الاثنين، 3 مارس 2014

جدل في أميركا حول معالجة أزمة 2008 المالية


بعد أكثر من خمس سنوات على «الركود الكبير»، لا تزال الولايات المتحدة منهمكة في فهم الأسباب التي رافقته وإعادة تقويم أداء المسؤولين وردود فعلهم في خريف عام 2008 والأشهر التي تلته.

وصدر تقريران في هذا السياق، الأول عن «مجلس المستشارين الاقتصاديين» في البيت الأبيض بعنوان «التأثير الاقتصادي لقانون الإنقاذ وإعادة الاستثمار الأميركي» الصادر عن الكونغرس بطلب من إدارة الرئيس باراك أوباما، وسمح بموجبه للحكومة الفيديرالية بإنفاق رزمة من الحوافز المالية بلغت 832 بليون دولار، والثاني الصادر في العاصمة الأميركية في عطلة نهاية الأسبوع، الذي تمثل بإفراج «الاحتياط الفيديرالي» عن محاضر اجتماعاته التي عقدها في الأسابيع التي ترافقت مع اندلاع الازمة في أيلول (سبتمبر) 2008.

ويشير الأول الى أن الجمهوريين عكفوا، على رغم موافقة الكونغرس الذي كانت تسيطر عليه غالبية ديموقراطية في حينه على رزمة مشابهة بطلب من الرئيس الجمهوري جورج بوش قبيل خروجه من الحكم بأسابيع وللهدف ذاته، على انتقاد خطوة رئيسهم الديموقراطي فقط واتهموه بتبديد أموال دافعي الضرائب، وانسحب الاتهام على القانون المذكور المعروف بـ «خطة الحوافز» بالفشل وبعدم التوصل إلى أي نتائج على الصعيد الاقتصادي.

لكن تقرير «مجلس المستشارين الاقتصاديين» يعتبر أن الخطة موضوع الجدل ساهمت في زيادة نمو الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة (بين نهاية 2009 حتى منتصف 2011)، وفي خلق نحو 9 ملايين وظيفة حتى نهاية عام 2012.

واستند المجلس إلى تقارير «مكتب الموازنة» التابع للكونغرس لتبيان ان «خطة الحوافز» كرزمة متنوعة تضمنت 212 بليون دولار من الاقتطاعات الضريبية للمواطنين، و296 بليوناً خُصصت للإنفاق الطبي وتمويل برامج البطالة، و279 بليوناً أُضيفت إلى الموازنة السنوية الجارية للحكومة الفيديرالية لإنفاقها على برامج متنوعة، من شأنها المساهمة في تأسيس مشاريع وتحريك الركود.

ورأى التقرير أن من دون هذه الخطوات كان يمكن ارتفاع نسبة الفقر بين الأميركيين 4.5 في المئة بين عامي 2007 و2010، لكن نتيجة الحوافز الضريبية، ازدادت هذه النسبة نصف نقطة مئوية فقط. كما ساهمت أموال الخطة» في منع زيادة 1.7 في المئة على معدل الفقر، ما يعني أنها «منعت انزلاق 5.3 مليون أميركي نحو الفقر خلال عام 2010».

وختم تقرير البيت الأبيض مؤكداً أن تأثير الإنفاق المذكور على الدَين العام كان «هامشياً تمثل بزيادة 0.1 في المئة من حجم الناتج المحلي إلى 75 سنة من العجز». ومع أخذ التأثير في النمو الاقتصادي الذي تسببت به الخطة، يتبين أن تأثيرها في نمو الدَين العام هو في أقل كثيراً مما يبدو».

هكذا، يحاول البيت الأبيض الإيحاء وكأن «خطة الحوافز» التي أطلقها عام 2009 كانت مثابة خطوة مدروسة، جاءت كخشبة إنقاذ للأميركيين واقتصادهم. والمعروف أن في مطلع عام 2009، لم تكن إدارة أوباما ولا غالبية الاقتصاديين الأميركيين يدركون مدى فداحة الأزمة أو أنجع السبل لمواجهتها، ما حدا بأوباما في مؤتمره الصحافي الأول الذي عقده كرئيس في 10 شباط (فبراير) 2009، إلى القول ان ما تحاول إدارته القيام به هو «وضع قعر لمنع مزيد من الانهيار الاقتصادي، ومتى أُوقف الانهيار يمكن العمل بعد ذلك على استعادة النمو».

