الجمعة، 3 يناير 2014

أميركا تجنح إلى اليسار؟

حسين عبد الحسين

في أول يوم من العام 1974، تسلم ابراهام بيم حاكمية مدينة نيويورك وهي في وضع يرثى له. كان عجز الخزينة بلغ ملياراً ونصف المليار دولار. وبعد سلسلة من الإجراءات تضمنت خصخصة المرافق العامة، التي كانت تكبد المدينة خسائر كبيرة، وتقليص عدد الموظفين، والتخلي عن دعم المساكن الشعبية لذوي الدخل المحدود، وخفض ضرائب الدخل لتشجيع الأغنياء على السكن في المدينة، وخفض ضرائب الشركات لتحفيز الأعمال، خرج بيم من الحاكمية في آخر يوم من العام 1977 وفي خزينة مدينة نيويورك فائض بلغ 200 مليون دولار.

تلك التجربة الاقتصادية التي عرفت بالـ"نيوليبرالية" انهت أربعة عقود من "السياسات اليسارية" القاضية بلعب الحكومة لدور الراعي الاجتماعي، وتبنتها في العام 1979 رئيسة حكومة بريطانيا مارغريت تاتشر، وبعدها بعام رئيس الولايات المتحدة، رونالد ريغان، فقلبت السياسة المذكورة تراجع الاقتصادين البريطاني والأميركي إلى نمو هائل استمر أكثر من ثلاثة عقود حتى اندلاع الأزمة المالية في خريف العام 2008.

ومع انقلاب الاقتصاد إلى اليمين، كذلك فعلت السياسة، فتصاعد الخطاب المعادي لليسار المحلي والعالمي، وأطلق ريغان تسميته الشهيرة "امبراطورية الشر" في وصف الاتحاد السوفياتي، ونسيت أميركا هزيمتي كوريا وفيتنام، واستبدلتهما بنصرين ساحقين في الكويت وكوسوفو.
وعندما وجدت أميركا نفسها أمام هجوم الجهادية العالمية في 11 ايلول/سبتمبر 2001، استعادت سياستها الخارجية نفسها المستندة إلى قوتها العسكرية الجبارة في أفغانستان في 2001 والعراق في 2003.

وعلى الرغم من أن خسائر الحربين لم ترتق إلى خسائر كوريا وفيتنام، إلا أن نتائجهما جاءت مخيبة للآمال، ودفعت الرأي العام الأميركي إلى إعادة النظر في دور بلاده العالمي، وترافق ذلك مع أزمة 2008 المالية وما تلاها من اتجاه نحو اليسار، على الأقل اقتصاديا، مع إقرار الرئيس باراك أوباما قانوني الرعاية الصحية ومراقبة المصارف.

في أول يوم من هذا العام، تسلم بيل ديبلازيو حاكمية مدينة نيويورك، في وقت أشارت التقارير إلى أن أغنى 300 شخص في العالم، ومعظمهم من الأميركيين، أضافوا نصف ترليون دولار إلى ثرواتهم في العام 2013.

ديبلازيو يعد بإعادة توزيع الثروات عن طريق زيادة في الضرائب على من يجني نصف مليون دولار وأكثر في السنة. ولا شك أن تجربته في الاقتصاد ستكون محط أنظار كثيرين، وأن التفاعل الشعبي معها سيظهر المزاج العام للأميركيين، وسيظهر إن كان انتخاب هذا الديموقراطي الآتي من أقصى اليسار سياسياً واقتصادياً يلقى رواجاً لدى عامة الأميركيين، أم انه فلتة شوط.

وفي حال تبين أن المزاج الشعبي يؤيد ديبلازيو وسياساته، سيعني ذلك جنوح أميركا أكثر نحو اليسار، مع ما يعني ذلك من تهديد للوسط ووسط اليسار، ناهيك عن تهديد اليمين الجمهوري المختل وزنه أصلاً منذ العام 2008.

هذا يعني أن مرشحة الحزب الديموقراطي، وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، التي تبدو أوفر حظاً، وهي من يسار الوسط، قد تجد نفسها في موقف حرج في حال استمرار تصاعد الموجة اليسارية.

ويطلق الأميركيون على هيلاري وزوجها، الرئيس السابق بيل كلينتون، تسمية "ديموقراطيي ريغان"، وهؤلاء تيار عريض في الحزب الديموقراطي تبنى مجموعة كبيرة من مبادئ "النيوليبرالية" الاقتصادية وسياسات ريغان الخارجية. وهو ما فعله "عمال تاتشر" من أمثال رئيس الحكومة البريطانية السابق طوني بلير، الذي وجد نفسه كتفاً إلى كتف في تحالف متين مع الرئيس الجمهوري السابق اليميني جورج بوش الابن.

