الثلاثاء، 4 مايو 2021

الصواريخ الإيرانية تهدّد المحادثات النووية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

«تضارب رهيب» في التقارير حول مجريات المفاوضات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وايران.

مسؤولون ايرانيون أدلوا بتصريحات لوسائل إعلام محلية قالوا فيها إن المفاوضين توصلوا لاتفاق يتضمن رفع واشنطن العقوبات الاقتصادية عن قطاعات النفط والنقل البحري والتأمين والسيارات، فيما أشارت تقارير أخرى الى توصل طهران والعواصم الغربية الى افراجها عن مواطنين غربيين تعتقلهم، مقابل تحرير واشنطن ولندن قرابة 10 مليارات دولار تعود لطهران مجمدة في مصارف غربية.

لكن ظهر في ما بعد، أن الايجابية المفرطة كانت عبارة عن سلسلة من الإشاعات غير الصحيحة، فلا اتفاقيات للافراج عن الرهائن الغربيين المعتقلين في «الجمهورية الاسلامية»، ولا وعود أميركية برفع العقوبات عن أي من القطاعات الايرانية المذكورة.

على أن ما أثار حشرية مراقبين أميركيين كثر للملف الايراني، اشارة المفاوض الايراني عبّاس عراقجي الى الاتفاق مع واشنطن على رفع العقوبات عن قطاع السيّارات. حتى الآن، يعتقد مؤيدو ومعارضو العودة الأميركية للاتفاقية النووية، أن واشنطن سترفع نفس العقوبات التي قام برفعها الرئيس السابق باراك أوباما ابان التوصل للاتفاقية في اكتوبر 2015، وهي عقوبات كانت مفروضة على قطاعات النفط والنقل البحري والتأمين، فضلاً عن رفع العقوبات عن مصرف حكومي ايراني واحد على الأقل.

خطوة أوباما كانت مصممة للسماح لقطاع ايران النفطي تصدير منتجاته وتقاضي ثمنها، بالعملة الصعبة، في مصرف تابع للحكومة، وهو ما يعني أن انطباع المسؤولين الأميركيين الحاليين مبني على قيام الرئيس جو بايدن برفع العقوبات التي كان أوباما رفعها، والتي عمد الرئيس السابق دونالد ترامب الى اعادتها.

اما العقوبات الاضافية التي فرضها ترامب، وشملت قطاعات مرتبطة بصناعة الصواريخ، مثل قطاع السيارات، فلا يبدو أن غالبية مسؤولي بايدن تعتقد أن على الرئيس الأميركي رفعها، بل أن عقوبات ترامب الاضافية تبقى، وتصبح محور المفاوضات المزمع عقدها في ما بعد لاحياء الاتفاقية النووية.

وقامت اتفاقية 2015 النووية بترك برنامج ايران الصاروخي خارج النص، مع اتفاق شفوي وعدت بموجبه طهران بانها لن تقوم بتجارب صاروخية، لكنها ما لبثت أن تراجعت وقامت بتجارب.

ثم ان نص الاتفاق ينص على أن الأمم المتحدة سترفع كل العقوبات الدولية، المتعلقة بالبرنامج الصاروخي والمتبقية منذ ما قبل الاتفاقية، وذلك في العام 2023.

في الولايات المتحدة اجماع على أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته ادارة أوباما، يوم موافقتها على الاتفاقية النووية، كان تركها موضوع الصواريخ خارج الاتفاق، اذ إن أي برنامج نووي عسكري في العالم يعتمد على أمرين: تخصيب اليورانيوم لصناعة رؤوس نووية، وتطوير صواريخ قادرة على حمل هذه الرؤوس، اذ من دون الصواريخ، لا فائدة للرؤوس.

