الثلاثاء، 2 مايو 2017

واشنطن تخفف اندفاعها ضد «داعش» في العراق لكبح «اندفاع» إيران نحو «التمدد» في المناطق المحررة

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

بدا محيراً التغيير الطارئ على كثافة القتال الذي ينخرط فيه الأميركيون ضد تنظيم «داعش»، إذ يبدو أن واشنطن كبحت جماح قواتها في الموصل، وأطلقت يدهم في مناطق متعددة في سورية. وتشير أحدث تقارير «القيادة الوسطى» في الجيش الأميركي أنها شنت 11 غارة جوية ضد مواقع تابعة لـ«داعش» في العراق، و17 غارة في سورية، وهو ما يشير بوضوح إلى تغيير في الأولويات الاميركية.

ويشير الصحافيون الاميركيون المنتشرون في الصفوف الامامية لحرب الموصل ان المعارك غرب المدينة «متوقفة منذ أسابيع»، ما عدا التراشق بالقذائف وبعض الغارات الجوية. ويقول الصحافيون ان اسباب توقف المعركة ما تزال مجهولة، وهو ما سمح لـ«داعش» بمحاولة اعادة التمدد ونشر قناصين في مناطق غربية كان خسرها أخيراً. وكان التحالف الدولي نجح في طرد مقاتلي التنظيم من قرابة ثلثي الموصل، فيما بقيت سوق البلد القديمة، غرب الفرات، والمناطق المحيطة بها، جنوبه، تحت سيطرة التنظيم المحاصر.

وبسبب تباطؤ حملة طرد «داعش» كلياً من مدينة الموصل، طالب المسؤولون العراقيون الولايات المتحدة علناً بـ«المساعدة» بإنهاء تحرير هذه المدينة، فيما حاول مسؤولون عراقيون آخرون التغطية على التعثر الحاصل بإطلاق توقعات مفادها ان القوات الحكومية العراقية والميليشيات المتحالفة معها ستستعيد المدينة بالكامل قبل نهاية الشهر الجاري.

ولم يعلن المسؤولون في واشنطن، حتى الآن، أي تغييرات في أولوياتهم في الحرب ضد «داعش» أو في قيامهم بنقلها من العراق الى سورية، لكن ما يتم تداوله همساً هو تذمر أميركي، خصوصاً لدى اصدقاء اسرائيل، من قيام «الحرس الثوري» الايراني بافتتاح مكاتب في الاحياء المحررة في الموصل.

ووردت تقارير عن إمساك الايرانيين بأحياء الموصل المحررة، تزامناً مع مقتل جندي أميركي من الفرقة ٨٢ المحمولة جواً (ضابط المشاة اللفتنانت أول وستون لي البالغ 25 عاماً من بلوفتون بولاية جورجيا)، إثر اصابته بانفجار لغم أرضي قرب المدينة. وتردد في الاوساط الاميركية المعارضة للتنسيق الاميركي - الايراني في الحرب ضد «داعش» في العراق، إن «جنودنا يموتون في الموصل، وإيران تتسلم المناطق المحررة من داعش».

وحاول بعض المعنيين بحرب الموصل الاجتهاد بالقول ان مقتل الجندي الاميركي «يحمل بصمات ايرانية»، وان «داعش» لم يلجأ لاستخدام اسلوب العبوات لاستهداف الجنود الاميركيين، فيما قامت الميليشيات الموالية لايران، اثناء الاحتلال الاميركي في العراق قبل نهاية العام ٢٠١١، باستخدام هذا الاسلوب.

وتشير البيانات الاميركية الى انه من اصل أربعة آلاف جندي أميركي قتلوا في العراق، تتحمل ايران والميليشيات العراقية العاملة بإمرتها مسؤولية مقتل ألف منهم على الأقل.

هكذا، مع الزيادة في التوتر بين الاميركيين والايرانيين، يبدو ان بعض دوائر القرار في واشنطن باتت ترى ان الحرب ضد «داعش» في سورية أجدى بكثير بالنسبة للاميركيين، حيث تتحالف القوات الاميركية مع قوات كردية، في شمال سورية الشرقي، ومع قوات عربية سورية معارضة للرئيس بشار الأسد في الجنوب السوري.

