الثلاثاء، 6 فبراير 2018

مواصفات الاستبداد

بقلم حسين عبد الحسين

الاستبداد في الحكم واحد، وإن تعددت أشكال الطغاة وأسماؤهم. والخطوات التي يتخذها الطغاة متشابهة، بل متطابقة، وهي تبدأ من إعلان الزعيم صلابته، وتحمله سنوات ظلم من سبقه، وربما السجن. زعيمنا ذو شكيمة، أبيّ، لا يخاف ولا ينقاد، ولا يستمع إلا لصوت الضمير. يستولي الزعيم على الحكم، إن في انقلاب أو في انتخابات، ويعلن أن وصوله السلطة لحظة تحول، من ماض بائس إلى مستقبل زاهر، ومن حكم المؤسسات إلى حكم الجماهير.

القصص التي يؤلفها الطغاة متشابهة. فلاديمير بوتين أنقذ روسيا من مطامع الغرب وفساد سلفه بوريس يلتسين، عميل الأميركيين، وأعاد روسيا قوة عالمية عظمى تتحدى أميركا، وروح الله الخميني وخلفه علي خامنئي أنقذا إيران من رضا بهلوي، الشاه الفاسد ورجل إسرائيل. أما ميشال عون، فأعاد لمسيحيي لبنان حقوقهم من مسلمين ظالمين يتحالف معهم.

والزعيم ينقذ الشعب، فهو شخص بحجم أمة، والأمة هذه دائما عظيمة، ما يجعل قائدها عظيما، وتتماهى عظمة الاثنين، فيصبح أي انتقاد للزعيم انتقاصا من عظمة الأمة الإيرانية، أو تآمرا على أمة صدام حسين العربية المجيدة، أو تحايلا على شعب عون اللبناني العظيم، فالشعوب العظيمة لا يليق بها قادة من البشر، بل هي أمة عظيمة تتطلب قادة عظماء لا تليق بهم إلا العبادة والتبجيل.

وبعد إعلان عظمتهم وعظمة أمتهم على باقي الأمم والشعوب، يلتفت الطغاة إلى أعداء الداخل من ضعاف النفوس، ممن يبيعون ضمائرهم بقليل من المال للأمم الأخرى. هؤلاء مثل يوضاس الذي باع المسيح، أقل ما يليق بهم هو أن يخنقوا أنفسهم، وهم يندر ألا يقوموا بذلك فعلا، فينتحرون، أحيانا بطلقين ناريين.

ويمضي الزعيم العظيم في تصفية أعداء الأمة وتأكيد صفائها من الخونة، فتتسع اللائحة لتشمل القريبين كما البعيدين، وتمضي الثورة في أكل أبنائها، بحجة القضاء على "الدولة العميقة". ويتم تفكيك مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، واستبدال رجال الدولة بمخبري الصف الثالث والرابع، في عملية تآمر متواصلة ينشط فيها كتاب التقارير وأحدهم ضد الآخر، وتقوم "محاكم الشعب" مثل التي أنشأها العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، فتحول "قصر الزهور" الملكي إلى معتقل "قصر النهاية"، الذي لاقى فيه آلاف العراقيين حتفهم تحت التعذيب.

وفي ربوع الأمة العظيمة، تتحول "مكافحة الفساد" أو "محاربة الإرهاب" إلى بركة دماء ترقى إلى مصافي جرائم حرب. أما الظريف، فهو أن الفساد يتفشى في هذه الدول أكثر كلما أعلن زعماؤها تجديد حملاتهم ضد الفساد.

وفي غابر الزمان، سعى الطغاة إلى تحقيق نهضة اقتصادية لتبرير استبدادهم، فالسلطان عبد الحميد الثاني حاز لقب "المستبد المستنير" بسبب عنايته بالاقتصاد العثماني، ومن بقايا نهضته الأسواق التي تحمل اسمه في مدن العرب، مثل سوقي الحميدية في دمشق والفلوجة.