اليوم، وبعد سبع سنوات على التوصل للاتفاقية النووية، صار اجماع في العاصمة الأميركية يشارك فيه حتى أعتى مؤيدي النظام الايراني، باستثناء نفر قليل منهم. في هذا الاجماع، ضرورة تعديل الاتفاقية النووية لتفرض حظرا على برنامج ايران الصاروخي بالتزامن مع ضبط كميات ومعدلات تخصيب اليورانيوم التي تقوم بها طهران.

حتى السناتور الديموقراطي كريس كونز، وهو من أقرب المقربين الى بايدن، اذ يشغل مقعده السابق في مجلس الشيوخ ممثلا عن ولاية ديلاوير، سبق وأن أدلى بتصاريح متعددة، قال فيها إنه رغم تأييده الشديد للعودة إلى الاتفاقية النووية، الا أنه لن يمنح موافقته في مجلس الشيوخ للعودة لأي اتفاقية لا تفرض قيودا على برنامج ايران الصاروخي.

ويقوم كونز هذا الأسبوع بجولة في الشرق الأوسط، تشمل الامارات والسعودية والأردن ومصر، في محاولة منه لاقناع هذه الدول بجدوى فتح حوار مع ايران.

لكن في ادارة بايدن قلة قليلة ممن يعملون لانفتاح على ايران بلا ضوابط على النووي ولا على الصواريخ، وبلا حتى التنسيق مع الحلفاء أو الوقوف على رأيهم.

هؤلاء المسؤولون، هم الذين دأبوا على تسريب أنباء عن التوصل لاتفاقية حول الافراج عن المعتقلين الغربيين في ايران، وهم الذي يعمدون - بالتنسيق مع نظرائهم الايرانيين - الى بث ما يعتقدونها أخباراً جيدة، وان غير صحيحة، من شأنها تعزيز الثقة وتقريب واشنطن وطهران من بعضهما البعض والتسريع في اعادة احياء اتفاقية 2015، كيفما اتفق.

وخلال مثوله أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، في مارس 2021، تعهد وزير الخارجية أنتوني بلينكن بعدم تقديم أي تنازلات لإيران في ما يتعلق ببرنامجها الصاروخي، لكن في أقل من شهر واحد، رفض الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس استبعاد احتمال تخفيف العقوبات الصاروخية كحافز للنظام للانضمام إلى الصفقة. هذا التناقض أثار ريبة معارضي عودة بايدن للاتفاقية من دون انتزاع تنازلات.

وفي هذا السياق، نشرت «جمعية الدفاع عن الديموقراطيات»، وهي مركز أبحاث مقرّه واشنطن، دراسة اعتبرت فيها أن «تخفيف العقوبات الصاروخية على إيران، من دون معالجة برنامج الصواريخ القوي لدى لجمهورية الإسلامية، يجب أن يكون مصدر قلق للكونغرس».

وأشارت الدراسة الى أن الاتفاقية النووية لا تفرض أي قيود على تطوير طهران للصواريخ وانتشارها، بل تُنهي صلاحية القيود الأممية على الصواريخ في 2023.

وأضافت أنه «خلال السنوات الثلاثة التي شاركت فيها الولايات المتحدة بالاتفاقية النووية، أطلقت إيران ما لا يقل عن 27 صاروخاً بالستياً كجزء من الاختبارات أو العمليات العسكرية» وان مع «طموحاتها لتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى، وذات قدرة نووية يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة وأوروبا، يصبح رفع العقوبات عن برنامج الصواريخ معارضا لمصالح الأمن القومي الأميركي».

وطالبت الدراسة، الكونغرس برفض العودة لأي اتفاقية من دون ضوابط صاروخية، ما يشي بأن الصواريخ الايرانية صارت اليوم تهدد المحادثات غير المباشرة المقرر استئنافها في العاصمة النمسوية فيينا بعد غد.

