الثلاثاء، 1 يونيو 2021

أميركا تعاني طغيان «تقدميي» الحزب الديموقراطي

واشنطن - من حسين عبدالحسين

فرض وباء فيروس كورونا المستجد على الطلبة حول العالم اعتماد تقنية الصفوف عبر الإنترنت على مدى العام الماضي... في كلية القانون في جامعة جورجتاون العريقة في العاصمة الأميركية، انتهت الحصة في أحد الصفوف ودارت دردشة بين البروفسورة ساندرا سلرز وزميلها ديفيد بستون.

لم تدرك سلرز أن الكاميرات كانت لا تزال تعمل وأن الطلبة كانوا يشاهدونها، فقالت لزميلها إنها تشعر بخيبة أمل أنه في كل صفوفها، على مدى الأعوام الماضية، يحدث دائماً أن يكون الطلبة الأسوأ أداء هم من السود.

وتابعت أنها تأسف أن هذا هو الواقع، وتتمنى لو كان بيدها حيلة لتحسين أداء هؤلاء الطلبة، لكن يندر أن أي منهم توفّق في تحقيق درجات مرتفعة.

الصف لا يشاهده إلا الطلبة المسجلين فيه، وقام أحدهم بتسجيل حديث سلرز وتوزيعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ففجر بذلك قنبلة في أوساط الجامعة، وطالبت جمعية الطلبة الأفارقة الأميركيين، وجمعيات طالبية أخرى، بطرد سلرز، فلبى عميد الكلية، الطلب.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أصدرت رابطة الطلبة الأفارقة الأميركيين بياناً انتقدت فيه المعلمين البيض لصمتهم، فما كان من هؤلاء إلا أن وقعوا عريضة اعتذروا فيها عن عدم حساسيتهم، وعن غرقهم في «الأفضلية» التي يكتسبونها كونهم من البيض، وطلبوا السماح لهم بالمشاركة في ورشات تدريبية مخصصة للتوعية حول شؤون الأعراق والعلاقات بينها، وهي الجلسات التي صار عدد كبير من الأميركيين ينظر إليها بريبة ويشبهها بحلقات «التثقيف الحزبي» التي تعقدها الأحزاب الحاكمة في الدول الديكتاتورية، مثل في الاتحاد السوفياتي سابقاً وفي الصين اليوم.

لمى أبو عودة، وهي بروفسورة أردنية أميركية في كلية القانون نفسها في جورجتاون، رفضت توقيع العريضة، وقالت إنها امرأة، وليست بيضاء، ولم تتمتع في حياتها بالأفضلية التي يتمتع بها البيض في الولايات المتحدة، لذا لا تعتبر نفسها مذنبة، ولا تنوي الانخراط في الورشات التي وصفتها بمثابة «معسكرات التثقيف العقائدي» التي كانت تقيمها الحكومات الاشتراكية والسوفياتية المندثرة.

ووصفت أبو عودة، تصرفات الجمعيات غير البيضاء بأنها «طغيانية».

وقالت إن «التقدميين في الحزب الديموقراطي يتجاهلون أن نخبة حاكمة جديدة تستولي على المؤسسات الأكاديمية باستخدام وضعها كأقلية لممارسة انقلاب ناعم، وتناشد الأقليات من التقدميين الديموقراطيين لإضفاء الشرعية على انقلابها».

وأضافت أن «موقف التقدميين تجاه هذا الانقلاب يشبه موقف الناشطين الشيوعيين في ما يتعلق بالاستيلاء الشيوعي على السلطة في بعض الدول في الماضي: في البداية يرون أن الانقلاب يشبه ما ناضلوا دائماً من أجله، ثم مع مرور الوقت، يجدون أن عليهم الاختيار ما إذا كان يجب أن ينتقدوا فظائع النظام الجديد أو قبولها على أنها مرحلة انتقالية ضرورية».

وتتابع بروفسورة القانون: «ثم عندما تتوالى فظائع الحكام الجدد، يشعر الناشطون بأن عليهم قبولها لأنهم لم يعترضوا على التجاوزات الأولى، وقبل مرور وقت طويل، يأتي وقت لا يمكن فيه التعبير عن أي اعتراض إلا بتكلفة باهظة».

