الأربعاء، 3 يناير 2018

نجمة داود على قبور المسلمين

حسين عبدالحسين

يكاد يكون الرسم المعروف بـ"نجمة داود" احد اشهر الرموز اليهودية، وهو رسم تبنته الحركة الصهيونية وحولته الى علم "دولة اسرائيل"، وهو ما يجعل وجود الرسم على شواهد قبور تاريخية تعود لمسلمين معروضة في متحف الرياض، منقوشاً الى جانب البسملة، أمراً محيراً للبعض.

ولحلّ معضلة ترافق "نجمة داود" مع "بسم الله الرحمن الرحيم"، علينا ان نستعرض التفاسير التي يقدمها اليهود أنفسهم، وبعض الماسونيين الأحرار، لرمزية النجمة السداسية. اليهود يسمّونها "درع الله" الذي حمى داود، احد ابرز ملوك اسرائيل وخليفة الله حسب القرآن. وفي تفسيرات اخرى، يعتبر بعض اليهود ان المثلث الذي يشير الى الأعلى، يمثل علاقة الانسان بخالقه، فيما المثلث الذي يشير الى الأسفل، يشير إلى الذات الإلهية. وفي تفسيرات يهودية اخرى ان النجمة ترمز الى الكون: شرق وغرب وشمال وجنوب وفوق وتحت.

أما الماسون، الذين يغلبون إلى تسميتها "نجمة سليمان" او "خاتم سليمان"، فيميلون الى القول ان مثلثاً يمثل الذكر، وآخر يمثّل الانثى.

التفاسير المتوافرة حول "نجمة داود" او "خاتم سليمان" غير مقنعة، وتبدو تفاسير لاحقة لتبني الرسم. وجهة نظر بديلة، قد تكون اكثر اقناعاً، تربط الرقم ستة، وتالياً النجمة السداسية، بالرسم الذي يتولد عن دورة الكوكب عطارد الكاملة حول الشمس. 

هذا الكوكب هو الأقرب الى الشمس، وهو ما جعل الأقدمين يربطونه بالإله الأقرب الى الإله الأعلى. هو الإله عطارد (ميركري)، الروماني رسول الإله جوبيتر (اسمه من زوس اليوناني) الى العالم، وهو الإله هرميز الإغريقي، رسول الإله زوس (اسمه من كلمة ضوء الافرو-آسيوية) الى العالم. وفي المسيحية، هو ميخائيل (واسمه من الآرامية "من كالإله")، كبير الملائكة وأقربهم الى الله. وفي الإسلام، يتحول ميخائيل الى جبرائيل، وجبرا تعني رجل في الآرامية.

وفي المخيلة المسيحية، تمثل صورة عطارد مستبقاً شروق الشمس، صورة ميخائيل وهو يحمل سيفاً ذهبياً او سيفاً نارياً مشعاً، وقد تكون هذه الصورة هي التي ألهمت الصورة على اول دينار عربي مصكوك، في العام 699 ميلادية، والمعروف بدينار عبدالملك، نسبة الى الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. وفيما تعتقد غالبية المؤرخين ان عبدالملك صوّر نفسه على ديناره، إلا ان صورة السيف الناري توحي بأن الصورة ترمز الى "رسول"، وأن عبدالملك إما صكّ نقشاً يمثل الرسول محمد، أو أن الخليفة كان يخال نفسه رسولاً أو في مرتبة رسول.

هذا الرابط بين "عطارد" و"رسول"، قد يفسر وجود نقوش "نجمة داود" على شواهد قبور إسلامية في الجزيرة العربية. فالأقدمون تعارفوا على ان "النجمة السداسية" تمثل الرسول، اي رسول، وقد تكون بعض المجموعات في جزيرة العرب قد نقشت هذا الرمز على شواهد قبورها لتوكيد الشهادة التالية للبسملة، أن لا إله الا الله وأن محمداً رسوله، وهو ما يربط النجمة المذكورة، لا بداود وسليمان فحسب، وهما رسولان في الإسلام، بل بسائر الرسل من دون الانبياء (الرسول رسول ونبي، فيما النبي نبي فقط)، ومنهم محمد رسول المسلمين.

ارتباط عطارد ونجمته السداسية بمفهوم الرسول الأقرب الى الإله الأعلى يأتي من أماكن كثيرة ومتنوعة.

