الأربعاء، 3 يوليو 2013

مسؤول في البنتاغون لنصرالله: يا أبوهادي ... أحب أنكم تحضّون اللبنانيين على دعم الجيش

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

قد يكون الود منقطعا بين «حزب الله» وواشنطن التي تعتبره منظمة إرهابية، ولكن ذلك لا يمنع من تلاقيهما على دعم الجيش اللبناني، ففي خضم القتال الذي اندلع بين الجيش ومجموعة الشيخ احمد الاسير في صيدا الاسبوع الماضي، كتب مسؤول ملف لبنان في مكتب وزير الدفاع الاميركي اندرو اكسوم تغريدة على «تويتر» جاء فيها: «احب كيف يحث (حزب الله) اللبنانيين على دعم الجيش»، وأضاف متوجها بسؤال إلى أمين عام الحزب حسن نصرالله بالقول: «إذاً نحن الآن نتفق ان على الدولة احتكار العنف يا أبوهادي؟»
اتفاق الولايات المتحدة و«حزب الله» على دعم الجيش اللبناني، وقائده جان قهوجي الآن وربما مستقبلا في ادوار اخرى، قد يأتي من باب المصادفة، ولكن الموقف الأميركي في لبنان يبدو غير متناسق والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط. صحيح ان السياسة الخارجية متخبطة عموما في عهد الرئيس باراك اوباما، الا ان المواقف الاميركية في لبنان تبدو وكأنها صادرة عن حكومة اميركية غير تلك التي تدير السياسة تجاه سورية مثلا.
معركة صيدا الاسبوع الماضي اظهرت التناقضات الاميركية، فحماسة واشنطن لتصفية مجموعة الاسير لم تكن مبررة، خصوصا ان لا الاسير ولا مجموعته على لائحة الارهاب الاميركية، وهذه المجموعة لا تعدو كونها مجموعة مسلحة، شأنها في ذلك شأن مجموعات كثيرة اخرى مسلحة في لبنان من اقصى شماله إلى اقصى جنوبه، بعضها تعتبرها واشنطن ارهابية، وبعضها الآخر سبق ان تعرض للجيش اللبناني واوقع في صفوفه قتلى فيما لم يحرك الجيش ساكنا.
والتناقض الاميركي بين لبنان وسورية كان واضحا في الاجتماع الذي انعقد في بيروت بحضور السفيرة مورا كونيللي ونظرائها من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن. وتقول مصادر في العاصمة الاميركية انه اثناء الاجتماع المذكور، استمعت ممثلة واشنطن «باصغاء وتأييد إلى محاضرات السفير الروسي حول ضرورة نجاح الجيش اللبناني بالتصدي لخطر التطرف والارهاب الذي يهدد لبنان والمنطقة».
هذا لا يعني ان كونيللي تتصرف بمفردها في بيروت، ففي واشنطن تحدث رئيس الاركان الجنرال مارتن ديمبسي عن وجوب ارسال خبراء عسكريين لتدريب الجيش اللبناني، وهو نفس الجيش الذي كانت واشنطن قبل سنوات تخشى تسليمه مناظير ليلية وعتادا متنوعا خشية وقوعه في ايدي مقاتلي «حزب الله».