هذا الانقلاب الذي تقوده الأقليات وتقدميو الحزب الديموقراطي، ومنهم من البيض، ضد كل الأعراف والتقاليد الأميركية، السياسية منها والاجتماعية والأكاديمية والثقافية، صارت تقلق كثيرين، من داخل الحزب الديموقراطي نفسه، وهو ما دفع الرئيس السابق باراك أوباما الى انتقاد هذه الظاهرة علناً - التي يطلق عليها الأميركيون اسم «ثقافة الإلغاء» والقول إن هذا النوع من «الطهرانية» في السياسة لا يخدم أحدا، بل سينعكس سلباً على الحزب الديموقراطي، وسيقلّص من مرونته على المساومة من أجل تحقيق أهدافه، وسيبعد عنه الناخبين المعتدلين من الحزبين.

بدوره، علّق الكاتب المخضرم في صحيفة «نيويورك تايمز» توماس ادسال على الموضوع، بالتساؤل ان كانت الثقافة القمعية التي ينتهجها «تقدميو» الحزب الديموقراطي مجدية.

وكتب في مقالة أنه «رغم أن الديموقراطيين الوسطيين (المعروفين كذلك بالليبراليين) يشكلون غالبية الحزب في استطلاعات الرأي»، الا أن الواقع «أن أقلية كبيرة من الديموقراطيين (أي التقدميين) تتخذ مواقف متطرفة تسمح للجمهوريين بتصوير الحزب الديموقراطي على أنه محكوم من قبل جناحه الأكثر راديكالية»، وتجييش قاعدتهم الشعبية الجمهورية حتى تتبنى بدورها مواقف راديكالية مماثلة.

وأشار ادسال الى أن الأشهر الـ 12 الماضية شهدت «حركة مضادة وسطية (ليبرالية) تهدف إلى تعزيز الصورة السائدة عن الحزب الديموقراطي، وعرقلة قوة اليسار (التقدمي) الأكثر راديكالية».

ونقل المعلّق الأميركي عن بروفسورة الحقوق في جامعة نيويورك نادين ستروسن، ان «القيم الليبرالية الكلاسيكية محاصرة من كل قطاعات الطيف السياسي، من اليسار إلى اليمين، ويطول الحصار حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية تكوين الجمعيات، وكذلك الحريات الأكاديمية، وحرية الاجراءات القانونية، فضلاً عن عدم احترام الخصوصية الشخصية»، كما حصل في حالة البروفسورة سلرز.

وانتقد ادسال «الشعبوية من اليسار واليمين»، ووصفها بأنها «خطاب يخال نفسه أخلاقياً وينحصر بالتركيز على ثنائية تتألف من النخبة الحاكمة الفاسدة والشعب الفاضل المتجانس».

وأضاف أن «التركيز على تجانس الشعب يجعل الشعبوية في الأساس مناهضة للتعددية»، كما وأن«خطاب الشعبوية القاسي حول النخبة الفاسدة يحتقر شرعية المعارضة السياسية، اذ لا شيء يقف في طريق إرادة الشعب».

هكذا، يختم ادسال، بالقول إن الشعبويين من اليمين واليسار يتصورون «حكماً للغالبية من دون حقوق للأقلية».

الولايات المتحدة في مأزق بسبب انتشار «ثقافة الإلغاء» و«نظريات المؤامرة» والدعاية والتضليل في صفوف أقصى اليسار، كما أقصى اليمين.

على اليسار، أي داخل الحزب الديموقراطي، مازال الوسطيون غالبية قادرة على فرض مرشحها من أمثال الرئيس جو بايدن. وعلى اليمين، أي داخل الحزب الجمهوري، يبدو أن الوسطية صارت أقلية أمام صعود شعبوية متطرفة يقودها الرئيس السابق دونالد ترامب.

أما الوسطيون من الحزبين، فيرون في التطرف داخل حزبيهما خطراً داهماً، لا على مواقعهما السياسية فحسب، بل على الجمهورية الأميركية ومؤسساتها برمتها.

