظهوره، ففتحوا باب الاجتهاد، ووافقوا على إناطة بعض مهام الامام بعلمائهم، ما عدا اعلان الجهاد. ومع حلول القرن العشرين تطورت مدرسة ايرانية اعتبرت انه يمكن اختيار واحد من علماء الشيعة المجتهدين وتنصيبه نائبا للامام، مع ما يعني ذلك إقفال باب تنوع الاجتهاد الشيعي وحصره بشخص الولي الفقيه، الذي يمكنه اعلان الجهاد في غياب الامام. 

كذلك يعاني كينيدي وكتابه من قصور في فهم التطور الفكري التاريخي داخل المذهب السني، وهو يتطرق لماماً الى بعض كتاب النهضة العرب في القرن التاسع عشر، من دون ان يتوسع في أبرز ما كان يشغلهم لناحية ردة الفعل التي ولدها اجتياح نابليون مصر نهاية القرن الثامن عشر، واعتقاد غالبية الحداثيين من السنة ان لحاق المسلمين بالحضارة الغربية يفرض اصلاحاً، من دون ان يتوصلوا لاجماع حول نوع الاصلاح، الذي اعتبره بعضهم عودة المسلمين الى دينهم بصيغته الماضية، فيما اعتبر بعضهم ان الدين يحتاج الى تطوير ليتناسب مع الزمن.

الا ان من ايجابيات كينيدي انه يتعامل مع اعلان زعيم تنظيم داعش ابو بكر البغدادي خلافته من باب فكري، ويقدم حججاً مقنعة ضد هذا النوع من الاعلان، ويعتبر ان مسؤولي الدعاية في التنظيم غالبا ما يستندون في تبرير دمويتهم الى احاديث ضعيفة في اسنادها وغير معروفة او متواترة. كذلك يطعن كينيدي في حصرية قيادة المسلمين التي يدعيها البغدادي، ويعتبر انه عبر تاريخهم، يندر ان أجمع المسلمون على خليفة واحد، بل لطالما كان بينهم إثنان او اكثر، ولطالما تباحث المسلمون في مؤسسة الخلافة ووظائفها ومهامها، خصوصا في غياب نصر قرآني واضح حول ماهيتها.

موازنة ترامب: ٦٤ بليون دولار خفض للإنفاق المدني

واشنطن - حسين عبد الحسين

قدم البيت الأبيض المسودة الأولى من موازنة عام ٢٠١٧- ٢٠١٨، وهي الأولى التي يقدمها الرئيس دونالد ترامب، والتي يتوقع أن تشهد تعديلات كثيرة أثناء مناقشات إقرارها في الكونغرس. ويبدو أن فريق ترامب يسعى إلى تكرار تجربة الرئيس الراحل رونالد ريغان، الذي قدم عام ١٩٨١ موازنة مشابهة من حيث تقليص النفقات الفيديرالية في الشؤون المدنية وزيادتها في الشؤون العسكرية والأمنية.

وتنقسم موازنة الولايات المتحدة إلى قسمين. الأول المعروف بالإنفاق الإلزامي، والذي يتضمن الإنفاق على صناديق الرعاية الاجتماعية والطبية والتقاعد والذي يبلغ ثلثي إجمالي الإنفاق السنوي الأميركي البالغ ٤,١ تريليون دولار، والذي يمثل ٢٠ في المئة من الناتج المحلي الأميركي البالغ ٢٠ تريليون دولار. هذا الجزء من الموازنة ثابت ولا تدخله تعديلات إلا التي يمكن أن يقوم بها الكونغرس.

أما الجزء الثاني، فهو يبلغ نحو ١,٣ تريليون دولار، وهو «إنفاق غير إلزامي»، ويتضمن مصاريف الحكومة الفيديرالية على وزاراتها وبرامجها المدنية والعسكرية. وينقسم هذا الإنفاق إلى نصفين، الأول لوزارة الدفاع ويبلغ قرابة ٦٠٠ بليون دولار، والثاني لبقية الوزارات والوكالات الفيديرالية مجتمعة. وتقتطع الحكومة الفيديرالية ٢٧٠ بليون دولار سنوياً هي خدمة الدَين العام الذي يقارب ٢٠ تريليون دولار.

وترامب، على غرار الرؤساء الآتين من الحزب الجمهوري، وعد بتقليص حجم الحكومة الفيديرالية إلى أقصى حد ممكن، وهو لذلك سيقتطع ٦٤ بليون دولار من الإنفاق السنوي للوزارات الأميركية غير الأمنية، وزيادة ٥٩ بليوناً للوزارات الأمنية، منها ٥٤ بليون دولار لوزارة الدفاع، و٤,٤ لوزارة شؤون الجنود السابقين، و٢,٨ بليون زيادة في موازنة وزارة «الأمن القومي».

أما أكبر الاقتطاعات فستعاني منها «وكالة حماية البيئة»، التي يعاديها الجمهوريون بسبب إنكارهم مبدأ «الاحتباس الحراري» واعتقادهم أن الوكالة تفرض تشريعات بيئية تعيق النشاط الاقتصادي. وستقتطع إدارة ترامب ٢,٦ تريليون دولار من موازنة الوكالة التي بلغت نحو ٨ تريليونات العام الماضي.

ثاني أكبر وكالة فيديرالية ستعاني من اقتطاع في موازنتها بنحو الثلث هي وزارة الخارجية، التي اقتطع البيت الأبيض ١٠,٩ بليون دولار، تمثل ٢٩ في المئة من موازنتها السنوية. ويدور الحديث في أروقة هذه الوزارة عن إمكان قيامها بدورها بخفض إجمالي الأموال التي تسددها سنوياً للأمم المتحدة، والتي تبلغ ١٠ بلايين دولار، وتمثل ٢٢ في المئة من واردات المنظمة الدولية. وإلى إمكان خفض الخارجية ما تدفعه للأمم المتحدة بواقع النصف، يعمل الجمهوريون في الكونغرس على وقف أموال تتبرع بها واشنطن سنوياً، من خارج قنوات وزارة الخارجية، إلى برامج إغاثة عالمية بإجمالي ٣ بلايين دولار.

في المرتبة الثالثة من الهيئات الفيديرالية التي تسعى إدارة ترامب إلى خفض موازنتها، حلت وزارتا الزراعة والعمل

. ووعد البيت الأبيض بخفض موازنة كل منهما بواقع ٢١ في المئة، فتنخفض موازنة الزراعة من ٢٣,٥ بليون دولار سنوياً إلى ١٨,٨ بليون، والعمل من ١٢,٥ بليون إلى ١٠ بلايين دولار.

أما أكبر الوزارات الأميركية التي ستتعرض موازنتها إلى خفض فهي وزارة الصحة، التي ستشهد موازنتها السنوية خفضاً من نحو ٧٥ بليوناً إلى ٦٠ بليون دولار.

الوزارات الأخرى التي شهدت اقتطاعات فتشمل التجارة والثقافة والسكن والنقل والداخلية، والطاقة والعدل والخزانة. حتى «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، تعرضت لاقتطاع في موازنتها السنوية بواقع ١ في المئة أو ٢٠٠ مليون دولار. ومن المتوقع أن تؤدي الاقتطاعات إلى إغلاق وكالات بأكملها، وبعضها صغير الحجم والمصاريف، مثل «أكاديمية الفنون» أو هيئة الإذاعة شبه الرسمية.

وتوقع الخبراء الأميركيون أن تواجه مسودة ترامب معارضة شديدة في الكونغرس، من الأقلية الديموقراطية ومن بعض الغالبية الجمهورية كذلك. فالاقتطاعات غالباً ما تؤذي دوائر انتخابية لأعضاء في مجلس النواب بغض النظر عن حزبهم، ما يدفعهم إلى محاولة الإبقاء على الموازنة المرصودة، أو التصويت ضد مشروع موازنة ترامب، ما يعرضها لخطر عدم الإقرار، أو يجبرها على إدخال تعديلات غير واضحة في كميتها وحجمها حتى الآن.

وكانت اقتطاعات وزارة الخارجية شهدت أكبر معارضة في الكونغرس، الذي يبدو أن غالبية فيه من الحزبين تجمع على أن الإنفاق على الديبلوماسية «أرخص كثيراً» في عملية تثبيت الاستقرار العالمي من شن الحروب.

وستؤدي موازنة ترامب، في حال إقرارها بشكلها الحالي، إلى إنهاء عمل أكثر من ثلاثة ملايين موظف في الحكومة الفيديرالية، وهو ما وعد به ترامب أثناء حملته الانتخابية، ولكنه وعد من شأنه أن يرفع نسبة البطالة التي وعد ترامب بخفضها.

فهل ينجح ترامب في فرض موازنته على حالها؟ وما هي كمية التعديلات التي يقبلها الكونغرس؟ وهل يمكن لترامب الإبقاء على الإنفاق المدني منخفضاً بالحد الذي قدمه، أو أنه مثل ريغان، سيجد أن الإنفاق يعود للنمو كما في مراحله السابقة؟

كذلك تعاني موازنة ترامب من غياب تقديراتها حول الواردات المتوقعة للعام المقبل ونسبة العجز، ما دفع المعلق في «نيويورك تايمز» والفائز بجائزة نوبل للاقتصاد بالقول إن ما قدمه ترامب لم يكن مسودة موازنة، بل بياناً سياسياً لحملته الانتخابية ألبسه لباساً رسمياً.

حروب أميركية فاشلة

حسين عبدالحسين

التعزيزات العسكرية التي ترسلها الولايات المتحدة إلى الأراضي السورية شرق الفرات تشي بأن وزارة الدفاع الأميركية تعتقد أن الحرب التي أعلنها الرئيس السابق باراك أوباما ضد تنظيم "الدولة الاسلامية" لم يكن مكتوب لها النجاح. 