اليوم كذلك، يسعى الطغاة إلى نهضة اقتصادية لتبرير استبدادهم. لا يهم إن كانت النهضة تعيش على العائدات النفطية، مثل روسيا، أو على تحويل الصين إلى مصنع كبير يعيش فيه العمال في شقاء وأعضاء "المكتب السياسي" في ترف الشقق الفاخرة في لندن ونيويورك.


لا يهم أيضا، إن كانت عائدات النفط تتوزع على الشعب، أم تقتصر على الطغمة الحاكمة، مثل "مؤسسة علي خامنئي"، و"الحرس الثوري" الإيراني، والميليشيات الموالية لطهران مثل "حزب الله" اللبناني. هؤلاء يبددون ثروات الأمة لفرض نفوذ إقليمي يغذي شبق الوطنية الإيرانية، من دون أن يطعم الإيرانيين.

ولا يهم إن كان اللبنانيون يغرقون في النفايات المسببة للأمراض السرطانية، ويتشاتمون في الوقت نفسه بالنيابة عن حكامهم، الذين يتسابقون لتناهش موارد البلاد الشحيحة. كيف ترضى أي لبنانية أن تعيش بين النفايات، وبدون آفاق اقتصادية، وتعلن الوقت نفسه ولاءها المطلق لنفس الزعماء الذي يسببون أزمات النفايات وسوء الحكم؟ في دنيا العرب، القبلية المختبئة بالدين هي أفيون الشعوب.

وفي دنيا العرب أيضا، تبلغ العبثية ذروتها يوم يصيب الملل زعماء النفط وأبنائهم بسبب الثراء الفاحش، فيتحولون إلى وحوش يطلقون النار داخل ملاعب كرة القدم الأوروبية، مثل في حال أحد أبناء معمر القذافي، الذي ودع الليبيين بالقول: "يا جرذان، الثورة الليبية أعطتكم مكيفات هواء".

أما أظرف ما في الاستبداد فهو إصرار الطغاة على الحكم باسم الشعب نفسه الذي يدوسونه تحت أقدام استخباراتهم. لا نعرف سبب إصرار المستبدين على إجراء انتخابات شعبية، هي دائما شكلية محسومة النتائج. المنافسون الجديون فيها أعداء الأمة، وهم إما انتحروا، أو بان فسادهم فحاكمهم أقرانهم من الفاسدين الآخرين. أما "مجلس الشعب" أو "مجلس الأمة"، فعضويته مكافأة لصغار المخبرين، المتزلفين، الذين يعشقون تقبيل أحذية العسكر والتصفيق، وقوفا، للزعيم الخالد.

استبداد الشعب العظيم على الشعب العظيم من أجل الشعب العظيم. استبداد لن يزول عن وجه بسيطة الأرض، في تحوير لمقولة أعظم رؤساء الديموقراطية الأميركية إبراهام لينكن، الذي انتخبت أميركا منذ حكمه 28 رئيسا متعاقبا، فيما عاشت روسيا في ظل 12 زعيما فقط منذ عام 1855، وهي أرقام تعكس ببساطة أي من الحكومات عظيمة، وأي منها ورقة توت يستخدمها الطغاة لإخفاء استبدادهم.

