الثلاثاء، 14 فبراير 2023

متى توقّع السعودية سلاما مع إسرائيل؟

حسين عبدالحسين

اليوم قبل 78 عاما التقى الراحلان مؤسس السعودية الملك عبدالعزيز ابن سعود ورئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت على متن ”يو اس اس كوينسي“ في البحر الأحمر. تصدّر الحوار — في ذاك اللقاء الشهير الذي أسس تحالفا بين الدولتين — مطالبة العاهل السعودي بوقف هجرة اليهود الى فلسطين وشرائهم الأراضي فيها. واقترح الزعيم السعودي توطين اللاجئين اليهود في دول المحور المهزومة في الحرب الثانية، وقال أن تعايش اليهود صعب مع العرب، وأن للعرب الحق في الأرض، وأنهم سيختارون الموت على التنازل عن أرضهم لليهود.

لم يكن الملك السعودي الراحل يتحدث عن الفلسطينيين متضامنا معهم، بل كان يتحدث باسمهم وباسم العرب والمسلمين. كان شكل الدول وفلسفتها يختلف تماما عن مفهوم اليوم. كانت الدول توسعية، وكان ابن سعود في صدارة التوسعيين، فهو اعاد تأسيس الدولة السعودية، وتمدد في نجد، وهزم قبيلة شمر في حائل، وتزوّج منهم، فأنجب الملك الراحل عبدالله، وانتزع الحجاز من الهاشميين، وهزم الإخوان المسلمين. وقامت القبائل التي هزمها بقسم الولاء له، ومنها قبائل كانت تمتد من حائل شمالا حتى جنوب ووسط سوريا، وحاول الملك عبدالعزيز ضم ديارهم الى السعودية، لكن فرنسا وبريطانيا تقاسمتا المشرق— سوريا للفرنسيين والأردن للبريطانيين وحلفائهم الهاشميين.

لم يثن انتزاع القوى الأوروبية أراضي القبائل المتحالفة مع الملك ابن سعود، مثل الروله والعنزة، عن منحه لهم الجنسية السعودية، حتى من كان يعيش منهم في العراق وسوريا والأردن. مؤسس السعودية كان ينتصر للفلسطينيين في سياق العروبة. 

لكن الزمن ما لبث أن تغير، وبطلت عادة الشعوب العابرة للحدود، وقامت الدول القومية ذات السيادة على أرض محددة. 

الفلسطينيون لم يجاروا التاريخ، ولم يقيموا دولة على أراض 67، بل تمسكوا بوحدة عربية بائدة، ورفضوا القرارات الأممية التي نصت على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود. أما السعودية، فرأت في العمل الديبلوماسي حلا وحيدا، فسلكت مسرى التضامن في جامعة الدول العربية، وقادت مقاطعة إسرائيل ديبلوماسيا واقتصاديا بهدف اضعافها، وانتزاع السيادة منها، ونقلها للفلسطينيين. أما القوى الثورية بقيادة جمال عبدالناصر، فعايبت الديبلوماسية، وانخرطت في حروب خسرتها جميعها.

لسبب ما، تمسكت غالبية من الفلسطينيين وماتزال بالقوى الثورية والفوضى، وحمّلت السعودية مسؤولية الشقاء الفلسطيني. 

اليوم، يتغير العالم مرّة جديدة، وتتغير السعودية، فيما غالبية فلسطينية تصرّ على ربط مستقبل السعوديين والمنطقة بمخيلة فوضوية عاطفية تصرّ على مواصلة صراع لم ينجب إلا الشقاء في الماضي، ولن ينجب إلا البؤس مستقبلا. 

قلبت العولمة النظام العالمي، وخصوصا الاقتصادي، واندثر النموذج السعودي المبني على إنفاق عائدات النفط الضخمة على السعوديين والمنطقة. الإمارات العربية أدركت الأمر، وتلتها السعودية منذ تسلّم الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله ولي العهد محمد الحكم.

