الأربعاء، 7 أغسطس 2019

تفلت السلاح والحرب التجارية يعكّران صفو عطلة ترامب

واشنطن - من حسين عبدالحسين


عكّرت الاحداث صفو عطلة دونالد ترامب الصيفية - بعدما بدا أن الرئيس الاميركي حقق سلسلة من الانتصارات السياسية التي انعكست ارتفاعاً طفيفاً في نسبة التأييد الشعبي له في استطلاعات الرأي - مع وقوع مجزرتين في ولايتي تكساس واوهايو. 
وتزامنت المجازر، الناتجة عن تفلت السلاح وانتشاره بين الاميركيين، مع انخفاض في اسواق المال بلغ ثلاثة في المئة، وهو الاكبر منذ اشهر، وذلك بسبب الغضب الذي انتاب الرئيس الاميركي على اثر عودة الوفد الاميركي المفاوض من الصين من دون التوصل لاتفاقية تجارية بين البلدين. 
على اثر المجزرتين، قال ترامب، في تغريدة، ان الوقت حان لتشديد قوانين التفتيش في خلفيات الاميركيين ممن يشترون ويقتنون السلاح الفردي، ولكنه موقف لم يكرره ترامب اثناء اطلالته في خطاب موجّه الى الاميركيين، بل آثر الالتزام بخطاب لوبي السلاح المعروف بـ«ان آر ايه»، وألقى باللائمة على «المرض النفسي والكراهية» كمسبب للمجازر بين المدنيين الاميركيين، متبنيا شعار اللوبي المذكور بالقول ان «السلاح لا يقتل، بل حامل السلاح هو الذي يقتل»، وهو ما يعني ان المشكلة هي في الناس لا في السلاح. 
وتشير استطلاعات الرأي الى غضب اميركي من غياب التشريعات الناظمة لعمليات شراء وامتلاك السلاح الفردي بين الاميركيين. ويقدر الخبراء ان الاميركيين يمتلكون اكثر من 350 مليون قطعة سلاح فردي، بمعدل اكثر من قطعة سلاح للفرد الواحد. 
وفور وقوع المجزرتين، سارع المشرعون، من الحزبين الديموقراطي والجمهوري،، الى الحديث عن ضرورة اقرار قوانين اكثر تشدداً لعمليات مبيعات واقتناء الاسلحة، لكن ترامب لم يجارهم، بل هو اتخذ موقفا اكثر ليونة، وهو ما دفع الجمهوريين الى التراجع عن مواقفهم و«الاختباء» خلف الرئيس. 
أما في الحرب التجارية التي يخوضها ترامب ضد الصين، فأشارت التقارير الى غضب انتاب الرئيس الاميركي اثر عودة الوفد المفاوض من بكين من دون التوصل لاتفاق. ويطالب ترامب الصينيين بالدخول في اتفاقية تجارية تلزمهم احترام قوانين الملكية الفردية، والتوقف عن الاستيلاء على التكنولوجيا الاميركية ونسخها واستخدامها في الصناعات الصينية والمضاربة بها على منافستها الاميركية. 
ويعتقد الخبراء، ان الصين تراهن على مرور الوقت، وخروج ترامب من البيت الابيض، لتفادي توقيع اتفاقية تقدم فيها تنازلات تجارية. الرئيس الأميركي، بدوره، جعل من موضوع التوصل لاتفاقية تجارية مع الصين تنصف الولايات المتحدة وتحمي براءات اختراعاتها موضوعا مركزيا في حملة اعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية، وهو ما يدفعه الى المجازفة بحرب تجارية كبيرة مع الصينيين لتحقيق هدفه. 
وفيما يحذّر كثيرون، منهم كبار القادة الاقتصاديين في ادارة ترامب، من عواقب حرب تجارية مع الصين على اداء الاقتصاد الاميركي، وهو ما من شأنه تهديد فرص اعادة انتخاب ترامب، يعتقد الرئيس ان أميركا يمكنها الانتصار في حرب اقتصادية، حتى لو بتكلفة اقتصادية لاميركا نفسها. 
وإلى أن تنتصر أميركا على الصين اقتصادياً، ستستمر حرب ترامب الاقتصادية عليها باهتزازات في الاسواق المالية، وهو ما يثير حفيظة الاميركيين، ويؤدي لانخفاض في شعبيته في استطلاعات الرأي، التي تشير الى ان نسب تأييد ترامب، بعد مرور 930 يوماً على رئاسته، هي الادنى مقارنة مع 12 من اسلافه، أي منذ العام 1945، في الوقت نفسه من رئاستهم. 
ويتطابق ترامب مع رئيس واحد في نسبة معارضة الاميركيين له في هذا الوقت من رئاسته، هو الرئيس الديموقراطي السابق جيمي كارتر. وهو من الرؤساء القلائل الذين فشلوا في الفوز بولاية ثانية. 
على ان ترامب قد يراهن على متسع الوقت الذي ما زال يفصله عن موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر 2020، وهو ما يعني ان احداث هذا الصيف ستصبح من الماضي البعيد، سياسياً، مع اقتراب موعد الانتخابات العام المقبل.

