الثلاثاء، 6 أبريل 2021

المعارضة الإيرانية توحّد صفوفها ضد النظام والانتخابات

  واشنطن - من حسين عبدالحسين

تسعى الفصائل الإيرانية المعارضة للنظام، والناشطة في دول المنفى، إلى توحيد صفوفها لإقناع عواصم العالم باستحالة «تغيير تصرفات الجمهورية الإسلامية في إيران»، وبضرورة «تغيير النظام نفسه». وشن المعارضون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «لا للجمهورية الإسلامية»، ودعوا إلى مقاطعة شعبية للانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة في 18 يونيو.

ويعتقد الخبراء المعنيون بالشأن الإيراني أن النظام الإيراني يعوّل على نسبة المشاركين في الانتخابات لتأكيد شرعيته، وهو ما حدا بالمسؤولين الإيرانيين إلى إخفاء خطورة بدء انتشار وباء كورونا المستجد، مطلع العام الماضي، لحث الإيرانيين على الاقتراع بكثافة في الانتخابات التي جرت في 21 فبراير 2020. ويعتقد الخبراء أن الانتخابات الإيرانية لعبت دوراً كبيراً في نشر الفيروس على صعيد واسع، وتالياً إلى وقوع إصابات وحالات وفيات كان يمكن تفاديها.

ويرى المعارضون الإيرانيون أن نجاح مقاطعة الانتخابات الرئاسية سيثير حفيظة النظام ويطعن بشرعيته. وكانت أولى بوادر التجاوب الشعبي الإيراني في الداخل، مع دعوة المعارضة لمقاطعة انتخابات يونيو، بدت في تظاهرة نظمها إيرانيون يوم الأحد أمام مبنى «الضمان الاجتماعي»، رددوا فيها هتافات مفادها أنهم لن يصوتوا في أي انتخابات بعد الآن.

وشارك رضا بهلوي، ولي عهد الشاه الراحل والمقيم في واشنطن، في حملة «لا للجمهورية الإسلامية»، وبث على حسابه على موقع «تويتر» تغريدة ظهر بها حاملاً ورقة طبع عليها شعار الحملة مع التصميم الرسمي المعتمد.

وفي واشنطن أيضاً، تحدثت المعارضة البارزة مريم معمار صادقي عن الحملة، وقالت إنه منذ «الثورة الإيرانية في 1979، حل مكان النظام الملكي الحديث نظام ديكتاتوري إسلاموي، فعانى الشعب الإيراني، وفشل حتى الآن في تنظيم معارضة واحدة موحدة»، وهو ما سمح للنظام باستغلال الانقسامات الأيديولوجية بين المعارضين، والتنافس وانعدام الثقة بينهم، فضلاً عن استخدامه أساليب مثل «اغتيال قادة المعارضة، وعمليات التضليل الإعلامية، ومحاولة تصوير وكأن النظام ينوي على أو قابل للإصلاح».

وقالت معمار صادقي، في حديث لـ«الراي»، إن النظام نجح في «إرباك الإيرانيين، وترهيبهم، وإضعاف معنوياتهم، وتفتيتهم، وإضعاف قوتهم، سواء داخل البلاد أو في الشتات»، وهو ما يعني أن «ظهور حملة جماهيرية متضافرة الآن للإطاحة السلمية بالجمهورية الإسلامية، والانتقال إلى الديموقراطية الليبرالية، هو دليل على رفض الإيرانيين الانصياع لقواعد مضطهديهم».

وتتابع المعارضة الإيرانية أنه «تم إطلاق الحملة الدولية - لا للجمهورية الإسلامية - في الأسابيع القليلة الماضية، بشعار وصورة بسيطة، وهي دعوة لكل من يعارض النظام، الذي لم يترك أسرة إيرانية بمنأى عن شره، للتعبير بقول كلمة لا، التي تعبر عن مشاعر بسيطة وواضحة ولا لبس فيها».

