الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

رئيس لبناني لقضية فلسطينية

حسين عبدالحسين

قدم 13 عضوا في مجلس النواب اللبناني - يطلقون على أنفسهم "كتلة النواب التغييريين" - رؤيتهم لرئيس لبنان المتوقع انتخابه لخلافة ميشال عون، الذي تنتهي رئاسته المشؤومة منتصف الشهر المقبل. رؤية التغييريين ضاهت بركاكتها الفكرية والسياسية الضحالة اللبنانية الحاكمة، وهو ما يؤكد أن مشكلة لبنان أعمق من فشل وفساد حكّامه إذ أن "دود الخل منه وفيه"، حسب القول المحلي.

وللإنصاف، لا يتبنى كل التغييريين هذه الركاكة، فمن سنح له الاطلاع على مسودة "حزب تقدم" حول رؤيته للرئيس المتوقع والرئاسة، يري أن "حزب تقدم" متقدما بأشواط، فكريا وسياسيا، على كتلة النواب التغييريين، والأرجح أن نائبي "تقدم" وافقا على رؤية التغييريين في سبيل الحفاظ على تماسك الكتلة التغييرية داخل البرلمان.

وتنص رؤية التغييرين على ضرورة انتخاب رئيس "يكون فوق الأحزاب والأطراف، فوق الاصطفاف، فوق الفئويّة، فوق الاستئثار، فوق التبعيّة، متحرّرا من كلّ التزام مسبق"، وهذا شرط يعاكس أصول الديموقراطية، إذ أن رؤساء الدول ليسوا قديسين، ولا هم فوق الانقسامات الشعبية والحزبية، بل أن الرؤساء يفوزون بمناصبهم وفقا لانحيازاتهم المعلنة لسياسات دون أخرى، وهي انحيازيات تعود عليهم بدعم أحزاب وفئات وتيارات تجتمع على انتخاب هذا الرئيس أو ذاك، وتسانده في فترة حكمه، فلا يكون الرئيس طوباويا صوريا لا قاعدة شعبية له لتؤيد مواقفه وسياساته.

إلا أن الطامة الأكبر تمثلت في إضافة التغييرين الى مواصفات رئيس لبنان المنشود شرط أن يكون متمتعا بـ"إيمان مطلق بالقضية الفلسطينية". طبعا، شرط انحياز رئيس لبنان للقضية الفلسطينية يتنافى مع مطلب التغييريين أن يكون الرئيس "فوق الاصطفاف"، وبلا انحياز، فالقضية الفلسطينية لا تتمتع بإجماع اللبنانيين، وتتطلب تاليا انحيازا مع فريق ضد آخر.

بعيدا عن التناقض في المطالبة برئيس لبناني "مؤمن بالقضية الفلسطينية" يكون في الآن نفسه حياديا، تبدو ضحالة التغييريين واضحة في تخبطهم في التمييز بين المواضيع الإيمانية والمصلحة اللبنانية. في المصلحة لا مكان للعواطف ولا للمشاعر. قد يرى هؤلاء النوّاب أن القضية الفلسطينية عادلة ومحقة وأن إسرائيل متوحشة ومفترية، إلا أن رأيهم هذا لا يهم، ولا يرتبط بمصالح لبنان، ويجب تاليا أن لا يرتبط بسياساته أو باختيار سلطتيه التنفيذية أو التشريعية.

الدول، كل الدول، هي كيانات طوعية قائمة على تراضي مواطنيها بالعيش وفق "عقد اجتماعي" غالبا ما يسميه الناس دستور. هذا الدستور يعامل المواطنين بالتساوي بغض النظر عن جنسهم أو اثنيتهم أو معتقدهم، وهو ما يعني أنه لا يهم إن كان الفلسطينيون عربا أو مسلمين أو مشرقيين مثل غالبية اللبنانيين. طالما أن الفلسطينيين فلسطينيون واللبنانيين لبنانيون، تبقى دولة لبنان مدينة لمواطنيها بحماية ورعاية وسهر على مصالحهم، ولا تشمل هذه الرعاية غير اللبنانيين، فلسطينيين أو غيرهم. وهذا قول لا يلغي التضامن الانساني مع غير اللبنانيين، لكن التضامن شيء ورهن سياسات لبنان بفلسطين أو سوريا أو غيرها شيء آخر.

