الاثنين، 1 أغسطس 2016

تخفيض تصنيف «النصرة» من مستوى «داعش» إلى... «حزب الله»

| لندن - من حسين عبدالحسين |

منذ مايو الماضي دأبت «الراي»، خصوصا في تقاريرها من العاصمة البريطانية، على الاشارة الى ديبلوماسية حثيثة تجري خلف الكواليس من اجل اقناع «جبهة النصرة» بالانفصال عن «تنظيم القاعدة»، وتحويل نفسها الى فصيل سوري محلي، مقابل تراجع دولي عن تصنيفها مجموعة ارهابية على مستوى تنظيم «الجبهة الاسلامية» (داعش)، والتعامل معها بطريقة تشبه تعامل عواصم العالم مع «حزب الله» اللبناني، الذي على الرغم من وجوده على لائحة التنظيمات الارهابية الاميركية، الا ان واشنطن والعواصم الغربية تتواصل معه بطرق مختلفة مباشرة وغير مباشرة.

فللولايات المتحدة مثلا اقنية متعددة غير مباشرة مع الحزب اللبناني، ابرزها عبر «استخبارات الجيش اللبناني» وعبر العلاقة الشخصية التي تجمع وزيري الخارجية الاميركي جون كيري ونظيره الايراني جواد ظريف، اللذين يتواصلا غالبا عبر الايميل. ولطالما تم توظيف هذه القنوات الاميركية مع «حزب الله» لتدارك اي تصعيد محتمل للحزب مع اسرائيل، مثلما حصل اثناء ما تعتبره المصادر الاميركية «المواجهة المضبوطة» بين الطرفين ابان قيام الحزب بالرد على مقتل قيادييه في غارة اسرائيلية على الجولان السوري.

ومثلما تتواصل أميركا مع «حزب الله»، كذلك سبق ان تواصلت - عبر عواصم خليجية وانقرة - مع «جبهة النصرة»، مثل في عملية افراج الجبهة عن رهائن اميركيين كانوا في حوزتها.

ومنذ مطلع العام الماضي، دأبت العواصم المذكورة على اقناع الجبهة بالانفصال عن «القاعدة»، وأطلّ زعيم «الجبهة» المعروف بـ «أبي محمد الجولاني» في مقابلة تلفزيونية نادرة اعتقد كثيرون اثناءها انه سيتخلى فيها عن التنظيم العالمي. لكن «الجولاني» جدد «بيعته» لزعيم «القاعدة» المصري المتواري عن الانظار ايمن الظواهري.

على ان عناد «الجولاني» لم يثن الديبلوماسية الدولية عن الاستمرار في الضغط عليه للانفصال عن «القاعدة»، وهو ما يبدو انه تحقق اخيرا بعدما ايقنت «النصرة» ان أميركا وروسيا كانتا في الطريق لاتمام اتفاقية تعاون عسكري تنهي الاثنين: «داعش» و«النصرة».

ومنذ ارتفاع عدد التقارير التي تشير الى اقتراب انهيار «داعش» مع نهاية العام الحالي، سارعت واشنطن وموسكو لاتمام الخطوات المطلوبة لملأ الفراغ الذي سيتسبب به انهيار «الدولة الاسلامية»: اميركا تسعى الى اعداد جبهة من الثوار المعتدلين التي يمكنها الامساك بالاراضي التي سيخسرها «داعش»، فيما تسعى روسيا للقضاء على هؤلاء الثوار لتأكيد ان الوريث الوحيد لـ «داعش» والثوار السوريين هو الرئيس السوري بشار الأسد.

لكن مع الانعطافة التي أعلنها «الجولاني»، الذي كشف وجهه وهويته ليتبين ان اسمه احمد الشرع، قد يساهم ذلك في زيادة الدعم الاقليمي العسكري والمالي له، برضى أميركي، بهدف تأكيد ان ثوار سورية سيحلون محل «داعش» بعد انهياره، وانهم سيقفون في وجه الأسد لتثبيت خطوط الجبهة، واقناع روسيا ان الحسم بات متعذرا، وان الحل الوحيد المتاح هو المفاوضات.