لا فلسطين بلا انتخابات.. ولا انتخابات مع الميليشيات

حسين عبدالحسين

أعلنت السلطة الفلسطينية "تأجيل" انتخابات "المجلس التشريعي"، التي كانت مقررة في الثاني والعشرين من الجاري، تحت ذريعة أن إسرائيل منعت تنظيمها في القدس الشرقية، وهو عذر أقبح من ذنب، اذ أن أي عملية انتخابية في العالم لا ترتبط بمكان تواجد الناخب أو الجغرافيا، بل تسمح بالاقتراع بالبريد أو عن بعد، أو كان يمكن للمقدسيين الفلسطينيين الاقتراع في مراكز في الضفة الغربية، تحت سيطرة السلطة ومجاورة للقدس.

أول صراخ ارتفع ضد التأجيل جاء من حركة حماس، التي كانت تعتقد أنها ستفوز بغالبية المقاعد، ما يسمح لها بالسيطرة على السلطة. واحتجّت الحركة الإسلامية أن رئيس السلطة محمود عبّاس، ومعه إسرائيل والعالم بأسره، تآمروا لإجهاض "الديمقراطية" الفلسطينية. 

إلا أن الديمقراطية الفلسطينية ميتة منذ عقود، لا لأن السلطة لم تجر أي انتخابات منذ العام 2006، بل لأن ميليشيا حماس المدججة بالسلاح تقوّض الحرية اللازمة لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة.

قبل أشهر، حاول نفر من شباب غزة عقد "حوار للسلام" عبر الإنترنت مع نظراء لهم في إسرائيل. عرفت حماس فاعتقلت الشباب الغزاويين بتهم التواصل مع العدو والتطبيع والجاسوسية. هذا مثال على استحالة إجراء انتخابات حرّة في قطاع غزة، الذي يعيش تحت حكم ميليشيا قروسطوية مسلّحة، وهو ما يعني أنه حتى لو أراد غزاويون تنظيم حزب يطالب بنزع سلاح حماس، أو بعقد سلام فوري وغير مشروط مع اسرائيل، لا يمكن لهذا الحزب التنافس في الانتخابات، وهو ما يعني أن الانتخابات لا يمكنها أن تكون ديمقراطية في ظل سيطرة الشعار الفلسطيني المبرر للاستبداد، والقائل إن "الخيانة ليست وجهة نظر".

ومشكلة استحالة إجراء انتخابات حرّة ونزيهة ليست في الأراضي الفلسطينية وحدها، بل في كل الدول التي تنشط فيها ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون، مثل في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن. في كل واحدة من هذه الدول، تتحكم ميليشيات مسلحة لا تأتمر بسلطة دولة منتخبة، أو أجهزة استخباراتية تابعة لحاكم غير منتخب، بمفاصل الحياة العامة، وتحدد كيف تكون الوطنية وكيف تكون الخيانة، تحت طائلة إقصاء المعارضين بتهم الخيانة، أو قتلهم، أو دفعهم للمنفى.

المثير للاهتمام في نماذج البلدان التي تعاني من انتخابات شكلية ودول فاشلة هو أن حكامها وميليشياتها يقدمون "القضية الفلسطينية" كمبرر لحيازتهم السلاح الخارج عن الشرعية، ولا يرون أن هذا السلاح نفسه هو العائق الأول لبناء دول ديمقراطية، وتاليا العائق الأول لبناء دولة فلسطينية.

ولحماس و"الجهاد الإسلامي" وحزب الله و"الحشد الشعبي" رؤية متخلّفة عن مفهوم الدولة، إذ تعتقد هذه الميلشيات أن الدولة هي الأرض ومن يحكمها، لا المؤسسات وكيف يتم حكمها. لبنان مثلا، أرضه حرّة ومحررة من أي وجود لأي قوات أجنبية، لكن مع ذلك يبقى لبنان، مثل غزة وباقي الأراضي الفلسطينية، دولة فاشلة، وهو ما يؤكد أن الأرض لا تصنع دولا، بل المؤسسات والديمقراطية وحرية الرأي هي التي تصنع حضارات ودول وازدهار وتقدم.

