الخميس، 22 أكتوبر 2015

موسكو علّقت عِداء إسرائيل مع طهران وطمأنتها على حدودها الشمالية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

بلغ التوتر في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ذروته، خصوصاً إثر تصريحات أميركية اعتبرت ان الإسرائيليين يمارسون عنفاً مفرطاً بحق الفلسطينيين اثناء المواجهات الأخيرة بين الطرفين. وللمفارقة، يأتي توتر العلاقة الأميركية - الإسرائيلية في وقت تشهد علاقة روسيا بإسرائيل تحسّناً ملحوظاً، دفَع أحد المراقبين الاميركيين الى القول إن رئيس روسيا فلاديمير بوتين أجلس نظيره السوري بشار الأسد في الكرسي نفسه الذي كان أجلس فيه رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو قبل أسابيع، في وقت انسحبت واشنطن من أي دور ممكن لها في الحرب السورية، ويكاد ينعدم الاتصال بين الرئيس باراك أوباما ونتنياهو.

وتعتقد بعض المصادر الحكومية الأميركية أن «إسرائيل قد لا تكون منزعجة تماماً من دخولها في تحالف شرق أوسطي تقوده روسيا وفي عضويته الأسد وإيران و(حزب الله)». وتضيف المصادر ان تحالفاً من هذا النوع «يعلّق العداء بين إيران وإسرائيل، ويدفع الإسرائيليين إلى الاطمئنان على أمن حدودهم الشمالية».

وفي نفس الوقت، يتوافق دخول إسرائيل في التحالف الذي تقوده روسيا مع الرؤية الإسرائيلية بضرورة جعْل القضاء على المتطرفين الإسلاميين، وخصوصاً تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، أولوية، بدلاً من محاولة الإطاحة بالأسد وخلق فراغ قد يستغلّه الإرهابيون.

ولطالما عبّر مسؤولون إسرائيليون وأصدقاء إسرائيل في العاصمة الأميركية، في جلسات خاصة، عن سخطهم من الحرب التي تقودها أميركا ضد «داعش»، معتبرين ان شعار أوباما «إضعاف (داعش) حتى تدميره» هو انعكاس لخطة ضعيفة ومترددة. وكان آخر منتقدي أوباما من اليمين الأميركي، وزير الخارجية السابق وصاحب النفوذ الكبير في صنع السياسة الخارجية الأميركية هنري كيسينجر، البالغ من العمر 92 عاماً، حيث كتب في مقالة في صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه «كلما طالت الحرب الأميركية ضد (داعش) من دون ان تنجح أميركا في حسمها، أعطى ذلك التنظيم المتطرف الفرصة لتصوير تصدّيه للأميركيين على أنه نجاح، وهو ما يُعلي من شأن التنظيم أمام المتطوعين المستقبليين ومانحيه الماليين».

ومع توافق الأولويات بين روسيا وإسرائيل في الشرق الأوسط، وتقديم بوتين ضمانات بوقف إيران شحنات الأسلحة التي كانت تعمل على ايصالها إلى «حزب الله» على مدى السنوات الماضية، ما دفع الإسرائيليين الى الإغارة مراراً على الاراضي السورية للتخلّص من هذه الشحنات، ومع وعد بوتين بعدم تحليق مقاتلاته جنوب محافظة حمص، حصل الإسرائيليون على مجموعة من التنازلات الكبيرة من المحور الذي كانت تقوده إيران، واليوم تديره موسكو، حسب بعض المسؤولين الاميركيين.

على أن المقرَّبين من الرئيس الأميركي ينقلون عنه اعتقاده ان «منطقة الشرق الأوسط بمثابة بؤرة مشاكل، وأنه لا إمكانية لأي دولة، عظمى ام غير عظمى، لفرض حلول، لا بالسياسة ولا بالعسكر». ويعتقد أوباما كذلك، حسب مقرَّبين، ان «الغوص في مشاكل الشرق الأوسط يؤدي لامتصاص مقدرات أي دولة راغبة في ذلك». ويعتقد أوباما فعلياً ان «إيران وروسيا ستغرقان في مستنقعات عسكرية مكلفة مالياً وبشرياً وسياسياً».

ويبدو ان رؤية أوباما الشرق أوسطية هي في صلب اختلافه مع إسرائيل واصدقائها في واشنطن، خصوصاً من الحزب الجمهوري، الذي دأب أعضاؤه على تصوير انكفاء أوباما عن الشرق الأوسط بمثابة التخلّي عن طفلة أميركا المدلّلة، أي إسرائيل، التي يمكن لها - في هذه الحالة - البحث عن حلفاء للدفاع عن نفسها في أي مكان في العالم، حتى لو كان الحليف هو بوتين غريم واشنطن اللدود.

وحتى تنجلي أمور عديدة، مثل مصير الحملة العسكرية الروسية في سورية، ستسيطر البرودة على العلاقة الأميركية - الإسرائيلية، رغم ان الطرفين أعلنا استئناف اللقاءات لتجديد رزمة المساعدات العسكرية والمالية السنوية التي تقدمها أميركا لإسرائيل، والتي تنتهي مفاعيلها في العام 2017. ويبدو ان الطرفين توصّلا لاتفاق يقضي بأن تمدّ أميركا إسرائيل بثلاثة مليارات دولار سنوية للعشر السنوات التي تلي العام 2017.