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

الحرية لا تنتهي

حسين عبدالحسين

يردد بعض العرب مقولة أن حرية الفرد تنتهي حيثما تبدأ حرية الآخرين. من غير المعروف من هو الذي ابتكر هذه الحكمة، ولكنها بلا شك خاطئة، بل تافهة، فالحرية ليست قيمة معلومة يتم تقاسمها حصصا بالتساوي بين الناس، بل إن الحرية مطلقة لكل فرد، وغير محدودة بأي قيد أو شرط.

والحرية فوضوية، لا خصوصية فيها ولا احترام، لا لقوميات، ولا لمقدسات، ولا لمعتقدات، باستثناء التحريض على العنف، من قبيل "بلاغة" خال رئيس العراق الراحل خيرالله طلفاح، الذي قال يوما إن "ثلاثة لا يستحقون الحياة هم الفرس واليهود والذباب"، وهي مقولة عنصرية مقيته، تحرّض على العنف ضد شعوب وأعراق، وتدعو لحرمانهم الحياة، وهي لا تندرج في إطار "حرية التعبير"، بل هي دعوة إلى القتل مطلوب حظرها، ومنع التداول بها، وتوعية الناس على ظلاميتها ودمويتها والمخاطر التي تنتج عنها.

وفي الولايات المتحدة، حددت "المحكمة الفدرالية العليا" حرية التعبير بالإشارة إلى أنها مطلقة، باستثناء التحريض على العنف أو الأذى، مثلا، لا حرية لشخص يدخل مسرحا مكتظا بالناس، ويصرخ "نار" عمدا للتسبب بهلع الحاضرين وقيامهم بالتدافع للخروج، مما قد يؤدي إلى إصابة أو مقتل بعضهم تحت الأقدام.

هذه هي الحرية، مطلقة وفوضوية، باستثناء التحريض على إبادة شعوب، أو التسبب بالتدافع والموت تحت الأرجل. كل ما عدا ذلك مسموح، بما في ذلك رسم أي من الأنبياء، أو الرسل، أو القديسين، أو القادة التاريخيين للشعوب والأمم والقبائل في رسوم غير لائقة، وبما في ذلك أيضا كتابة أو غناء أو قرض الشعر الذي يذمّ أي عقيدة أو شخصية أو جماعات أو أفراد

ومنذ وقوع هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة، اندلع النقاش حول سبب العنف الذي قاد الإرهابيين المسلمين العرب التسعة عشر إلى القيام بمجزرتهم البشعة، وقال البعض ـ في الغرب وفي الشرق ـ إن مشكلة بعض المسلمين هي في نصوصهم الدينية التي تدعو صراحة إلى العنف، وإن الخلاص هو بتعديل هذه النصوص، واعتبارها مرتبطة بزمن غابر ولى، وإنها لا تنطبق على مفاهيم اليوم والحياة العصرية.

بعض هذه الدعوات صحيحة وتستحق النظر، لكنها دعوات لا تعني اتهاما لدين المسلمين بأنه دين عنفي، والدليل أن بعض مسيحيي العرب، كبعض مسلميهم، لا يفقهون معنى الحرية، بل هم يسعون إلى منعها باللجوء إلى نفس المقولة المتهافته أن "حرية الفرد تنتهي حيثما تبدأ حرية الآخرين".

