الثلاثاء، 26 يوليو 2022

حرب "حزب الله" على الكنيسة المارونية

حسين عبدالحسين

اعتقلت قوات الأمن اللبنانية رجل الدين اللبناني المسيحي الماروني موسى الحاج فور عودته من إسرائيل وبعد عبوره بوابة الناقورة الحدودية اللبنانية، وحققت معه على مدى 12 ساعة، وصادرت أموالا كانت بحوزته وتراوحت، حسب التقديرات، بين ربع مليون ونصف مليون دولار، فضلا عن أدوية كان ينقلها الحاج إلى لبنان العاجز — بسبب انهياره الاقتصادي — عن استيراد أدوية أساسية بشكل يهدد حياة المرضى فيه.

السلطة اللبنانية "التي يديرها حزب الله" الموالي لإيران علّلت الاعتقال والاستجواب بالإشارة إلى أن الحاج عاد من دولة عدوة، وحاولت التلميح الى أن المطران الماروني كان ينقل أموالا من حكومة إسرائيل الى أزلامها وتابعيها الذين يسعون لتخريب قدرة لبنان على "المقاومة". 

لكن قانون مقاطعة إسرائيل، الذي أقرته جامعة الدول العربية قبل عقود وتبناه لبنان، يستثني رجال الدين والعمل الرعوي، وهو استثناء سمح لبطريرك الموارنة نفسه اللبناني بشارة الراعي بزيارة إسرائيل في العام 2014. 

ومنذ تأسيس الرهبانية المارونية والبطريركية، قبل ألف عام على الأقل، يعيش الموارنة في المشرق (سوريا ولبنان وإسرائيل) وقبرص، وينتشرون منذ قرنين في أصقاع العالم، خصوصا في الأميركيتين، ولهم كنائس (بما في ذلك هنا في واشنطن) يديرها رجال دين يتبعون الكنيسة المارونية في لبنان.

لبنان نفسه وُلِدَ بمجهود كنيسة الموارنة في انطاكية وسائر المشرق، التي استقت اسم البلد من العهد القديم ومنحته شارتها، أي الأرزة المذكورة في الكتاب نفسه. ومع ترسيم الانتداب الأوروبي للحدود في الشرق الأوسط، حاولت بريطانيا جعل نهر الليطاني الحدود بين لبنان وفلسطين، لكن الفرنسيين، بتحريض من الكنيسة المارونية، رفضوا ذلك، وتم رسم الحدود بشكل فصل شمال فلسطين، ذات الغالبية السنية شبة المطلقة، عن جنوب لبنان، ذات الغالبية الشيعية والمارونية، باستثناء سبع قرى مارونية تمّ رسمها مع فلسطين، فضلا عن قرى مارونية كانت أكثر بعدا عن الحدود.

ويصل انتشار الموارنة في الشمال الإسرائيلي أصلا حتى عكّا، آخر نقطة عاش فيها الفينيقيون في الماضي السحيق، ثم توسعوا جنوبا ليصلوا حيفا والناصرة، فيما تعيش حوالي عشرات العائلات في القدس، ويبلغ اجمالي عددهم أقل من عشرة آلاف.

هكذا، بسبب وجود موارنة إسرائيليين، تم استثناء العمل الرعوي من قانون مقاطعة إسرائيل. والموارنة الإسرائيليون يزورون مقاماتهم الدينية في لبنان دوريا بحصولهم على جوازات أردنية من السلطة الفلسطينية، ثم انتقالهم إلى بيروت جوا من عمّان.

كل هذه التفاصيل لا تعني "حزب الله"، الذي ينصّب نفسه حامي المسيحيين في المشرق من خطر التطرف الداعشي. ما يزعج الميليشيا الموالية لإيران هي أن الكنيسة المارونية صممت لبنان في الماضي، ولاتزال تسعى اليوم للحفاظ عليه، كبلد يعيش فيه الموارنة بكرامتهم، لا كذميين — أي مواطني درجة ثانية — كما عبر عصور الحكم الاسلامي وكما في ايران اليوم. 

