الثلاثاء، 27 ديسمبر 2022

جنود الرب في دولة حزب الله

حسين عبدالحسين

انشغل اللبنانيون بسطوع نجم مجموعة جديدة من الناطقين باسم الله، مسيحيين هذه المرة، يسمون أنفسم جنود الرب. التقارير اللبنانية تشير الى أن نواة المجموعة تشكلت من مساجين سابقين عملوا حراسا لمصارف لحمايتها من غضب اللبنانيين الذين أحرقوا وكسّروا مصارف بسبب افلاسها وضياع جنى عمر كثيرين. 

كما تشير التقارير الى أن عديد المجموعة يصل الى 300 عنصرا، يستعرضون أعدادهم في الشوارع من حين لآخر وهم يرتدون قمصانا سوداء رسموا عليها صليبا ذي أجنحة. ويبدو أن جنود الرب هم الذين تصدوا، قبل عام، لمتظاهري حزب الله الذين عرّجوا على حي عين الرمانة المسيحي في طريق عودتهم من تظاهرة ضد العدالة لضحايا انفجار المرفأ، فاندلعت اشتباكات مسلحة أدت لوقوع قتلى.

على أن أبرز وجوه ”جنود الرب“ يرفضون وصفهم بميليشيا، ويصرّون أنهم مجموعة دعوية غير مسلحة. لكن التنظيم شبه العسكري والقمصان السود تشبه بدايات صعود ميليشيات النازية والفاشية في أوروبا، وحتى بدايات صعود أحزاب لبنانية تمثلت بالفاشية وتسمت بأسمائها، مثل ”الكتائب اللبنانية“ التي بدأت رحلتها كمجموعة قبضايات تشتبك بالعصي والحجارة مع خصومها، ثم تحولت الى ميليشيا ساهمت في تدمير لبنان أثناء حربه الأهلية. 

هذه المرة، خصوم ”جنود الرب“، أي ”حزب الله“ الشيعي المسلم، أقوى بما لا يقاس من نظرائه المسيحيين، والأرجح أن لدى أجهزة استخبارات الحزب ومخابرات الجيش اللبناني، التي يسيطر عليها الحزب كذلك، ملفات وصور وأسماء جنود الرب كلهم، وقد يكون عدد المخبرين بين صفوف ”جنود الرب“ أكثر من الجنود أنفسهم.

قد يلجأ ”حزب الله“، على عادته، الى تضخيم خطر ”جنود الرب“ لأسباب متنوعة، غالبا لاثارة الرعب في صفوف مناصريه الشيعة، كما لتبرير الابقاء على دويلته والميليشيا. وسبق لـ ”حزب الله“ في الماضي أن قام بتضخيم خطر داعش السنية في لبنان للأسباب نفسها ولتبرير اشتراكه في الحرب التي دمرت مدن السوريين على رؤس ناسها. وقام فعلا نوّاب سابقون بادعاء أن الولايات المتحدة تكدس الأسلحة في بكركي، في واحدة من نظريات المؤامرة الكاذبة الهادفة الى تلطيخ سمعة المسيحيين المعارضين لاستمرار وجود ميليشيا حزب الله.

جنود الرب هم "مجموعة أولاد" حسب التعبير اللبناني. على أن ما يخيب الآمال في هذه المجموعة هو كمية الضحالة التي تعاني منها. حتى أعتى مجموعات الزعران والقبضايات والميلشيات الفلسطينية واللبنانية التي تشكلت في لبنان على مدى القرن الماضي قدمت أفكارا تنظيمية أفضل، وان كانت أفكارا رديئة وبائسة ومستوحاة من تفاهات راحلين من أمثال المصري جمال عبدالناصر والسوري ميشال عفلق واللبناني انطون سعادة. هذه المرة، لا يقدم جنود الرب فكريا غير الرثاثة التي يعزونها الى نصوص دينية. 

ولأن "جنود الرب" أضعف بكثير من مواجهة "حزب الله"، فهم راحوا يستقوون على أضعف فئات المجتمع، خصوصا من مثليي الجنس. 