ومن نافل القول إن لدى الفلسطينيين أنفسهم إدراكا أكبر للوطن والمواطنية من اللبنانيين. مثلا، لا نرى الفلسطينيين يرفعون أعلام لبنان، ولا نراهم يشنون حملات على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بعودة مدخرات المودعين اللبنانيين، ولا ينظمون حملات تبرع مالي لشراء أدوية للبنانيين أو لتأمين الكهرباء أو الانترنت. فعليا، يندر أن ترى فلسطينيا يتفاعل مع قضايا اللبنانيين عدا عن تهليله لحزب الله اللبناني كلما انخرط الأخير في مواجهة مسلحة مع إسرائيل، بغض النظر عن التكلفة الباهظة التي يتكبدها اللبنانيون لمواجهات من هذا النوع.

غالبية اللبنانيين لا يبدو أنها تفهم معنى الدساتير والمواطنين والدول، بل هي تعامل القضية الفلسطينية بمثل الإيمان الديني الخارج عادة عن النقاش، كما عن السياسات والمصالح. والإيمان فعل لا يرتبط بالمنطق أو العقلانية، إذ أن المطلوب من المؤمنين عادة ترديد عبارات ماورائية تأثيرها غير مادي ولا محسوس.

والقضية الفلسطينية كالأديان، لا بداية لها ولا نهاية، ولا حتى الفلسطينيين أنفسهم لديهم رؤية واضحة لأهداف معينة يمكن تحقيقها في فترة زمنية معلومة، بل أن الفلسطينيين ينخرطون في ما يسمونه "صراع أجيال" مع الإسرائيليين، ويرفضون قياس أوضاعهم المعيشية وفقا لمقاييس مفهومة، بل يعلون المشاعر والأحاسيس غير المادية حول الكرامة والعنفوان على العلم والقياس، وهو ما حوّل الصراع الفلسطيني الى ديني لا عقلاني، لا أهدافه واضحة، ولا ارتباط المصالح الفلسطينية به جلية.

ولأن الفلسطينيين يتخبطون في صراعهم، صار موقفهم الوحيد الشكوى والمظلومية، وصارت خطتهم الوحيدة الهتافات والمكابرة، فلماذا ربط لبنان بصراع عبثي لا أول له ولا آخر؟ وماذا يعني "الإيمان المطلق" بالقضية الفلسطينية؟ هل يعني نسج سياسات لبنان وفق حل الدولتين الذي تقبل به السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله؟ أم وفق رؤية حماس لطرد كل الإسرائيليين وإقامة دولة إسلامية من البحر الى النهر؟ أم أن "الإيمان المطلق" بالقضية الفلسطينية يعني تمسك اللبنانيين بحل الدولة الواحدة الثنائية القومية الذي ترفضها غالبية من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؟

ثم ماذا تعني سياسة تمسك لبنان بالقضية الفلسطينية؟ تعني في الغالب رفض السلام والتطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعني خسارة لبنانية بمليارات الدولارات من التجارة الممكنة مع دولة إسرائيل، كما من السياحة والاستثمارات الدولية التي يمكن أن تتدفق على لبنان بسبب السلام (لا كرمى لعيون إسرائيل، ولكن بسبب الاستقرار وامكانية الافادة من سوقين متجاورتين لبنانية وإسرائيلية).

لم يعر التغييريون وقتا كافيا للتفكير في إصرارهم على انتخاب رئيس لبناني لقضية فلسطينية، ولا يبدو أنهم فكروا مليا في تنافي هذا المطلب مع مبدأ الدولة، ومع السياسات المطلوبة لحماية مصالح لبنان ومواطنيه لا سياسات لمصلحة قضية الجيران.

طريق لبنان إلى التغيير طويلة، وهي للأسف لم تبدأ بعد، ويبدو أنها مثل القضية الفلسطينية، جدولها الزمني مرتبط بالأجيال، لا بالسياسات الآنية ذات الجداول الزمنية المعلومة، ولا بالانتخابات البرلمانية أو الرئاسية.