ويبدو ان بعض الاوساط الاميركية تعتقد ان نجاح أميركا والقوات الكردية والسورية المتحالفة معها بالسيطرة على منطقة غرب الفرات التي تمتد من الحدود مع تركيا الى الحدود السورية مع الاردن هي استراتيجية من شأنها ان تعطل تمدد إيران وحلفائها عبر خط طهران - بغداد - دمشق - بيروت، وهي استراتيجية لا بد انها تحظى بقبول ودعم اسرائيلي تام، إذ أن الاسرائيليين يضعون إخراج ايران وحلفائها من سورية بمثابة اولوية، لا تضاهيها الا أولوية تل أبيب في الإبقاء على الأسد في الحكم.

الاثنين، 1 مايو 2017

مثقفو الممانعة وشتائمهم

حسين عبدالحسين

في أقل من أسبوع، تعرّضت صديقتان اعلاميتان، وصديق اكاديمي الى تقذيع يقارب الشتائم. العزيزة رشا الأطرش انتقدت ما أسمته الداعشية المسيحية، على خلفية اعتراض بعض المسيحيين على بث قناة "ام تي في" التلفزيونية فيلماً عن المسيح يظهره يرقص ويلعب. أطل مثقف ممانعاتي وكتب: "هناك حملة طائفيّة بغيضة ضد المسيحيّة والمسيحيّين العرب في الإعلام الخليجي". وقبل أربع سنوات، كان المثقف نفسه اتهم الأطرش بأنها تعاني من "عُقد دفينة" لولادتها مسلمة، وأنها "تبدو غبية لمحاولتها التقرب من الكنيسة". أما سبب شتائم الأخ المثقف، وقتذاك، فكان مقارنة الأطرش احتفالات دينية مسيحية، بنظيرتها الشيعية التي احتلّت حرم الجامعة اللبنانية. ثم تداورت حفنة من نخبة الممانعة على تقذيعها عبر السخرية من اسمها ووصفها بـ"الطرشاء"، إثر تغطيتها لمؤتمر تكريمي للمفكر السوري الراحل صادق جلال العظم في الجامعة الأميركية في بيروت.

في حادثة أخرى، انخرطت الصديقة رجاء مكي في حوار متلفز عن الانتخابات الفرنسية مع مثقف ممانعاتي لبناني آخر. أحرجته على الهواء، فخرج من الاستديو بعد نهاية البرنامج وكتب تغريدة وصف فيها مكي بأنها "بقرة".

في حادثة ثالثة، أطلت كاتبة في صحيفة ممانعجية لتشن هجوماً على دكتور الفلسفة في الجامعة الاميركية في بيروت، بشار حيدر. عنوان المقالة كان حيدر نفسه، وكأنه شخصية عامة ومعروفة. وصفت كاتبتنا الممانعاتية، حيدر، بأنه "مثقف الاحتلال"، بسبب تأييد الأخير للحرب الأميركية في العراق، وتأييده الضربة الأميركية التي كانت مقررة، ولم تحصل، ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد في صيف العام 2013.

وفي كثير من الحشو، تصول الصحافية وتجول في مهاجمة حيدر. تعتبر أن إدارة الجامعة أضافت حيدر الى المتحدثَين خلال إحدى جلسات المؤتمر التكريمي للعظم، لأنها كانت تدرك أنهما سيوجهان انتقادات للفيلسوف الراحل، وأن الإدارة أرادت موازنة الرأي السلبي فأضافت حيدر، وكأن الحرص على تقديم حوار متوازن هو جريمة.

كان المثقف الممانعاتي الأول، الذي شتم الأطرش، قد كتب أنه يقدّر العظم، الذي أخبره كيف أخرجته الجامعة الأميركية في بيروت، في السبعينات من القرن الماضي، بسبب عنصرية شارل مالك. "الجامعة قررت تكريمه فقط بعدما نبذ العظم اليسارية وتحول نحو اليمين"، كتب مثقفنا الممانعاتي. ولم يلاحظ الأخ المثقف أن العظم تعرض لانتقاد من إدوارد سعيد، بَطَل هذه المجموعة الممانعجية، لأن العظم، في رأيه، رضخ لحكم آل الأسد في سوريا، حيث كان يدرّس في جامعة دمشق. وسعيد كان على خطأ.