وأضافت معمار صادقي أن من بين من «أخذوا زمام المبادرة في وقت مبكر من الحملة هم أمهات وآباء المتظاهرين السلميين الذين قُتلوا بالرصاص في نوفمبر 2019، يوم خرج الإيرانيون إلى الشوارع في أكثر من 200 مدينة»، وقتل النظام «أكثر من 1500 منهم، العديد منهم برصاصة في الرأس أو القلب».

وختمت بالقول إنه «لسوء الحظ، تواجه الحملة إدارة أميركية جديدة تسعى على ما يبدو للحفاظ على الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية شرعية»، على الرغم أن المعارضين الإيرانيين كتبوا إلى الرئيس جو بايدن «يتوسلون إليه ألا يتبع سياسة الاسترضاء هذه، وألا يرفع ضغط العقوبات عن النظام، إذ كلما أدركت الولايات المتحدة، وبقية العالم الحر، حجم الانتصار الذي يمكن أن يحققه الشعب الإيراني، كلما أدى ذلك إلى سياسات عكس القائمة».

على أن إدارة بايدن لم تكتفِ بتفادي اللقاء مع المعارضين الإيرانيين، خشية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف فرص العودة للاتفاقية النووية مع طهران، بل هي قامت بتعديل النص عن حقوق الإنسان الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية دورياً، إذ كان النص يشير إلى أن انتهاكات إيران لحقوق الإنسان، في نوفمبر 2019، تضمنت «الاستخدام الوحشي للقوة الذي أدى إلى مقتل أكثر من 1500 إيراني، وجرح 7000، واعتقال 12000 ورميهم في السجون الإيرانية».

لكن وزارة خارجية بايدن، في خطوة بدت وكأنها تهدف لاسترضاء طهران وإعادة إحياء الاتفاقية النووية معها، عدّلت هذه الفقرة وخفّضت عدد القتلى على أيدي النظام من 1500 إلى 304. والرقم الجديد، أي الأصغر، مصدره «منظمة العفو الدولية»، التي اعترفت نفسها بأن تقديرها لعدد ضحايا أحداث إيران، في تلك الفترة، غير مكتمل. أما الرقم الأكبر، الذي يجمع عليه غالبية الخبراء الأميركيين والأوروبيين، فمصدره تصريحات جاءت على لسان عدد من شخصيات النظام الإيراني، التي اعترفت بأن قوات الأمن الإيرانية قامت بقتل 1500 متظاهر.

التعديلات التي أدخلتها إدارة بايدن على تقرير الخارجية الأميركية حول حقوق الإنسان، كجزء من حملة المحاباة تجاه طهران، دفعت المسؤولة السابقة في الوزارة، والمولودة في طهران، ايلي كوهانيم، إلى القول إنه «قد يكون التعديل على التقرير المرة الوحيدة التي لا يثق فيها حكام أميركا من الحزب الديموقراطي بتصريحات المسؤولين الإيرانيين».

وكتبت كوهانيم، على موقع «ناشونال ريفيو»، أن «من خلال إزالة النص، تعتقد وزارة الخارجية أن بإمكانها تبديد الغضب ضد مبادراتها الديبلوماسية المقبلة مع طهران من خلال التقليل من عدد الجثث»، التي تسبب بقتلها النظام في إيران.

وتضيف كوهانيم، التي تعمل اليوم باحثة في مركز أبحاث «النساء المستقلات»، أنه «مثل إدارة (الرئيس الأسبق باراك) أوباما، التي عمل في صفوفها العديد من المسؤولين الحكوميين أنفسهم الذين يديرون سياسة بايدن تجاه إيران اليوم، سيكون إبرام اتفاق نووي مع الملالي في طهران أمر أصعب بكثير كلما عرف الشعب الأميركي المزيد عن جرائم الجمهورية الإسلامية».

وختمت كوهانيم القول إنه «إذا انخرطت إدارة بايدن بالفعل في عملية تبييض الجثث الإيرانية، فإن عملها قد انتهى، فخلال شهر مارس الماضي وحده، استخدمت إيران القوة المميتة ضد المتظاهرين في إقليم بلوشستان، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً منهم».