لدى بعض الكنائس المسيحية في لبنان "مراكز إعلامية" على صورة وزارات إعلام الحكومات الديكتاتورية، وهي مراكز لا تعمل على نشر الدعاية فحسب، وهو نشاط لا بأس به، بل هي تعمل على حظر أي مواد تحسبها مهينة بحق "الإيمان المسيحي"، أي أنها تنصّب نفسها وصيّة على المواد التي تسمح للشعب اللبناني بالاطلاع عليها، وتلك التي ترغب في حجبها عنهم، وهو أمر غير مفهوم في عصر باتت فيه غالبية الرعية الكنسية قادرة على القراءة والكتابة والاطلاع على ما تخاله مفيدا لحياتها الروحية، وتفادي ما لا يروق لها.

والحظر الكنسي في لبنان، كنظيره الإسلامي، يعود إلى عقود. وكانت الكنيسة أوقفت بثّ مسلسلا إيرانيا يقدم الرؤية الإسلامية للسيد المسيح، وقامت بذلك يوم كان على رأس الكنيسة الرجل الذي يصوّره اللبنانيون على أنه أحد أركان "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية، للعام 2005، والتي شاركت فيها أحزاب صوّرت نفسها تحالفا ساعيا للحرية والديمقراطية، وإذ بالتحالف نفسه لا يتردد في مساندة حظر بث العمل التلفزيوني المذكور.

وبعد رحيل رأس الكنيسة المذكور، لم تتغير سياسة الكنيسة اللبنانية في حظرها ما لا يعجبها، وكانت آخر إنجازاتها منع فرقة شبابية لبنانية من لعب موسيقاها في إحدى الاحتفالات في مدينة جبيل، ذات الغالبية المسيحية، مبررة حظرها بأن واحدا أو أكثر من أعضاء الفرقة هم من مثليي الجنس، وأن أحد أعضاء نشر سابقا رابط مقال يحوي صورة للسيدة العذراء وقد استبدل وجهها بوجه المغنية الأميركية مادونا، التي يعني اسمها "السيدة" ويستخدمه بعض المسيحيين للإشارة إلى العذراء مريم.

أما الأسوأ من الحظر الكنسي للفرقة الموسيقية فتجلى في البربرية التي أظهرها مسيحيون لبنانيون كثر، طالبوا بالاعتداء على أفراد الفرقة الموسيقية، ووصل الأمر ببعض المسيحيين حد المطالبة، عبر وسائل التواصل الاجتماعية، بحرق وقتل الموسيقيين، وهو أمر غريب لأتباع ديانة مبنية على المحبة والتسامح، وتدعو ضحايا من يتلقون لطمة على خدهم الأيمن إلى إدارة الأيسر بدلا من مبادلة اللطمة بلطمة.

وفي العراق، ثارت ثائرة "الغيارى على الدين" بعد إقامة حفل افتتاح بطولة غرب آسيا في كرة القدم في مدينة كربلاء. واعترض "دواعش" الجنوب العراقي بالقول إن المدينة مقدسة، وإنه يمنع دخول غير المحجبات إليها، وكأن الوطن العراقي مفتوح لناس وعصي على آخرين، بحسب تصرفاتهم وهندامهم.

في الإسلام آيات وأحاديث يتعامل معها بعض المسلمين على أنها تنطبق على كل زمان ومكان، وهي ليست كذلك، بل يجب الاستغناء عنها واعتبار أنها تنتمي إلى زمانها، مثل عدالة "العين بالعين والسن بالسن"، أو مبدأ قتل المرتدين عن الإسلام، أو ما إلى ذلك من تعاليم تتعارض ومبدأ الحرية المطلقة والعدالة الحديثة.

أما عند المسيحيين، فنصوص تدعو إلى التسامح والمحبة، وهي نصوص خرجت عنها كنائس وجماعات مسيحية في الماضي، فتسببت باضطهاد وكوارث بشرية، وهي نصوص على المؤمنين المسيحيين العودة إليها، والعمل بموجبها، واحترام الحرية المطلقة.

ليست الحرية حصصا، بل هي مطلقة، وهي من سمات الحضارة والتنوير، وهي من أسباب الرفاه والرقي لمجتمعاتها، وهي تقوّي إيمان المؤمنين، وتثبت أنه إيمان لا يهزه كاريكاتور مسيء عن نبي، ولا مسلسل إسلامي عن المسيح، ولا صورة أو أغنية عن العذراء مريم.

Since December 2008