تدرك السعودية اليوم أن مستقبل الشعوب ورفاهيتها لم يعد يعتمد على المساحات أو الثروات الوطنية، وهو ما تطلب انقلابا جذريا قاده ولي العهد وفق خطته المعروفة بـ ”رؤية 2030”“ لتحويل الاقتصاد السعودي من النفط الى اقتصاد معرفة وخدمات. هذا النوع من الاقتصادات لا يعرف حدودا للدول، ولا يزدهر وسط الصراعات المفتوحة الأمد، بل هو اقتصاد عالمي تتنافس فيه الشركات من كل الدول على أسواق بلا حدود، وتسعى لاستقطاب مواهب من عموم البشر، والى تطوير الموارد البشرية المحلية.

الانقلاب في السياسة السعودية ترافق مع تغيير جذري في رؤية السعودية لنفسها ولسياستها الإقليمية والدولية، فهي لم تعد تنافس إيران على زعامة الإقليم، ولا هي مهتمة بشراء صداقات حكومات عربية. مشكلة السعودية مع إيران اليوم ليست تنافسا في الإقليم بل الخطر الأمني الذي تشكله إيران على كل حكومات وشعوب المنطقة، بمن فيهم السعودية. إيران لا تفهم معنى جوار بل تسعى لاخضاع العرب وتتصور نفسها زعيمة العالم الإسلامي، بل العالم بأكمله. 

.أما السعودية، فخرجت من السباق الإقليمي، وصارت سياستها تتلخص بشعار ”السعودية أولا“، أي أن الرياض مستعدة أن تنفق على أي حكومة في الإقليم مقابل مكاسب واضحة للسعودية. هكذا، لم تعد تكترث المملكة للبنان أو لشؤونه لأنه قضية خاسرة وفي جيب طهران تماما، ولا فائدة واضحة لأي أموال قد تنفقها السعودية على اللبنانيين، ومثل ذلك السوريين وغيرهم.

الغريب أن إعلاء المصلحة السعودية لم يطل الموضوع الفلسطيني بعد، إذا على الرغم من أن المصلحة الاقتصادية والاقليمية للسعودية تقضي بتوقيع سلام فوري مع إسرائيل، ما تزال السعودية متمسكة بتضامن مفتوح الأمد مع الفلسطينيين.

طلب التضامن هو طلب فلسطيني يؤجل العرب بموجبه مصلحتهم في السلام الثنائي مع إسرائيل الى أن ينال الفلسطينيون مطالبهم. مشكلة الفلسطينيين أن لا قيادة لهم ولا مطالب مفهومة، فقط شعارات، وشعبوية، ومشاعر، وصراع أجيال مفتوح الأمد لا يشبه السياسات الحديثة للدول العربية، مثل الإمارات والسعودية، وهي دول صارت تربط سياساتها بجداول زمانية واضحة، فالوقت مال، وإضاعته إضاعة للموارد والفرص. 

لا بأس في تضامن العرب والسعودية مع الفلسطينيين، مثل تضامن تركيا ورئيسها رجب أردوغان مع القضية، أي تضامن في المواقف والتصريحات. أما في المصلحة الاقتصادية والسياسية، فعلاقات تركيا متينة بإسرائيل، بما في ذلك تبادل تجاري يكبر يوميا وعلاقات ديبلوماسية قوية. 

عندما ينظر أي فلسطيني في عيني أي سعودي ويطلب التضامن وعدم توقيع سلام مع إسرائيل، لا يمكن للفلسطيني تقديم أي حجج تثبت أن في تأجيل السلام السعودي مع إسرائيل مصلحة سعودية، بل هو مصلحة فلسطينية حصرية، وحتى هذه المصلحة الفلسطينية، عبثية وعاطفية، ولا خطة خلف مواصلة الصراع مع إسرائيل بل تستر على عجز الفلسطينيين عن حكم أنفسهم، وهو عجز يحاولون إخفائه خلف إسرائيل لأن لوم الآخر أسهل من الاعتراف بالخطأ وإصلاح الذات.

