السبت، 11 أغسطس 2018

هل تُعوِّل واشنطن على تكرار «إيران 1979» في 2019؟

واشنطن - من حسين عبدالحسين

وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف هو واحد من المسؤولين القلائل حول العالم ممن يفهمون المشهد السياسي الأميركي المعقد، وممن يعرفون كيف تتم صناعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. حنكة ظريف هذه بدت آثارها واضحة في الهدوء الإيراني غير المسبوق في الاقليم، وتفادي طهران الاستفزازات بوقفها تجاربها الصاروخية، وإنهاء تحرشها بالسفن الأميركية وبحارتها في الخليج.
وظريف يعلم أن واشنطن تبحث عن عُذر - على شكل تحرش ما في الخليج - لتبرير شنها ضربة جوية قاسية تؤدي إلى تدمير البنية التحتية للقوات الأمنية للنظام الإيراني، وربما تدمير المنشآت الحيوية مثل محطات إنتاج الكهرباء، وقطاع النفط، والجسور. لذا، يبدو أن إيران استكانت.
على أن حنكة ظريف، التي نجحت حتى الآن في تفادي مواجهة إيرانية - أميركية عسكرية، لا تكفي لإبعاد شبح الانهيار الاقتصادي الذي يطارد الجمهورية الإسلامية ، وربما يتهدد بقاء النظام الايراني برمته.
وعلى غرار الدول المعادية للولايات المتحدة حول العالم، يبدو أن إيران تعتقد أنه يمكنها استيعاب العقوبات الاقتصادية الأميركية باعتمادها على القوى الاقتصادية البديلة، خصوصاً الاتحاد الأوروبي والصين، وإلى حد ما تركيا وبعض دول جوار إيران في الاقليم.
ويوم أرادت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على إيران لاجبارها على وقف برنامجها النووي، مع نهاية ولاية الرئيس الأسبق جورج بوش الابن وبداية ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، كانت أسعار النفط العالمية تسجل أرقاماً قياسية، وكانت عائدات الدول النفطية - وفي طليعتها إيران وروسيا - تكفي لمواجهة أي عقوبات أميركية أحادية، خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية كانت تعيشها واشنطن وتضطرها إلى خفض الفائدة وزيادة تبادلاتها التجارية حول العالم.
لكن الصورة الاقتصادية العالمية انقلبت بين 2008 واليوم. إيران وروسيا تعانيان من انخفاض أسعار النفط وعجز في موازنتيهما وانهيار في قيمة عملتيهما الوطنيتين، والاتحاد الأوروبي يعاني من نسب نمو اقتصادي منخفضة. أما الصين، فهي بدورها تعاني من تراجع في النمو، فضلاً عن اهتزاز في عملتها الوطنية بسبب هرب رؤوس الاموال. ومثل الصين، تعاني تركيا من تراجع في قيمة عملتها وتضخم في الاقتصاد.
وعلى عادة الدورات الاقتصادية العالمية، يعيش الاقتصادي الأميركي فترة من البحبوحة والنمو، ما يزيد في أزمة اقتصادات عدد كبير من الدول حول العالم، فرؤوس الأموال تغادر أميركا أثناء الأزمات التي تضطر «الاحتياطي الفيديرالي» إلى خفض الفائدة. وتبحث رؤوس الأموال هذه عن الربح في دول العالم مثل تركيا. أما عندما يعود الاقتصاد الأميركي الى عافيته، يعود «الاحتياطي الفيديرالي» إلى رفع الفائدة للجم التضخم، فتبدأ رؤوس الأموال بمغادرة تركيا والصين وغيرها والاتجاه إلى الولايات المتحدة، فتنعش أميركا وتعاني بعض الحكومات حول العالم. 
قوة الاقتصاد الأميركي اليوم تسمح لواشنطن بالتصرف بشكل أحادي، وهي السياسة التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، وهو ما أدى إلى زعزعة الاقتصاد الإيراني مع دخول الدفعة الأولى من العقوبات حيز التنفيذ الثلاثاء الماضي، في انتظار الدفعة الثانية المقررة في نوفمبر المقبل.
الشركات الأوروبية الكبيرة، مثل «توتال» الفرنسية و«دايملر» الألمانية، أعلنت انسحابها من السوق الإيرانية، فيما لا مقدرة للشركات البديلة، الأوروبية أو الروسية أو الصينية، على ملء الفراغ الذي ستتركه هذه الشركات في السوق الايرانية. 
وحدها الصين أعلنت أنها لن تكترث للعقوبات الاميركية على إيران، وانها ستستمر في استيراد النفط من طهران. لكنها تصريحات قد لا تلتزمها بكين. وتشير مصادر اميركية الى الإفلاس الذي أصاب شركة الاتصالات الصينية العملاقة «زي تي اي» بسبب عقوبات كان فرضها الكونغرس، بداعي شؤون تتعلق بالأمن القومي. 
وتقول المصادر الأميركية إن الصين لا مناعة لديها أمام حجب الدولار الاميركي عنها، وإن شركاتها ستعاني في حال انخراطها في مواجهة مع العقوبات الاميركية. وتضيف: «يمكن لهذه الشركات الحفاظ على السوق الصينية وبعض الأسواق غير الاميركية، لكن هذا يعني سوقاً أصغر بكثير من السوق العالمية التي تعتبر الدولار نقدها المتداول عبر الحدود». 
المصادر الأميركية تُعرب عن ثقتها بأن العقوبات الأحادية على ايران ستأتي ثمارها، وتشير الى أن التظاهرات التي تحولت إلى مشهد متواصل في إيران تؤكد فاعلية الاجراءات الاميركية لـ«إجبار طهران على تغيير تصرفاتها». 
وتختم المصادر بالقول: «إننا ربما نشهد تكراراً لسنة 1977 أو 1978، وهي التظاهرات التي أدت كثافتها الى انهيار حكومة الشاه محمد رضا بهلوي في سنة 1979». فهل يتكرر في إيران سنة 2019 ما حدث قبل أربعين سنة، أي في 1979؟.