في ما تبقى من سقف في معبد باخوس في قلعة بعلبك الرومانية، نجمة سداسية داخلها "ميدوزا"، السيدة ذات الشعر المكون من ثعابين. وجود ميدوزا في نقوش المعبد قد يكون مرتبطاً بأسطورة الغواية الناجمة عن استهلاك الخمر، طالما أن المعبد يعود إلى إله الخمر. وقد تكون الرسالة المقصودة هنا هي التحذير من الإفراط في الخمر وتالياً الوقوع في الغواية. لكن وجود طنجمة دواد" او "خاتم سليمان" في معبد وثني روماني، أمر لا يتناسق مع المفاهيم الدينية، الا إذا اعتبرنا أن باخوس، ومعبده ثاني اكبر معبد في تجمع المعابد الرومانية في بعلبك والأقرب من المعبد الأكبر العائد للإله جوبيتر، هو رسول جوبيتر الى العالم.

وباخوس إله الخمر، رسول جوبيتر، مثل المسيح ودمه الخمر ومعجزته الخمرية في قانا، وهو ما يربط رؤية المسيحيين والمسلمين للمسيح رسولاً من الإله الأعلى الى الناس. فالمسيحية لا تنفي الدور الرسولي للمسيح، اللاهوت الذي تجسد في الناسوت، حسب مشيئة الإله الأب. اما المسلمون، فيعتقدون المسيح رسولاً كذلك. اما الخلاف بين الاثنين، فيتمحور حول طبيعة المسيح، الإلهية لدى المسيحيين، والبشرية حصراً لدى المسلمين.

باخوس، وداود، وسليمان، والمسيح، ومحمد، وعبدالملك، أسماء ترتبط بالنجمة السداسية، المستوحاة من حركة عطارد وموقعه، وهو الكوكب نفسه الذي أوحى أساطير عطارد الروماني وهيرمز الاغريقي، وهذه آلهة تطير بأجنحة على قبعاتها او أحذيتها، ودورها الوحيد هو نقل الرسالة بين الإله الأعلى والناس. فرؤية الإله الأعلى عصية على الناس، مثلما يستعصي عليهم التحديق في الشمس، وهو ما يتطلب رسولاً.. ومَن أقرب الى الشمس من عطارد؟

الثلاثاء، 2 يناير 2018

ايران كشأن أميركي داخلي

حسين عبدالحسين

فجّرت التظاهرات المناوئة للنظام في إيران نقاشاً أميركياً محتدماً، سارع فيه الجمهوريون وادارة الرئيس دونالد ترامب لاتهام الديموقراطيين وادارة الرئيس السابق باراك أوباما بالتخلي عن "الثورة الخضراء"، التي كانت اندلعت في ايران عام 2009 وقام النظام بقمعها بعنف، في ظلّ صمت اميركي مشهود.

التظاهرات الايرانية أعادت عقارب الساعة الاميركية الى تلك الواقعة، وقدمت فرصة ليشير فيها ترامب والجمهوريون الى ما يعتقدون أن أوباما والديموقراطيين فشلوا في القيام به حيال "الثورة الخضراء". لهذا السبب، سارع كل من ترامب ونائبه مايك بنس الى التعبير عن دعم الحكومة الاميركية للتظاهرات الايرانية.

وفي ما كتب مسؤول الشرق الاوسط السابق في مجلس الأمن القومي فيليب غوردن أن أفضل ما يمكن لترامب القيام به هو التزام الصمت، حتى لا تشكل تصريحاته رصاصة الرحمة التي يطقلها النظام الايراني على المتظاهرين بتهمة بالعمالة، شن الجمهوريون هجوماً عنيفاً على الديموقراطيين، وحاولوا تفنيد المقولات التي أطلقها أوباما وصحبه لصناعة السياسة الاميركية الحالية تجاه ايران.

وقال الجمهوريون إن التظاهرات الايرانية تثبت أن الشعب الايراني ليس مؤيداً للحكومة، ولا هو يلتف حولها من باب القومية الفارسية وخشية التهديدات الغربية. واشار الجمهوريون الى أن الاتفاقية النووية مع ايران لم تحقق أياً من وعود أوباما، فهي لم تدفع معتدلي ايران الى الواجهة، ولم تساهم في التخفيف من نشاطات ايران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، ولا هي ولّدت الايجابية المزعومة التي يمكنها ان تسمح لواشنطن استعادة علاقاتها الطبيعية، وربما تحالفها، مع طهران.