كما سعت الكنيسة المارونية تاريخيا، وتسعى اليوم، إلى استقرار أحوال رعيتها، روحيا ونفسيا واقتصاديا وماليا وأمنيا، وهو ما يتطلب أن يكون لبنان مزدهرا يعيش في سلام مع جواره، لا أن يكون قاعدة صاروخية تستخدمها إيران لابتزاز إسرائيل والغرب. لكن للأسف، لبنان هو اليوم قاعدة صاروخية إيرانية، أقصى ما يمكن لزعيمها حسن نصرالله تقديمه للبنانيين هو خيارين: الموت إما جوعا أو حربا.

ولأن "حزب الله" منزعج من الكنيسة المارونية وسيدها الراعي، يمضي بمضايقتها لعلمه أن اغتيال الراعي أكبر بكثير من كل عمليات الاغتيال التي نفذها ضد سياسيين لبنانيين في الماضي. أما مضايقات "حزب الله" للكنيسة المارونية وبطريركها الراعي، فتكون غالبا على شكل تخوين يشنه إعلام الحزب ضدها.

لكن اعتقال سلطات دولة "حزب الله" المطران الحاج ذهب أبعد بكثير من التخوين الإعلامي وأدى لارتباك أكبر حليفي الحزب المارونيين. النائب السابق والطامح للرئاسة سليمان فرنجية هاجم الاعتقال، وقال إن من قام به هم "طابور خامس"، أي عناصر مندسة، وهو نوع من الاتهامات التي تستهبل الناس. أما النائب الحالي وصهر الرئيس ميشال عون والطامح للرئاسة كذلك جبران باسيل، فحاول استهبال الناس بدوره بالتلاعب على الموضوع، وغرّد قائلا إن "القانون اللبناني يحرّم نقل الأموال من الأراضي المحتلة" لكن من غير الجائز اعتبار المطران عميل "لأنه يحاول مساعدة عائلات تم افقارها". وختم باسيل تغريدته بالهجوم الشعبوي العوني المعتاد على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

هكذا، وقف "حزب الله" في هجومه على كنيسة الموارنة عاريا، بدون تأييد أقرب حلفائه الموارنة، فاضطرت وسائل إعلام الميليشيا الموالية لإيران إلى تبرير الاعتقال باللجوء إلى كلمة تسييس. وكلمة تسييس هذه يستخدمها "حزب الله" للتغطية على كل موبقاته، فهو وصف المحكمة الدولية التي أصدرت حكما بتورطه في اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري بالتسييس، واتهم التحقيقات في انفجار المرفأ بالتسييس، واليوم يتهم الصرخة التي علت ضد تعليماته باعتقال المطران الماروني الحاج بالتسييس كذلك.

ولأن "حزب الله" وقف عاريا في هجومه على كنيسة لبنان المارونية، لم يجد من يعينه إلا حفنة من مناصريه الشيعة، فكتب أكاديمي يعيش في أميركا أن الحاج خرق القانون والأخلاق، ودعا إلى تفتيش سيارات البطريركية ذهابا وإيابا من إسرائيل كضرورة وطنية وأمنية، واستذكر معاهدة سرية بين الكنيسة والحركة الصهيونية قبل عقود، وأخذ على بعض الموارنة تلفظهم بكلمة إسرائيل بدلا من قولهم "فلسطين المحتلة". 

في هذا العقل البسيط أن كل من يعترف بوجود دولة اسرائيل يخرق الأخلاق، أي أن لا حوار ولا اختلاف رأي في الموضوع، ولا مساحة لحرص المواطن اللبناني على مصلحته الفردية والوطنية كأولوية تعلو على كل الأولويات في المنطقة والعالم، ولا خيار للمواطن اللبناني في التضامن أو عدمه مع الفلسطينيين. الأخلاق، برأي الأكاديمي الفاضل، هي أن تنحصر خيارات اللبنانيين بين الموت من الجوع أو الموت في الحرب، وهذا "وجه الصحارة"، وهؤلاء هم من يحكمون لبنان.