لكن مع أوباما، واليوم ديبلازيو، يبدو أن العودة إلى اليسار صارت اكثر احتمالاً، وأن كلينتون، التي وجدت نفسها في العام 2008 امام مرشح من حزبها الديموقراطي إلى يسارها هو أوباما، ستجد نفسها في العام 2016 في مواجهة مرشح ديموقراطي آخر قد يكون أكثر يسارية هذه المرة وينجح في إلحاق الهزيمة بماكينة عائلة كلينتون السياسية الهائلة، كما فعل أوباما.
وقد تكون المرشحة هذه المرة، امرأة، ما يقلص أكثر من بريق كلينتون كأول امرأة يمكن أن تصل إلى الرئاسة.

السناتور عن ولاية ماساشوستس، اليزابيث وارين، مثلاً، هي من أبرز اليساريين المؤيدين لمبدأ توزيع الثروة، على غرار ديبلازيو، ويبدو أن حظوظها في ارتفاع، خصوصاً في حال قدم ديبلازيو نجاحات في نيويورك يمكن لوارين استعارتها لبرنامجها وبناء حملتها عليها.

على أن تقدم اليسار على الوسط داخل الحزب الديموقراطي، وفي أميركا عموماً، من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات كبيرة في السياسة الخارجية، وأن يعيدها إلى عزلة شبيهة بتلك التي عاشتها الولايات المتحدة في حقبة ما بين الانهيار الاقتصادي في نهاية العشرينات، ودخول أميركا الحرب العالمية الثانية في العام 1941.

في الحقبة المذكورة، كما اليوم، استغرقت شؤون الخروج من الأزمة الاقتصادية اهتمام الأميركيين وحكامهم اليساريين، وتم إنشاء "صندوق الضمان الاجتماعي" في عهد الرئيس السابق فرانكلين روزفلت، ولم تفلح كل الدعوات لانخراط أميركا في الحرب الكونية، إلى أن زارتها تلك الحرب في عقر دارها إبان هجوم اليابانيين على قاعدة بيرل هاربور.

هكذا، إن كان للتاريخ أي دليل، قد يستمر الرأي العام الأميركي في توغله يساراً والاهتمام بشؤون الاقتصاد وتوزيع الثروة، ما يعني ابتعاده أكثر فأكثر عن شؤون العالم، وهو ما صار بادياً للعيان في أرجاء المعمورة.

الخميس، 2 يناير 2014

توقع استخباراتي باستمرار الحرب السورية عقداً يقسّم مسؤولي الإدارة حول التعاطي معها

