الخميس، 8 أغسطس 2013

مؤسس «أمازون» يشتري «واشنطن بوست»

| واشنطن من حسين عبد الحسين |

وافق جيف بيزوس مؤسس أمازون على شراء أصول صحيفة واشنطن بوست بما في ذلك الصحيفة مقابل 250 مليون دولار. وأعلنت هذه الصفقة المفاجئة يوم الإثنين عقب بيع «نيويورك تايمز» لصحيفة بوسطن جلوب مقابل 70 مليون دولار، وهي مؤشر على تحديات غير مسبوقة تواجهها الصحف، مع تراجع إيرادات الإعلانات، والإقبال على شراء الصحف. وقال رئيس مجلس ادارة واشنطن بوست ومديرها التنفيذي دونالد جراهام، إن الصحيفة ستكون أفضل حالاً مع مالك اخر. واقتحم بيزوس مجال الاعلام في وقت سابق من العام باستثمارات صغيرة في موقع «بيزنس إنسايدر» الإخباري، ولم يعد بإحداث تغييرات جذرية في الصحيفة، مشيراً إلى أن قيم «بوست» لا تحتاج للتغيير، وستظل مهمتها مكرسة لقرائها وليس للمصالح الخاصة للمالكين. وتشمل الصفقة «واشنطن بوست» ومطبوعات أخرى بما في ذلك صحف إكسبريس»، و«جازيت»، و«ساذرن ماريلاند»، و«فيرفاكس كاونتي تايمز» و«التيمبو لاتينو«، و«دار جريتر واشنطن ببليشينج» للنشر.
وبعد 80 عاماً من ملكيتها لها، باعت عائلة ماير-غراهام صحيفة «واشنطن بوست» الشهيرة الى مؤسس ومالك موقع «امازون» جيف بيزوس، والذي تصنفه مجلة «فوربس» في المرتبة 11 للأشخاص الأكثر غناء حول العالم بثروة تقدر بنحو 25 مليار دولار. وتعد «واشنطن بوست» واحدة من أبرز الصحف الأميركية، وهي تنافس «نيويورك تايمز»، التي تعتبر الأولى إعلامياً. وعلى الرغم من أرباحها في القطاعات الأخرى، عانت «شركة واشنطن بوست» من خسائر فادحة كبدتها إياها «صحيفة واشنطن بوست» بسبب تراجع سوق المطبوعات عموماً، وحجم الإعلانات، وخسرت في العام الماضي وحده قرابة 40 مليون دولار، ما دفعها الى التخلي عن خدمات عدد من العاملين فيها، وبيع كمية من أصولها. وعلى الرغم من أن الصحف الكبرى الاخرى، مثل «نيويورك تايمز» و«وال ستريت جورنال»، باتت تحقق أرباحاً بعدما حولت مواقعها الالكترونية إلى اشتراكات مدفوعة، فضلاً عن انتشار «التابلت» والأرباح التي تحققها هذه للصحف بسبب الاشتراكات. وحذت «واشنطن بوست» حذو الصحف الأخرى بفرضها اشتراكات على معظم القراء، إلا أن الشركة المالكة آثرت بيعها الى الملياردير بيزوس عوضاً عن محاولة النهوض بها مالياً. وكان ماير مصرفيا جمع ثورته من خلال عمله في سوق الاسهم «وال ستريت» في مدينة نيويورك، ثم انتقل إلى العاصمة واشنطن مطلع الثلاثينات، وأصبح ناشراً للصحيفة، ولأنه لم يكن لديه أي اولاد ذكور، فقد عمد إلى مصاهرة الصحافي فيليب غراهام، وزوجه ابنته كاثرين ماير، التي لم تشارك في أعمال الصحيفة بل عملت ربة منزل.
وفي العام 1946، عين الرئيس هاري ترومان ماير رئيسا لبنك اعادة الاعمار الذي أشرف على بناء أوروبا بموجب «خطة مارشال»، فتسلم نسيبه غراهام الصحيفة، وأصبح ناشرها، وأدارها بنجاح حتى العام 1963، وهو العام الذي انتحر فيه غراهام بسبب اكتئاب شديد اصابه. ولأن اولاده لم يكونوا بلغوا سن الرشد بعد، وجدت كاثرين غراهام، ابنة صاحب الجريدة يوجين ماير، نفسها المالكة الوحيدة والمديرة للصحيفة واعمالها. وتحولت كاثرين ماير-غراهام إلى أسطورة فيما بعد في أوساط الإعلام والسياسية الاميركية حتى وفاتها في العام 2001، وأدارت «واشنطن بوست» وأخذتها نحو نجاحات كان من بينها انفراد نشر الصحيفة «فضيحة واترغيت»، التي اطاحت بإدارة الرئيس الجمهوري الراحل ريتشارد نيكسون، وأجبرته على الاستقالة في العام 1974 قبل نهاية ولايته الثانية بسنتين. ومع حلول العام 1976، دخل دونالد، ابن كاثرين وفيليب غراهام وحفيد يوجين ماير عالم الاعلام، وأصبح مديرا للصحيفة، وفي العام 1979، اصبح ناشراً لها، وهو منصب احتفظ به حتى العام 2008 عندما تسلمته ابنة أخته كاثرين ويموث، الناشرة الحالية والجيل الرابع من مالكي الصحيفة من عائلة ماير-غراهام. في السنوات الثمانين التي كانت «صحيفة واشنطن بوست» في ملكية افراد عائلة ماير-غراهام، توسعت الصحيفة بشكل كبير، وتحولت في العام 1971 إلى شركة عامة، وطرحت أسهمها في سوق الأسهم، وتحولت إلى امبراطورية إعلامية مع شرائها عدداً من التلفزيونات المحلية والصحف والمجلات، مثل «نيوزويك»، التي باعتها في العام 2000، و«فورين بوليسي»، التي ستبقى في عهدة «شركة واشنطن بوست» بعد ان انتقلت ملكية الصحيفة إلى شركة أمازون وصاحبها بيزوس الذي ابتاع الصحيفة بـ 250 مليون دولار. وعلى الرغم من ارباحها في القطاعات الاخرى، عانت شركة «واشنطن بوست» من خسائر فادحة كبدتها إياها «صحيفة واشنطن بوست».

