الأربعاء، 10 مايو 2017

«فضيحة روسيا» تدفع ترامب للبحث عن انتصارات... في سورية

حسين عبدالحسين

في الأول من أيار/مايو 1517، وفيما كانت القوات العثمانية تجتاح شرق المتوسط وشمال افريقيا، شنّت جموع من البريطانيين، المسلحين بالحجارة والعصي، غارات ضد غير البريطانيين المقيمين في جنوب لندن، وحطموا وأحرقوا بيوت ومحال المقيمين. واتهم البريطانيون "الغرباء" بأنهم "يحتكرون التجارة" و"يسرقون الوظائف" المحلية. هذه الهجمات ضد المقيمين الأجانب استمرت على مدى القرن السادس عشر، وما زالت اصواتها مسموعة حتى اليوم في معظم الدول الغربية: بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها.

عدد كبير من البريطانيين لا يدرك، حتى يومنا هذا، أن المقيمين الأجانب هم مصدر تنوع وغنى. هؤلاء المقيمون الأجانب، فقراء في الغالب، سكنوا أصلاً الضفة الجنوبية لنهر التايمز. في هذه الضاحية الخارجة، يومذاك، عن قوانين لندن البروتستانتية المحافظة، وجد مسرحيو بريطانيا، من أمثال وليام شكسبير، مساحة موائمة لتقديم عروض تحولت إلى اعمال خالدة، منها أعمال كان من بين شخصياتها مسلمون ممن كانوا يحملون تسمية "مور" في أوروبا في ذلك الزمان. هذه "الضفة الجنوبية" نفسها هي اليوم قلب لندن الثقافي، فيها متحف "تايت" للفن الحديث، ومسارح متنوعة للعروض الثقافية.

علاقة الإسلام ودنيا المسلمين بأوروبا عموما، وبريطانيا خصوصاً، هي محور كتاب "السلطان والملكة"، الصادر حديثاً لجيري بروتون، استاذ "دراسات عصر النهضة" في جامعة لندن. ويستعرض بروتون في كتابه، ما يعتبره البدايات الأولى للتعارف بين الأوروبيين والمسلمين، بدءاً من الحوارات النمطية التي ألفها مسيحيون لمحاججة مسلمين مفترضين وتفنيد المعتقدات الإسلامية، مروراً بالمراحل العديدة التي سبقت ظهور اول ترجمة انكليزية للقرآن. ويقتصر تاريخ بروتون على علاقة المسلمين ببريطانيا، إذ أن علاقة الأوروبيين بالمسلمين تعود الى القرن الثامن، على الأقل، والحكم العربي في الأندلس.

ويعتبر بروتون، في كتابه الموجز نسبياً، أنه، بسبب الانقسام بين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا الكاثوليكية والبابا، من جهة، وبريطانيا وألمانيا وهولندا، اللوثرية الإصلاحية، من جهة ثانية، وجدت بريطانيا نفسها في عزلة عن القوى الأوروبية وعرضة لمحاولات القضاء عليها اقتصادياً وعسكرياً. لم يكن أمام البريطانيين، يقول بروتون، إلا البحث عن قوى لإقامة شراكة معها أبعد من أوروبا، فشكلوا شركات مالية محلية مساهمة، كانت الأولى من نوعها، لتمويل مغامرات بحرية، قادتهم إحداها عبر المحيط الشمالي المتجمد، إلى موسكو، ومنها إلى إيران. كذلك زار البريطانيون السلطنة العثمانية، وتم تأسيس صداقة بين الطرفين ضد عدويهما المشترك، أي أوروبا الكاثوليكية. أما القوة الأقرب لبريطانيا، فكانت المغرب العربي، الذي كان يخضع لعمليات بسط نفوذ من البرتغاليين والإسبان.

وأسس البريطانيون علاقات تجارية، وحصلوا على امتيازات من اسطنبول، وباعوا الأسلحة إلى العثمانيين والمغاربة، على الرغم من قيام بابا روما، بتحريم بيع أي أسلحة مسيحية الى حكومات إسلامية. وتوّج البريطانيون شركاتهم المساهمة التجارية، بشركة الشرق، التي حكمت شبه القارة الهندية، جوهرة التاج البريطاني على امتداد القرن التاسع عشر، وحتى نيل الهند الاستقلال في العام 1947.