مأزق بعض العقل العربي

حسين عبدالحسين

على الرغم أن القبلية تسود العالم اليوم، صار علم الاجتماع، أي ”السوسيولوجيا“، في مصاف العنصرية لمحاولته استنباط خصائص لمجتمعات بأكملها، وتعميم هذه الخصائص على كل فرد من أفرادها. العراقي الراحل علي الوردي كان من أركان علم الاجتماع، وكتب مجلدات ضخمة عن العقل البشري، والشخصيتين العراقية والبدوية، ومثله فعل اليهودي المجري رفائيل باتاي، الذي ألّف مجلدين، واحد باسم ”العقل العربي“ وآخر باسم ”العقل اليهودي“. وبعد هجمات 11 سبتمبر والحرب الأميركية في العراق، لجأ بعض مدربي الجيش الأميركي الى كتاب ”العقل العربي“ لتثقيف العسكر حول المجتمع العربي لتسهيل التعامل معه، لكن صرخات علت ضد كتاب باتاي، الذي يعتبر البعض أنه ”يعمم على كل العرب“ بعض المزايا، خصوصا السلبية منها. 

وبالحكم على ما يتم تداوله عربيا عبر وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن الاشارة إلى تيار عربي ما يزال ينظر الى مأزق العراق وسوريا ولبنان واليمن والأراضي الفلسطينية من زاوية تقليدية يخالها ثورية.

الأفكار الثورية العربية تتمحور تقليديا حول العنف والقوة، مثل ”شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة“، وحول مبادئ لا يمكن قياسها خارج دنيا المشاعر، مثل العزّة والشرف والكرامة والكبرياء والأنفة. ويمكن لمتابع التصريحات والخطابات التي رافقت تطورات الأسابيع الأخيرة — بما في ذلك المواجهات العسكرية في قطاع غزة وذكرى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان — أن يلاحظ أن اللهجة الطاغية هي لهجة حربية بطولية، عاطفية في مجملها.

هكذا، تزخر الخطابات العربية والمقاتلات بعبارات مثل النصر والانتصار، ولن نركع، والقتال حتى النهاية، والحاق الذل بالأعداء، والتصدي للمؤامرات العالمية والاقليمية، ومكافحة الخيانة والقضاء على الخونة.

مجمل التصريحات العربية يشي بأن مخيلة مطلقيها ترى العالم قبائل، وأنها ترى المسلمين قبيلة مظلومة، سبب مشاكلها حصرا هو القبائل الأخرى، وأن الحلّ هو في انتصار قبيلة الاسلام على القبائل المنافسة. والانتصار يكون عسكريا فقط، أو لا يكون، كما لا يهم الخسائر التي ستقع قبل الانتصار، ولا يهم الشقاء الذي سيقع بعده. المهم هو نشوة الفوز، على الرغم من آلام الحرب ودمارها وبؤسها الطويل الأمد. 

ولأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، يغيب النقاش العربي، بل يتحول الى ضوضاء واناشيد حماسية. وفي غياب النقاش، يغيب العقل وتذوي العقلانية، ويتعذر القياس، فيصبح ما قبل الانتصار كما بعده: شقاء بشقاء. وهذا لبنان يعيش تحريره وانتصاراته الالهية بلا كهرباء ولا ماء ولا مال ولا آمال. 

ما ينقص النقاش العربي هو استبدال عبارات البطولة والانتصارات بعبارات عن الناتج الاقتصادي، ونسب البطالة، ومعدل دخل الفرد، ومعدل تشكيل الأسر، ومستوى التعليم، ونوعية الرعاية الصحية، وعدد براءات الاختراع التي يسجلها العرب بين الأمم، وعدد الدوريات العلمية العربية ومصداقيتها، ثم مواضيع الاسكان والبنية التحتية، والاستقرار الذي يجذب المستثمرين الأجانب والسياح.