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

قصتي مع اسمي الشيعي

حسين عبد الحسين

كان جد أبي ابن بيئته البغدادية، فأطلق أسماء كانت رائجة في زمانه على أولاده الأربعة من زوجتين، الأكبر، وهو جدي، أسماه عبدالحسين، وأسمى أخيه عبدالصاحب. ومن زوجته الثانية، أنجب صبيين، أسمى الأول عبدالرسول والثاني عبدالجواد.

إضافة اسم عبد في مطلع الاسم تقليد مستقى من حديث منسوب إلى رسول المسلمين مفاده أن أفضل الأسماء ما حمّد وعبّد، فراحت غالبية العراقيين الشيعة تضيف اسمي محمد وعبد إلى أسماء أبنائها، فكان محمد علي (وهو اسم جد أبي) ومحمد حسين، أو عبد علي وعبد حسين.

شمل جد أبي ولديه من زواجه الثاني برعاية أكبر، وأنفق على تعليميهما. ولانخراطهما في النخبة الأكاديمية في زمن كانت حكومات الشرق الأوسط وشعوبه تتسابق نحو العلمانية، استبدل عبدالرسول اسمه بوصفي، وصار الدكتور وصفي محمد علي "خبير خبراء الطب العدلي" في العراق، وصاحب مؤلفات تحولت إلى مراجع ما تزال أساس المنهج التعليمي لهذا العلم. أما عبدالجواد، فأسقط عبد عن اسمه ومحمد عن اسم ابيه، فصار الدكتور جواد علي، مؤلف موسوعة "تاريخ العرب قبل الإسلام"، و"تاريخ الصلاة"، و"تاريخ الإمام الشيعي الثاني عشر"، وتحولت أعماله إلى مراجع تاريخية ما تزال أساسية حتى اليوم.

أما عبدالحسين، جدي، ابن الزوجة الأولى، فلم تشمله رعاية أبيه ولا سخائه، وهو بالكاد أنهى دراسته الابتدائية، قبل أن يتدرج في التجارة، ويصبح من أكبر تجار بغداد. لكن التجار، على عكس الأكاديميين، تأخروا في لحاقهم بالحداثة، فحافظ جدي على اسمه، بل حمل اسما تجاريا هو "الحجي (الحاج) عبدالحسين".

