الثلاثاء، 3 مارس 2015

واشنطن وطهران: إنهاء داعش ثم بحث الحل السياسي لسوريا

حسين عبدالحسين

أصبح من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية وإيران لن تعلنا اتفاقيتهما النووية قبل التوصل، وراء الكواليس، إلى حلول في الملفات الشرق أوسطية الأخرى، خصوصاً في الموضوع السوري.

ومع أن المسؤولين الاميركيين يكررون لازمة وجوب خروج الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، إلا أنهم لا يربطون هذه التصريحات بتواريخ أو توقيتات، فحلفاء واشنطن الحاليين – مثل أنقرة والرياض – يطالبون بالتزامن بين القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" وخروج الأسد، فيما حلفاء واشنطن المستقبليين والمضمرين – مثل طهران وموسكو – يشددون على تقديم القضاء على داعش و"جبهة النصرة" على البحث في حل سياسي. وترفض طهران وموسكو ربط الموضوعين، أي أنهما ترفضان ربط مصير الأسد وضرورة خروجه بمصير داعش وضرورة القضاء عليه.


هكذا، أقنعت طهران واشنطن أن في مصلحتهما التوافق أولاً على القواسم المشتركة، أي القضاء على داعش، وتأجيل الأمور العالقة إلى ما بعد تحقيق الأولى.

وعلى الرغم من أن وزير الخارجية، جون كيري، يعتقد نفسه مفاوضاً محنكاً، إلا أنه ومن خلفه الرئيس باراك أوباما أظهرا أنهما مبتدئان في شؤون الدبلوماسية، فالمفاوضات مع إيران انطلقت من وجوب تجميدها التخصيب مقابل رفع العقوبات الدولية عنها، ثم تحولت إلى ضرورة إبقاء إيران بعيدة سنة واحدة عن إنتاج سلاح نووي – ولمدة 10 سنوات فقط – مقابل رفع فوري للعقوبات.

ومثلما لقن الدبلوماسيون الإيرانيون نظراءهم الأميركيين درساً في المفاوضات النووية، كذلك التفوا عليهم في الموضوع السوري، فتدرجت واشنطن من اقتناعها بضرورة تعديل القوى العسكرية على الأرض، لإقناع الأسد بعدم جدوى بقائه، إلى اقتناعها بوجوب التركيز عسكرياً على إلحاق الهزيمة بمعارضي الأسد – متشددين ومعتدلين – حتى يتسنى البدء بالحوار السياسي والبحث بمستقبل سوريا.

ومثلما انقلب الموقف الأميركي نووياً، كذلك انقلب في موضوع سوريا. فواشنطن كانت ترفض الخوض في حوار مع إيران حول الأزمة السورية، إلى أن كانت مفاوضات بغداد في أيار/مايو 2012، عندما فاجأ رئيس الوفد الإيراني المفاوض آنذاك، سعيد جليلي، وفود مجموعة دول الـ"5+1" بالقول "وماذا عن سوريا؟"، ليجيبه الحاضرون أن تفويضهم ينحصر بالحديث في الشؤون النووية.

وفي آذار/مارس 2013، عقدت واشنطن وطهران مفاوضات سرية في العاصمة العمانية مسقط، أفضت التوصل إلى اتفاقية نووية مؤقتة بين الاثنين في 24 تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام. لكن محادثات مسقط لم تنحصر بشؤون النووي، بل تناولت العراق وسوريا ولبنان، حسب الأوساط المطلعة.

منذ ذلك الحين، لم تغب الأزمة السورية عن جولات المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، كما بدا جلياً في الجولات الأخيرة من خلال مشاركة عضو "مجلس الأمن القومي"، روبرت مالي، في الوفد الأميركي الذي تضمن مؤخراً وزير الخارجية جون كيري ومساعدته ويندي شيرمان، ووزير الطاقة آرنست مونيز، الذي تم استقدامه على عجل بسبب حضور صديقه منذ زمن الجامعة، وزير خارجية إيران السابق، ورئيس منظمتها النووية حالياً علي أكبر صالحي.

وكانت أميركا حاولت بعد شهرين من جلسة سلطنة عمان تمرير اتفاقيتها غير المعلنة مع الإيرانيين بدعوة طهران، عن طريق الأمم المتحدة، للمشاركة في مؤتمر جنيف الثاني المخصص للبحث في الأزمة السورية، لكن رفض المعارضة السورية، بدعم حاسم من السعودية وتركيا، نسف الحضور الإيراني، الذي كان مبنياً على تقديم محاربة الإرهاب داخل سوريا على كل النقاط الأخرى، ومنها مصير الأسد والعملية السياسية الانتقالية.

وحاولت واشنطن لاحقاً تقديم محاربة التنظيمات المتطرفة في سوريا على البحث في مصير الأسد، فأيدت "مؤتمر موسكو" وأرسلت مبعوثها، دانيال روبنستين، من أجل "لي أذرع" المعارضين السوريين في الخارج وإجبارهم على الاندماج مع معارضة الداخل والمشاركة في موسكو، إلا أنهم رفضوا مرة أخرى، ونسفوا موسكو ومؤتمرها.