وميليشيات الإسلام السياسي، التي يرعاها النظام الإيراني في عموم منطقة الشرق الأوسط، لا يبدو أنها تفهم معنى الحرية أبدا، ومع ذلك تراها تطالب بالانتخابات، وتخال أن الانتخابات وحدها هي الديمقراطية، فيما الانتخابات هي فعليا واحدة من أدوات كثيرة لصناعة ديمقراطية. والانتخابات وحدها لا تكفي للتوصل إلى ديمقراطية، بل هي تحتاج إلى عدالة وحرية وقانون، وكل هذه تغيب في الدول التي تتحكم بها الميليشيات.

الميليشيات تعتقد أن الدولة هي أرض وعقيدة وطنية ثابتة، وتحت هذه العقيدة تندرج "مبادئ" و"مقدسات" هي خارج النقاش. مثلا، في بيان تعليق حماس عل "تأجيل" الانتخابات، ورد أن الحركة تدعو إلى "التداعي وطنيا لوضع خارطة طريق وطنية تنهي حالة التفرد، وتحقق الوحدة الوطنية على أسس سليمة وصلبة تضمن إنجاز الإصلاح السياسي الشامل، وتوجيه كل الجهود نحو مقاومة الاحتلال والاشتباك معه".

البيان يشي بأن حماس لا ترى أن الحرب أو السلم مع إسرائيل هما خياران سياسيان خاضعان للنقاش، بل تعتقد أن "الاشتباك مع إسرائيل" هو بمثابة دستور. ومثل حماس، فرض "حزب الله" أساسا لكل بيان تشكيل حكومة مبني على ما يسميها ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، وكأن الجيش والمقاومة ليسا من الشعب. وهذا البند هو الذي يستند إليه الحزب ليستقي شرعية من دولة لبنان.

الإسلام السياسي مثل حماس و"حزب الله" لا يريان في الانتخابات إلا أداة للسيطرة على الدولة والاطاحة بالمسؤولين الفاسدين، من المنافسين السياسيين فقط. ولا ترى هذه الحركات الإسلامية أن دور الانتخابات يتضمن نقاشات وقرارات في كل شؤون الشعب والدولة، بما في ذلك السياسات التي تصفها الميليشيات على أنها خيانة.

منذ أيام وعيي السياسي الأولى وأنا أناصر الانتخابات بكل أشكالها وكيفما اتفق، وساندتها وراهنت عليها كبديل لطغاة من أمثال العراقي صدام حسين والسوري بشار الأسد والمصري حسني مبارك. فاتني أن الديمقراطية تحتاج إلى مقومات أكثر من الانتخابات، وأنه بدون توفر هذه المقاومات، تتحول الانتخابات الى أداة لتسلّق طغاة جدد — مثل الميليشيات الإسلامية — سلم الحكم، ولا داعي للتذكير بأن أكثر طاغية مجرم في العالم، أي الألماني أدولف هتلر، وصل إلى السلطة بانتخابات، ولم يتركها بعد ذلك، ومثله فعلت حماس، وتسعى لتوسيع تسلطها في جولة انتخابية ثانية تنتزع بها الضفة من حكم فاسد، وإن أقل طغيانا وأكثر عقلانية من الإسلاميين.

هذه المرة الأولى في حياتي التي أكتب فيها ضد الانتخابات. هذه المرة أعارضها الانتخابات في الأراضي الفلسطينية، وسأكتب مستقبلا مناهض للانتخابات في لبنان والعراق وإيران، فلا حرية في ظل الميليشيات، ولا انتخابات بلا حرية، ولا ديمقراطية بلا انتخابات حرة، ولا دولة فلسطينية — ولا لبنانية ولا عراقية ولا سورية — بلا ديمقراطية. 

أما الانتخابات في ظل الميليشيات وطغيانها، فعملية تجميل لوجه الإسلام السياسي القبيح.

Since December 2008