نحن آسفون يا شاه

حسين عبدالحسين

في الأشهر التي تلت انهيار نظام الرئيس المصري الراحل حسني مبارك واستيلاء الإسلاميين على السلطة بقوتهم التنظيمية التي أدت لانتصارهم في صناديق الاقتراع، خرج مصريون يشتكون حكم الإسلاميين ويترحمون على زمن مبارك، ويرددون عبارة "احنا آسفين يا ريّس"، وهي عبارة تكاد تختصر تاريخ بعض الدول العربية وإيران، التي أدت الانقلابات العسكرية والثورات فيها، على مدى القرن الماضي، إلى انهاء "الزمن الجميل"، الذي عاشته هذه الدول في ظل حكوماتها الملكية، غالبا برعاية غربية، انتدابية أو امبريالية.

والانقلابات العربية بدأت بانقلاب فاشل قاده بكر صدقي في العراق في 1936، تلاه انقلاب ناجح بقيادة حسني الزعيم في سوريا في 1949، فانقلاب "ضباط مصر الأحرار" ضد الملكية في مصر عام 1952، واستيلاء جمال عبدالناصر على السلطة حتى مماته في 1970. ولم يكتف عبدالناصر بإقامة حكم" ثوري" في مصر، بل شجع على ذلك في عموم المنطقة، فنجح عبدالكريم قاسم بالقضاء على الملكية الهاشمية العراقية في 1958، ومثله نجح معمر القذافي بالإطاحة بإدريس ملك ليبيا في 1969، وانقسمت المنطقة إلى ديكتاتوريات عسكرية تتسابق كل منها على توسيع نفوذها أينما تيسر، وتشارك جميعها في التحريض ضد الملكيات المتبقية في دول العرب وإيران.

إيران بدت وكأنها في صفوف الملكيات الناجية من انقلابات العسكر وطغيانهم الفاقع. صحيح أن الملكيات ليست ديمقراطيات ليبرالية، لكن بطشها أقلّ، بما لا يقاس، من العسكر، فضلا عن تقديمها نموا اقتصاديا وبشريا لم تدركه أي من الحكومات الثورية حتى اليوم.

في كتابه الممتع والصادر مؤخرا بعنوان "الشاه الأخير"، يروي كبير الباحثين في "مجلس العلاقات الخارجية"، راي تقي، السيرة السياسة لمحمد رضا شاه، آخر ملوك ايران، والذي أطاحت به ثورة 1979 واستبدلته بحكم جمهوري ما لبث أن تحول الى ثيوقراطية (أي حكم ديني) استبدادية، ما تزال تحكم بلاد فارس حتى اليوم.

يبدأ تقي كتابه مع استيلاء الضابط رضا بهلوي على الحكم من ملوك القجر في إيران في 1925، وتبنيه سياسة عدم انحياز دولية شابها بعض التقارب مع ألمانيا النازية، فما كان من بريطانيا إلا أن أطاحت به في 1941 نفيا إلى جنوب أفريقيا، لخوفها على نفط جنوب إيران، الذي كانت تسيطر عليه لإمداد ماكينتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية. هكذا خلف العشريني محمد رضا بهلوي والده ملكا على إيران. ثم بالاتفاق مع روسيا الستالينية، اقتسمت بريطانيا إيران، ومنحت الشمال للسوفيات، وقام الحلفاء باستخدام إيران كجسر لإمداد ستالين وقواته في مواجهتهم ألمانيا النازية.

مع انتهاء الحرب الكونية، حاول الروس انتزاع محافظة أذربيجان الإيرانية الشمالية ومعها بعض حقول نفط إيران، لكن المحاولة الروسية أطلقت الحرب الباردة، إذ رمت واشنطن بثقلها خلف إيران للحفاظ على وحدة أراضيها واستقلالها، ما أجبر ستالين على التراجع وسحب قواته، وعاشت إيران في ظل ملكية دستورية.