هكذا، كان لا بد لواشنطن من العمل على إضعاف معارضي الأسد، وهكذا وجدت "حركة حزم"، التي عملت واشنطن في مرحلة ماضية على دعمها بخجل، وحيدة ومن دون دعم بالسلاح أو المال أمام هجمات "جبهة النصرة" عليها، فحلت حزم نفسها في مؤشر على انهيار جديد للوحدات المقاتلة المعارضة للاثنين: الأسد وداعش.

ويترافق إضعاف معارضي الأسد مع البطء الشديد في إنشاء القوة المؤلفة من 15 ألف مقاتل سوري لمواجهة داعش. ومع أن الرئيس باراك أوباما كان أعلن الصيف الماضي نية بلاده "تدريب وتجهيز" هذه القوة الصغيرة، على فترة ثلاث سنوات، إلا أن توقيع اتفاقية مع تركيا حول إقامة معسكرات التدريب لم يتم حتى 19 الشهر الماضي، في وقت لم يتعد عدد المدربين الأميركيين الذين وصلوا إلى المنطقة عشرة من أصل مئة، ولم يتوفر أكثر من مئة مقاتل سوري ممن تمت الموافقة على إدخالهم في معسكر التدريب، من أصل 2300.

ويبدو أن القوى الإقليمية المؤيدة لثوار سوريا أيقنت أن واشنطن تقف إلى جانب طهران وموسكو في تقديم القضاء على داعش على البحث في مصير الأسد، وان هذه القوى لا ترى في والوعود الأميركية لإقامة قوة سورية أكثر من تصريحات لا معنى لها.

وبما أن القضاء على داعش من دون وجود بديل سوري معتدل يعني أن الأسد وقواته سيملأون الفراغ، ما يعني أن مفاوضات الحل السياسي تأتي حسبما يتصورها الرئيس السوري. فبدأت محادثات القوى الإقليمية المؤيدة للمعارضة لإنشاء قوة عربية – تركية مشتركة لإخراج داعش من شمال سوريا الشرقي، والسماح بإقامة حكومة سورية معارضة في المناطق التي يتم تحريرها. وبضمان حصة المعارضة السورية على الأرض، يصبح التفاوض السياسي مع الأسد أفضل من ربطه بالقوة الموعودة التي تزعم واشنطن نيتها إقامتها.

هكذا، تجبر واشنطن حلفاءها على بسط سيطرة عسكرية مباشرة حتى لا تتحول المواجهة المسلحة في سوريا إلى مواجهة بين الأسد وحلفائه من جهة، والتنظيمات المتطرفة من جهة أخرى، وهو السيناريو الذي سعى إليه الأسد والإيرانيون منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية قبل أربع سنوات، حتى يجد المجتمع الدولي نفسه مجبراً على التمسك بالأسد كقوة محلية وحيدة في مواجهة الإرهاب.

الاثنين، 2 مارس 2015

تحرير التجارة يعزز النمو في الدول الصناعية

واشنطن - حسين عبدالحسين

في تقرير اقتصادي سنوي للبيت الأبيض إلى الكونغرس، خاضت إدارة الرئيس باراك أوباما في نقاش لطالما شغل بال الأميركيين على مدى العقدين الماضيين، تمحور حول أثر التجارة الحرة على الولايات المتحدة، وعلى تنافسيتها وفرص عملها.

وعلى رغم أن غالبية الأميركيين تعتقد بجدوى التجارة الدولية، إلاّ أن تجربة التسعينات التي شهدت انتقال المصانع من أميركا الى دول العالم خصوصاً الصين، دفع كثراً منهم الى إعادة النظر والمطالبة بإعادة حماية جمركية من شأنها ان تغلق السوق الأميركية الضخمة أمام التنافس العالمي، وتمنح صناعاتها سوقاً حصرية وتالياً تحافظ على الوظائف.

ويتزامن النقاش مع محاولة الحكومة الأميركية جاهدة لنيل موافقة المشرعين على المصادقة، من دون نقاش داخل الكونغرس، على اتفاقيتي تجارة حرة، الأولى يجمعها مع 11 دولة من المحيط الهادئ ومعروفة بـ «تي بي بي»، والثانية مع الاتحاد الأوروبي وتحمل اسم «الشراكة عبر الأطلسي».