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2022

هزيمة نظام إيران في العراق

حسين عبدالحسين

لم يفطن النظام الإسلاموي في إيران لحجم المشكلة العراقية التي يغرق فيها. اعتقدت طهران أن أي مجموعة سكانية شيعية حول العالم تشكّل أرضا خصبة لتجنيد موالين للنظام الإيراني فيصبحون شيعة ينخرطون في حروبه الاستخباراتية والإرهابية والميليشياوية، وأن العراق، ذو الغالبية الشيعية، سيتحول إلى أكبر دولة تابعة للنظام الإيراني. 

لكن حسابات طهران فشلت لأسباب متعددة لم يأخذها الايرانيون في عين الاعتبار، أولها ضخامة الكتلة الشيعية العراقية. في لبنان، مثلا، مليون ونصف شيعي، وفي البحرين مئات الآلاف، وهو ما يعني أنه يمكن للنظام الإيراني تخصيص مرتبات لغالبية شيعة لبنان والبحرين، وتمويل شبكة خدمات اجتماعية لهم ومؤسسات تربوية وصحية وترفيهية.

مقابل التقديمات الإيرانية، تتوقع طهران ولاء هؤلاء الشيعة للولي الفقيه الإيراني، علي خامنئي، فلا يبخل هؤلاء على إيران، ويتحولون إلى "جنود في جيش الولي الفقيه"، على حسب قول زعيم "حزب الله" اللبناني، حسن نصرالله، ويقاتلون حتى أبناء بلدهم خدمة لطهران.

ويقوم "جيش الولي الفقيه" بكل ما تطلبه منه إيران، من محاولة اغتيال الكاتب سلمان رشدي في الولايات المتحدة، إلى رمي صواريخ من لبنان على إسرائيل لثنيها عن تعطيل البرنامج النووي الإيراني، أو ابتزاز دول جوار إيران، خصوصا الخليجية منها. هذا في لبنان والبحرين.

لكن الوضع في العراق يختلف كليا، حيث يبلغ تعداد الشيعة أكثر من عشرين مليون نسمة، وهو ما يجعل من المتعذر على إيران تخصيص مرتبات لهم أو تأمين خدمات اجتماعية مقابل ولائهم.

ثم أن عائدات الدولة العراقية من النفط أكبر من عائدات إيران، وهو ما يدفع الزعماء العراقيين للسباق إلى الحكم واستخدام عائداته لإقامة شبكات ريعية موالية لهم ومنفصلة عن إيران، وتقوم هذه الشبكات غالبا بمنافسة إيران، كما في زمن رئاسة نوري المالكي للحكومة الذي واجه إيران ولم يعد إلى التحالف المصلحي معها إلا بعد خروجه من الحكم.

ويتفوق العراق على إيران بشيعيته، فالعراق هو مهد المذهب الشيعي، فيه قبور ستة من الأئمة الاثني عشر: علي بن أبي طالب والحسين ابنه، وموسى الكاظم، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري. وفي دنيا الشيعة، تتصدر مكة مدن العالم من حيث قداستها، تليها المدينة المنورة، ثم النجف حيث ضريح الإمام علي، فكربلاء موقع مقتل الحسين ومرقده وأخيه العبّاس. وتحتل النجف عند الشيعة مرتبة روحية تماثل أهمية الفاتيكان لدى المسيحيين الكاثوليكيين.

أما إيران، فهي حديثة العهد بالمذهب الشيعي، الذي تبنته المجموعات الصوفية الصفوية لمنافسة السلاطين العثمانيين على زعامة العالم الإسلامي. وفي مشهد في إيران ضريح الإمام علي الرضا. أما في قم، فمقام لشخصية شيعية مغمورة متنازع حول تاريخيتها هي فاطمة أخت علي الرضا المسماة "معصومة". ومنح سيدة العصمة يتناقض وتعاليم المذهب الشيعي، لكن دخول الإيرانيين المذهب أدخل معه بدع كثيرة لا يزال الشيعة العرب يرفضون الاعتراف بغالبيتها.