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

خلف الموقف الرسمي للولايات المتحدة من الازمة في سورية، والذي يلتزم «نقاط كلام» متفقا عليها وتنص على وجوب رحيل الرئيس بشار الاسد كجزء من حوار وحل سياسي، مواقف عديدة ومتباينة لمسؤولي الحكومة الاميركية. بعضها علني، وبعضها الآخر لا يتفق مع وجهة النظر السائدة، ما دفع اصحابه الى تسريبه الى وسائل اعلام محلية وعالمية.
المجموعة الاولى، وهي الاكثر قربا من الرئيس باراك أوباما، تعتقد ان «كل الخيارات سيئة في سورية»، وان المصلحة الاميركية تقضي بالبقاء بعيدا وعدم التدخل الا «في الضرورات التي قد تهدد الامن القومي للولايات المتحدة».
وتستند هذه المجموعة الى تقديرات وكالات الاستخبارات الاميركية، والغربية عموما، والتي صارت تشير الى مواجهة مسلحة مفتوحة الامد في سورية، قد تستمر على مدى العقد المقبل. 
ورغم التقدم الذي احرزه مقاتلو الاسد و«حزب الله» اللبناني في الآونة الاخيرة، ترى اجهزة الاستخبارات انه «من شبه المستحيل» ان «يعود الى الأسد الى سابق عهده في الحكم»، او ان «ينجح في القضاء على التمرد تماما».
وترجح هذه الاجهزة ان تستمر المواجهة «على شكل حرب عصابات قاسية في حدها الادنى، ترهق الاسد وحلفاءه، وتمنعهم من استعادة السيطرة على سورية، كما تمنعهم من الانتقال من الوضع العسكري الحالي الى وضع مدني سلمي كالذي كان سائدا قبل مارس 2011».
في ظل هذا التقييم، تنقسم المجموعة المؤيدة لسياسة أوباما، والتي تفضل التريث في الشأن السوري والبقاء بعيدا عنه، الى قسمين: الاول يعتقد انه كان الافضل لو تدخلت اميركا في مراحل مبكرة للاطاحة بالاسد والسماح بانتقال الحكم الى حكومة تمثل جميع مكونات الشعب السوري، فيما يعتقد القسم الآخر، وخصوصا من المؤسسة العسكرية، ان عدم التدخل كان فكرة حكيمة، وان استمرار الوضع الحالي، والذي يعتقد العسكر انه يرهق كلا من ايران والاسد والمجموعات الاسلامية المتطرفة، هو حكم في المصلحة الاميركية.
مشكلة نظرية المواجهة بين ايران والاسد و«حزب الله» من جهة، وتنظيم «القاعدة» والفصائل الاسلامية المتطرفة من جهة اخرى، انها تفتح المجال امام المتطرفين الاسلاميين لتجنيد شباب من عموم العالم الاسلامي، وتدريبهم في ساحات معركة حقيقية، وجمع التبرعات من اجل حربهم ضد الاسد وايران، ما يعني ان المواجهة المستمرة في سورية ترهق الطرفين، ولكنها «تعسكرهم»، وتسمح لهم بانشاء شبكات قد يصعب تفكيكها او القضاء عليها مستقبلا، وقد تنقل هذه الشبكات عملياتها من سورية الى اي بلد قريب، او بعيد.
هذ الخوف من استمرار المواجهة في سورية دفع بعض المؤيدين لبقاء اميركا «بعيدة عن المستنقع السوري» الى المطالبة «بدخول بشراكة مع الاسد من اجل القضاء على الارهابيين». ويتصدر هؤلاء السفير الاميركي السابق في العراق، والمتقاعد حاليا، ريان كروكر.
الخوف نفسه ينتاب مجموعة مناوئة لرأي أوباما، الذي يفضل البقاء خارج الازمة السورية. هذه المجموعة المناوئة تعتقد ان على واشنطن العمل على التوصل الى حل في سورية «في اقرب وقت ممكن»، وهو ما قد يتطلب تدخلا اميركيا اوسع، بما فيه نوع من التدخل العسكري الذي من شأنه ان يكسر التفوق الذي تتمتع به قوات الاسد و«يسوي الارض بين الاثنين، وتاليا الفرص، ويجبر الاسد على القبول بتسوية مع الآخرين».
وتعتبر هذه المجموعة انه «ما زال في سورية بارقة امل تقضي بتسليح معتدلين من الثوار، ودعمهم بفرض حظر جوي او توجيه ضربة عسكرية تؤدي الى تكافؤ في القوة النارية بين الأسد والمعارضة المسلحة»، ما من شأنه ان يفرض على الأسد تقديم تنازلات.
ويقول هؤلاء ان نافذة سياسية مازالت مفتوحة من خلال قرار مجلس الأمن 2118، والذي ينص على وجوب نزع وتفكيك الترسانة الكيماوية للأسد في موعد اقصاه منتصف العام الحالي. 
وكانت تقارير اممية اشارت هذا الاسبوع الى تعذر التزام الجدول الزمني المتفق عليه من اجل تفكيك هذه الترسانة، ما يعني ان التأخير ممكن، وما يعني ايضا انه يمكن تحميل الاسد مسؤولية التأخير وتاليا استخدام القوة العسكرية ضد قواته. 
على ان مشكلة تسريع الحسم او دفع الاوضاع باتجاه حوار او حل تشوبه مشكلة رئيسية تتمثل في الاداء الضعيف للمعارضة السورية، فالعذر الابرز الذي يتمسك به المسؤولون الاميركيون المعارضون كليا لاي تدخل اميركي في سورية مبني على التذرع بانقسام المعارضة السورية المستمر، وعدم اظهارها اي امكانية على التوحد او امساك الارض في حال انهيار الاسد، او حتى في حال قبوله التخلي عن الحكم.
ويكرر هؤلاء المسؤولون الاميركيون: «لو تدخلنا في سورية، نصبح مسؤولين عن العواقب، خصوصا في ظل غياب اي طرف ممكن ان يستفيد من تدخلنا وفرضنا خروج الاسد».
على ان مؤيدي التدخل يعتقدون ان «اميركا ستكون مسؤولة عن العواقب في كل الاحوال»، وان «انتظار توسع رقعة العنف اقليميا ومحليا ستجبر واشنطن على التدخل في وقت لاحق، وبتكلفة اكبر».
الانقسام السائد بين المسؤولين الاميركيين يجعل من موقف واشنطن حول سورية اكثر ارتباكا، ومايزيد في الطين بلة انه، على عكس الادارات السابقة، لا تظهر الادارة الحالية اي مقدرة على «القيادة» او على الحشد لرأي دون آخر، ومتابعته، والعمل على تنفيذه.
هل هو عجز أوباما وفريقه ام غياب سورية عن لائحة اولوياتهما؟ بغض النظر عن الاجابة، فان «النتيجة القاضية بانفلات المشهد السوري والاقليمي والعالمي لا تبدو في مصلحة سورية، ولا في مصلحة اميركا»، حسب مسؤولين اميركيين يتحدثون همسا منذ فترة، ولكن يبدو ان اصواتهم صارت تتعالى أخيرا.

Since December 2008