الاثنين، 3 أكتوبر 2016

لا مضادات نوعية للمعارضة السورية

حسين عبدالحسين

عمدت بعض الجهات المعنية بالوضع السوري، ربما بهدف إخافة الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه في روسيا وايران، إلى تسريب انباء مفادها ان المعارضة السورية في الشمال هي في طريقها لتسلم كميات من الأسلحة النوعية، بما في ذلك صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، ربما من نوع "ستينغر" الاميركية أو "سام" الروسية.

وذهب المسؤولون عن تسريب هذه الانباء الى ابلاغ بعض وسائل الاعلام أن ثوار سوريا في الشمال استلموا دفعات من صواريخ غراد، مع أن هذه الصواريخ ليست نوعية ابداً، بل هي بدائية ومتوفرة في السوق السوداء، التي تشتري منها الفصائل المسلحة، المعارضة للأسد والموالية له، غالبية أسلحتها وذخيرتها.

لكن من يعرف واشنطن يعلم على وجه التأكيد أن معارضي سوريا لن يتسلموا اي اسلحة مضادة للطائرات للحد من شراسة الغارات التي تشنها مقاتلات روسيا والأسد. أما سبب المعارضة الأميركية، والغربية عموماً، لتسليح الثوار بمضادات الطائرات، فسببها أن السماء السورية تعج بمقاتلات دول العالم المنخرطة في التحالف الدولي للقضاء على تنظيم "الدولة الاسلامية".

لذا، من شبه المستحيل ان توافق واشنطن، والعواصم المتحالفة معها، على تزويد معارضي سوريا بمضادات يمكنها ان تهدد مقاتلات روسيا والأسد، وفي الوقت نفسه تهدد مقاتلات اميركا والتحالف الدولي. هذا من الناحية التقنية والعسكرية. أما من الناحية السياسية، فصار من المؤكد أن خطة أوباما الوحيدة في سوريا هي إضاعة الوقت حتى يوم خروجه من البيت الابيض في ٢٠ كانون الثاني/يناير المقبل. هذا العجز الذي يفرضه أوباما على نفسه، والذي سمح للروس بالتمادي على الاميركيين الى حد يكاد يقارب الشتيمة العلنية، كان واضحاً عندما بدا أن أكبر ما في جعبة الادارة الاميركية للرد على مجازر روسيا وايران والأسد في حلب، والتي فطرت قلب الرئيس المسكين باراك أوباما على حد قوله، هو التلويح بتعليق التعاون الأميركي العسكري مع روسيا في سوريا، وهو تعاون لم يبدأ أصلاً.

ولأن الروس يدركون أنه قد لا تأتيهم ايام تظهر فيها اميركا، ومعها الغرب، تراخيا تجاه المجازر التي ترتكبها موسكو وطهران والأسد في سوريا كالتراخي الذي تظهره في الايام الاخيرة من حكم أوباما، فهم سارعوا الى تدمير أكبر مساحات سورية ممكنة وتحويلها الى انقاض على رؤوس من فيها.

والارجح ان منع المضادات التي يمكنها تهديد المقاتلات في السماء السورية سيمتد الى ما بعد حكم أوباما، حتى لو خلفته المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، وهي المحسوبة من الصقور في السياسة الخارجية.

كلينتون ستستمر، على الارجح، بحظر المضادات النوعية عن المعارضين السوريين، لكنها ستقوم بفرض منطقة آمنة، وهذه خطة، حسب الخبراء الاميركيين، سهلة تكتيكياً، وتتطلب فقط توفر الارادة السياسية الاميركية، نظرا لأن الاوروبيين يوافقون منذ زمن على هذا السيناريو، الذي يعتقدون ان من شأنه وقف تدفق اللاجئين السوريين الى الغرب.

ويقول الخبراء العسكريون أنه يمكن للبحرية الأميركية ضرب دفاعات الأسد الجوية، والأسراب الثلاثة لمقاتلاته، وحفنة مروحياته، وتعطيل المدرجين اللتين تطير منهما المقاتلات، كل ذلك بهجوم واحد متزامن بالصواريخ، تشنه سفن الاسطول السادس المتواجدة في المتوسط، والتي تتوزع على موانئ ايطاليا واليونان وقبرص والبرتغال.