التشكي من سياسات أوباما تجاه ايران، وإطلاق الوعود بتبني سياسات معاكسة، هي من الامور اليسيرة. الصعب في الموضوع هو أن يقدم ترامب وادارته خطة متكاملة، بشكل اكثر جدية من التصريحات والتغريدات، لدعم أي تحركات شعبية ايرانية ضد النظام الحاكم، في مسعى لزعزعته، أو ربما للاطاحة به.

وحتى تتمكن الولايات المتحدة من التأثير في مجرى الاحداث الداخلية في ايران، على الاميركيين استيعاب الوضع الايراني، والتكهن بتطوراته، والتحسب لأحداثه، والتحرك بشكل يخدم المصالح الاميركية.

على أن المشكلة تكمن في استحالة التكهن بالاحداث الايرانية، فالخبراء الاميركيون من أصول ايرانية، من معارضي النظام الايراني ومن مؤيديه، أجمعوا على الطابع العفوي والمفاجئ للتظاهرات الايرانية، واعتبروا أنها لعفويتها، لا يمكن التكهن بما ستؤدي اليه.

هكذا، كتب ابرز داعمي النظام الايراني في واشنطن تريتا بارسي مقالة في موقع "سي ان ان"، أشار فيها الى صعوبة التنبؤ بما يمكن ان تؤدي اليه الاحداث الايرانية، وكذلك فعل المعارض الايراني الاميركي في مركز "كارنيغي" كريم سدجادبور، الذي كتب في "ذي اتلانتيك" مقالة قال فيها، إن المؤكد الوحيد في التظاهرات الايرانية ان أحداً من الخبراء لا يعرف لماذا اندلعت، وكيف ستتطور.

بدوره، أشار الباحث الايراني في "مركز الشرق الاوسط" اليكس فاتانكا، في تغريدة على "تويتر"، إلى أن "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي اي)، كانت كتبت تقريراً استبعدت فيه اندلاع ثورة في ايران في عام 1979، قبل ثلاثة اشهر من اندلاع الثورة الايرانية ورحيل الشاه رضا بهلوي عن البلاد. واعتبر فاتانكا أنه في عام 1979، كما اليوم، ماتزال ايران عصية على تنبؤات الخبراء ووكالات الاستخبارات.

في ظل العجز الاميركي شبه التام عن فهم اسباب التظاهرات الايرانية، وفي ظل العجز الاميركي عن التنبؤ بمجريات الاحداث المتوقعة، وفي ظل غياب قيادة واضحة للحركة الايرانية الاعتراضية في الشارع، تصبح تصريحات ترامب ونائبه ماسك بنس النارية الداعمة للتظاهرات الايرانية مجرد تصريحات هدفها مناكفة الديموقراطيين، والاشارة الى فشلهم في فهم ايران وواقعها، اكثر من كونها تصريحات تعكس تغييرات واضحة ومفهومة في السياسة الاميركية تجاه ايران.

قد تقدم واشنطن بعض الدعم للايرانيين المطالبين باسقاط النظام، لكن حتى ادارة أوباما كانت اوعزت الى موقع "تويتر"، عام 2009، بتطوير أساليب من شأنها أن تبقي الموقع متفوقاً على الرقابة الايرانية حتى تسمح للمعارضين بالاستمرار في "الثورة الخضراء". مع ذلك، قامت طهران بقمع الثورة المذكورة بعنف ووحشية، ولا سبب يجعلنا نعتقد ان ادارة ترامب ستقوم بأكثر مما قامت به سابقتها، عدا عن التصريحات النارية، التي تحاشها أوباما اعتقادا منه انها تضعف المعارضين الايرانيين بدلا من تقويتهم.

لهذا السبب، تشكل التظاهرات الايرانية اليوم مناسبة لتصفية الحسابات بين الجمهوريين والديموقراطيين داخل واشنطن، اكثر من تقديمها فرصة يمكن للادارة الحالية استغلالها لزعزعة نظام الجمهورية الاسلامية أو الاطاحة به، وهو ما يعني أن أي تراجع للنظام الايراني، سيكون بسبب اصرار المتظاهرين واتساع حركتهم الاعتراضية، لا بسبب التغيير في الادارة الاميركية.

Since December 2008