ويقدم بروتون عرضاً شيقاً للرسائل المتبادلة بين اليزابيث الأولى ملكة بريطانيا، والسلاطين العثمانيين المتعاقبين، ويعرض كيف أقام البريطانيون مكتب مصالح تجارية حكومياً في السلطنة، والذي تحول الى بعثة ديبلوماسية في زمننا الراهن. كما يقدم الكاتب المراسلات التي أطلع فيها المندوب البريطاني في اسطنبول، أسياده في لندن، على الرشاوى التي قدمها الى من شغلوا مناصب رفيعة في الباب العالي العثماني، وكيف اشترى صداقاتهم، وحاز ثقتهم، ووضع ذلك في خدمة مصالح بريطانيا وتجارتها. واستمر فرمان الامتيازات العثمانية للبريطانيين قائماً 383 عاماً، حتى دخول السلطنة إلى جانب ألمانيا، في الحرب العالمية الأولى، ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا في العام 1918.

ومن الحكايات المثيرة للاهتمام في كتاب "السلطان والملكة"، عرض قدمه حكام المغرب لنظرائهم في بريطانيا للدخول في شراكة، يمولها المغاربة، لإقامة مستوطنات في القارة الأميركية الشمالية، وهو عرض لم يتبلور لأسباب مختلفة. إلا أن معرفة أن المغرب كان ينوي استيطان اميركا، على غرار الامبراطوريات الفرنسية والاسبانية والبرتغالية، وقبل البريطانيين أنفسهم، هي قصة شيقة من التاريخ.

ومن التاريخ أيضاً نموذج عن العلاقات الدولية، ما زال سائداً حتى يومنا هذا. فالإيرانيون الشيعة تحالفوا مع أوروبا الكاثوليكية، نكاية بخصومهم العثمانيين السُنّة. والبريطانيون البروتستانت، تحالفوا مع السلطنة والمغرب السُنّة، في مواجهة أوروبا الكاثوليكية. فيما الدول الصغيرة، مثل الإمارات الإيطالية وبابا روما، دعت إلى تشكيل تحالف مسيحي عريض، في تكرار للحملات الصليبية، للهجوم على السلطنة واحتلال أراضيها.

أما الدول الصغيرة في القرن السادس عشر، فلم تكن في حسبان اللعبة الدولية، مثل تحالف توسكانا مع الأمير اللبناني فخرالدين المعني الثاني. وكانت توسكانا تسعى الى فتح طريق تجاري عبر أراضي السلطنة من دون المرور باسطنبول، لكن توسكانا لم تكن قوة بارزة مثل جارتها دوقية البندقية، وفخرالدين لم يصمد أمام أول تحرك عثماني اقتلعه من جبل لبنان.

يختم بروتون كتابه بالإشارة إلى أن علاقة أوروبا بالمسلمين قديمة، وليست وليدة الساعة، وأن عداء أهل البلد للمقيمين هو عداء قديم كذلك. ويأسف الكاتب لأنه عداء ما زال يتكرر في أوروبا وأميركا حتى اليوم. ومع أن بروتون يغوص، أكثر من المطلوب أحياناً، في تفسير المسرحيات البريطانية، أو في حياكة قصص المبعوثين والمغامرين البريطانيين الى دول الشرق، إلا ان كتابه شيق ويستحق القراءة.

الاثنين، 8 مايو 2017

مناطق سورية آمنة لمن؟

حسين عبدالحسين

لا يضاهي الاضطراب في معنى إعلان أربع مناطق آمنة في سوريا إلا الإعلان الروسي أن المجال الجوي فوق هذه المناطق سيكون مقفلاً على مقاتلات التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، في الحرب ضد تنظيم "الدولة الاسلامية".

وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الإيحاء وكأنه حاز على تأييد وموافقة واشنطن على إثر محادثته الهاتفية مع نظيره الأميركي دونالد ترامب. لكن أقصى ما تمخضت عنه المحادثة الهاتفية موافقة ترامب على إرسال مراقبين أميركيين للمشاركة في المؤتمرات الدولية المخصصة لسورية، في أستانة وغيرها. ويقيناً، فإن بوتين لم يأت على ذكر إغلاق المجال الجوي السوري أمام المقاتلات الأميركية، وهو لو أبلغ ترامب ذلك، لثارت ثائرة الأخير حتى لو أنه بالكاد يفقه معنى إقفال المجال الجوي.