الجهل الأميركي لفداحة الأزمة في حينه، بدا جلياً أيضاً في التقرير الثاني. اذ تظهر المحاضر سوء تقدير القيّمين على المصرف المركزي للأزمة، إذ رددوا خلال اجتماعاتهم أن القطاع المصرفي الأميركي «متين» ويمكنه امتصاص أي تباطؤ في الاقتصاد. كذلك، تظهر أن المؤشرات التي كان رئيس الاحتياط بن برنانكي وأعضاء مجلسه يستدلون بها على قوة الاقتصاد الأميركي، كانت في معظمها مؤشرات هامشية، اتضح في ما بعد عدم إمكان الركون إليها للاستدلال على واقع الأداء الاقتصادي او إمكان وقوع أزمة.

وتشير أيضاً الى أن برنانكي أدرك فجأة في الأسبوع الثالث من أيلول 2008 فداحة الموقف، فانقلب موقفه وحضّ العاملين معه على «فتح خط اعتماد وتسليف» للمصارف الأميركية في مرحلة أولى، ولتلك العالمية في مرحلة ثانية. وجاء انقلاب موقف برنانكي بسرعة حملته على التحرك وسط عطلة نهاية ذلك الأسبوع.

وتوضح المحاضر المذكورة إلى أن الاحتياط الفيديرالي ضخّ أكثر من نصف تريليون دولار للمصارف والمؤسسات الأميركية، التي كانت تبحث بيأس عن سيولة ونقد لتسيير أمورها، في وقت اختفى المستثمرون بسبب الخوف الحاصل على أثر انهيار بعض المؤسسات المالية الكبرى.

وتشير مصادر أميركية، الى أن حجم السيولة التي ضخها الفيديرالي في الأشهر الأولى من الأزمة بلغ 13 تريليون دولار. فيما تظهر المحاضر التي رُفعت عنها السرية قبل أيام، أن الأموال الفيديرالية توافرت أيضاً لمصارف العالم المركزية، كما في السويد وبريطانيا مثلاً. وقدم «الاحتياط الفيديرالي» بلايين الدولارات نقداً إلى المصارف المركزية الأوروبية في مقابل حصوله على العملة المحلية لهذه المصارف. وتقاضى «المركزي» الأميركي فائدة على الأموال التي أقرضها للمصارف العالمية، ثم استعاد ودائعه وأعاد ودائعها بعد تدفق السيولة مجدداً على الأسواق في شكل طبيعي.

ويعزو خبراء أميركيون اليوم قيام مصرفهم المركزي بهذا الدور في حينه، إلى كون الدولار العملة العالمية شبه الرسمية ما جعل من مجلس الاحتياط، مصرف العالم المركزي.

هكذا، بعد خمس سنوات على وقوع أزمة 2008 المالية، لا يزال الخبراء والاقتصاديون والمسؤولون الأميركيون يراجعون تفاصيلها، ويعكفون على درسها كوسيلة لاستنباط الدروس اللازمة منها لتفاديها مستقبلاً، ولكتابة سياسات تحدد كيفية التعامل معها في حال اندلاعها، حتى لا تقع أي أزمة مشابهة في المستقبل تفاجئ أياً من المسؤولين وتكون ردود فعلهم ارتجالية، كما حدث في بعضها عامي 2008 و2009.