الخميس، 1 أغسطس 2013

التورّط الأميركي في مصر

حسين عبدالحسين

في نيسان 2012، وقف المسؤول في "غرفة التجارة الاميركية"، بوبي مالدونادو، امام باب مقرّ منظمته، المواجه للبيت الابيض، ليستقبل وفداً مؤلفاً من ثلاثة رجال صافحهم، وسيدة محجبة، حياها واضعاً يده على صدره، حسب نصيحة اصدقاء له ممن يعرفون اصول التقاليد الاسلامية. اصطحب مالدونادو الوفد الى قاعة المؤتمرات للقاء قادة المنظمة في اجتماع دام اكثر من ساعتين.

"غرفة التجارة الاميركية"، هي منظمة غير حكومية يمينية مقربة من "الحزب الجمهوري"، تموّل حملات انتخابية لمرشحين يتبنون خطابها الداعم للتجارة. اما الوفد الزائر، فكان يتألف من اعضاء في "حزب الحرية والعدالة" المصري، التابع لتنظيم "الاخوان المسلمين"، وكان في عداده عضو البرلمان عبد الموجود دردري، رجل الاعمال حسين القزاز، ومنسق العلاقات الخارجية في الحزب خالد القزاز، ومديرة تحرير موقع "الاخوان"، سندس عاصم.

لم تكن ادارة الرئيس باراك أوباما وحدها التي تعتقد ان "الربيع العربي" سيأتي بحكومات اسلامية، وان على الولايات المتحدة الانفتاح عليها والتعاون معها، بل كانت واشنطن بتياراتها كافة تعتقد ذلك. وفي ذلك السياق جاءت زيارة وفد "الاخوان" إلى نيويورك وواشنطن، ولقاؤه واحدة من اكثر المنظمات الاميركية يمينية.

تصاعد الود بين الولايات المتحدة و"الاخوان المسلمين"، وخصوصاً بعد الاتصالات المكثقة بين أوباما ونظيره محمد مرسي ابان حرب غزة في تشرين الثاني /نوفمبر 2012. وتكررت زيارات مسؤولي الاخوان الى العاصمة الاميركية ولقاءاتهم مع كبار المسؤولين. وفي الاسبوع الاول من كانون الأول/ ديسمبر 2012، وصل عصام الحداد، مستشار الرئيس المصري، إلى واشنطن وعقد لقاءات كانت تهدف للاعداد لقمة بين أوباما ومرسي في البيت الابيض في وقت لاحق من ذلك الشهر.

يومها تضمنت لقاءات الحداد اجتماعاً مع مكتب التحرير في صحيفة "واشنطن بوست"، تحدث فيه المسؤول المصري عن "القيم المشتركة" بين البلدين وعن ضرورة بناء "علاقة استراتيجية"، حسبما ورد في افتتاحية الصحيفة، التي اثنت على العرض المصري، لكنها حذرت من ان يأتي هذا النوع من العلاقة مقابل السكوت عن ما سمته "تجاوزات مرسي داخل مصر"، وخصوصاً ضد "الحركتين العلمانية والليبرالية".