وصار مفهوماً الآن أن أوباما تمسك بمبدأ يسميه جنرالات واشنطن "ضبط عدد القوات" (الاختصار هو أف أم أل بالانكليزية)، وهو مبدأ يقضي بوضع سقف لعدد القوات الارضية المسموح انتشارها في أماكن الصراع، وسقف مشابه للميزانية المسموح للجنرالات انفاقها شهرياً. 

وجرت العادة أن ينظر الرئيس في الولايات المتحدة إلى الحرب من وجهة نظر سياسية ورأي عام شعبي، والرأي الشعبي غالباً ما يعارض تعريض أرواح جنود أميركيين للخطر أو الإنفاق على حروب في مناطق بعيدة حول العالم. أما الجنرالات، فهم لا ينظرون للمعارك بعدد القوات، بل بالامكانيات المتاحة، أي كم كتيبة مدفعية أو مشاة أو مروحيات، أو القوة النارية المتاحة. هذا التباين بين السياسي والعسكري دفع أوباما إلى تكبيل أيدي الجيش الأميركي في الحرب ضد "داعش"، في العراق وفي سوريا.

تحت ستار السرية، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب رفع السقف الذي كان يفرضه أوباما، فبدأت وزارة الدفاع الأميركية على الفور بنشر كتيبتين في مسرح الحرب السورية ضد داعش، مع ما يعني ذلك من أن العدد المتوقع للقوات الأرضية المزمع نشرها سيبلغ ستة آلاف. لكن ترامب رفع السقف سراً، وبدأ انتشار القوات الأميركية ببطء بهدف عدم لفت الأنظار.

كيف ما اتفق، التغيير في الاستراتيجية العسكرية الأميركية في الحرب ضد "داعش" يشي بأن حرب أوباما كانت في طريقها إلى الفشل، أو على الأقل إلى تحقيق انتصار ولكن بعد حرب استنزاف دموية طويلة، على غرار الحرب المدمرة التي تقودها إيران في العراق، والتي أدت إلى تسوية تكريت والفلوجة والرمادي — والآن الموصل — بالأرض، من دون أن يلوح في الأفق نصر حاسم ضد "داعش".

الحرب الأميركية والإيرانية الفاشلة ضد "داعش"، في سوريا والعراق، هي تتمة حروب أميركا الفاشلة على مدى العقد الأخير؛ في أفغانستان، طلب الضباط الأميركيون من ترامب زيادة في القوات والامكانيات للعودة والانخراط في أطول حرب في التاريخ الأميركي. في اليمن، انهارت الحرب التي صممها مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي اي) جون برينان، والتي كانت تقضي بالتحالف مع الحوثيين ضد القاعدة، فانقلب الحوثيون على صنعاء وانتعشت القاعدة. في العراق، استسلم أوباما للضغط الايراني وتراجع قائد أركان الجيش السابق مارتن ديمبسي عن إعادة إحياء دور "الصحوات السنية" أو تسليح البيشمركة الكردية، واكتفت واشنطن بالتهليل لمشاركة رمزية لحفنة من المقاتلين السنة في صفوف "الحشد الشعبي" التابع لـ"الحرس الثوري الايراني". أما نتيجة الإصرار الإيراني على استبعاد السنة من الحرب ضد داعش، فجاءت مخيبة كما كان متوقعاً، ما جعل الحرب مدمرة وبطيئة، وجعل الحسم متأرجحاً. 

وكما في العراق، كذلك في سوريا، تصر الولايات المتحدة على التحالف مع مجموعات كردية تثير غضب أنقرة، وتالياً يمكن أن تؤدي إلى تحييد تركيا والجيش السوري الحر عن المعركة لاستعادة مدينة الرقة، وباقي الأراضي السورية من "داعش". ربما كان جنرالات أميركا ليكونوا على حق لو أن المعركة تجري على أراض كردية بحتة، مثل معركة كوباني/عين العرب. لكن المناطق المطلوب استعادتها من "داعش" ذات غالبية عربية سنية، والاستعانة بأهل هذه المناطق قد تثبت أنها أجدى بكثير من التحالف مع أبناء مناطق مجاورة جلّ ما يدفعهم الى المعركة هو ثأر تاريخي يعززه طموح استقلالي يشبه "دولة داعش" في مراهقته وعدم فهمه للموازين الدولية.

لا شك أن القوة العسكرية الأميركية جبارة ولا تضاهيها قوة حول العالم. وبالطريقة نفسها، لا يضاهي الخلل الأميركي في فهم السياسات المحلية للمناطق التي تنخرط فيها القوة الأميركية في معارك أي عبط في العالم، وهو ما يجعل الحروب الأميركية تدور وتدور وتدور من دون نتيجة تذكر.

السبت، 18 مارس، 2017

"التقليديون" من بعلبك إلى ألبي

حسين عبد الحسين

في ظاهرها تبدو فورة لليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وتبدو ردة فعل ضد الاسلام السياسي المتطرف وتوافد اللاجئين. بريطانيا خرجت من اوروبا ونصّبت يمينها حاكما، وأميركا انتخبت دونالد ترامب، غير الموزون، رئيسا، والعنصرية مارين لوبن تتصدر استطلاعات الرأي مع الاقتراب من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وغيرت ويلدرز المعادي للمسلمين يتصدر في هولندا، فيما تخشى المستشارة الالمانية انجيلا ميركل من مفاجأة يمينية تطيح بها وبالاتحاد الاوروبي وبما تبقى من "تحالف الأطلسي". لكن الغالب ان ما يشهده العالم ليس صعود اليمين المسيحي المتطرف ردا على نظيره الاسلامي، بل هو جزء من الاهتزاز الذي يرافق مسار التاريخ، وهو اهتزاز قديم قدم الحضارة الانسانية، ويسير على الشكل التالي: تراكم مجموعة بشرية علوما وتحديثات تسمح بتعديل طرق معاشها، وتفرض استبدال السائد من الانماط الاقتصادية، وتاليا الاجتماعية والسياسية، بأخرى جديدة. عملية التغيير هذه لا تتسع لكل المجموعة البشرية، فينتفض من يبقى خارج مسار التغيير، ويعيق عملية التقدم، ولكنه بانتفاضته ينضم للعملية التغييرية ويصبح جزءا من "المؤسسة الحاكمة"، فتستأنف عملية التطور مسارها، الى ان تخرج مجموعة جديدة ممن لم تتسع لهم العملية وتنتفض مجددا، وهكذا دواليك، يتأرجح المسار التاريخي بين تطور يقوده تقدميون واعاقة يفرضها المحافظون.
السنوات الثلاثون المجيدة (١٩٤٥ - ١٩٧٥)، بحسب ما يسميها الفرنسيون، هي التي تلت الحرب العالمية الثانية، والتي تخللتها بحبوحة اقتصادية عالمية وانتشار للتطور في الانماط، بما فيها الاجتماعية، حول العالم. لم تكد هذه الحقبة تنتهي حتى كان الشرق الاوسط اول منطقة في العالم ممن يثور فيها "التقليديون". في السعودية، انتفضوا ضد "البدع"، بما فيها ضد افتتاح التلفزيون الرسمي، وهو ما ساهم في مقتل الملك الفيصل بن عبدالعزيز.
في العام ١٩٧٩، انتفض الايرانيون واطاحوا بالشاه، وفرضوا نظاما اجتماعيا محافظا ربطوه بالتعاليم الاسلامية بحسب المذهب الشيعي. في العام نفسه، احدث المحافظون المتطرفون اهتزازا في السعودية باحتلالهم الحرم المكي. لم تتراجع الرياض امام المتطرفين، لكن الجو السائد، في السعودية كما في باقي الدول العربية والاسلامية، أخذ في الاتجاه نحو اليمين والأسلمة واحيانا التطرف. ومن يطالع صور افغانستان او ايران او مصر، ويقارنها مع صور اليوم، لا بد ان يلاحظ المسافة الشاسعة التي قطعتها مجتمعات هذه الدول برفضها الحداثة وعودتها الى التقاليد بشكلها الديني.
في الغرب، قاد اليمين ثورة تصدرها المحافظان، الاميركي رونالد ريغان والبريطانية مارغريت تاتشر. لكن الثورة الغربية اصطدمت بحواجز مؤسساتية ومصالح مالية، فصعد "الحزام الانجيلي" في الولايات المتحدة، من دون ان يؤدي ذلك الى تغيير يذكر في عملية التطوير العلمية والاقتصادية والاجتماعية. ثورة ريغان وتاتشر لم تنجح في وقف عملية التمدين المستمرة وافراغ القرى والارياف، مع ما يعني ذلك من زيادة السخط لدى الريفيين، المحافظين عادة، ضد المدينيين، الاكثر تقدمية وتحررا.
اخيرا ، نشرت "نيويورك تايمز" مقالة عن بلدة ألبي، جنوب فرنسا، والتي يبلغ عدد سكانها ٥٠ الفا. فحوى المقالة ان المدينة تفرغ من سكانها، وان محالها التقليدية، مثل البقّال والخبّاز وبائع الجبنة والمقاهي، أقفلت جميعها، وان البلدة تحولت الى قرية مقفرة. وتشير المقالة الى ان السكان انتقلوا في غالبيتهم الى ضواحي البلدة، حيث تم افتتاح مجمّع تجاري في العام ٢٠٠٩، يقدم كل انواع الخضار والخبز والجبنة والمقاهي. الفرنسيون، مثل باقي الشعوب، يسعون الى التطور والتحديث، ولكنهم في الوقت نفسه يشعرون بضياع "الاسلوب الفرنسي" في الحياة الممتعة. هؤلاء الفرنسيون النادمون على فقدان اسلوب حياتهم وتقاليدهم هم الذين يؤيدون لوبن.
ظاهرة تطور البلدات ليست جديدة، ولا ترتبط بالعولمة. من يطالع صور بيروت مطلع القرن قد يخالها بقعة مختلفة من العالم عن بيروت اليوم. البلدات اما تتحول الى مدن، وهو ما يحصل في غالبية الدول العربية بسبب كثافة السكان، او تموت، وهو ما يحدث في معظم ريف أميركا - الذي انتخب ترامب - وبعض مناطق اوروبا.
في بعلبك، كانت الطريق التي تربط الطاحونة بالبياضة، نبع نهر رأس العين، طريقا خلابة يسوّرها شجر الحور، ويمر بجانبها النهر الذي يمكن المشاة سماع خريره. على ضفة النهر كانت مقاه تفوح منها رائحة التبغ العجمي من نراجيل المرتادين. اليوم، بلّطوا فوق النهر، الذي جفّ اصلا، وتحول الطريق القديم الى غابة اسمنتية وشارع مكتظ. بعلبك تحولت من بلدة تاريخية، تشبه قرى مسرحيات فيروز، الى مدينة ينتقل اليها أهالي القرى المحيطة بها.
في الولايات المتحدة، ينتفض من يطلقون على انفسهم سياسيا اسم "تقليديون"، من امثال مستشار ترامب للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون. والأخير، الذي يتحدث عن "اقتصاد قومي" بدلا عن اقتصاد أميركا الحالي المعولم، لا شك انه يتأثر بكتابات الايطالي جوليان ايفولا، الذي ألهمت كتبه صعود الفاشية في اوروبا مطلع القرن الماضي.
كالتقليديين في ايران او العالم العربي ممن يحاربون "البدع"، يدعو "التقليديون" في اوروبا واميركا وروسيا الى مواجهة العولمة، والحفاظ على التقاليد، وعلى القرى الصغيرة التي يعرف اهلها بعضهم البعض و"يخافون الله". كما يدعو تقليديو أميركا واوروبا الى الحفاظ على نقاء العرق الوطني، وصفائه من الوافدين ومن عاداتهم التي تفسد الحضارة الغربية، التي يعتقدها هؤلاء سبب تفوق الغرب منذ صعود اليونان حوالى القرن الخامس قبل الميلاد. هي محاولات تتكرر منذ فجر التاريخ. يحاول نفر الوقوف في وجه التطور التاريخي عنوة، مثلما فعل الامبراطور الروماني جوليان، المعروف بالمرتد، مطلع القرن الرابع الميلادي، عندما اعاد الامبراطورية من المسيحية الى الوثنية، ولكنها عودة دامت أقل من سنتين، وانهارت مع موته، واستأنفت المسيحية انتشارها. كما جوليان المرتد، كذلك في ايران وأميركا وهولندا، قد ينجح "التقليديون" في منع التطور وفي التمسك بالماضي وعاداته. لكن نجاحاتهم ستقتصر على حقبات زمنية قد تطول او تقصر، وهي نجاحات لم يسبق ان دامت او نجحت في اعادة عقارب الزمن الى الماضي العظيم المتخيل.