اقرأ للكاتب أيضا: 'داعش' الأسد

ولأن البعثيين حرصوا على إسقاط "اللقب"، أي اسم العائلة أو العشيرة، عن معظم الوثائق الشخصية الرسمية، فيما زعموا أنها محاولة لإلغاء العشائرية والمحاباة في الدولة، صار كل عراقي يحمل اسما ثلاثيا هو اسمه واسم أبيه وجده. ولأني كبير إخوتي، حملت اسم جدي حسب تقليد تسمية الابن باسم الجد، لكن أبي أسقط "عبد" عن اسمي، فصرت حسين عبدالحسين، وهو اسم ما أزال أحمله وأفتخر به.

على أن نشأتي كانت في رأس بيروت، وهو جزء من العاصمة اللبنانية يحتضن مدارس وكليات الإرساليات الأميركية، التي زرعت في محيطها وثقفت طلابها، وأنا منهم، مبادئ التنوير الأوروبي، خصوصا الحرية الفردية، والمساواة بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب.

هكذا، حملت في بيئتي البيروتية اللادينية اسمي المنحدر من بيئة جدي البغدادية الشيعية، ففي رأس بيروت ـ التي لا تمانع التنوع، والتي لا تهتم لأصل المرء، بل تهتم لتفكيره وأقواله ومصداقيته ـ لم يؤثر اسمي فيما أعتقده أو أقوله.

لكن العالم العربي أوسع من رأس بيروت، وأكثر عصبية ومذهبية وغرائزية. ومع انخراطي في عالم التعليق السياسي وكتابة الرأي، غالبا ما شغل اسمي القراء أكثر من كتاباتي.

المسلمون السنة يعتقدون أن اسم عبدالحسين هو كفر، إذ لا يجوز أن يكون المرء عبدا إلا لله. ولأن كتاباتي أكثر مساندة للعرب ذوي الغالبية السنية منها لإيران ذات الغالبية الشيعية، أعجبت آرائي القراء السنة، لكن أزعجهم اسمي، فراح عدد كبير منهم يتواصل معي لحثي على التخلي عن اسم عبدالحسين. وأحيانا، يحصل أن لا يقرأ السنة مقالي، الذي قد يتوافق في الغالب ورأيهم عن مشكلة "الجمهورية الإسلامية" وميليشياتها، فيبادرون إلى الشتيمة فورا، ويعلقون بالقول إنهم لا يتوقعون الخير من "رافضي يحمل هذا الاسم".

والعكس عند الشيعة. يقرأون الاسم، فيفرحون أن واحدا منهم في عداد كتاب الرأي، حتى لو كان رأيي في الغالب على عكس ما يتمنون. أما الشيعة ممن يقرأون، فيشككون أني شخص حقيقي، ويصرون أني "ناصبي" أكتب تحت اسم مستعار.

في دنيا العرب، أعاني من الحكم المسبق لدى الغالبية ممن يقرأون اسمي فيستنتجون آرائي مسبقا من دون قراءتها. أما من يتكلفون عناء قراءة المقال من السنة، فهم غالبا ما يشيدون بكتاباتي بوصفي "شيعيا عربيا أصيلا" أو "شيعيا آدميا" أو "وطنيا". ومن يتكلف عناء القراءة من الشيعة، يسبغ عليّ أوصاف "خائن" و"صهيوني" وغيرها، وكأنه مستحيل على الفرد أن يستبط آراءه باستقلالية عن مذهبه.

اقرأ للكاتب أيضا: قضاء عربي ولا عدالة

لا نقاش في دنيا العرب ولا آراء، بل مواقف معلبة مسبقا يحملها أصحابها من محيطهم، ويخوضون معارك صراخ وشتيمة بموجبها مع الآخرين، في معركة قبلية هي من مخلفات "داحس والغبراء" وأساطير الثأر التي يزخر بها التراث العربي.

ربما يتجاهل العرب واحدا من أجمل أبيات الشعر المنسوب إلى ابن الوردي والقائل "لا تقل أصلي وفصلي إنما أصل الفتى ما قد حصل"، ويصرون على قبليتهم في النقاش والآراء بشكل يلغي الفرد والتفكير الفردي، ويكرس الجماعة ورأيها القبلي، أو على حد قول أحد المعلقين الشيعة على مقالة لي: "أعد لنا اسمنا واكتب ما تريد".

Since December 2008