ويمكن لأي عربي أن يعيش في الدول المتقدمة من دون أن يسمع في حياته عبارة واحدة عن الكرامة في أي نقاش حول الدولة وشكلها أو حول الحكومة وادائها، لأن الاعتقاد لدى مواطني الدول المتقدمة هو أن الكرامة لا ترتبط بنشوة الانتصارات والمشاعر، بل بمستوى معيشة المواطنين، وقدرتهم على الكسب واعالة أهلهم، والتمتع بمسكن وتعليم ورعاية صحية من النوع الجيد، مع معارضة واسعة للحروب والانخراط بها للاعتقاد بأن الحروب مكلفة ومميتة وبدون جدوى. ولو كانت الانتصارات العسكرية مقياس النجاح، لصهرت الولايات المتحدة باقي الدول وجيوشها، وتربعت على عرش من الدمار مع نشوة الانتصار. لكن أميركا جمهورية لا تقوم على المشاعر، بل على المصالح.

الصواريخ لا تصنع حضارات، بل الحكمة والعقل هما سر النصر، نصر ثماره عيش كريم ورغيد، لا المزيد من الصواريخ، ولا معارك تكون ”بروفة“ لمعارك قادمة أكثر شراسة ودمارا. 

للانصاف، انتقادنا هذا هو ”لبعض العقل العربي“، اذ أن البعض الآخر من عقل العرب وازن وعاقل، يصبّ اهتمامه على التنمية الاقتصادية والبشرية والعلمية، ولا يستخدم القوة العسكرية الا دفاعيا، ولفترات زمنية محدودة، ويسعى في كل الأوقات الى السلام، لأن في السلام استقرار، وفي الاستقرار حياة رغيدة. 

ولو فكرنا بواقعية لاستنتجنا أن قوة الشعوب وبحبوحتها وازدهارها ليس في مساحة أرضها، ولو كانت المساحة هي المعيار لكانت روسيا أقوى قوة في العالم اليوم وأكثرها ازدهارا، فيما الواقع هو أن اقتصاد روسيا هو بحجم دولة متوسطة مثل ايطاليا. ولو فكرنا بواقعية أيضا لرأينا أن دولة ذات مساحة صغيرة جدا، مثل سنغافورة، هي في طليعة دول العالم في العلم والاقتصاد ومستوى المعيشة.

قبل اتفاقية وستفاليا الأوروبية ونمو القوميات، لم يعلّق العرب أهمية تذكر على الأرض، بل كانوا يعبرون سعيا وراء الكلأ والملأ أينما وجدوه، وهؤلاء كانوا العابرون أو العبرانيون، ومنهم العرب (وابراهيم كان عبرانيا تعرّب ابنه اسماعيل). واستغل العرب القدماء ترحالهم، فصاروا تجارا يحملون بضائع من أقصى الأرض الى أقصاها، فانتشرت لغتهم ودينهم وتقاليدهم من اندونيسيا الى اسبانيا. 

الحركات القومية الأوروبية حوّلت الأرض الى حجر الزاوية لاقامة دولة واعلان شعب. ثم راحت الدولة العلية العثمانية تبيع رعاياها الأراضي بأسعار بخسة في عملية مستعجلة أدت الى غياب سندات الطابو عن أراض كثيرة. وفي قرى لبنان وسوريا وغيرها نزاعات داخل معظم العائلات على الارث والأراضي وترسيمها وحق المرور، وسط فوضى سندات غالبها أوراق اتفاقيات الأجداد مكتوبة بخط اليد.

مع العولمة، عاد العالم الى زمن العرب الرحّل: لا قيمة للحدود بين الدول، ولا أهمية للأراضي وملكيتها، بل لاقتصادات العلم المزدهرة.

للأسف، مازال عرب كثيرون يتمسكون بشعارات الأرض والعرض والكرامة، ولا يعيرون أهمية للعلم والتنظيم والتجارة والاداء الحكومي ومستوى المعيشة. الشعر والصواريخ والانتصارات لها نشوة مؤقتة، أما العلم والعمل والجهد فنتائجها حقيقية ودائمة، وهي مفتاح الازدهار والأمن والأمان والعيش الكريم.

Since December 2008