واشنطن

واشنطن تهدّد بقطع تمويل الأمم المتحدة

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

في وقت كان الرئيس دونالد ترامب يستقبل ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان في البيت الابيض، وقبل اسابيع من الزيارة المقررة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الى واشنطن، نسبت مجلة «فورين افيرز» الى جمعيات «حقوق الانسان» الاميركية ان الاخيرة تسلمت رسالة من وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون يعلمهم فيها انه «طالما يتشكل مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة من عضوية دول عربية»، فان الولايات المتحدة ستعيد النظر في عضويتها في هذا المجلس، وستبحث في امكانية الانسحاب منه.

وتشير التقارير الاميركية انه على اثر الزيارة الى واشنطن التي قام بها وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان، مصطحبا معه سفير بلاده السابق في أميركا مايكل اورن، ولقائهما تيلرسون، انتفضت الخارجية الاميركية ضد «مجلس حقوق الانسان» الأممي، وصارت تسعى لتعديل صلاحياته وجدول اعماله.

وتكن اسرائيل عداء خاصا تجاه المجلس، الذي يكاد لا ينفك عن الالتئام لتوبيخ حكومتها بسبب تجاوزات الاخيرة لحقوق الانسان في شكل متكرر. وكانت آخر مطالب المجلس الأممي قضت بالتحري عن الشركات العالمية التي تعمل في مستوطنات اسرائيلية في الاراضي الفلسطينية ونشر لائحة باسمائها، وهو ما يصب في خانة حركة مقاطعة المنتجات الاسرائيلية، وهي حركة يقودها ناشطون فلسطينيون واجانب.

وتتألف عضوية «مجلس حقوق الانسان» في الأمم المتحدة، الذي تشكل في العام 2006، من 47 دولة، يتم انتخاب ثلثها سنويا في الجمعية العامة لولاية مدتها ثلاث سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة، قبل ان تخرج الدولة لدورة من المجلس حتى يصبح ممكنا لها العودة للترشح مجددا. وتنتهي عضوية الولايات المتحدة في يونيو 2018، لكن تيلرسون لوح بانسحاب بلاده قبل ذلك.

وتترافق تهديدات تيلرسون الى «مجلس حقوق الانسان» بتهديدات اوسع من وزارة الخارجية الاميركية للأمم المتحدة حول امكانية قيام واشنطن بخفض مساهمتها السنوية الضخمة، والبالغة 10 مليارات دولار، للجمعية الأممية.

وقطع تمويل الأمم المتحدة هو واحد من المواضيع المحببة على قلب اعضاء الحزب الجمهوري الحاكم. وسبق لموفد أميركا السابق الى الأمم المتحدة جون بولتون ان دعا الى تفكيك المنظمة بالكامل. وقال بولتون في حديث تلفزيوني، قبل نحو عقد من الزمن، ان مبنى الأمم المتحدة في نيويورك يتألف من 39 طابقا، وانه «لو اطحنا بواحد من هذه الطوابق، لن يكون هناك اي تأثير في الاداء السيئ للمنظمة».

ولاسرائيل عداء كذلك ضد هيئات اخرى في الأمم المتحدة، مثل «اونيسكو»، التي صوتت في اكتوبر الماضي على قرار وصف الوجود الاسرائيلي في القدس بالاحتلال، ودان اختراقات اسرائيل ضد حقوق الفلسطينيين، واعتبر ان تراث القدس اسلامي. ولطالما طالب اعضاء كونغرس من الجمهوريين، بتحريض من اسرائيل، بقطع التمويل عن هيئات الأمم المتحدة التي تعترف بوجود الدولة الفلسطينية.

كذلك شكلت الـ «اسكوا» آخر الوافدين الى نادي «اعداء اسرائيل» في الأمم المتحدة بعد اصدارها تقريرا وصف اسرائيل بـ «حكم الابارتايد»، تيمنا بنظام الفصل العنصري الذي كان سائدا في جنوب افريقيا في الماضي.

وفي هذا السياق، تباحث الجمهوريون في الكونغرس حول الهيئات التي تنوي واشنطن الاطاحة بتمويلها، والتي تصدرتها قوات حفظ السلام في السودان ومالي. كذلك، بحث الجمهوريون امكانية انهاء تمويل عدد من المحاكم الدولية، لكن الاسرائيليين آثروا المثابرة في تمويل بعضها، مثل «المحكمة الخاصة بلبنان»، والتي تتهم خمسة من «حزب الله» اللبناني بالتورط في عملية اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في العام 2005.

وعلى رغم مطالبات الاسرائيليين بقطع التمويل عن الأمم المتحدة، الا ان تل ابيب يبدو انها تفيد من عدد لا بأس به من الهيئات اوعمالها، مثل الـ «اونروا» التي تمول عيش اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وغزة، ولبنان، والاردن، وسورية. ومن دون الـ «اونروا»، تتحول المخيمات الفلسطينية، خصوصا في الضفة وغزة، الى كارثة انسانية تجبر اسرائـــــيل على التعامل معها.

كذلك، يفيد الاسرائيليون من هيئات الأمم المتحدة مثل «وكالة الطاقة الدولية الذرية»، التي ينتشر مراقبوها في ايران حيث «يراقبون عن كثب» المنشآت النووية الايرانية بموجب اتفاقية مع ايران.

الكويت محطة أساسية في إستراتيجية ترامب للحرب ضد «داعش»

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

تجمع التقارير الأميركية، السرية والعلنية، على أن دولة الكويت ستلعب دور المحطة الأساسية للقوات الأميركية في حربها ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) في سورية، ضمن الاستراتيجية الجديدة لإدارة الرئيس دونالد ترامب.

وكانت المقاتلات الأميركية والدولية التابعة للتحالف الدولي تنفذ طلعاتها، انطلاقاً من الكويت، لمساندة القوات المحلية في حربها ضد «داعش» في العراق، قبل أن تسمح أنقرة لواشنطن باستخدام قاعدة «انجرليك» في يوليو 2015.

ووفقاً لخبراء، فإن إقلاع المقاتلات من الكويت يقلل من فعالية الغارات الجوية، ويسمح لأهداف «داعش» بالافلات في الوقت الفاصل لوصول المقاتلات إلى أهدافها، كما يفرض على هذه المقاتلات البقاء في الجو لفترات طويلة لتلبية حاجات المقاتلين، وهو ما يجعل من «انجرليك»، الأكثر قرباً من مسرح العمليات، خياراً أفضل للقوة الجوية الاميركية.

لكن القوات البرية لا تحتاج «انجرليك» للوفود من أميركا قبل انتقالها إلى القواعد القتالية الأمامية، وهو ما يجعل من الكويت محطة مناسبة لتجتمع فيها القوات الوافدة من الولايات المتحدة، قبل أن يتم فرزها إلى الجبهات ضد «داعش» في العراق وسورية.