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

السعودية وقطر والتطبيع مع إسرائيل بلا سلام

حسين عبدالحسين

لخّص الوزير السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير قرار بلاده فتح أجوائها أمام الطائرات الإسرائيلية بالقول إن السعودية، بحكم موقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، هي مفترق طرق عالمي، وأن اتفاقية شيكاغو للطيران المدني للعام 1944 تفرض على الدول فتح أجوائها لكل الدول الأخرى، حتى التي لا تتمتع بعلاقات دبلوماسية معها.

وتابع الوزير السعودي أن فتح أبواب بلاده لكل الدول — بما فيها إسرائيل من دون أن يذكرها — لن يقتصر على المجال الجوي، بل سيشمل أيضا مرافئ السعودية، لافتا إلى أن 14 في المئة من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر.

وقال الجبير إن السعودية سترحب برياضيين من كل الدول في البطولات الدولية التي ستستضيفها، في إشارة ضمنية إلى إمكانية مشاركة رياضيين إسرائيليين في مسابقات رياضية في السعودية.

في السياق نفسه، قال الجبير إن بلاده لن توقع سلاما مع إسرائيل قبل تحقيق حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، مع حل عادل للاجئين (لا يعني عودة العرب إلى الدولة اليهودية).

على عكس الأنظار العربية والعالمية المسلّطة على موقف السعودية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لم تعد القضية الفلسطينية في رأس قائمة الأولويات السعودية، وذلك لأن السعودية بقيادة ولي عهدها محمد بن سلمان قامت بتعديلات جذرية طالت رؤية السعودية لنفسها.

على عكس العقود الماضية، لم تعد المملكة تتصور نفسها الدولة التي تقود العالم العربي أو الإسلامي، ولا هي منخرطة مع صراع على زعامة العرب، مثل الذي خاضتها مع مصر عبدالناصر في الخمسينات والستينات، ولا في سباق على قيادة العالم الإسلامي، كالذي خاضته مع إيران في الثمانينات والتسعينات.

أولوية السعودية اليوم هي السعودية أولا وأخيرا، وهو ما يعني تحويل الاقتصاد السعودي من ريعي يعتمد على عائدات النفط إلى خدماتي يعتمد على الموارد البشرية والمعرفة. والاقتصاد الخدماتي يشبه نموذج "نمور آسيا" وفي وقت لاحق الإمارات والبحرين وتركيا، وهو نموذج يجعل من السعودية عاصمة الإقليم المالية والاقتصادية والسياحية والرياضية.

أي أن السعودية تعمل على بناء وتنمية كل القطاعات غير النفطية، بما في ذلك قطاع الترانزيت، أي جباية رسوم مرور طائرات وسفن دول أجنبية، إسرائيل أو غيرها، واستقبال سيّاح من كل سكان المعمورة، بمن فيهم الإسرائيليون، رياضيون مشاركون في بطولات دولية أو رجال أعمال ومسؤولين في الشركات المتعددة الجنسيات.

أما الفارق بين الإمارات والبحرين وتركيا، من ناحية، والسعودية وقطر، من ناحية ثانية، فهو أن أبوظبي والمنامة وأنقرة تتمتعان باتفاقيات سلام وعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فيما الرياض والدوحة تربطان علاقتيهما الدبلوماسية مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية. وسبق لقطر أن استضافت بطولات رياضية مختلفة شارك فيها متسابقون إسرائيليون وتم عزف النشيد الوطني الإسرائيلي في الدوحة. كذلك تستعد قطر لاستقبال إسرائيليين سيشاهدون مباريات كأس العالم لكرة القدم المقرر إقامتها في قطر في نوفمبر المقبل. 

وعلى الرغم من الحملة الإعلامية التي تشنها الشبكات الإعلامية القطرية ضد إسرائيل، إلا أن التنسيق الاستخباراتي بين الاثنين قائم، ويتضمن سماح الدولة العبرية للدوحة بتقديم مئات ملايين الدولارات لتنظيم حماس في غزة لأسباب لا مجال لشرحها هنا. 