وجاء في التقرير الى الكونغرس، أن التجارة مع الصين أدت الى «حدث زلزالي في العقود الثلاثة الماضية في الاقتصاد العالمي» تمثل ببروز الصين. ولفت إلى أن بكين «كانت حتى عام 1979، مغلقة امام الاقتصاد العالمي، لكن بعد الانقلاب في سياستها نجحت على مدى العقدين الماضيين بدمج أكثر من 730 مليون عامل صيني في قوة العمل العالمية». ورأى أن «منافسة الواردات الصينية للصناعة الأميركية المحلية يمكن أن تفسر 44 في المئة من الانخفاض الإجمالي في التوظيف في التصنيع المحلي خلال الفترة ذاتها». لكن حرية التجارة بين البلدين ساهمت، «في إيجاد نحو 10 في المئة من وظائف التصنيع المحلي في أميركا بين عامي 1999 و2011».

واعتبر التقرير أن احدى إيجابيات تحرير التجارة بين البلدين، تكمن في جعل الاقتصاد الأميركي أكثر تنافسية، فترحل الصناعات ذات الكلفة الأعلى في أميركا إلى الخارج، وتعود البضائع بأسعار منخفضة. وفي الوقت ذاته، يعيد الاقتصاد الأميركي ترتيب نفسه بتركيز موارده على الصناعات التي يمكن له التفوّق فيها على الدول الأخرى.

وعرض التقرير موضوعاً شديد الحساسية وهو ميزان التجارة الذي يسجل أرقاماً سلبية وفي شكل متواصل منذ العام 1976، مشيراً إلى أن «الدول المشاركة في التجارة الدولية الحرة نادراً ما يكون ميزانها التجاري متوازناً». وبدلاً من ذلك «عندما تتجاوز صادرات بلد ما وارداته، تحقق فائضاً وتقرضه للدول ذات الميزان السلبي، والعكس صحيح».

ربما يكون هذا العجز التجاري الأميركي في بعض الأحيان، عبئاً على النمو الاقتصادي ولفرص العمل، ما يستدعي خفضه من طريق تقييد التجارة بفرض رسوم جمركية. والتبرير هنا واضح، إذ أن «الطلب على الواردات يعني وجود ارتفاع في الطلب المحلي، ويُفترض في حال إقفال الحدود توليد مزيد من الإنتاج من قبل الشركات الأميركية، ما يعني إيجاد مزيد من فرص العمل لدعم هذا الإنتاج». لكن الحقيقة، بحسب التقرير، هي «أكثر تعقيداً بكثير».

وغالباً ما تترافق العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع الواردات مع ازدياد الطلب على السلع المحلية، ما يعني ان خفض الواردات يعني تدني الطلب المرافق لها داخلياً، ما يفضي الى تقليص الوظائف المحلية بدلاً من زيادتها.

وإلى ذلك، أكد التقرير «إمكان التدابير الحكومية الحد من واردات تكون لها آثار في أماكن أخرى من الاقتصاد، على سبيل المثال ربما تؤدي الحماية الجمركية إلى جعل الواردات أكثر كلفة، ويترافق ذلك مع فائض في ميزان المدفوعات، ما يفضي إلى ارتفاع الدولار في مقابل العملات الأجنبية، ويتسبب بانخفاض في سعر الواردات وزيادة في سعر الصادرات، ما يحد من التنافسية الأميركية حول العالم، وقد يعيد الميزان التجاري الأميركي الى عجزه». طريقة أخرى للنظر الى المغالطة القائلة بضرورة إعادة الحمايات، بحسب البيت الأبيض، هو الإدراك بأن العجز التجاري الذي يتطلب التمويل من مقرضين أجانب، يعني أيضاً أن الادخار الأميركي غير كاف لتمويل الاستثمار المحلي. في حين أن الفائض التجاري يعني أن الادخار لدينا أكثر من اللازم». ومع الزيادة في الادخار المحلي، يجري إقراض الأموال للأجانب لتمويل عجزهم التجاري بدورهم. هذا يعني ان تحسن الميزان التجاري يتطلب مزيجاً من زيادة في الادخار أو انخفاض في الاستثمارات، وكلتا الحالتين لا تؤديان الى إنتاج اقتصادي أكبر أو نمو في الوظائف.

لذا، اعتبر التقرير أن «العلاقة بين الميزان التجاري الأميركي والنمو معكوسة، إذ كلما كبر العجز ازداد النمو والعكس صحيح». وهذا نمط تمكن ملاحظته في معظم الاقتصادات الصناعية. ويستحيل على السياسات الحكومية التأثير في الواردات من دون ان تنعكس على مؤشرات اقتصادية أخرى في شكل لا يساعد الاقتصاد عموماً، «وقد تؤدي فعلياً إلى الحاق الأذى» بالاقتصاد الأميركي.

وخلص التقرير الى «أن العلاقة بين الميزان التجاري والنمو تعتمد على الظروف، ويمكن أن تختلف وفق العوامل التي قد تتسبب بتغيرات في الميزان التجاري»، وأن «فهم تلك العوامل أمر ضروري، لكن قبل أن نقرر ما إذا كان تغيير ميزان تجارة من العجز إلى الفائض أمراً مرغوباً فيه، علينا البحث في تداعيات ذلك وما قد يتطلبه من تغير في سياسات أخرى».

Since December 2008