وفي حين يبلغ عديد «المستشارين» العسكريين الأميركيين حالياً 5500 في العراق، و1000 في سورية، يتوقع أن تمضي وزارة الدفاع (البنتاغون) في تعزيز القوات المنخرطة في الحرب ضد «داعش»، خلال الأسابيع المقبلة.

ويتناقل المتابعون في واشنطن أن ترامب رفع «الحظر على الموارد»، الذي كان يفرضه سلفه باراك أوباما، أي الموارد المطلوبة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد التنظيم الارهابي.

وعلى الرغم من عدم الاعلان رسمياً حتى الآن عن تفاصيل الخطة الجديدة التي وضعتها «البنتاغون» للقضاء على «داعش»، بناء على طلب ترامب، إلا أن الانطباعات الأولية تشير إلى أنها عبارة عن تكرار لـ«خطة زيادة القوات»، التي لجأ إليها الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في العام 2007 أثناء احتلال أميركا العراق، وقضت بزيادة عديد القوات البرية الأميركية في المناطق العراقية المشتعلة، تزامناً مع التحالف مع قوات عراقية محلية أشرفت الولايات المتحدة على تدريبها وتنظيمها وتسليحها وقيادة عملياتها العسكرية على الأرض.

وتعليقاً على التقارير الأخيرة عن إرسال 1000 جندي إضافي إلى سورية عبر الكويت، قال نائب مساعد وزير الدفاع الاميركي السابق اندرو اكسوم، «يبدو أن وزارة الدفاع تعمل على تكرار الخطة في سورية التي نجحت جداً في العراق»، موضحاً أن الخطة الجديدة لا تمثل افتراقاً عن خطة أوباما، لكنها «تختلف عنها من حيث القوات التقليدية» (الأميركية) التي ستنخرط في المعارك.

ورجح أكسوم أن يكون المسؤولون الأميركيون تخلوا عن فكرة «ضبط عدد القوات» التي تمسك بها أوباما، مشيراً إلى أن «القيادة العسكرية لا تنظر إلى المعارك من حيث عديد القوات، بل من حيث الإمكانات، أي الكتائب، ووحدات المدفعية، وغيرها».

ودعا المسؤول السابق إلى مصارحة الأميركيين من حيث عديد القوات التي يتم التخطيط لنشرها في سورية، معتبراً ان نشر «كتيبتين (في سورية) يعني 6000 جندي، وعلى الرغم من ان (البنتاغون) لا تنظر إلى القوات من ناحية العدد، إلا أن الرأي العام الاميركي يهتم للعدد، وهو ما يفرض على البيت الأبيض ان يكون مستعداً لمصارحة الاميركيين وإقناعهم».

لكن لا يبدو أن ترامب مستعد لهذه المصارحة لأنها ستكلفه من رصيده السياسي المتهالك أصلاً، وهو ما دفع الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر إلى ممارسة ألاعيب كلامية، أثناء رده على الصحافيين في ما يتعلق بالزيادات العسكرية المتتالية في سورية، التي يكشف عنها الاعلام الاميركي تباعاً، بقوله إن من ينتشرون في سورية ليسوا مقاتلين بل «مستشارين»، علماً أن فرقة «المارينز» التي تمركزت غرب الرقة انتشرت مع مدافعها الهاوتزر «ام 777» من عيار 155 ملم، وقادرة على إصابة أهداف على بعد 40 كيلومتراً.

كذلك، قد تفرض مصارحة ترامب الأميركيين بنشر قوات في سورية، أن يطلب الحصول على «تخويل لاستخدام القوة العسكرية» من الكونغرس، وهو ما من شأنه أن يتحول إلى مهرجان سياسي مكلف لترامب أيضاً، وهو سبب آخر لمحاولة الرئيس التعمية على نشره القوات الاميركية في سورية ببهلوانياته السياسية وتغريداته المثيرة للجدل.

وسط هذه الأجواء، سيتواصل توافد القوات الأميركية إلى الكويت لنشرها في سورية، حتى يصل عديد هذه القوات إلى 6 آلاف، في حين سيواصل المسؤولون الأميركيون الإعلان عن إرسال ألف بعد ألف، وسيتمسكون بالقول إن القوات ذاهبة إلى الكويت «كي تعطي القادة العسكريين في العراق وسورية خيارات أكثر»، لكن واقع الحال هو أن القوات الاميركية التي تفد إلى الكويت هي جزء من خطة «زيادة قوات» جار العمل عليها لإلحاق الهزيمة بـ «داعش» في مناطق سورية شرق الفرات، ومشاركة هذه القوات في الاشراف على عملية تثبيت الوضع هناك، حتى بعد طرد التنظيم من الرقة والمناطق السورية الأخرى، وهو ما سيتطلب مداورة للقوات الأميركية، ما يعني توافد المزيد من القوات إلى الكويت، وعودة بعضها من الجبهة إلى الكويت في طريق عودتها إلى أميركا.

الخميس، 16 مارس، 2017

خطوات ترامب في سورية تُحيّر المراقبين الأميركيين

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

حيّرت الخطوة التي أقدمت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب بنشر نحو 600 «مستشار» عسكري أميركي في سورية لتعزيز صفوف «المستشارين» الـ600 المنتشرين أصلاً في الاراضي السورية شرق الفرات، منذ قرابة عام، غالبية الخبراء الاميركيين وأثارت تساؤلات لدى المتابعين لتطورات الحرب ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش).

وكانت القيادة الوسطى في الجيش الاميركي نشرت، الاسبوع الماضي، 400 من «المارينز» شرق الرقة، معقل «داعش»، مع مدافع «هاوتزر» من عيار 155 مم قادرة على اصابة اهداف على بعد 40 كيلومترا، وباستخدام قذائف موجهة بتقنية «نظام تحديد المواقع» (جي بي اس).

وإلى «المارينز»، نشرت واشنطن قرابة 200 عنصر من الجيش الأميركي، مع ناقلات جند مؤللة، في بلدة منبج السورية الشمالية، التي تبعد 30 كيلومتراً غرب الفرات.

ومنذ إعلان خبر مضاعفة القوات الأميركية في سورية، حاول الخبراء المتابعون الاستفسار من إدارة ترامب عن مهمة الجنود الاميركيين المنتشرين في ثلاث قواعد بسورية، هي «قاعدة توماس» قرب عين العرب - كوباني، وغرب الرقة، وفي منبج.

وحاول الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر التلاعب بالألفاظ، والاصرار على أن انتشار 1200 جندي أميركي في سورية لا يعني «جزمات على الأرض»، وهي العبارة التي يستخدمها الاميركيون للاشارة الى قيام حكومتهم بنشر قوات برية.

كما أصرّ سبايسر على أن من تم نشرهم في سورية ليسوا جنودا، بل مستشارين عسكريين، وهو ما دفع أحد المراقبين الى التعليق متهكماً بالقول ان «الولايات المتحدة ترسل مستشاريها العسكريين الى سورية، وترسل مع المستشارين مدافعهم الهاوتزر».

وتشير التقارير المتواترة من شمال شرق سورية إلى أن واشنطن تتوقع إطباق الخناق على مدينة الرقة وبدء فرض حصار عليها في غضون الاسبوع الجاري.

وتستند أميركا، في الحصار الذي تهندسه على الرقة، الى «قوات سورية الديموقراطية» (قسد)، وهي ميليشيا مقاتلة غالبيتها من الأكراد ممن تعتقد أنقرة انهم مرتبطون بـ«حزب العمال الكردستاني»، الذي تصنفه تركيا إرهابياً.

ومنذ تولي ترامب الرئاسة، عكف مستشاره للأمن القومي مايكل فلين، قبل أن يتم اجباره على الاستقالة، على محاولة إقناع ترامب وفريقه بوجهة النظر التركية، لناحية حاجة واشنطن إلى تسليم الداعية التركي المعارض المقيم في ولاية بنسلفانيا فتح الله غولن الى السلطات التركية. كذلك، حاول فلين إقناع إدارة ترامب بالتخلي عن التحالف مع «قسد»، والاعتماد على الجيش التركي وحلفائه من المعارضين السوريين لاستعادة الرقة.

ولاحقاً، تبيّن أن فلين كان يتلقى أموالاً ليلعب دور «لوبي» لمصلحة أنقرة، بعدما أُجبر على الرحيل بسبب «كذبه» على نائب الرئيس مايك بنس ونفيه، زوراً، الاتصال بسفير روسيا في واشنطن.

ويبدو أن الضباط الاميركيين هم الذين يعارضون التخلي عن «قسد»، ويعتبرون أن ذلك سيكون مثل تخلي واشنطن في العام 2012 عن حلفائها «قوات الصحوات»، وهي الميليشيا التي شكلها أبناء عشائر غرب العراق، ولعبت دوراً محورياً في طرد تنظيم «القاعدة» من العراق.

هكذا، في وقت أصبحت الرقة في مرمى نيران قوات «المارينز» الاميركية، مازالت خطة ترامب الحربية لاستعادة المحافظة السورية من سيطرة «داعش» غير واضحة. ومازالت إدارة ترامب تحاول زيادة عديد قواتها في سورية بعيداً عن الاضواء، بالاستناد الى «قانون استخدام القوة العسكرية» الذي صادق عليه الكونغرس على اثر هجمات 11 سبتمبر 2001 لمحاربة الارهاب.

لكن الرأي العام الاميركي صار يتذمر من ان الادارات الاميركية المتعاقبة تستند الى هذا القانون لشن هجمات عسكرية، او حتى نشر قوات أميركية برية، في دول عدة منها العراق وسورية واليمن وليبيا والصومال.

ويعتقد الاميركيون، خصوصاً «الحزب الديموقراطي» المعارض، أن على الادارة اللجوء الى الكونغرس لنيل موافقته قبل البدء بشن أي حرب في دول جديدة، مثل سورية، ولكنها خطوة لا يبدو أن ترامب، ولا الغالبية الجمهورية في «الحزب الجمهوري»، ينوون القيام بها، لأنها تجذب انتباه الاميركيين نحو حروب تسعى الادارات الاميركية المتعاقبة الى ابقاء الاخبار عنها خارج دائرة الضوء.