بعد تعطيل سلاح الأسد الجوي، يمكن للقوات الأميركية وحليفتها التركية دفع بطاريات صواريخ باتريوت الى داخل الاراضي السورية لتشكيل مظلة جوية تمنع المقاتلات الروسية من اختراقها. طبعاً يعتقد الجنرالات الأميركيون أن خطوة من هذا النوع تتزامن مع إبلاغ موسكو، بغض النظر عن موافقتها أو عدمها.

إذاً، تعديل كفة الحرب السورية بتحييد القوة الجوية التابعة للأسد وروسيا وايران يأتي عبر تدخل مباشر يرجح ان الرئيس الاميركي المقبل سيأمر به، لكنه لن يأتي خلسة عبر تزويد المعارضين السوريين بأي سلاح قادر على الوقوف في وجه الغارات المدمرة.

وتعديل كفة الحرب السورية لا يعني نية أميركا الاطاحة بالأسد، بل تغيير موازين القوى بشكل يجعل المنفذ الوحيد أمامه هو، إما التسوية مع معارضيه، أو تثبيت خطوط الانقسام معهم، وهي الخطوط التي يسابق الاسد وروسيا وايران الزمن من أجل تعديلها لمصلحتهم، قدر الامكان، قبل أن تدخل اميركا والعالم في عهد جديد، وقبل أن تتبنى واشنطن سياسات خارجية جديدة.

الشركات الكبرى تستعيد القرار من المستثمرين في أسهمها

واشنطن - حسين عبدالحسين

يسود اعتقاد أن «المال الرخيص» الذي عمدت حكومات العالم ومصارفها المركزية إلى تقديمه على مدى السنوات الخمس الماضية، على شكل «تيسير كمي» أو خفض الفائدة، شجّع المستثمرين على نقل إيداعاتهم من البنوك واستثمارها في أسواق المال، ما أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار الأسهم وحجم الأموال المتداولة.

لكنّ عاملاً آخر ساهم أيضاً في رفع أسعار الأسهم وفقاً لما يعتقد خبراء، ولم ينل الاهتمام المطلوب لدى المحللين، ويتمثل بالتغيير الكبــير الطارئ على استراتيجيات الشركات الأميركية والعالمية منذ حصــول الركود الكبير عام 2008. ورأوا أن الشركات أدركت أخيراً، الفـــارق بيــــن قيمة منتجاتها وأسعار أسهمها. إذ كانت أسهم شركة «جنرال موتورز» مثلاً، مرتفعة جداً عام 2007، مع أن مبيعاتها وإقبال السوق على منتجاتها كانا ضعيفين. والسبب في ذلك التباين كان يعود إلى الذراع المالية لديها، والتي كانت تدير أسهمها في الأسواق وتشرف على استثماراتها المالية في أسهم أخرى، أي أن عائدات الشركة كانت تأتي غالباً من مضارباتها المالية وليس من جودة منتجاتها ومبيعاتها.

وبعد الركود الكبير، حلّت «جنرال موتورز» دائرتها المالية والاستثمارية، وأعادت شراء كمية كبيرة من أسهمها التي كانت مطروحة في السوق. كما أعادت هيكلة مصانعها، واستثمرت في البحوث وتطوير المنتجات. ومع حلول عام ٢٠١٢، نجحت في إعادة الديون التي كانت استلفتها من الحكومة الأميركية لتفادي إفلاسها، وعادت إلى تحقيق الأرباح بفضل منتجاتها، التي استعادت تنافسيتها في السوق.

وحذت حذو «جنرال موتورز» شركات أميركية كثيرة اشترت أسهمها مجدداً، حتى بلغ ما أنفقته على عملية استعادة الأسهم من السوق 2.8 تريليون دولار بين عامي 2010 و2015.

أما الدافع الأكبر خلف تملّك الشركات الأميركية أسهمها مجدداً، فيكمن في رغبتها في استعادة «الكلمة الفصل» في قرارات الشركة من المستثمرين، أي أنها بتقليص لائحة حاملي أسهمها، تعزز الإدارة القرارات بين يديها، وعندما تفعل ذلك لا تعود الشركة منهمكة في تسجيل أرباح في كل ربع عام بعد الآخر كرمى لعيون مالكي الأسهم، بل يمكنها التفرغ لاستثمار مجهودها ومواردها في استراتيجيات طويلة الأمد، تساعدها في تطوير منتجاتها ودرس السوق والعودة الى التنافس فيها.