هكذا، على عكس ضعف لبنان والبحرين أمام إيران، عدديا وماليا وروحيا، يتفوق العراق على إيران ماليا وروحيا، زد على أن بين العراق وإيران ثأرا تاريخيا طويلا يسبق الإسلام بقرون، بدأ منذ غزت حضارات الرافدين عيلام جنوب إيران، ثم غزا البارثيون بابل وملكها نبونعيد في العام 536 قبل الميلاد، تلا ذلك غزو الساسانيين في العام 274 ميلادية. لكن العرب قضوا على الساسانيين في 651 وحكموا إيران لقرابة ألف عام، إلى أن بدأ الصفويون يشكلون دولة فارس، التي توسعت وصارت إيران التي نعرفها.

لهذا السبب، كان من اليسير على صدام حسين تحريض الشيعة العرب العراقيين على الشيعة الإيرانيين، فعلى الرغم من التشابه المذهبي، إلا أن العداء والتنافس بين الحضارتين قائم منذ أكثر من ألفيتين من الزمن. 

ومنذ انهيار نظام حسين في 2003، حاولت إيران مرارا جمع القيادات الشيعية العراقية في صيغ متعددة تحت مسمى "البيت الشيعي"، ثم حاولت تكرار تجربة "حزب الله" اللبناني بدفعها رجال دين معممين للعب أدوار قيادية وإقامة أحزاب وميليشيات لا تزال قائمة اليوم واسمها "الميليشيات الولائية"، أي الموالية لخامنئي.

مع ذلك، بقيت ميليشيات إيران في العراق محدودة الشعبية، في وقت تفوقت عليها تنظيمات بدون امكانيات، مثل الميليشيات المتعاقبة التي أقامها رجل الدين مقتدى الصدر، لسبب وحيد هو أن الصدر ركب موجة الوطنية العراقية.

ويتميز الصدر عن كل القيادات العراقية الحالية أنه ووالده لم يعارضا صدام حسين من المنافي، بل عاشا في العراق قبل صدام وبعده، وهو ما عزز الانطباع عن وطنيتهما أكثر بكثير من معارضي المنفى مثل نوري المالكي وحيدر العبادي وهادي العامري وعائلة الحكيم والراحل جمال الجراح (أبو مهدي المهندس). 

اليوم، تقوم إيران بكل المناورات السياسية الممكنة، متزامنة مع إرهاب تمارسه ضد خصومها بما في ذلك اغتيال أعداد كبيرة منهم، وذلك بهدف بناء حكم بالحديد والنار يمسكه أحد مرتزقتها العراقيون. وتفضل طهران ألا يكون المالكي رجلها، لأنه يعاني من جنون العظمة ولا يسعى إلا لمصلحته الشخصية.

لم ينجح العنف الإيراني والاغتيالات في إسكات معارضي طهران العراقيين، الذين لا يفوتون فرصة بدون إحراق قنصلية إيران أو صور خامنئي في العراق أو تماثيل قاسم سليماني. ويوم الإثنين الماضي عندما اندلعت مواجهات بين معارضي إيران من جهة، خصوصا من التيار الصدري، ومؤيدي طهران، من جهة ثانية، لقّن معارضو إيران حلفاءها درسا قاسيا وتفوقوا عليهم في القتال وفي إحراق مكاتب الميليشيات الولائية وفي الفوز بتعاطف ودعم شعبي، فيما انكفأت ميليشيات إيران وراحت تقتل العراقيين خلسة وعن طريق تصفيات وإعدامات، إذا ما صدقنا بعض التقارير التي تناقلتها وسائل الإعلام العراقية.

العراق عرّى إيران وكشف أنها ليست قوة عظمى على ما تخال نفسها، بل هي عصابة إرهابية حاكمة تحاول تخويف شعوب الجوار وحكمهم بالحديد والنار. والعراق أظهر لإيران أن المذهب لا يعلو على الوطنية، وأن العراقيين لن يتراجعوا بصمت ويتحولوا إلى مرتزقة كما فعل بعض شيعة لبنان والبحرين.

Since December 2008