العنزي سيباشر إجراءاته القانونية لدحض التهم الأميركية

| الكويت، واشنطن - «الراي» |

أكدت مصادر وثيقة الصلة بالكويتي محمد هادي العنزي الذي أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على قائمة الإرهاب متهمة اياه بالارتباط بتنظيم القاعدة وجبهة النصرة انه «سيباشر باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لدحض التهم الموجهة إليه من قبل واشنطن قضائياً».

وبيّنت المصادر في تصريح لـ «الراي» ان «العنزي أبدى اندهاشه واستغرابه من الاتهامات الأميركية التي نفاها جملة وتفصيلاً»، مشددة على انها «لا أساس لها من الصحة».

وكانت الخزانة الأميركية قد أدرجت عبدالله الشقيق الأكبر لمحمد على قائمة الإرهاب في مايو الماضي، حيث أكد عبدالله حينها في تصريح لـ «الراي» ان «لا علاقة له بأي جماعة إرهابية».

وورد في بيان الخزانة الاميركية ان من ألقاب العنزي «الكويتي» و«أبو حذيفة» و«أبو حديث». ووضع اسمه على لائحة الافراد لمكافحة الارهاب يعني حظر أي تعامل مالي معه، وتحميل مسؤولية من يتعامل معه مالياً امكانية ملاحقته من قبل السلطات المالية الأميركية. كذلك، تقوم السلطات الأميركية بابلاغ الدولة الحليفة بضرورة اعتقاله في حال دخوله اراضيها.

وكانت ادارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تكتفي بالطلب من السلطات المحلية فرض حظر سفر على من تتم وضعهم على لائحة الارهاب، في وقت يعتقد بعض المتابعين ان ادارة ترامب قد تطلب «استردادهم» من حكوماتهم لاعتقالهم في غوانتانامو.

وفي هذا الإطار، قال نائب وزير الخارجية خالد الجارالله إن «التنسيق في هذا الشأن مستمر مع الولايات المتحدة وبالتالي لن ولم يتوقف»، مضيفاً «أياً كانت جنسية المشتبه به في دعم وتمويل الإرهاب، فإنها تأتي ضمن تواصلنا مع أميركا وغيرها من الدول».

ويبدو ان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصمم على اعادة احياء معتقل غوانتانامو العسكري، الذي عمل سلفه باراك أوباما في الأيام الاخيرة المتبقية من حكمه على اغلاقه. ومنذ تسلمه الحكم في العام 2009 وحتى خروجه في 2017، أفرج أوباما عن 204 من السجناء، وبقي 41 منهم معتقلين.

وسبق لترامب ان وعد بارسال كل من تعتقلهم القوات الأميركية في حربها ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) الى معتقل غوانتانامو.

وفي واحدة من تغريداته، كتب ترامب: «122 سجينا شريرا تم اطلاق سراحهم من قبل ادارة أوباما من معتقل غوانتانامو… عادوا إلى ساحة المعركة… قرار آخر من القرارات الرهيبة». الا ان الاعلاميين التقطوا الخطأ الواضح في تغريدة ترامب، فعدد من أفرج عنهم أوباما غير ذلك، ثمانية منهم فقط عادوا للانضمام الى التنظيمات الارهابية للقتال في صفوفها، ما يمثل نسبة اربعة في المئة من المفرج عنهم، وهي نسبة متدنية، مقارنة بنسبة من عادوا للقتال مع الارهابيين ممن افرج عنهم الرئيس الاسبق جورج بوش الابن، والذين بلغ عددهم 532، قام 113 منهم، أي ما نسبته 21 في المئة، بالعودة إلى ساحات المعارك.

وفي وقت لاحق، برر الناطق باسم البيت الابيض شون سبايسر الخطأ بالقول ان ترامب كان يقصد اجمالي المفرج عنهم ممن عادوا إلى التنظيمات الارهابية، لا في زمن أوباما وحده.

وسبق للقوات الاميركية ان اعتقلت الكويتي محمد هادي العنزي في افغانستان، وسلمته للسلطات الافغانية مع غيره من العرب، فقام الافغان بانتزاع اعترافات من هؤلاء تحت وطأة التعذيب، وتم نقلهم - وبينهم 12 كويتياً - إلى معتقل غوانتانامو.

والعنزي من مواليد 26 مايو 1986، حسب بيان وزارة الخزانة، وهو كان يبلغ من العمر 15 عاما فقط اثناء اعتقال القوات الأميركية له ولعرب افغانستان، فتم ترحيله إلى الكويت لأنه كان ما يزال قاصراً، وهو كان سافر إلى افغانستان برفقة والده عبدالرحمن للمشاركة في عمليات اغاثة، حسب قوله، على اثر اندلاع الحرب الأميركية هناك. وتوفي والد العنزي متأثراً بجراحه اثناء عمليات «التحالف الدولي» في افغانستان.

الأربعاء، 15 مارس، 2017

أميركا: جدل بين ترامب ومجلس الاحتياط

واشنطن - حسين عبد الحسين

بات من شبه المؤكد أن يرفع مجلس الاحتياط الفيديرالي أسعار الفائدة هذا الشهر، خصوصاً بعد تقرير وزارة العمل الذي أظهر زيادة الاقتصاد الأميركي ٢٣٥ ألف وظيفة جديدة الشهر الماضي، وبعد تراجع نسبة البطالة إلى 4.7 في المئة، التي يعتبرها المجلس بمثابة «سوق عمل مكتملة»، وبعدما أظهر تقرير وزارة العمل أن نسبة الأجور ارتفعت 0.9 في المئة الشهر الماضي، و2.9 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

ويؤكد قادة مجلس الاحتياط أن التضخم اقترب من ٢ في المئة، وسوق العمل في ذروتها إلى حد يدفع أرباب العمل إلى رفع أجور موظفيهم بسبب النقص في اليد العاملة، كما أن الخطوة الطبيعية تقضي برفع الفائدة تدريجياً، ولكن في شكل لا يؤدي إلى كبح نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي تشير التوقعات إلى أنه قد يتجاوز ٣ في المئة خلال الربع الحالي.

ولكن الرفع المرتقب لأسعار الفائدة أثار جدلاً بين قيادات المجلس من جهة، وإدارة الرئيس دونالد ترامب من جهة ثانية، فترامب يعتبر أن الرئيس السابق باراك أوباما عيّن رئيسة المجلس جانيت يلين، وأن كل من عيّنهم أوباما يسعون إلى إفشال رئاسته. وردّد ترامب علناً أنه يفضل إبقاء الفائدة منخفضة كجزء من خطته لإحداث نهضة اقتصادية ودفع النمو إلى أكثر من ٤ في المئة سنوياً.

وكان ترامب أعلن سابقاً أن «الكثير من أصدقائي يسعون إلى الاستدانة لتمويل أعمالهم، لكن رفع المجلس الفائدة يحبط خططهم، ويعيق الاستثمارات والنمو». ويعد ترامب بإقرار سلسلة من السياسات التي يعتقد أن من شأنها دفع النمو إلى نحو ٤ في المئة، منها خفض الضرائب على الشركات، والتي تصل إلى ٣٥ في المئة في بعض الحالات، إلى ٢٠ في المئة، وخفض ضرائب الحكومة الفيديرالية على دخل كبار المتمولين من ٣٩ إلى ٢٠ في المئة، بالتزامن مع رفع أدنى معدل ضريبة دخل مفروضة على أصحاب المداخيل المتدنية، من ١٠ إلى ١٢ في المئة، بهدف سد العجز الذي سيُحدثه خفض الضرائب على كبار الشركات والمتمولين.

ويعتقد ترامب بأن مزيجاً من خفض الضرائب وإبقاء الفائدة منخفضة يؤدي إلى رفع النمو، واعتقاده هذا أدى حتى الآن إلى تفاؤل غير مسبوق في الأسواق المالية وبين المستثمرين، فارتفعت مؤشرات النمو في معظم القطاعات المالية والاقتصادية الأميركية، بانتظار وفاء ترامب بوعوده. ولكن مجلس الاحتياط لا يعتقد أن من الضرورة استمرار مشاركته في التيسير المالي، بل ترى يلين أن مزيداً من الحوافز سيرفع التضخم إلى نسب تؤذي النمو، وتساهم في خلق فقاعة يؤدي انفجارها إلى ركود أسوأ من الركود الدوري المتوقع حدوثه في السنوات القليلة المقبلة.

ولكن التضخم أو احتمال حدوث فقاعة، احتمالان لا يبدو أنهما يقلقان ترامب ولا فريقه الاقتصادي، بل جلّ ما يسعى إليه ينحصر في التركيز على ضرورة رفع نسب النمو، وهو يعتقد أن ارتفاع النمو خطوة ضرورية لرفع واردات الحكومة الفيديرالية تعويضاً عن كل الخفوضات الضريبية التي سيقدمها.

ولكن على أرض الواقع السياسي، تبدو محاولات ترامب خفض الضرائب بالشكل الذي وعد به متعثرة أمام معارضة غالبية المشرعين الجمهوريين، الذين يشكلون غالبية في الكونغرس، إذ يقلق هؤلاء من احتمال أن يؤدي خفض الضرائب الذي يقترحه ترامب إلى ارتفاع غير مسبوق في العجز السنوي في الموازنة الفيديرالية، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع كبير في الدَّين العام، الذي يبلغ نحو ٢٠ تريليون دولار.