ورغم ان التوصّل لاتفاقية حول المعونة الأميركية للإسرائيليين يبدو بادرة حسن نية، إلا ان المطلعين على مجرى المفاوضات يقولون ان رقم 3 مليارات سنوياً هو بمثابة عقاب من إدارة أوباما على تمرّد نتنياهو وعنجهيّته، اذ سبق ان توصّل الطرفان إلى الاتفاق على رقم معونة سنوية بلغ 3.7 مليار دولار، إلا أن إسرائيل علّقت المفاوضات بين الطرفين احتجاجاً على الاتفاقية النووية مع إيران. وبعد استئناف المفاوضات، تمسّك الاميركيون بالتخفيض الذي يبدو انه عقاب لحكومة إسرائيل ورئيسها نتنياهو على تصرفاته، التي تبدو غالباً عدائية تجاه أوباما وادارته.

خطة كسينجر:تقسيم سوريا

حسين عبدالحسين

قد يبدو عنوان هذه المقالة من بقايا ما يسميه البعض "الخطاب الخشبي" عند العرب. وقد يبدو عنوان هذه المقالة من زمن الحرب الباردة أيضا. لكن الواقع هو ان كاتب المقالة، المنشورة في صحيفة "وال ستريت جورنال" يوم الأحد، هو وزير الخارجية السابق هنري كيسينجر نفسه، والذي على الرغم من تقدمه في السن وبلوغه الثانية والتسعين، مازال يتمتع بنفوذ كبير لدى صانعي السياسة الخارجية الأميركية من الحزبين الديموقراطي والجمهوري.

يقول كيسينجر ان "القضاء على (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) داعش هو أمر أكثر الحاحا من الإطاحة بـ (الرئيس السوري) بشار الأسد، الذي خسر حتى الآن السيطرة على أكثر من نصف المساحة التي كان يسيطر عليها". ويتابع الوزير السابق ان التأكد من ان المساحات التي خسرها الأسد لن تتحول الى بؤر إرهابية هو موضوع يجب ان يتمتع بأولوية أميركية على موضوع اسقاط الأسد. 

ولا شك انه صار معروفا ان واقعية كيسينجر، اليهودي الألماني الأصل الذي فر وعائلته من أوروبا هربا من محارق النازيين، تتضارب مع آرائه حول دخول أميركا الحرب العالمية والتي انخرط فيها كيسنجر كجندي ثم كضابط استخبارات عسكرية لقتال النازية ووقف مجازرها. وصار معروفا أيضا ان اليمين الجمهوري الاميركي، الذي ينتمي اليه كيسينجر، هو من أول المدافعين عن بقاء الأسد كجزء من "تحالف الأقليات"، الذي يشترك فيه مسيحيو لبنان مع يهود إسرائيل وعلويي سوريا وشيعة إيران والعراق، على الأقل حسبما يتصوره اليمين الأميركي، المدافع الأكبر عن إسرائيل والأسد في الوقت نفسه.

لكن المفاجأة تكمن في انه بعد عقود على نهاية الحرب الباردة، مازال كيسينجر يكتب ان الحل الأفضل في سوريا هو تقسيمها. ومما كتبه كيسينجر انه "مع تفكيك منطقة الإرهابيين ووضعها تحت سيطرة سياسية غير راديكالية، يمكن التعامل مع مستقبل سوريا في الوقت نفسه". واقترح كيسينجر "بناء فيدرالية بين الأجزاء العلوية والسنية". ويتابع كيسينجر ان "الفيدرالية تسمح بالإبقاء على دور لبشار الأسد في الحكم، وهو ما من شأنه ان يقلص من مخاطر الإبادة او الفوضى التي تؤدي لانتصار الإرهابيين".

طبعا، لا يفطن كيسينجر للتناقض الواضح في مقالته، فهو في الجزء الأول منها يتحدث بواقعية مميتة تعتبر بأن بقاء الأسد، ولو على جثث مئات الاف السوريين، هو في مصلحة أميركا حتى لا تتحول الأراضي التي يخسرها نظامه مرتعا للإرهابيين. في الجزء الثاني من المقالة، يخسر كيسينجر واقعيته ويستعيد حسّه الإنساني المفترض الذي يدفعه الى الاشفاق على العلويين والخوف من مغبة وقوع مجازر إبادة بحقهم.

لطالما تحدث أصحاب "نظريات المؤامرة" العرب عن مشروع امبريالي غربي أميركي يهدف الى تقسيم المنطقة العربية بهدف اضعافها. طبعا المنطقة العربية ضعيفة أصلا ولا تحتاج للمزيد من الإضعاف، لكن قد يكون خلف التخوف العربي من التقسيم انحياز الغرب غير العادل الى مجموعات دينية تتماهى معه ضد مجموعات دينية يصنفها الغرب كإرهابية وعدوة.

هكذا، عندما تعني وحدة أي دولة عربية سيطرة للغرب او للمجموعات الدينية المشابهة له، يكثر الغرب من الحديث عن تمسكه بوحدة أراضي هذه الدولة او تلك. اما عندما تصبح سيطرة "الأقليات" متعذرة، يبدأ حديث كيسينجر وصحبه عن تقسيم سوريا، وهي فكرة تلي عقوداً من الحديث عن تقسيم لبنان، تلاها حديث عن فدرلة العراق. الفيدرالية بذاتها ليست سيئة بالضرورة، ولكن السيء هو ان يختار الغربيون الفيدرالية عندما يناسبهم ذلك، ويتخلون عنها عندما يناسبهم الامر ايضا، وكأن حق الشعوب في تقرير مصيرها وأنظمة حكمها هو تفصيل لا يلوّح به الغربيون من أمثال كيسينجر الا عندما يرون فيه مصلحة لهم ولتحالف أقليات الشرق الأوسط الذي يستهويهم، والذي يبدو انه صار يستهوي غيرهم من زعماء العالم ويدفعهم الى مغامرات عسكرية على أمل تزعّم التحالف الأقلوي المزعوم. 

Since December 2008