إن السلام الثنائي لكل من الدول العربية مع إسرائيل هو مصلحة وطنية خالصة يمكن تأجيلها لو أن للتأجيل مكاسب واضحة للفلسطينيين. لكن تأجيل هذه المصالح العربية في السلام مع إسرائيل في سبيل استمرار الفوضى الفلسطينية والفشل القائم هو خطأ يضاعف خسارات العرب باضافته الى الشقاء الفلسطيني تخلّف باقي العرب عن السير في ركب الاقتصاد العالمي واللحاق بالعصر الحالي.

الأربعاء، 8 فبراير 2023

الخديوي عبدالفتاح وإفلاس مصر

حسين عبدالحسين

لم تتغير أحوال مصر منذ قيام حضارتها قبل ستة آلاف عام: فرعون يحكم والغلابة يبنون قصوره ومقابره الضخمة، ويقتاتون من فتات مائدته. 

مطلع القرن التاسع عشر، قاد الألباني محمد علي باشا الكبير نهضة عسكرية مصرية، مولّها بالاستدانة وبالإفادة من عداء الفرنسيين للإنكليز، فدعم الفرنسيون وطوروا جيشه ضد السلطنة العثمانية المتحالفة مع بريطانيا. في نهاية المطاف، فازت بريطانيا على فرنسا والباشا، وأوقفت زحف ابنه ابراهيم إلى الأستانة، وفرضت نفسها سلطة انتداب على مصر بالتعاون مع خلفاء محمد علي من الخديويين الملوك، الذين غرقوا بالفساد والديون، فخسروا قناة السويس والبلاد بأكملها. 

في خمسينيات القرن الماضي، انقلب العسكر وجمال عبدالناصر على الملك فاروق، آخر سليلي محمد علي، واستولى الجيش على الاقتصاد، وعمم نظريته الاشتراكية البلهاء كتأميم المصانع والأراضي، فانهارت مصر اقتصاديا وعسكريا، ما أجبر الجيش على الاستدارة في زمن الجنرال أنور السادات، الذي تبنى النموذج الغربي، ومثله فعل بعده الجنرال حسني مبارك. وأثمرت جهود الرجلين نموا اقتصاديا مصريا كان يُفترض أن يرثه جمال مبارك، لكن العسكر كان لهم رأي آخر، فخاضوا انقلابا على شكل ثورة، أتبعوه بانقلاب على الثورة، وتسلم الجنرال عبدالفتاح السيسي الحكم في 2014، حاكما أوحد وإلى الأبد.

لا بأس في غياب الديموقراطية عن مصر، فالديموقراطية من الكماليات التي تغيب عن الشرق الأوسط، من تركيا الى إيران ومن المحيط إلى الخليج. لكن المشكلة هي في فقدان العسكر لأي من الكفاءة المطلوبة لإدارة الدول واقتصاداتها. هكذا، لم يلبث أن تسلم السيسي الحكم، حتى عدل القوانين للسماح للجيش باستكمال إطباقه على الاقتصاد، غالبا كجائزة ترضية لكبار الضباط من مناصريه ممن سمحوا له بالانقلاب وتسلم الحكم، وممن يشكلون أركان منظومة إمساكه بالشعب المصري من رقبته.

مشكلة مصر هي في الغياب التام لدى السيسي والعسكر لأي فهم أو إدراك أو معرفة بشؤون الاقتصاد والدول وإدارتها. العسكر يعوّلون في الغالب على الدعاية وتزييف الحقائق لفرض صورة مغايرة للواقع، يصدقها عادة الحاكم وأركان حكمه، مثلما أوهم العسكر عبدالناصر أن جيشه صار على أبواب تل أبيب في حرب 67، فانتهت الحرب والرئيس المصري الراحل يبكي خائبا. على الأقل، كان لدى عبدالناصر بعض الحياء، فتظاهر أنه استقال، وأرسل استخباراته تحشد الحشود لعودته عنها في مسرحية لا يصدقها إلا الغلابة البسطاء، وما أكثرهم في أم الدنيا مصر ودنيا العرب معها. 

السيسي أنفق 13 مليار دولار على توسيع قناة السويس، فلم تتعد عائداتها 6 مليارات سنويا، على عكس ما توقع هو وأركان حكمه. يوم تدشين التوسيع، شن الإعلام المصري حملة دعائية للسيسي شابهت حملات ناصر عن تأميم القناة أو بناء السد العالي، وما كان ينقص السيسي الا تفاخر العندليب الأسمر الراحل بإنجازاته كما كان يفعل في زمن "الريّس جمال".