واستخدام الدين ذريعة للعنف والحرب هو سمة المجتمعات السابقة للحداثة. وفي الفكر السحيق أن من علامات التطويب الإلهي لملك ما هو انتصاره على خصومه. لذا حمل الملوك غالبا أسماء تفيد النصر، مثل سلوقس نقفور (اسمه يعني المختار المنصور) مؤسس الامبراطورية السلوقية الاغريقية في ايران والعراق والمشرق، والقادة في التاريخ الاسلامي كالحجاج (الحجة) الثقفي والمختار الثقفي (واسمه يعني المختار المنصور كذلك)، ومثلهم الخلفاء ممن حملوا ألقاب المنصور والمنتصر. كما صكّ غالبية ملوك الاغريق والرومان نقودهم باستخدام نقش النسر نايكي (نفس اسم الماركة الرياضية اليوم) وهو اله النصر الاغريقي، ومنه ينحدر رسم النسر الذي تتخذه دولا متعددة شعارا لها.

وفي الماضي، كانت الرهبنات جمعيات مقاتلة كذلك، وبها ارتبطت أساطير متعددة لأفراد آثروا الموت على التخلي عن دينهم، وفي طليعة هؤلاء سيرجيوس وباخوس. وسيرجيوس، أو جورج أو سركيس، كان يحمل سيفا أو صليبا ويمتطي حصانا، وتحدث من قبره بعد موته وقام بمعجزات، وكانت عبادته واسعة الانتشار بين العرب، حتى أن رسوما في الأردن تظهره وهو يمتطي جملا ويحمل صليبا. حتى القديس سمعان العمودي، الأكثر شعبية في المشرق والأناضول، تروي الأساطير المختلفة أنه نزل أحيانا عن عموده حيث كان يعيش متنسكا، للاشتراك في القتال مع هذه الجهة أو تلك.

لكن هذه الصور القتالية الدينية تابعة للقرون الوسطى. مع انتشار الحداثة، تبنت التنظيمات المسيحية أشكالا أكثر علمانية، فحزب الكتائب — الذي تشكل منتصف القرن الماضي — لم يعلن هوية مسيحية، بل استعاض عنها بقومية، وان يمينية دينية، فكان شعاره ”الله الوطن العائلة“. 

والتدين كان سبق أن طال ”حزب البعث العربي الاشتراكي“ بفرعه العراقي، الذي انقلب من علماني الى ديني متطرف، فتنظيم ”الدولة الاسلامية في العراق والشام“ (المعروف بداعش) تشكّل على أيدي بقايا أجهزة استخبارات صدّام ممن أبدلوا بذّاتهم الحزبية الزيتونية بسوداء، واستبدلوا شواربهم بلحى. لكن تهور هؤلاء العراقيين في استخدام العنف المطلق أودى بداعش كما سبق أن أودى بالبعث. 

موجة الأصولية الدينية في الشرق الأوسط بدأت شيعيا في ايران مع الثورة الاسلامية في 1979، وسنيا في السعودية مع استيلاء جهمان العتيبي على الحرم المكي في العام نفسه. في السعودية، قضى ولي العهد محمد بن سلمان على التطرف الديني، واعاد البلاد الى الاسلام المعتدل. أما ملالي طهران، فلم يفعلوا ذلك، وهو ما أدى لانفجار شعبي في وجههم على شكل تظاهرات شعبية عارمة ضد الحجاب والتدين، وهي تظاهرات تحولت للمطالبة بالاطاحة بالنظام الاسلامي بأكمله. 

أما سبب وصول الأصولية الدينية الى سنة العراق ومسيحيي لبنان فسببه الخواء الفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعم العراق والمشرق على مدى القرن الماضي، اذ في غياب الحكمة، يسود العنف ويختبئ خلف الدين، الذي يفترض أن يكون مصدر السلام والسكينة.