العظم كان من الموقعين على بيان "ربيع دمشق" في العام 2005، وكنتُ أجريت مقابلة معه في بوسطن، العام 2009، قال فيها إنه يرضى بتغيير في سوريا بنسبة 20 الى 25 في المئة، وأن التغيير عملية تدريجية. وعلى الرغم من موقفه السياسي المعتدل، سحب نظام الأسد جواز سفر العظم. وفي المقابلة نفسها، شن العظم هجوماً على رجل دين خليجي كان يقول إن الأرض مسطحة. أضاف العظم: عبدالناصر لم يتصدّ لهذه الهرطقة الفكرية، بل تصدى للاسلام كحركة سياسية فقط... فكيف يرى مثقفنا الممانع، يميناً ويساراً في مواقف الراحل العظم؟

مشكلة عدد من مثقفي الممانعة اللبنانيين أن معرفتهم ضحلة وذكاءهم خفيف. لا يقرأون غير الكراسات الحزبية ولا يكتبون الا خطابات نارية، وغالباً ما يقعون في تناقضات، ويتفادون الحديث عن المضمون، ويلتزمون بالشعارات، وبتخوين الآخرين وشتمهم.

قبل مدة قصيرة، كتب صحافي معروف بافتتاحياته التهديدية، مقالة ضد وزير الخارجية جبران باسيل، هدد فيها باسيل بالحرب الأهلية، وبالحقد على مدى أجيال. المعارضة لباسيل مفهومة، لكن لماذا التهديد بالدم والحقد؟ جاءت تلك المقالة بعد أقل من أسبوع على تعليقي على إطلالة لباسيل في واشنطن، أعربتُ فيها عن تقديري لشخصه، واعترضتُ فيها على ضحالة معلوماته وتناقض أقواله، التي سردتُها وحاولت تفنيدها. لا حاجة إلى تهديد باسيل ولا إلى حرب اهلية، بل المطلوب اظهار خلل رؤيته وأقواله.

الصحافي نفسه كتب مرة، أن تحالف الممانعة وجد نفسه في لحظة ضعف يوماً، فأقام موقعاً الكترونياً صاحبه المفترض أكاديمي إسرائيلي، ووظّف الموقع لبث دعاية كاذبة بحق خصومه. ثم قامت وسائل اعلام الممانعة بنقل دعاية هذا الموقع وكأنها اخبار حقيقية في ظاهرة اكتسبت تسمية "تبييض الإعلام". وبعدما انكشف أمر الموقع، تراجع الإعلام الممانعاتي، وقدم الصحافي المذكور، مشكوراً، ما يشبه الاعتذار أو التراجع عن الخطأ.

هذه السطور لا ترمي الى انتقام، ولا الى رد، ولا الى تحقير، بل هي تهدف الى لفت نظر الزملاء ممن يطلقون على انفسهم تسمية "مثقفين ملتزمين" (والالتزام فعل مسبق ينقض عملية التفكير والنقد المطلوبة من كل مثقف) أنه يمكن الحوار من دون صراخ وشتائم: هاتوا أفكاركم، واستمعوا لأفكارنا، ولنتناقش. قد نخطئ، وقد تخطئون.

الدنيا دوّارة. قادة العراق الشيعة أيدوا التدخل الاجنبي في العراق، ويعارضونه اليوم في سوريا. الرئيس ميشال عون قال في الكونغرس الأميركي أن "حزب الله" منظمة إرهابية، وها هو اليوم يدافع عن الحزب كمقاومة لبنانية. رئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي اتهم الرئيس السوري بشار الأسد، بأنه يدعم الإرهاب، وقصد الأمم المتحدة لإقامة محاكمة ضده. اليوم، السيد المالكي يعتقد أن الأسد هو في طليعة محاربي الإرهاب. "حزب الله" أمضى عقوداً وهو يتضرع لله أن يطيح "طاغية العراق" صدام حسين. ويوم استُجيب لدعاء الحزب وجاء الأميركيون، دعا السيد حسن نصرالله الى "طائف عراقي" وتسوية بين صدام ومعارضيه.

لا ضير في تغيير المواقف. الضير هو في تبني المواقف الجاهزة ورفض كل ما سواها، ورفض حتى الخوض في نقاش، والاكتفاء بالصراخ والشتائم والتهديد. 

Since December 2008