وترافقت قرارات الشركات إعادة تملّك أسهمها المالية، وتالياً استعادة قراراتها عموماً، مع العودة الى سحـــب ما يعرف بـ «خيار الأســـهم» الذي كانت تقدمه لموظفيها. ولأن مصلحة الموظفين الكبار كانت تقضي بارتفاع أسعار الأسهـم وعائـــداتها، انشغل الموظـــفون بعــــملية رفع سعر أسهم شركاتهم مـــن دون الالتفات إلى مبيعاتها. لكن مــــع حرمانهم من الأسهم والعودة الى النظـــام القديم المبني على حـــوافز مالــية مباشرة، نقدية أو على شكــــل زيادات في الرواتب، عاد اهتمام المــــوظفين ينصــب على أداء الشركة وجودة منتجاتها وتنافسيتها.

ويصف روجر مارتن، مؤلف كتاب «اللعب من أجل الفوز»، الاستراتيجيات الطويلة الأمد بالقول إنها تقضي بـ«الابتعاد عن سوق الأسهم والأرباح الفصلية القصيرة الأمد». ويضرب مارتن المثل بالمباريات الرياضية، ويقول: «ممنوع على اللاعبين والمدربين المشاركة في عملية المراهنات على النتائج، والمباريات هي عبارة عن مباريات على أرض الملعب وأخرى في كشك المراهنات، والفوز والخسارة في أي منهما يترابطان لكنهما يختلفان كلياً». وهكذا، يدعو مارتن الشركات الى «منع موظفيها من تملك الأسهم، أو الانخراط في عمليات تجارية في أسواق الأسهم المالية».

وبسبب التغييرات الواسعة التي طاولت سياسات الشركات وعلاقاتها مع الأسواق المالية، يلفت مارتن إلى أن غالبية مالكي الأسهم في الشركات الكبيرة مثل «أبل» و«غوغل»، باتوا ممن يبتعدون عن الأرباح على المدى القصير ويسعون إليها على المدى البعيد، مثل صناديق التعاضد للمعلمين وتلك التابعة لجامعات، والمنح الطالبية.

في هذه الأثناء، راح مديرو ما يعرف بصناديق المضاربة (هيدج فند)، يتفادون الشركات الكبيرة التي لا تقدم الربح السريع، ويبحثون عن شركات ناشئة تبحث عن استثمارات سريعة وتَعد بعائدات فورية، ما شجع عدداً كبيراً من المستثمرين على الإقبال على شركات طرحت أسهمها أخيراً، مثل «فايسبوك» و«تويتر»، طمعاً بالربح السريع، ما دفع اكتتاب الشركتين الى معدلات قياسية أكبر من التي كانت متوقعة. لكن حتى «فايسبوك» لا تزال منخرطة في السوق المالية في شكل محافظ نسبياً، خوفاً من التورط مع مستثمرين جشعين يبحثون عن الربح السريع ولا يرحمون، فيجبرون الشركة على التفرغ للبحث عن عائدات، بدلاً من السعي الى التطوير المتواصل وتحسين جودة الموقع وخدماته على الإنترنت.

هكذا، بعدما فرض الكونغرس قوانين منعت المصارف من استخدام أموال المودعين لديها للمضاربة في أسواق الأسهم وتحقيق الربح السريع، وبعدما بدأت الشركات الكبيرة تقلّص حضورها في هذه الأسواق، بدأت خيارات الاستثمارات في الأسهم المالية تضيق، وترفع بذلك أسعار كل الأسهم المعروضة، وراح ارتفاع يغذي آخر.

ومع تقلّص الأسهم المعروضة وتوافر الأموال الرخيصة بسبب سياسات المصارف المركزية، ارتفعت أسعار الأسهم أكثر فأكثر، وصار بعـــض الاقتصاديين يعتقد أن أسواق المال تعيش فقاعة لا بد من انفجارها في المستقبل القريب. لكن هذه المرة، وبسبب خروج الشركات والقطاعات، مثل المنازل والمصارف، من لعبة المضاربات، قد لا يؤدي انفجــار الفقاعة إلى أزمة شبيهة بتلك التي حصلت في الماضي القريب، وكان آخرها في خريف عام 2008.

Since December 2008