والمفارقة تكمن في مطالبة روسيا للمعارضة السورية، الطرف الوحيد في الصراع السوري الذي لا يملك قوة جوية، بالتوقيع على الاتفاقية، التي لم يوقعها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والذي يملك بدوره قوة جوية عملت على الفتك بالسوريين على مدى الاعوام الستة الاخيرة.

لكن روسيا أرادت توقيعاً ما لتظهر انتصارها، وعندما رفض المعارضون التوقيع، أراد الروس تقديم استعراض قوة، فقالوا إن الاتفاقية تحظر تحليق مقاتلات أميركا وحلفائها فوق المناطق الأربع التي تم تحديدها في أستانة، وكأن المقاتلات الأميركية كانت تزدحم أصلاً فوق سماء اللاذقية أو إدلب أو درعا.

أما المقاتلات التي تحلق غالباً في سماء دمشق والقنيطرة، والتي غالباً ما تشن غارات ضخمة على أهداف تعود للمليشيات الموالية لإيران والمتحالفة مع الأسد، فهي المقاتلات الإسرائيلية، وهذه الاخيرة لم يجرؤ المسؤولون الروس على ذكرها، ربما لعلمهم أن في قادم الأيام، في خضم الحرب السورية، أو في زمن السلم الذي كان يفرضه يوماً آل الأسد، ستغير إسرائيل على ما يحلو لها من أهداف، من دون الالتفات للقانون الدولي، ولا إلى السيادة السورية، ولا إلى اتفاقيات أستانة وغيرها، ولتواصل موسكو إدانة الغارات الاسرائيلية، التي تخترق المجال الجوي، الذي تعلن روسيا بين الفينة والاخرى أنها اقفلته، فتخترقه يوماً صواريخ "توما هوك" الأميركية، ويوماً آخر مقاتلات "اف-١٦" الاسرائيلية.

وهذه الحال، إذا كان المجال الجوي السوري مازال مفتوحاً، بعد إقامة روسيا مناطقها الآمنة الأربع، للمقاتلات الإسرائيلية، وللصواريخ الأميركية، ولمقاتلات الأسد، التي لم تحترم أياً من اتفاقيات وقف إطلاق النار التي رعاها الروس في الماضي، وطالما أن موسكو حافظت لنفسها على استثناءات لاستهداف "الإرهابيين" بمقاتلاتها، هذا يعني أن اتفاقية أستانة لم تكن أكثر من مسرحية ديبلوماسية، وأن مصير الاتفاقية التي تمخضت عنها سيكون على الأرجح كمصير سابقاتها من اتفاقيات الهدنة في سوريا.

لن يستتب الأمن في المناطق الأربع المزعومة، ونصفها تحت سيطرة النظام أصلاً، لعودة المهجرين السوريين، كما زعم المسؤولون الروس، ولن تغيّر الهدنة كثيراً في الوقائع على الأرض، ولا في الاصطفافات الديبلوماسية، بل إن أفضل ما قدمته مفاوضات أستانة حول سوريا، والاتفاقية الناجمة عنها التي لم يوقعها أي طرف سوري، هي المزيد من الاستعراضات الديبلوماسية التي تبقي موسكو في دائرة الضوء، وتبقي بوتين سعيداً أنه يتربع على رأس امبراطورية تتصدر أخبار العالم.

أما الطرف الدولي الأقوى والقادر على تغيير الموازين العسكرية والديبلوماسية في سوريا، أي الولايات المتحدة، فما زالت تغرق في انعدام توازن لا يبدو أنها ستخرج منه في المستقبل المنظور، وهو انعدام توازن لا يهدد العالم فحسب، بل يهدد أميركا نفسها، التي تمضي من دون موظفين في إداراتها، والتي تحوّل فيها أقوى رجل في العالم إلى بائع شنطة يحب الثرثرة وبث التغريدات المثيرة للجدل.

Since December 2008