لكن على عكس قطر، التي تسعى لموائمة متطلبات الحفاظ على اقتصاد منفتح على العالم (بما في ذلك إسرائيل) مع قيامها بلعب أدوارا قيادية إقليمية وحول العالم، لا تسعى السعودية لأي أدوار إقليمية أو عالمية إلا التي تخدم المصالح السعودية، فالانخراط في الاقتصاد العالمي يتطلب "تصفير المشاكل" مع دول العالم، وهي السياسة التي أتقنتها تركيا، التي مدّت السجاد الأحمر للرئيس الإسرائيلي في مارس فيما تشارك هذا الشهر في قمة تجمعها مع رئيسي روسيا وإيران في طهران. 

أما غالبية الفلسطينيين، فلا يتغيرون منذ وعد بلفور، ومن بعده النكبة، فالنكسة، فالانتفاضتان، فالانهيار الشامل الذي يعيشونه اليوم. على عكس السعوديين والإماراتيين والقطريين والأتراك، يعلي هؤلاء الفلسطينيون مشاعرهم على مصالحهم، إذ هم لا يهتمون لما بين أيديهم من أراض فيسعون لإدارتها وتطويرها والإفادة من مواردهم البشرية الهائلة، ولا هم أقاموا دولة في سنوات سيطرة العرب على أراضي 1967، بل هم انهمكوا دائما في ما ليس بين أيديهم، أي فيما انتزعه الإسرائيليون منهم. 

لذلك، يعيش عدد من الفلسطينيين في التاريخ، ماضين غالبا في عبادة رئيس مصر الشعبوي الراحل جمال عبدالناصر، الذي دمّر كل ما طالته يداه، إن مصر واقتصادها، أو فلسطين أو اليمن، أو علاقة مصر بالغرب — خصوصا الولايات المتحدة. 

والمفارقة أنه يندر أن يعرب هؤلاء الفلسطينيون عن غضب أو كراهية تجاه الأتراك، الذين يتمتعون باتفاقيات سلام مع إسرائيل منذ عقود، ربما بسبب عواطف يحركها الماضي العثماني الذي يتخيلونه مجيدا. في الوقت نفسه، يتمسك هؤلاء الفلسطينيون بغضبهم على السعوديين وشعوب الخليج بغض النظر عمّا يفعله هؤلاء، إن موّل الخليج الميليشيات الفلسطينية واللاجئين أو لم يموّل، وإن التزمت السعودية حل الدولتين كشرط لإعلان سلام مع إسرائيل أو لم تلتزمه.

وربما في عداء هؤلاء الفلسطينيين للسعودية وعموم الخليج ما هو أعمق من القضية الفلسطينية، إذ يبدي عدد كبير من المشرقيين (فلسطينيين وسوريين ولبنانيين) عجرفة واستعلاء على الخليجيين، ويتهمونهم بأنهم من البدو الأقل حضارة، وأن الثروة النفطية لا تليق بهم، وأن المشرقيين هم من بنوا الخليج، إلى ما هنالك من عنصرية لا تحمل جميلا للخليجيين الذي آوت ثرواتهم النفطية مئات آلاف العائلات الفلسطينية واللبنانية والسورية والأردنية والمصرية وغيرها. 

السعودية ماضية في تطبيع مع إسرائيل يخدم مصالح المملكة، مع أو بدون اتفاقية سلام مع الدولة العبرية، والسعي للمصالح هو حجر أساس الدول المتقدمة، لعلّ وعسّى أن يدرك المشرقيون يوما — في فلسطين ولبنان وسوريا ومعهم العراق — أن البكاء على أطلال فلسطين لم يعد استراتيجية تطعم خبزا، وأن العالم يسير قدما بدونهم، وأن في مصلحتهم اللحاق في هذا العالم والانخراط فيه بدلا من النحيب المكرر والممل.

Since December 2008