قد يكون الأفضل لو يدرك ”جنود الرب“ في لبنان أن انتصارهم على ”حزب الله“ لا يكون بالعنف، بل بالحكمة والعلم، وتمكين المسيحيين من الصمود في العراق والمشرق فكريا، واقتصاديا، واجتماعيا، فمن انتصر في عقله وروحه لا ينهزم في جسده، أو هكذا علّم يسوع أتباعه يوم علّقوه على خشبة.

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2022

السعودية لسلام مع إسرائيل والفلسطينيون لكفاح مسلح

حسين عبدالحسين

سجّل الموقع الإنكليزي لقناة العربية السعودية سابقة بإجرائه مقابلة مع رئيس حكومة إسرائيل المنتخب بنيامين نتانياهو. ومع أن موقع القناة حرص على اخفاء هوية السائلين، ربما لحمايتهم من العواقب قانونية في الدول العربية التي تطبق القوانين البائدة لمقاطعة إسرائيل، إلا أن مقابلة وسيلة إعلام سعودية لرئيس حكومة إسرائيلي يؤشر الى رغبة سعودية في التوصل لسلام مع الدولة العبرية. وفي ختام المقابلة، تمنى نتانياهو الموفقية للسعودية.

حاول محاورو نتانياهو معرفة موقفه من مبادرة بيروت العربية للسلام، والتي تقضي بانسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية، أي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية، مقابل سلام شامل بين كل حكومة عربية ودولة إسرائيل. يوم أقرّت جامعة الدول العربية بالإجماع في 2002، نسف محور الرفض والشقاء والممانعة المبادرة بتضمينها بند عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل، لا إلى فلسطين المزمع قيامها. وربما لعلمهم أنها ولدت ميتة، سأل صحفيو العربية نتانياهو إن كان يوافق على اعتبار المبادرة منطلقا لمفاوضات سلام جديدة، وذكّروه أن السعودية كررت أنها لن توقع سلاما قبل قيام دولة فلسطينية.

أبدى نتانياهو مرونة عالية، واعتبر كل المواضيع، مثل ترسيم الحدود مع الفلسطينيين أو مع لبنان، تفاصيل صغيرة. المهم، حسب نتانياهو، هو اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل. لكن "منظمة التحرير الفلسطينية" سبق أن اعترفت بإسرائيل. 

ما لم يقله نتانياهو صراحة هو أن الاعتراف الفلسطيني الذي تنشده إسرائيل من الفلسطينيين، والعرب عموما، هو الاعتراف بأن إسرائيل دولة يهودية، أو أن السيادة تبقى في أيدي اليهود في دولة إسرائيل. هذا هو الهدف الأساس للصهيونية أصلا: سيادة يهودية وعدم تسليم مصير اليهود لأي كان من غير اليهود بسبب تجارب الاضطهاد التي عاشها اليهود على مدى الألفيتين التي فصلت بين طرد الرومان لهم من القدس وحوض الأردن، وإعلان قيام دولة إسرائيل في 1948.

اعتراف العرب بالسيادة اليهودية يعني أن يتخلى العرب عن حلم أن يصبح عدد العرب الإسرائيليين، الحاليين واللاجئين الذي يطالب الفلسطينيون بعودتهم، أكثرية سكانية في إسرائيل. وقتذاك يمكن للعرب انتزاع السيادة في إسرائيل من أيدي اليهود، وتحويلها الى دولة فلسطين. ربما يعتقد بعض العرب أن حلمهم هذا سر، لكن إسرائيل تعرفه منذ يوم تأسيسها، وتعتبر أن لا سلام بدون اعتراف الفلسطينيين بالسيادة اليهودية، وأنه لا يمكن للفلسطينيين استخدام عودة اللاجئين كحصان طراودة لتقويض هذه السيادة.