ويعتقد المشرعون الأميركيون أن أي «إصلاح ضريبي» متعذر قبل إنجاز قانون جديد للرعاية الصحية يستبدل قانون أوباما، الذي يعتبر الجمهوريون أنه «يقتل الوظائف» ويعيق النمو. ولكن الجمهوريين منقسمون حول طريقة استبدال قانون أوباما في شكل ينذر بأن قانونهم الجديد سيؤدي إلى تعديلات طفيفة على القديم، أو سيغرق في الانقسامات السياسية داخل الحزب الجمهوري ويتعثر، مع ما يعني ذلك من تأخير لأي تغيرات ضريبية.

وفي حال تعثرت «إصلاحات» ترامب الضريبية، قد يجد المستثمرون وأسواق المال أن رهاناتهم على وعود ترامب لن تتحقق، ما قد يفرض تراجعهم عن خطواتهم التي دفعت الأسواق الأميركية إلى معدلات مرتفعة جداً. وفي هذه الحالة، قد تؤدي إعادة تموضع المستثمرين إلى ركود حتمي، ما يعطل مشروع ترامب بأكمله. ويفترض أن يكون مجلس الاحتياط قد رفع الفائدة قبل ذلك حتى يتسنى له خفضها كإحدى أدوات مكافحة أي ركود مستقبلي.

وقد تُفضي المواجهة بين ترامب ويلين حول رفع الفوائد إلى حرب سياسية بينهما، وقد يستخدم ترامب يلين ككبش فداء في حال تعثرت خططه الاقتصادية ويتهمها بالوقوف خلف العرقلة. ولكنه قد لا ينتظر كثيراً قبل التخلص من رئيسة المجلس، التي تنتهي ولايتها في شباط (فبراير) المقبل.

الثلاثاء، 14 مارس، 2017

واشنطن مستعدة لتلبية «كل الاحتياجات العسكرية» للرياض

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أمس، ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، وأولم على شرفه في «غرفة العائلة القديمة».

وفي حين فرضت عاصفة ثلجية إغلاقاً شبه تام على العاصمة الأميركية ومعظم الشمال الشرقي للبلاد، منح ترامب، في لفتة بارزة، الأمير محمد بن سلمان ساعتين ونصف الساعة.

وقال مطلعون على اللقاء ان المحادثات تركزت بشكل رئيسي على العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصاً لجهة استعداد واشنطن لتلبية «كل الاحتياجات العسكرية» للرياض.

وشملت المحادثات أوضاع المنطقة، لاسيما النزاع في اليمن والدعم الأميركي للسعودية التي تقود التحالف العربي الداعم للشرعية،لاسيما في ما يتعلق باعتراض أي شحنات أسلحة إيرانية للحوثيين.

ووفقاً لما رشح من لقاء وزيري خارجيتي البلدين الأميركي ريكس تيلرسون والسعودي عادل الجبير الذي عقد مساء أول من أمس، فإن المحادثات شملت مساهمة الولايات المتحدة في تطبيق «رؤية 2030» التي أعلنتها المملكة قبل أشهر، وتتضمن تخصيص قطاعات حكومية سعودية، منها حصة من شركة النفط «أرامكو»، وترشيد القطاع العام وتعزيز الحوكمة.

وأكدت مصادر مطلعة وجود تقارب في وجهات النظر الأميركية والسعودية حيال الموقف من إيران، وضرورة التصدي لتوسعها في منطقة الشرق الأوسط، ومواجهة نفوذ الميليشيات الموالية لها في سورية ولبنان ودول المنطقة.

يشار إلى أن لقاء ترامب مع الأمير محمد بن سلمان، هو ثاني اجتماع له مع مسؤول عربي، بعد القمة التي جمعته مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، فيما يتوقع أن يعقد الرئيس الأميركي قمة مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي الذي يزور واشنطن في وقت لاحق من الشهر الجاري.

الاثنين، 13 مارس، 2017

المارينز في سوريا

حسين عبدالحسين

عززت واشنطن وجود 600 عنصر من قواتها الخاصة، المتمركزين في "قاعدة توماس" القريبة من عين العرب - كوباني شمال شرق سوريا، بـ400 عنصر من المارينز المسلّحين بمدافع هاوتزر "ام 700" عيار 155 ميللمتر، القادرة على ضرب أهداف على بعد 40 كيلومتراً. وأقام المارينز قاعدة على مقربة من مدينة الرقة، العاصمة المزعومة لتنظيم "الدولة الاسلامية". وإلى "القوات الخاصة" والمارينز، قامت "القيادة الوسطى" للجيش الأميركي، المكلفة إدارة العمليات العسكرية في الشرق الاوسط وإيران، من دون تركيا وشمال إفريقيا، بنشر 200 عنصر من "الفرقة 75" في الجيش الأميركي في مدينة منبج، في تطور لافت يعكس خروج أميركا عن سياستها الحديدية القاضية بعدم التوغل داخل الاراضي السورية غرب نهر الفرات. وتبعد منبج قرابة 30 كيلومتراً غرب الفرات.

وفضلا عن تعزيزاتها في سوريا، أرسلت واشنطن ألف جندي إلى الكويت "لإعطاء خيارات" لقادتها الميدانيين المقاتلين في سوريا والعراق. ويبلغ عدد "المستشارين" الأميركيين العسكريين في العراق حوالي 5500. 

التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الاوسط تجري غالباً بعيداً عن أنظار الأميركيين. وحدهم الخبراء هم من يتابعون عملية تعزيز القوات الأميركية في سوريا والعراق. وفي هذا السياق، كتب أحد الخبراء الأميركيين أن "جنودنا صاروا في سوريا، ولكن لا أحد منا يعرف ما هدف إرسالهم إلى هناك أو سبب وجودهم".

وعندما سأل إعلاميون الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر عن مهمة الجنود الأميركيين في سوريا، أجاب المسؤول بالقول إنهم ينتشرون بصفة "مستشارين"، وهو ما دفع الكاتب اليكس ليمونز، من موقع "ذي انترسبت"، إلى التهكم على إجابة سبايسر بالقول إن "المستشارين الأميركيين ذهبوا إلى سوريا وأخذوا معهم مدافعهم".

المشاركة الأميركية في سوريا تحصل بصمت، في وقت تتمسك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما إدارة أوباما من قبلها، بأن لا حاجة للتوجه إلى الكونغرس لتحصيل مصادقته على تمويل حرب جديدة في سوريا. ومثل أوباما، يختبىء ترامب خلف قانون "الحرب ضد الارهاب" الصادر في العام 2001، قبل عشر سنوات من ظهور "داعش"، لتبرير الحرب على التنظيم المذكور.

لم تعد مهمة الجنود الأميركيين في العراق وسوريا "التدريب والمساعدة وإسداء النصح"، حسبما أعلنت إدارة الرئيس السابق إدارة أوباما يوم أرسلت دفعة تلو الاخرى الى العراق، ثم القوات الخاصة الى سوريا. وتحت ضغط الجنرالات الاميركيين، تراجع أوباما عن اصراره على تقييد وجود "المستشارين" الأميركيين بالقواعد العسكرية في العراق، لينخرطوا في الصفوف الخلفية للقتال ضد "داعش"، وليساهموا في تزويد مقاتلات "التحالف الدولي" بأهداف "داعش" لقصفها.

مع إدارة ترامب، الذي أقسم مراراً، وكذباً، على أنه كان من معارضي حرب العراق، يبدو أن دور المستشارين تطور أكثر، فأصبحوا قادة ميدانيين في "قاعدة توماس"، وفوج مدفعية قرب الرقة، وفوج مؤلل في منبج. في أقل من سنة، أقامت واشنطن بهدوء ثلاث قواعد شمال سوريا، فيما أمضت موسكو خمس سنوات وهي تعلن أنها تنوي إقامة قواعد في طرطوس وحميميم، وربما تدمر.

أعداد المارينز في سوريا سترتفع، وقد تصل إلى خمسة آلاف، خصوصاً إذا تعثرت معركة تحرير الرقة، التي يتوقع أن يبدأ حصارها هذا الأسبوع. 

للعرب والسوريين ممن يستبشرون خيراً كلّما سمعوا أنباء تفيد عن انتشار عسكري أميركي في سوريا: لن تشتبك القوات الأميركية مع قوات الرئيس السوري بشار الأسد والميليشيات المتحالفة معه والموالية لإيران، على الرغم من صراخ المسؤولين الاميركيين المتواصل حول ضرورة القضاء على "المليشيات الإرهابية" التي ترعاها ايران.

أميركا في سوريا لطرد "داعش" وتسليم الأكراد العاملين بإمرتها الأراضي التي تستعيدها من التنظيم. ستتحول الاراضي السورية شرق الفرات إلى حكم كردي يمثل الحصة الأميركية في سوريا، التي تم تقاسم النفوذ فيها بين أميركا وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل. أما الأسد، فسيواصل إعطاء المقابلات التي يعلن فيها أن "الجيش العربي السوري" سيستعيد السيادة على كل الأراضي السورية، أو على الأقل "سيحتفظ" الجيش السوري بهذا "الحق"، تماماً كما احتفظ بحق تحرير الجولان الذي تحتله اسرائيل منذ 34 عاماً.

«الضريبة المعدلة حدودياً» تثير إنقساماً داخل الحزب الجمهوري الأميركي

واشنطن - حسين عبد الحسين

العجز التجاري الأميركي المزمن البالغ 502 بليون دولار العام الماضي، يُقلِق عدداً لا بأس به من الأميركيين، خصوصاً بين مؤيدي الحزب الجمهوري من محافظين وليبرياليين، ممّن يعتبرون أن استمرار العجز هو مؤشر إلى تدهور الوضع المالي الأميركي، ويؤدي الى ارتفاع العجز السنوي في الموازنة الفيديرالية، وتالياً إلى تفاقم الدَين العام الذي تخطى عتبة 19 تريليون دولار مع نهاية العام.