لكن يبدو ان محاربة الاسلاميين، متطرفين كانوا او غير متطرفين، تتصدر اولويات واشنطن، ما يعني ان الولايات المتحدة متمسكة بدعم الجيش اللبناني، حتى لو كان متحالفا مع «حزب الله»، بحسب البيان الحكومي اللبناني، بدلا من ان تطالب الجيش نفسه بفرض سيادة الحكومة وتطبيق قرارات مجلس الامن التي تدعو إلى نزع سلاح كل المجموعات المسلحة في لبنان، مثل القرارين 1559 و1701.
ويبدو ان غياب الرؤية لدى اوباما وتخبط سياسته الخارجية، حتى بحسب مقربين منه من امثال الصحافي دايفيد اغناتيوس، هو الذي يسمح لمسؤولين من كل الدرجات بتقديم آرائهم الشخصية المختلفة على انها السياسة الاميركية. 
وكان اغناتيوس كتب، نهاية الاسبوع الماضي، مقالا حمل عنوان «سياسة اوباما الخارجية المحيرة»، تناول فيها ارتباك واشنطن في التعاطي مع ازمتي سورية ومصر.
هكذا، يصبح مفهوما ان احد مهندسي دعم الجيش اللبناني، مساعد وزير الدفاع السابق كولن كال، دعا اول من امس في مقابلة صحافية إلى «مساومة كبرى» مع ايران على اثر انتخاب حسن روحاني رئيسا لها، فيما الديبلوماسي الذي يرجح ان يشغل منصب سفير اميركا في بيروت، دايفيد هيل، كان عمل بالاشتراك مع كال في تصميم سياسة الدعم للجيش اللبناني.
وكان الاثنان عقدا مؤتمرا صحافيا بعد أشهر قليلة على انتخاب اوباما رئيسا، تحدثا فيه عن دور اللجنة العسكرية الاميركية - اللبنانية المشتركة التي تم انشاؤها قبل عام، وقال هيل: «رسالتنا هي ان الولايات المتحدة تلبي حاجات الجيش اللبناني ليقوم بالدور المنوط به، وهذا جزء من مجهود طويل الامد، فنحن لا نبني ميليشيا»، فيما اشاد كال بزيارة قهوجي إلى واشنطن في مارس 2009، وهي زيارة كررها قائد الجيش اللبناني في اوكتوبر 2011، وهي وتيرة زيارات غير مألوفة لقادة الجيش اللبناني إلى العاصمة الاميركية.
وبين كال وهيل ودعمهما شبه المطلق للمؤسسة العسكرية في لبنان، يأتي ما يبدو انه اعجاب شخصي يكيله اكسوم لـ «حزب الله»، اذ يطلق المسؤول الاميركي على نفسه اسم «ابو مقاومة»، وهذه كلها قد تكون دلائل على ان اميركا و«حزب الله» لا يتفقان في دعمهما للجيش اللبناني فحسب، بل ان العداء الظاهر بينهما قد لا يكون بالشدة المفترضة عند كثيرين، رغم بعض الاختلافات في وجهات النظر.