بعض العرب من غير الفلسطينيين، كما في السعودية، يبدو أنهم صاروا يدركون عبثية الإصرار على سيادة عربية في إسرائيل تتحكم باليهود، وصاروا يعرفون أن العناد الفلسطيني لا يؤدي إلا إلى تأخير العرب، واعاقة نموهم اقتصاديا، وفكريا، واجتماعيا فحسب، بل يؤخر اندماجهم في الاقتصاد العالمي وسباقهم للحصول على حصة من هذا الاقتصاد المبني على المعرفة.

الفلسطينيون وحدهم لا يبدو أنهم يعرفون، أو يكترثون، لتخلّف العرب عن العالم. ويبدو أن هؤلاء يصرّون على ما كان أساسيا في الماضي وصار اليوم ثانويا، مثل ملكية الأرض والسيادة عليها، في وقت صارت اقتصادات المعرفة، التي لا تعرف حدودا، هي سر العيش الكريم للشعوب.

وفي وقت كانت السعودية تحرك مياه السلام الراكدة، كان الفلسطينيون يعيشون أوهام الوحدة العربية والالتفاف العربي المزعوم حول فلسطين في انتصارات منتخب المغرب في كأس العالم لكرة القدم في قطر.

ولأن الفلسطينيين يعيشون في عالم أوهامهم، أظهرت استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن 55 في المئة منهم ترى أن مواجهة إسرائيل عسكريا والانتفاضة هما الحل الوحيد لكسر الجمود القائم، فيما أعرب 66 في المئة من الفلسطينيين عن معارضتهم حل الدولتين، على عكس ما تعلن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين. وكان لافتا، أنه على عكس ما يعلن فلسطينيو أميركا، الذين ينصبون أنفسهم ناطقين باسم الفلسطينيين، يرفض 71 في المئة من فلسطينيي الضفة وغزة دولة واحدة ثنائية القومية للعرب واليهود.

رفض غالبية الفلسطينيين لحل الدولتين وللدولة الواحدة الثنائية القومية، وتأييدها للكفاح المسلح والانتفاضة ضد إسرائيل، كلها تشي بأن الغالبية الفلسطينية تتمسك بالموقف الفلسطيني الأقدم، والقائل بمحاربة اليهود حتى طردهم واسترداد "كامل التراب" من النهر إلى البحر. 

من حق الفلسطينيين أن يتمسكوا بتدمير إسرائيل عسكريا وإقامة دولة فلسطين على "كامل التراب"، فهذا رأيهم وهذا مستقبلهم. لكن ليس من حق الفلسطينيين الطلب إلى باقي العرب والعالم الاصطفاف خلف مشروعهم الواهم، الغارق في الموت والدم والأسى، بلا نتائج واضحة ولا جدول زمني منظور. ما يريده هؤلاء الفلسطينيون هو صراع أجيال.

لكن من حق العرب أيضا أن لا يشاركوا الفلسطينيين هذه الأوهام الانتحارية، وأن يطلبوا خططا يمكن تحقيق أهدافها في فترة قصيرة، لا على مدى عصور، لأن الجسم العربي سيبقى مريضا طالما بقيت الأمور على ما هي عليه، وهو ما يضع العرب، مكرهين، أمام خيارين: إما البقاء في الشقاء، أو بتر العضو المريض للتعافي بدونه.

مصر والأردن والبحرين والإمارات والسودان والمغرب كلها بترت العضو المريض باختيارها مصلحتها القومية على أوهام وأحلام تدمير إسرائيل. السعودية، بدورها، تبدو ماضية في الطريق نفسه. 

طبعا لا تسعى السعودية لسلام مع إسرائيل لتؤذي الفلسطينيين، لكنها تسعى لسلام هو في مصلحة السعوديين، فإن انتصح الفلسطينيون ووافقوا على حلول معقولة تنهي شقائهم، وإن بدون سيادتهم على "كامل التراب"، يمكن انتظارهم أسابيع أم أشهر. أما إذا تمسكت الغالبية الفلسطينية بصراع الأجيال، كما هو الوضع حاليا، فلكل طريقه وخياراته التي تناسب مصالح ناسه وشعبه.

Since December 2008