لم يعتبر السيسي من استثماره الفاشل في القناة، فمضى يبنى عاصمته الجديدة الضخمة، على طراز فراعنة الزمن الغابر، بتكلفة 59 مليار دولار (الإنفاق السنوي لحكومة مصر حوالي 100 مليار دولار ومخزون العملات الأجنبية 35 مليارا). في كل الأحوال، مبروك للمصريين عاصمتهم الجديدة وأعلى برج في أفريقيا، ولكن بناء عاصمة جديدة في بلد يترنح اقتصاديا هو كالعاطل عن العمل الذي يشتري لنفسه قصرا بالدين، ويخاله استثمارا.

ما تحتاجه مصر هو نمو اقتصادها، وهذا يحتاج بدوره لاستثمارات أجنبية، والأخيرة تحتاج إلى ثلاثة عناصر كلها مفقودة في بلاد النيل: قضاء مستقل، وإدارة حكومية غير فاسدة، وتنافسية حسب قواعد السوق لا حسب القوانين التي تمنح العسكر أفضلية على باقي قوى السوق.

لم يقدم السيسي أيا من هذه العناصر، بل مضى يستدين ويبني مدينة تخفي خلف لماعيتها الفقر المدقع للمصريين الذين يعيشون في المقابر والمزابل.

هذه المقالة لا تطالب السيسي بالرحيل، ولا تطالب بديموقراطية فورية في دولة لم يعتد شعبها على أدنى التقاليد التي تشترطها الديموقراطية (مثل حرية الرأي المطلقة، وحرية الكفر والإلحاد، وحرية المثلية الجنسية وغيرها). الديموقراطية في مصر متعذرة في وجود من يتهجم على نجم كرة القدم محمد صلاح لمجرد بثه تغريدة تظهره وعائلته أمام شجرة عيد الميلاد، وكتب تحتها "ميلاد مجيد".

الديموقراطية في مصر ستعيد إلى السلطة حكاما يشبهون الفراعنة، وعبدالناصر، والإخوان المسلمين في فترة حكمهم القصيرة العقد الماضي، حكاما منتخبين يقمعون الحريات، وحكاما ليست لديهم أدنى فكرة عن كيفية الحكم وإدارة الاقتصاد والسعي لتحقيق مصالح مصر والمصريين. 

ما تطالب به هذه المقالة هو أن يسّلم السيسي وعسكر مصر الحكم لأهله من الاختصاصيين. الحكومات في الخليج، مثلا، ليست ديموقراطية، لكنها حذقة كفاية حتى تدرك ما الذي تحتاجه لتصبح جذابة لرؤوس الأموال العالمية وللسياح والمستثمرين. 

حاكم دبي نائب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن راشد نشر كتابا يتحدث فيه عن كيف بنى دبي بعقلية رجل الأعمال، وهو النموذج الذي تبنته الإمارات وبعدها السعودية. هو نموذج يسخّر كل مقدرات الدولة وسياساتها في خدمة النمو الاقتصادي واستقطاب المستثمرين والسياح، على عكس النموذج المصري الحالي، القائم منذ زمن الفراعنة، والذي يسخّر كل مقدرات الدولة وسياساتها في خدمة تلميع صورة الحاكم وتصويره كمخلّص أوحد.

ثم أن صورة الحاكم ستلمع من تلقاء نفسها لو راح اقتصاد مصر ينمو، وتقلّص الفقر، وازدادت البحبوحة بين الناس.

عبدالفتاح السيسي يمضي على طريق الخديوي إسماعيل: يغرق ومعه مصر في الديون لتلميع صورته، فيما الواقع ينذر بانهيار قادم، انهيار لا قدرة على وقفه لدى صندوق النقد الدولي، ولا لدى الأموال الخليجية الضخمة صاحبة الفضل حتى الآن على السيد السيسي واقتصاده.

Since December 2008