ويعتقد الجمهوريون أيضاً أن العجز التجاري يشير إلى تقاعس أميركي عن التصدير وإمعان في الاستيراد، مع ما يعني ذلك من تفاقم للبطالة الأميركية، وزيادة في الاستهلاك تخطت قدرة الأميركيين. إذ تشير الأرقام إلى أن دَين الأميركيين الخاص بلغ 12.58 تريليون دولار نهاية العام الماضي، مقترباً من الرقم القياسي الذي حققه في الفصل الثالث من عام 2008، بالغاً 12.68 تريليون، قبل أن ينخفض ليصل الى ما دون 10 تريليونات مع اندلاع «الركود الكبير» في خريف ذلك العام، ثم يعاود الارتفاع.

وعلى رغم اجماعهم على مساوئ الدَين العام والخاص، ينقسم قادة الحزب الجمهوري الحاكم ومؤيدوه حول كيفية التعامل مع هذه الأزمة. إذ يدعو الفريق الأول، وهو الأقرب الى الجناح التقليدي، إلى تكرار الأسلوب ذاته الذي اعتمده الرئيسان الجمهوريان الراحل رونالد ريغان والسابق جورج بوش الإبن، لناحية خفض الضرائب ما ينشط الاقتصاد، ويسمح نمو الناتج المحلي بزيادة عائدات الحكومة والأميركيين، فتنقلب المديونية العامة والخاصة إلى فوائض. كما يعتقد هذا الفريق أن التضخم مع مرور الوقت، كفيل بتقليص القيمة الفعلية للدَين العام الأميركي.

الفريق الثاني، يقدم نظرية جديدة أطلق عليها اسم «الضريبة المعدلة حدودياً»، وهي وفقاً لمهندسها الاقتصادي آلن أورباخ، «ضريبة مبنية على الوجهة النهائية» للبضائع. وفي مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» كتب بروفسور الاقتصاد في جامعة «كاليفورنيا بيركلي»، أروباخ، «احتساب الضريبة على أساس العائدات في الولايات المتحدة، تخصم منها المدفوعات التي تتضمن مصاريف ومرتبات ومشتريات» الشركات داخل البلاد. بكلام آخر، يسعى أورباخ الى استبدال الضريبة الحالية التي يدفعها الأميركيون على الانتاج بضريبة على الاستهلاك، فاذا كان الاستهلاك خارج الولايات المتحدة، لا تجبي الحكومة الفيديرالية أي ضرائب من الشركات المصدرة لبضائعها.

واعتبر المشككون من الحزبين أن هذه الضريبة هي مثابة فرض رسوم جمركية حمائية ضد الواردات، ودعم ضمني للصادرات. ويعتبر اورباخ ان نظريته تؤدي الى ربط المصالح التجارية للشركات الأميركية مع مسؤولياتها الوطنية القومية، فلا تلجأ هذه الشركات الى نقل مقرّاتها الى دول ذات ضرائب منخفضة للتهرب من الضريبة الأميركية. وتصب فكرة المسؤولية القومية في البرنامج الاقتصادي الذي يشرف عليه ستيفن بانون، «مستشار الشؤون الاستراتيجية» للرئيس دونالد ترامب. ولطالما كرر بانون أن الإدارة الحالية تنوي تحويل الاقتصاد الأميركي من وسط عاصفة العولمة الى «اقتصاد قومي».

وإلى ترامب، الذي أعلن ميله الى تبني مبدأ «الضريبة المعدلة حدودياً»، أعلن كذلك رئيس الكونغرس الجمهوري بول ريان دعمه لإقرار الخطة على شكل قانون. لكن على رغم تبني رئيس أميركا ورئيس الكونغرس الخطة، لا تزال تعاني من معارضة عدد كبير من القياديين لها، بمن فيهم وزراء في حكومة ترامب.

وفي وقت يشير مؤيدو الخطة الى أنها تحوّل العجز التجاري الأميركي فائضاً، على غرار المانيا التي حققت فائضاً سنوياً قياسياً بلغ 270 بليون دولار العام الماضي، وأن من شأنها أن تترافق مع خفض الضريبة على الشركات من 35 في المئة حالياً إلى 20 في المئة، ما ينشّط الاستثمار وتالياً النمو، يقول المعارضون أن خفض الضريبة سيزيد العجز الفيديرالي، وتالياً الدَين العام. فيجيب المؤيدون ووفقاً لحساباتهم أن الخطة «ستعود على الخزينة الفيديرالية بـ1.1 تريليون دولار على مدى العقد المقبل.

وفي وقت يعتبر المعارضون أن «الضريبة المعدلة حدودياً» ستؤدي الى ارتفاع في الأسعار، ما يكبد المستهلك الأميركي خسائر كبيرة، وفيما تتمتع الشركات بالخفوضات الضريبية، يعتبر المؤيدون أن نتيجة ارتفاع متوقع في قيمة الدولار يبلغ 20 في المئة مقابل العملات العالمية في حال إقرار الخطة، ستعوض القوة الشرائية للمستهلك عن الارتفاع في أسعار البضائع المستوردة، ويمكن أن تشجع الشركات الأميركية على العودة الى الصناعة محلياً، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.

ختاماً، يحذّر المشككون من مغبة أن تشعل الضريبة المذكورة حرباً تجارية مع شركاء أميركا حول العالم، وأن تفضي الى ردود فعل مشابهة تغلق الأبواب أمام الصادرات الأميركية. ويعتبرون أن ارتفاع قيمة الدولار يؤذي الصادرات كذلك، ويشيرون إلى احتمال لجوء بعض الدول إلى الشكوى أمام «منظمة التجارة العالمية» بتهمة الحماية الجمركية التي تفرضها حكومة الولايات المتحدة، ما دفع المؤيدين إلى الرد على أن «الضريبة المعدلة حدودياً» تشبه الى حد كبير «الضريبة على القيمة المضافة»، التي يتبناها اكثر من 160 دولة في العالم، بما فيها الدول الأعضاء في «منظمة تعاون الاقتصادات المتطورة». وان الضريبة المذكورة تستبدل ضريبة المبيعات بضريبة على المشتريات.

في حال إقرارها، لا شك في أن «الضريبة المعدلة حدودياً» ستكون بمثابة تجربة فريدة من نوعها، ذات نتائج لا تزال في خانة التكهنات. على أن أي نجاح قد تحققه الخطة قد تحولها الى حجر أساس في تشييد نظام عالمي جديد قائم على أسس اقتصادية بديلة من التي عرفها العـالم، وطوّرهــا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية منتصف القرن الماضي.

انقسام في صفوف الجمهوريين حيال «إطاحة» ترامب

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

أن يشنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجوماً عنيفاً ضد سلفه باراك أوباما بتهمة التنصت على «برج ترامب» أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، وأن يلتزم الصمت بعد نشر موقع «ويكيليكس» آلاف الوثائق السرية التابعة لـ «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي)، هو تصرف يثير ريبة غالبية الاميركيين لناحية انحياز ترامب المتواصل لمصلحة روسيا - عدوة اميركا التقليدية - على حساب وطنه أميركا.

تورط ترامب ومساعديه مع موسكو تحوّل قضية ترتبط بالأمن القومي للولايات المتحدة، إذ لا يهم الحريصون على البلاد من أعضاء الكونغرس وقيادات وكالات الاستخبارات كيف هزم ترامب الجمهوري منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون، بل ما يهم هؤلاء هو ما الذي وعد ترامب به الروس كجزء من انخراط الطرفين في عملية اختراق البريد الالكتروني للحزب الديموقراطي ولمسؤولي حملة كلينتون الانتخابية.

ترامب، الذي أصر في بادئ الأمر أن لا هو ولا أي أحد من العاملين في ادارته، وقبل ذلك في حملته الانتخابية، تواصل مع أي مسؤولين روس، وجد نفسه يتقهقر مع تواتر الدلائل التي تدحض ذلك. الأنباء الاولى اجبرت ترامب على إقالة مستشاره للأمن القومي مايكل فلين بسبب مخابراته مع السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك. التقارير التالية أظهرت ان وزير العدل جف سيشنز كان يكذب عندما قال في جلسة الاستماع التي كانت مخصصة للمصادقة على تعيينه انه لم يلتق اي مسؤولين روس، ليتبين في ما بعد انه - اثناء عمله كقيادي في حملة ترامب -التقى كيسلياك مرتين.

بعد سيشنز، تبين ان صهر ترامب جارد كوشنير التقى السفير الروسي ايضا، وان جاي غوردن، الذي كان مسؤولا في الحملة الانتخابية، مارس ضغوطا على الحزب الجمهوري لاستبدال فقرة «تسليح الاوكرانيين ضد روسيا»، التي وردت في البيان الانتخابي للحزب الجمهوري، بعبارة «مساعدة الاوكرانيين ضد روسيا». وتبين أن التغيير طالب به قسطنطين كيليمنيك، وهو ضابط في الاستخبارات الروسية، زار نيويورك في يوليوالماضي والتقى بول مانوفورت، رئيس حملة ترامب السابق، الذي اظهرت البيانات التي صادرها الناشطون الاوكرانيون في قصر رئيسهم المخلوع فيكتور يانيكوفيتش، انه (مانوفورت) تقاضى ما مجموعه 12.7 مليون دولار من يانيكوفيتش، صديق وحليف رئيس روسيا فلاديمير بوتين.

ويبدو أن تداعي رواية ترامب عن عدم لقائه او مساعديه مع مسؤولين روس اجبره على محاولة تشتيت الانتباه، فتلقف تقريرا اخباريا نشره موقع «برايتبارت»، الفاقد للمصداقية عموما والذي يشغل رئيسه ستيفن بانون موقع مستشار ترامب للشؤون الاستراتيجية. وجاء في التقرير ان أوباما أمر بالتجسس على المرشح ترامب، فدبّج ترامب ذلك في تغريدة بثّها عبر موقع «تويتر»، وهو اتهام بمثابة إخبار يجبر المحاكم الاميركية على التحري عن صحته لمقاضاة الرئيس السابق في حال ثبت تورطه، أو محاسبة الرئيس الحالي على بثه قدح وذم بحق سلفه.