الاثنين، 1 يوليو 2013

عودة أميركا إلى العسكر

حسين عبدالحسين

في دردشة مع الصحافيين في مبنى الكونغرس، قال رئيس اركان الجيش الاميركي مارتن ديمبسي انه اذا اختارت الولايات المتحدة ان تفرض حظرا جويا على سوريا، فان ذلك سيكون "اعلانا للحرب، وانا اريد ان افهم خطة السلام، قبل ان نبدأ حربا اخرى".
قد يشغل انتشار مقاتلين اسلاميين متطرفين مثل "جبهة النصرة" بال واشنطن، وقد يشغلها كذلك مشاركة مقاتلي "حزب الله" في المعارك وتنامي النفوذ الايراني المباشر داخل سوريا، لكن يبدو ان ما يثير قلق الادارة الاميركية -- اكثر من اي امر آخر -- هو "اليوم التالي" لانهيار بشار الاسد ونظامه، فاذا ما حصل ذلك، فان الخيارات المرجحة هي فشل المعارضة في تثبيت الوضع، وتحول سوريا الى دولة فاشلة، ومرتع للمتطرفين، ومقر لتصدير العنف الى دول الجوار.
ولأن واشنطن تحاول نسيان ذكرى محاولتها ادارة الفراغ مباشرة عبر "بناء الامم"، الذي مارسته بفشل في العراق وافغانستان، فهي تعتقد ان عليها محاولة تفادي الفراغ في سوريا.
في هذا السياق، قد تبدو اي ضربة اميركية جوية تساهم في تسريع انهيار نظام الاسد وكأنها خطوة لخلق الفراغ والفوضى تتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة الاميركية. لذا، تعمل واشنطن على تفادي تسريع الانهيار، انهيار الثوار، الذين يناسب انتصارهم اميركا وحلفائها استراتيجيا، كما انهيار الاسد، قبل تأمين البديل.
في صيف العام الماضي، شارك السفير الاميركي السابق في دمشق ومسؤول الملف السوري حاليا روبرت فورد في حوار في احد مراكز الابحاث، وقدم بكثير من الاصرار رؤية بلاده حول التسوية السياسية لانهاء الصراع السوري، وقال مستشهدا في العراق ان لا حل بالعسكر فقط، فالحل العسكري من دون سياسة كمن يركب دراجة بدولاب واحد.
يومذاك، طرحت على فورد سؤالا عما يحصل في حال عدم توحد المعارضة السورية، هل يستمر القتال في سوريا، وماذا يحصل لو انهار بشار الاسد ونظامه فجأة قبل ان تتوحد هذه المعارضة او يصبح لديها جهوزية لتسلم مكانه، هل يعني ذلك ان على العالم ان يحاول ابقاء الاسد في الحكم، تفاديا للفراغ، ريثما تصبح المعارضة مستعدة؟
اطرق فورد مفكرا واجابني بكثير من اللباقة ان في نهاية المطاف، الحل في سوريا هو شأن السوريين وفي ايديهم.
هذه هي "خطة السلام" نفسها التي تحدث عنها ديمبسي هذا الاسبوع. ما قاله الجنرال الاميركي معناه ان اميركا تدرك انها قادرة عسكريا على حسم الصراع السوري في اي اتجاه في اسابيع، بل ايام، ولكن مشكلة واشنطن ليست في من يفوز، على الرغم من تفضيلها لمعارضي الاسد. مشكلة اميركا هي في ما يحدث بعد انتصار طرف على آخر.
ومن يتابع التصريحات الاميركية التى اعلنت بدء تسليح الثوار السوريين، قد يلاحظ انه لم يقل اي مسؤول اميركي ان هدف التسليح هو اطاحة الاسد، بل "قلب الموازين على الارض" بهدف اقناع الاسد ان استمراره منفردا في زعامة البلاد صار مستحيلا، وان عليه التنحي وتأمين مكان لمجموعته، في شراكة مع معارضيه، في المرحلة التي تليه.
هذه هي "خطة السلام" في سوريا، التي يكررها المسؤولون الاميركيون، وهي مبنية على تعديل موازين لا حسم صراع.
ويبدو ان اعتقادا اميركيا سائدا مفاده ان تسليح "الجيش السوري الحر" وتدريبه على مهمات قتالية، وعلى حماية المنشآت الكيميائية، وربما على حفظ الامن، صار مطلوبا في مطلق الاحوال، لذا، لا ضير من تجهيز قوة امنية يمكنها تعديل ميزان القوى اليوم، ثم تثبيت الوضع في سورية في حال انهار الاسد من وهنه، او قرر الخروج والسماح لتسوية.
في هذا السياق الامني نفسه يأتي اقتراح ديمبسي تدريب القوات الحكومية العراقية واللبنانية على التعاطي مع اي طارئ قد ينتج من المعارك السورية.
الولايات المتحدة لا تهمها الديموقراطية العربية ولا الربيع، بل صيغة حكم فيها مشاركة طوائفية اثنية على طراز "كيفما اتفق"، مع قوة امنية مؤهلة لحفظ الاستقرار تتمتع بعلاقة مع واشنطن، يفضل من خارج الحكومات، كما النموذج المصري.
هكذا، يمكن لواشنطن ان تدافع عن مصالحها عن طريق حلفائها العسكر، فيما يتناطح المدنيون في مؤتمرات مصالحة ومشاركة وتظاهرات واختراق لحقوق الانسان والمرأة، وما الى ذلك من تفاصيل صار الاميركيون يعتقدون انه يحق لهم ان ينتقدونها من دون ان يكون عليهم اي واجب في التدخل لتغييرها او اصلاحها.

Since December 2008