على أن المنافسة السياسة داخل إيران دفعت بعض الساسة إلى شعبوية تضمنت التحريض ضد بريطانيا والمطالبة بتأميم حقول النفط الإيرانية، وتم ذلك للإيرانيين، ففرضت بريطانيا حصارا عالميا قاسيا على قطاع النفط الإيراني، ما أدى إلى شلله وانهيار الاقتصاد. وحاول العاقلون في حكومة محمد مصدّق، ومعهم الولايات المتحدة كوسيط، التوصل إلى تسوية بين طهران ولندن، وحاولوا اقناع مصدّق أنه حتى لو أمم حقول النفط، فلا قدرة تقنية للإيرانيين على ضخ النفط واستخراجه وتسويقه عالميا. وتوصّل مصدّق لاتفاقيات نفطية شفهية مع بريطانيا بوساطة أميركية، لكن خوفه من شعبوية منافسيه منعه من التوقيع على ما وافق عليه.

معارضو مصدّق كان بينهم حزب تودة الشيوعي، الذي كان يرغب في منح حقول نفط الشمال للسوفيات، ما جعله يعارض تأميم حقول الجنوب، وكذلك المؤسسة الدينية بقيادة آية الله محمد كاشاني، التي كانت تؤيد الشاه تقليديا. ومع استمرار الأزمة وخشية بريطانيا وأميركا من قيام الشيوعيين بالاستيلاء على الحكم في إيران، قاما بدعم انقلاب عسكري في 1953، لكنه فشل بعدما اعتقل مصدّق الضابط الذي حمل إليه مرسوم الشاه القاضي بعزله من رئاسة الحكومة. هكذا كتب مسؤولو الاستخبارات الأميركيون والبريطانيون — حسب أرشيفهم الذي تمّ رفع السرية عنه — أن الانقلاب فشل. لكن الاحتجاجات الشعبية المدفوعة بانهيار اقتصادي تواصلت، إلى أن أدت لاستيلاء المحتجين على الإذاعة، وهو ما كان بمثابة نهاية عهد مصدّق وعودة الشاه من إجازة طوعية كان ذهب إليها لتفادي التعامل مع الأزمة. ذاك التفادي كان أولى مؤشرات ضعف شخصية الشاه أمام الأزمات الكبرى، وهي إجازة كررها الشاه في 1979 بمغادرة إيران، وموته بعد ذلك بقليل، وهو ما أدى لانتهاء حكمه.

بين 1953 و1979، قام الشاه بتحويل حكمه الملكي الدستوري إلى ملكي مطلق، وأدى ذلك إلى تكميم للأفواه وقمع للمعارضين. لكن في فترة الربع قرن هذه، نجح بهلوي في تحويل إيران من دولة متأخرة في النمو الاقتصادي والبشري إلى قوة اقتصادية وعسكرية إقليمية. ويوم راكمت إيران قدرة تقنية لازمة، قام الشاه في 1973 بتأميم النفط الإيراني واستعادته من الشركات الغربية، بهدوء وبدون شعبوية وتحريض ضد الغرب.

ولتأكيد إنجازات الشاه، كتب تقي أن "دخل النفط الإيراني ارتفع من 885 مليون دولار في عام 1971 إلى 17,8 مليارا في عام 1975، فيما ارتفع إجمالي الناتج المحلي من 4 مليارات دولار في عام 1961 إلى 54 مليارا في عام 1976". وعلى مدى 15 عاما تلت 1961، نما الإنتاج الصناعي الإيراني بمعدل 20 في المئة سنويا، وارتفعت الاستثمارات من 36 مليار دولار لتصل 63 مليارا في 1976. هكذا، ظهرت في مدن إيران الفنادق والمباني الشاهقة بسرعة قياسية.

ثم كانت الثورة الإيرانية، فمضت إيران في تدهور اقتصادي وبشري ودبلوماسي مستمر حتى اليوم، على غرار مصر والعراق وليبيا قبلها، فيما واصلت الملكيات العربية استقرارها ونموها، وهو ما يدفع اليوم إيرانيين كثر — ومعهم عرب ممن أيدوا ثورة إيران — إلى الندم، والتعبير عن الحنين إلى "الزمن الجميل" في عهد ملوكهم، أو القول، على غرار بعض المصريين: "نحن آسفون يا شاه".

Since December 2008