على ان القدح والذم ليسا مشكلة ترامب، بل ان مشكلته تكمن في ان تغريدته ستجبر اجهزة الشرطة والقضاء الاميركي على التحري عن موضوع «تجسس» أوباما عليه، وهو ما يفتح الباب للانخراط في تحقيق حول اسباب التجسس المزعوم، أي تورط ترامب مع الروس في اختراق حسابات بريد الكتروني اميركية، وهي بمثابة تعامل ترامب مع قوة اجنبية للتدخل في العملية الديموقراطية الاميركية.

هكذا، راح اعضاء الكونغرس من الحزبين يتوافدون على مقر الـ «سي آي اي» في ضاحية لانغلي بولاية فيرجينيا، غرب العاصمة الاميركية. وفتحت الوكالة «مواد استخباراتية أولية»، لاطلاع المشرعين، أي انهم اطلعوا على تسجيلات تنصت وتقارير عملاء من دون أي تحليلات او توصيات من خبراء الوكالة.

على ان المشكلة تكمن في ان رئيسي لجنتي الاستخبارات في الكونغرس بغرفتيه، ريتشارد بير في الشيوخ وآدم شافتز في النواب، هما من المقربين من ترامب وسبق ان شاركا في العمل في حملته الرئاسية، ما ينذر بانحيازهما لمصلحة الرئيس ومحاولتهما التعتيم على اي نتائج قد لا تأتي في مصلحته، وهو ما حمل مشرعي الحزب الديموقراطي المعارض على المطالبة بلجنة من الحزبين، على غرار لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر 2001، او تعيين محقق غير حزبي مستقل لكشف المستور.

يذكر ان عاملا سابقا في الاستخبارات البريطانية «ام آي 6» كان اول من كشف، في تحقيق مولّه معارضون لترامب الصيف الماضي، ان ترامب اتفق مع الروس على مساعدتهم له في الحملة الانتخابية، مقابل تغاضيه عن احتلال روسيا شبه جزيرة القرم الاوكرانية، وهو ما لاحت بوادره في قيام مساعدي ترامب بتعديل البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري.

يرافق تراجع ترامب عن القرم قيام وزير خارجيته ريكس تيلرسون بحملة تطهير داخل وزارته طالت ديبلوماسيين محترفين غير حزبيين، بعضهم يعمل في الوزارة منذ اكثر من 40 عاما. كما وعد ترامب وتيلرسون على تخفيض موازنة الوزارة السنوية بواقع 37 في المئة. وقيام ترامب بتحطيم وزارة الخارجية الاميركية تراه غالبية الخبراء الاميركيين بمثابة خدمة لبوتين، الذي يبدو انه يكره الوزارة منذ وصفت الوزيرة السابقة كلينتون انتخابات روسيا في العام 2011 انها «لا حرة ولا عادلة».

لم يسبق ان وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف «خيانة» يقوم بها رئيسها لمصلحة اعدائها. الجمهوريون، الاكثر حنقا على روسيا عادة، ينقسمون بين مترددين في الحاق الاذى برئيس من حزبهم مع ما يعني ذلك من ضرر على حزبهم ومستقبله السياسي في المستقبل المنظور، وبين راغبين في طرد ترامب ووقفه قبل امعانه في الحاق الاذى بالولايات المتحدة لمصلحة روسيا. اما الديموقراطيون، فيجمعون على ضرورة طرد ترامب مهما كان الثمن.

وزير خارجية لبنان في واشنطن للدفاع عن... طهران!

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

طهران تأمل في ايصال رسالة مفادها بأنها والأسد الحليف الأقوى لإلحاق الهزيمة بالإرهاب في المنطقةتشتبك إيران وإسرائيل في مواجهة ديبلوماسية غير مباشرة تستخدم فيها كل منهما كل ما أوتيت من قوة للتغلب على الأخرى. نقطة الاشتباك الرئيسية هي مشاركة ميليشيات موالية لايران، في طليعتها «حزب الله» اللبناني، في الحرب السورية. اسرائيل تتهم هذه الميليشيات بالارهاب، وترغب في ادراجها في خانة المجموعات الارهابية التي يشن العالم حربا ضدها في سورية والعراق وحول العالم. ايران، بدورها، تصرّ على ان القضاء على الارهاب متعذر من دون ميليشياتها في سورية والعراق، وان على العالم الاصطفاف خلف ايران في هذه الحرب ضد الارهابيين.

لهذا السبب، طار رئيس حكومة اسرائيل الى موسكو لاقناع الرئيس الروسي بضرورة التخلي عن ايران، والاكتفاء بدعم الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، مع الابقاء على القواعد الروسية في سورية والمحافظة على مصالح موسكو الاستراتيجية في المنطقة. يقول ديبلوماسيون خرجوا للتو من وزارة الخارجية الاميركية ان «رؤيتي نتنياهو وادارة الرئيس (دونالد) ترامب تتطابق حول الحرب على الارهاب، التي يجب ان تتضمن مواجهة تنظيمات القاعدة وداعش والاخوان المسلمين، وكذلك حزب الله في لبنان وسورية ومجموعات اخرى موالية لايران في العراق».

ويكرر اصدقاء اسرائيل في واشنطن، في اطلالاتهم الاعلامية وعبر مقالاتهم في الصحف الاميركية، ان سياسة الولايات المتحدة يجب ان تتمحور حول الضغط على ايران في موضوع دعمها للارهاب، على أمل ان يدفع ذلك الايرانيين الى التصعيد في ملفات اخرى، وربما محاولة اختراق بنود الاتفاقية النووية، وهو ما من شأنه نسف الاتفاقية واعادة العقوبات الدولية تلقائيا - اي حتى من دون الحاجة الى مجلس الأمن - على طهران.

لكن ايران لا يبدو انها تواجه التصعيد الاسرائيلي في ملف الارهاب بتصعيد مضاد في ملفها النووي، فرئيس وكالة الطاقة الذرية الدولية يوكيا امانو، الذي زار واشنطن الاسبوع الماضي، أبلغ وزير الخارجية ريكس تيلرسون ان طهران «اكثر من متعاونة» في تنفيذها بنود الاتفاقية النووية الموقعة معها.

واذا كانت ايران متجاوبة في الملف النووي، فكيف تنوي مواجهة الديبلوماسية الاسرائيلية الناشطة في موسكو وواشنطن. الاجابة تأتي عن طريق الديبلوماسية الايرانية، التي لا تتطلب بالضرورة جولات يقوم بها وزير خارجيتها جواد ظريف شخصيا، اذ يعتقد الديبلوماسيون الاميركيون السابقون ان «لايران وزراء خارجية موالين لها في المنطقة ممن يلعبون هذا الدور».

يأتي في هذا السياق تصريح رئيس حكومة العراق ان بلاده ستطارد الارهاب حتى في الدول المجاورة. تصريح العبادي هذا جاء بعد تقارير عن غارة جوية نفّذتها مقاتلات عراقية ضد اهداف تابعة لـ «داعش»، شرق الفرات داخل سورية، قبل اسبوعين. وتعتقد المصادر الاميركية ان الرسالة من الغارة العراقية وتصريحات العبادي مفادها ان الجبهة الوحيدة القادرة على تحقيق انتصارات ضد «داعش» و«القاعدة» هي جبهة طهران - بغداد - بيروت، والتذكير انه من دون طهران وحلفائها، لا يمكن القضاء على الارهاب، وان انتشار الميليشيات الموالية لايران، في العراق كما في سورية، ضرورة حتمية لاقتلاع الارهاب.

واستكمالا للديبلوماسية الايرانية لدعم ميليشياتها في العراق وسورية، يصل وزير خارجية لبنان جبران باسيل العاصمة الاميركية قريباً، حيث من المتوقع ان يجري لقاءات بروتوكولية قد تتضمن لقاءه مع نظيره الاميركي تيلرسون، الذي يبدو انه أكثر الشخصيات الهامشية في ادارة ترامب حتى الآن.

لكن المصادر الاميركية تشير الى محاولات حثيثة تقوم بها الديبلوماسية اللبنانية في الولايات المتحدة، بمساندة من اللوبي الايراني، من أجل تدبير لقاء لباسيل مع نائب الرئيس مايك بنس، او على الأقل مع مستشارة بنس للأمن القومي اندريا تومسون. ويسعى الايرانيون الى تدبير اللقاء عن طريق الجنرال السابق ستانلي ماك كريستال، والذي يعرفه الايرانيون من حرب افغانستان. وبنس برز حتى الآن كحجر زاوية السياسة الخارجية لترامب، وهو الذي اقترح تعيين المقربة منه نيكي هايلي موفدة أميركا الى الأمم المتحدة. ويأمل من يسعون لتدبير لقاء باسيل مع بنس او تومسون، او حتى هايلي، الى ايصال الرسالة الايرانية القائلة ان الارهاب ينحصر بـ «القاعدة» و«داعش» و«النصرة»، وان الحليف الاقوى لالحاق الهزيمة بالارهاب في منطقة الشرق الاوسط هو ايران، والميليشيات الموالية لها، والأسد.

على خط مواز، تسعى طهران لتعطيل مساعي نتنياهو لاستبعادها من دائرة المحظيين في موسكو، وهي لذلك تسعى لمضاعفة كمية مشترياتها من السلاح الروسي، الذي كان آخره تسلمها منظومة الدفاع الصاروخية «اس 300»، وهي منظومة قديمة بعض الشيء، وسبق للمقاتلات الاسرائيلية ان تدربت مرارا على تجاوزها في تدريبات اجراها الاسرائيليون في اليونان.

Since December 2008