الأحد، 2 مارس 2014

ماذا لو أصبحت هيلاري كلينتون رئيسة أميركا؟

حسين عبدالحسين

قبل أكثر من سنتين على انتخابات الرئاسة الأميركية، تشير معظم الترجيحات إلى ارتفاع حظوظ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في خلافة الرئيس باراك أوباما. وعلى الرغم من التقليد الحزبي القاضي بترشيح نائب الرئيس، فإن تقدم سن جو بايدن الذي سيبلغ من العمر 74 عاما في عام 2016، يقلص من حظوظه.
بدوره، ما زال الحزب الجمهوري يتخبط داخليا بين يمين ويمين متطرف، مع غياب أي مرشحين بوزن كلينتون، خصوصا بعد الأزمة التي طالت المرشح الرئاسي الجمهوري الأبرز محافظ ولاية نيوجيرسي كريس كريستي داخل ولايته.
وعلى الرغم من القلق المبرر الذي قد يسود بعض الأميركيين والحلفاء حول العالم في حال استمرار الديمقراطيين في الحكم، بعد سنوات من السياسة الخارجية الكارثية، فإن كلينتون الديمقراطية تبدو قادرة على تقديم سياسة مختلفة تماما، وربما مناقضة، لسياسة أوباما.
فكلينتون أيدت دعم وتدريب وتسليح ثوار سوريا، وزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون أعلن، أثناء إطلالة في مؤسسة السيناتور الجمهوري جون ماكين المؤيد للتدخل الأميركي في سوريا، عن اعتقاده أن التاريخ سيحاسب أوباما لعدم تدخله عسكريا في سوريا.
وعلى الرغم من أن كلينتون عملت وزيرة خارجية لأوباما، مع ما يرتب ذلك عليها من مسؤولية في الفشل الأوبامي خارجيا، فإنه يمكن للمرشحة الديمقراطية إثبات مركزية القرار في إدارة أوباما، الذي حصر كل القرارات الدفاعية والخارجية بين يديه وبين يدي «مجلس الأمن القومي»، وهو ما بدا جليا في شهادات متعددة كان أبرزها كتاب مذكرات وزير دفاعه السابق روبرت غيتس، الذي كتب أنه في عقود عمله في الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ ريتشارد نيكسون في السبعينات، لم يسبق أن شهد رئيسا أكثر مركزية من أوباما.
وكما في سوريا، كذلك حول إيران، حيث خالفت كلينتون مرارا الرئيس الأميركي في مقاربته للمفاوضات النووية مع إيران، حسب روايات متعددة من خلف الكواليس.
ويقول العالمون ببواطن الأمور إن كلينتون تعتقد أن هدف المفاوضات الدولية الجارية مع إيران يسمح لها بالاستمرار في التخصيب، وهو هدف أدنى حتى من قرارات مجلس الأمن الدولي التي تنص صراحة على ضرورة وقف كامل للتخصيب الإيراني.
وفي العراق، لم تكن هيلاري مرتاحة لأداء أوباما، الذي كلّف الملف العراقي لنائبة بايدن، الذي أوكله بدوره لمستشاره للأمن القومي توني بلينكن، والذي أصبح اليوم في «مجلس الأمن القومي» ونائبا لرئيسته سوزان رايس.
هكذا، لم تشارك كلينتون في صناعة السياسة الأميركية في العراق، على الرغم من وجود أكبر سفارة أميركية في العالم فيه، وعهد أوباما بالملف إلى بلينكن، الذي راهن على رئيس الحكومة نوري المالكي، على حساب أصدقاء أميركا الآخرين في العراق والمنطقة.
كيف ستتصرف هيلاري كلينتون خارجيا لو أصبحت رئيسة الولايات المتحدة؟
من المؤكد أن كلينتون، كما أوباما أو أي رئيس آخر حتى لو من الجمهوريين، ستتابع المزاج العام الأميركي عبر استطلاعات الرأي، وسوف تبقى بعيدة عن أي مغامرات عسكرية واسعة النطاق كحربي أفغانستان أو العراق. وصحيح أيضا أن كلينتون ستماشي سياسة التقشف التي تطال المؤسسة الدفاعية الأميركية.
لكن من المؤكد أيضا أن كلينتون ستنجح، أكثر بكثير من أوباما، في تحديد الصديق من العدو، حول العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، وستعرف كيف تكافئ الأصدقاء لصداقتهم، وكيف تواجه الأعداء لعدوانيتهم، وهذا أمر لا يحتاج بالضرورة إلى إمكانيات عسكرية هائلة، فقط استخدام الوزن الأميركي الرهيب، على كل الصعد، وربطه بدبلوماسية ذكية وسياسة واضحة وغير متقلبة.
إن أصبحت كلينتون رئيسة، ربما تعود خطوط الولايات المتحدة خطوطا، وتعود للدولة الكبرى مصداقيتها كلاعب رئيس على المسرح الدولي، وهو دور افتقده العالم بعدما قاد أميركا واحد من أكثر الرؤساء ترددا وارتباكا في تاريخ البلاد.

Since December 2008