وأضافت الصحيفة إن "السيد مرسي كان مقرراً ان يزور واشنطن في 17 ديسمبر، لكن الحكومتين قررتا تأجيل الزيارة الى ما بعد خطاب القسم الثاني، وهو ما سيعطي (اميركا) المزيد من الوقت للحكم اذا ما كان مرسي يقود بلاده نحو الديموقراطية، واذا ما كان سيسعى الى تسوية مع المعارضة". وختمت: "اذا لم يتوصل (مرسي) الى تسوية، الشراكة المثيرة للأمل التي تحدث عنها السيد حداد لن تكون ممكنة".

ويبدو أن "امتحان" واشنطن لمرسي والاخوان في الحكم لم يتطلب وقتا طويلاً، فمع حلول نيسان/ ابريل 2013، انقلب الحب خصومة، وبدأ الناطقون باسم الادراة، كما الاعلام، في انتقاد الحكم المصري. حتى "واشنطن بوست"، التي كانت تأمل بشراكة استراتيجية، شنت هجوماً دفع خالد القزاز نفسه، الذي زار واشنطن قبل ذلك بعام، الى تدبيج رد اختفى فيه حديث الاخوان عن "القيم المشتركة" مع اميركا. وكتب في حينه: "نحن نطور صنفنا الخاص من الحكومة التمثيلية". واضاف: "عبر خلقنا لهذا النوع من الحكومة، التي تضرب جذورها في القيم والتقاليد المصرية، سوف نعتمد على أفضل الامثلة للحكومات الانتقالية التي مرت بها الشعوب الاخرى، وسيكون هناك لا شك اخطاء، ولكنها ستكون أخطاؤنا نحن".

لم يمض شهران على مقالة القزاز حتى بدأت تظاهرات 30 يونيو. الولايات المتحدة تصرفت وكأن الامور فاجأتها. وراحت مصادر الإدارة تسرب انباء مفادها بأن واشنطن حذرت الجيش المصري من عزل مرسي، وان مقدرة واشنطن على التأثير بالجيش، وتالياً الاحداث في مصر، محدودة. طبعاً تغاضت واشنطن عن ان سيارات همفي التي حاصرت القصر الجمهوري هي منحة اميركية. حتى بنزين هذه السيارات تسدد معظم ثمنه الولايات المتحدة.

ثم، على اثر اعلان الجيش انهاء ولاية مرسي، اصدر أوباما واحداً من اكثر بياناته ابهاماً؛ طالب باعادة السلطة الى الهيئات المدنية، ولكنه لم يطالب باعادتها الى مرسي. كذلك، تحدث اوباما عن امكانية وقف المساعدة الاميركية السنوية الى الجيش المصري، لكن تهديداته بدت باهتة وفاقدة للمصداقية.

ومع ان واشنطن حاولت الايحاء انها تقف بعيدة عن الاطاحة بمرسي، الا ان ما قامت به يشي بأنها كانت اكثر من متورطة في الاحداث. مساعد وزير الخارجية الاميركي، وليام بيرنز، زار القاهرة في ما بدا اعترافا بشرعية الحكم الجديد، وتحدث عن "فرصة ثانية" لبناء الديموقراطية المصرية، ربما بدءاً بالغاء نتائج الانتخابات الرئاسية.

وفي الخفاء، طار عضو "مجلس الامن القومي"، انتوني بلينكن، الى عواصم الخليج طالباً منها تقديم مساعدة مالية عاجلة الى الحكومة المصرية التي عينها الجيش. وبلغت المساعدة اكثر من 10 مليارات دولار. وبعد أيام، سيصل السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، برفقة السيناتور جون ماكين، إلى مصر بطلب شخصي من أوباما، لحث الجيش على المضي قدماً في إجراء انتخابات جديدة.

اذن، مع ان واشنطن حاولت غسل يدها من احداث مصر، الا انها في الواقع كانت في قلب هذه الاحداث، وهي من المرات النادرة التي تكون فيها ادارة اوباما في موقع المبادر في سياستها الخارجية، والمرة الاولى التي تنقلب فيها واشنطن على نتائج انتخابات ديموقراطية منذ دعمها للانقلاب الذي اطاح برئيس الحكومة الايراني محمد مصدق في العام 1953.

الاسبوع الماضي، عقدت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جلسة استماع حول مصر تحدث فيها الدبلوماسيان السابقان، دان كيرتزر ودينيس روس، وبرر الاثنان الاطاحة بمرسي بالحديث عن "تجاوزه للديموقراطية"، وحثا اللجنة على عدم وقف المساعدات الاميركية الى مصر. الا ان الرجلين اصرا على ان العملية السياسية في مصر يجب ان تضم "الاخوان".

هنا يصبح السؤال، لماذا ابقاء الاخوان كشركاء في السلطة ان كان هذا التنظيم غير ديموقراطي؟ وهل يكفي اشراك الاخوان لترضيتهم وتهدئة الوضع المصري؟ او بكلام آخر، "هل يصلح العطارون ما افسده الدهر؟".

Since December 2008