لكن المعارضين السوريين المنتشرين في العواصم الغربية يخشون من ان تتأخر نتائج انعطافة «الجولاني»، فيتأخر التسليح للثوار الذين اصبحوا بحاجة ماسة لامدادات للدفاع عن حلب الشرقية، التي اطبقت الحصار عليها قوات الأسد والميليشيات الشيعية المتحالفة معها والتابعة لايران. ويخشى المعارضون السوريون كذلك ان يتردد الغرب في اعتبار اطلالة الشرع وكأنها تراجعا عن «الجهاد العالمي»، اذ ان الاخير أطل تلفزيونيا وهو يرتدي زيا عسكريا وعمامة بيضاء ذكرت الكثيرين بزي مؤسس «القاعدة» الراحل اسامة بن لادن.

على ان مصادر وزارة الخارجية البريطانية قالت للـ «الراي» ان عملية ابعاد المقاتلين المعتدلين عن المجموعات المتطرفة هي عملية تحتاج الى متابعة وتطوير، وان سياسة الابعاد هذه يتبناها الغرب منذ اكثر من خمس سنوات، وان التواصل مع الشرع سيستمر لتحويله الى مجموعة سورية معتدلة، لا تعارض «الجهاد العالمي» فحسب، بل تقبل بسورية تعددية، وهذه خطوة اولى تجاه اشراك المجموعات السورية المعارضة للأسد في مفاوضات مع نظامه للتباحث في مستقبل البلاد بعد خروجه من الحكم.

ولاحظت «الراي» ان مسؤولي «الملف السوري» في الخارجية البريطانية مازالوا هم انفسهم على رغم تسلم بوريس جونسون وزارة الخارجية قبل اسابيع.

وجونسون كان معروفا بتأييده للأسد، لكنه منذ وصوله الوزارة، انقلب في مواقفه، وتبنى الموقف البريطاني التقليدي، القاضي بضرورة رحيل الأسد كشرط لأي تسوية، وهو ما يعكس بقاء مسؤولي سورية في الخارجية انفسهم، وتاليا استمرار لندن في سياستها السابقة، والتي كانت تسعى لاستحداث «جناح سياسي» في «النصرة» يمكن للبريطانيين الحوار معه، على غرار «الجناح السياسي» لـ «حزب الله» اللبناني، الذي يعقد المسؤولون البريطانيون محادثات دورية مع مسؤوليه المفترضين.

قرار بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي تداعياته الاقتصادية متضاربة لم تنتهِ

لندن - حسين عبد الحسين

لا يمكن أي مراقب يجول في شوارع العاصمة البريطانية إلا أن يلاحظ إحجاماً لدى المستهلكين البريطانيين عن الإنفاق، فالمطاعم الأكثر شعبية، والتي يصعب عادة الحصول على حجوز فيها، تبدو نصف فارغة، فيما تغزو الشوارع إعلانات متنوعة حول تنزيلات، في غير وقتها الموسمي المعتاد، تقدمها محلات الثياب والشركات المختلفة لبضائعها لتحفيز المستهلكين على الإقبال على الشراء.

فللمرة الأولى منذ قرن تقريباً، تجد بريطانيا اقتصادها مجبراً على الإبحار في مياه مجهولة. ومنذ أن انتزعت الولايات المتحدة مركز الاقتصاد الأكبر في العالم، مطلع القرن الماضي، وانتزعت كذلك الصناعات - خصوصاً النسيجية - التي كانت تتخذ من بريطانيا مقراً، انقلبت لندن إلى اقتصاد الخدمات، وخـــصوصا المالية.