الجمعة، 2 فبراير 2018

واشنطن مرتاحة لفشل «سوتشي»: موسكو فهمت الرسالة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أبدت أوساط الإدارة الأميركية ارتياحها لفشل مؤتمر سوتشي الروسي، الذي عقدته موسكو لرعاية التوصل الى تسوية سياسية في سورية تناسبها والرئيس بشار الأسد. 
وقالت مصادر في الادارة الاميركية انه «ربما فهمت الحكومة الروسية رسالتنا، لناحية محدودية قدرتها على الحسم العسكري، وبالتالي تعذر توصلها لتسوية سياسية على مقاسها».
وصار مفهوماً لدى متابعي الشأن السوري في العاصمة الاميركية ان روسيا تحاول حصد ثمار تدخلها العسكري في سورية بفرضها تسوية سياسية مبنية على تعديلات دستورية شكلية، تؤدي إلى قيام حكومة وحدة وطنية تحت جناح الأسد.
على ان الرسالة التي أرادت واشنطن إرسالها الى موسكو مفادها «إنْ كان الروس يعتقدون أن لا تسوية سياسية في سورية من دون الأسد، فنحن نقول لهم ان لا تسوية سياسية ممكنة في سورية مع بقاء الأسد»، وهو ما يعني استمرار الأوضاع على حالها، وإطالة أمد الحرب ورفع تكاليف التدخل العسكري الروسي.
ويلفت المسؤولون الأميركيون الى أن العمل العسكري في سورية بلغ أقصاه، وان مناطق النفوذ تم تكريسها، مع بعض التعديلات الطفيفة الجارية. ويعتقدون أن روسيا أجرت صفقة مقايضة مع تركيا، تقوم على تخلي الأولى عن دعم الأكراد ما يسهل اجتياح أنقرة منطقة عفرين، مقابل موافقة الثانية على اجتياح روسيا وحلفائها بعض أجزاء أدلب، مثل مطار أبو الظهور والمناطق المحيطة به.
لكنها مبادلة محدودة، حسب المسؤولين الاميركيين، إذ ان لا روسيا تملك كل الأراضي الكردية، ولا الأتراك يسيطرون على كل فصائل المعارضة في ادلب، وهو ما يعني أن عملية مبادلة عفرين بأبو الظهور محدودة وتنتهي من دون حسم تام لأي من الطرفين. 
لكن روسيا تسعى لإعادة سورية بالكامل الى سيطرة الأسد، الذي تراه في جيبها، وهو سعي أوقفته واشنطن، ولن تسمح باستئنافه، بل ان الولايات المتحدة ماضية في تحديد مناطق نفوذ الأسد وحلفائه، خصوصاً من الميليشيات الموالية لايران، وهو ما يعني واقعياً إنهاء الحرب السورية بسبب توصل القوى الكبرى المعنية إلى تفاهمات ضمنية حول منطقة نفوذ كل منها، ما يعني أن محاولة أي من حلفاء هذه القوى، بما فيها الأسد، السيطرة على مناطق خصومه، لم تعد خلافاً داخلياً سورياً، بل ستتحول الى مواجهة بين القوى الكبرى المعنية بالشأن السوري، وهذا ما تتفاداه كل واحدة من هذه القوى، بما فيها روسيا وايران وتركيا واسرائيل. 
وفي هذا السياق، يعتقد الخبير في «مركز دراسات الحرب» برادلي هانلون ان «روسيا فشلت في ضمان نهاية ديبلوماسية للحرب الاهلية السورية بشكل يبقي الأسد في الرئاسة، بعد إخفاق الكرملين في إجبار مجموعات المعارضة على حضور سوتشي، على الرغم من الحملة الديبلوماسية الروسية غير المسبوقة».
ويضيف ان فشل «سوتشي» عكس محدودية القدرات الروسية في سورية، «فمصلحة روسيا الاستراتيجية تقضي بإحباط أي محاولة دولية للتوصل الى تسوية سياسية تجبر الأسد على تقديم تنازلات للمعارضة»، معتبراً أن على واشنطن عرقلة محاولات روسية من هذا النوع، خصوصاً في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، حيث لروسيا قدرات أقل منها في سورية.
ويختم الباحث الاميركي بالقول ان اهداف روسيا الفعلية تتضمن حصولها على تنازلات من الحكومات لبناء قواعد عسكرية ولاقامة شراكات تجارية، وذلك بهدف تضييق دائرة نفوذ أميركا وحلف الأطلسي، وتحسين الموقع الروسي.

Since December 2008