وبسبب اعتمادها على الخدمات المصرفية، حافظت بريطانيا على سعر مرتفع لعملتها الوطنية، الإسترليني، مقارنة بعملات الاقتصاد الكبرى. وبذلك، بقيت بريطانيا خارج «حرب العملات» التي استعرت بين كبرى الاقتصاد العالمية، أميركا والصين واليابان، على مدى العقد الماضي.

على أن قوة الإسترليني كانت أولى ضحايا تصويت البريطانيين على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في استفتاء شعبي، الشهر الماضي، وهو ما دفع عملتهم الوطنية إلى التهاوي أمام العملات العالمية، على رغم محاولات المركزي البريطاني بيع عملات صعبة من احتياطه لشراء الإسترليني في الأسواق للحفاظ على قيمته.

ومع تراجع قيمة العملة، ما زالت عملية نزف بريطانيا للودائع مستمرة، ما يهدد قطاع الخدمات المصرفية برمته. كما اثرّ تراجع الإسترليني في المستثمرين الأجانب في الجزيرة البريطانية، فشركة «فورد» الأميركية لصناعة السيارات أعلنت أن بسبب تراجع النقد البريطاني أمام الدولار، خسرت أكثر من بليون دولار.

وأفادت «فورد» في بيان، بأنها تنوي إقفال مصنعها في بريطانيا، مع ما يعني ذلك من زيادة في البطالة البريطانية على عكس ما وعد القيمون على عملية الانفصال. وبسبب ضعف العملة البريطانية، ستضطر الشركة إلى رفع أسعار سياراتها للتعويض عن فارق صرف العملة.

وبسبب العوائق التي سيفرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على حصول الأوروبيين على تأشيرات دخول وإقامة وعمل في المملكة، هبطت أسعار المنازل بمعدل 26 في المئة على مدى الشهر الماضي، وفق بعض التقارير، إذ اقبل الأوروبيون ممن يخشون أن تحرمهم الحكومة البريطانية حق العمل والإقامة على عرض منازلهم للبيع، فيما أحجم غير البريطانيين من المقيمين عن الشراء بسبب تخوفهم من مستقبل بقائهم في البلاد.

لكن مصائب قوم عند قوم فوائد، فبعض الصناعات البريطانية شهدت ارتفاعاً عالمياً في الإقبال عليها بسبب تراجع الإسترليني، على رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي عموماً. وأفادت الشركات البريطانية المستثمرة خارج البلاد، من هبوط سعر العملة، فشركة النقل التي تدير بعض خطوط القطارات في الولايات المتحدة وكندا، شهدت ارتفاعاً في أرباحها بسبب قوة الدولار أمام الإسترليني.

كذلك، سجلّت الفنادق البريطانية والمرافق السياحية الأخرى ارتفاعاً في الحجوز والإقبال بسبب ضعف العملة الوطنية أمام العملات العالمية. أما شركات المأكولات السريعة، فهي الأخرى شهدت انتعاشاً في عائداتها بسبب القلق الذي يسود البريطانيين، وإحجامهم عن الخروج والإنفاق، وبقائهم في منازلهم في محاولة للتوفير خشية انهيار الوضع الاقتصادي في البلاد. ومع ازدياد عدد البريطانيين في منازلهم، ارتفعت الطلبات على خدمة توصيل المأكولات السريعة إلى البيوت، وتالياً ارتفعت عائدات هذه الشركات منذ الانفصال، وفي طليعتها شركة «دومينوز» لمطاعم البيتزا.

البيانات الاقتصادية البريطانية ما زالت تشير إلى أن ركوداً سيصيب بريطانيا في الربعين المتبقين من هذا العام، بعدما كانت البلاد تبدو وكأنها خرجت من الأزمة الاقتصادية العالمية وعادت إلى التعافي والنمو. لكن ما زال يصعب التكهن بمحصلة التغيير الكبير الذي يطاول الاقتصاد البريطاني، وارتفاع عائدات الصادرات والسياحة على حساب قطاع الخدمات المصرفية والاستثمارات الأجنبية.

Since December 2008