الثلاثاء، 9 نوفمبر 2021

الأردن بارقة أمل في المشرق العربي المظلم

حسين عبدالحسين

ما الذي يجعل المملكة الهاشمية في الأردن واحة استقرار ونمو اقتصادي يخالف الانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد في باقي دول المشرق العربي- سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية- فضلا عن العراق؟ 

الإجابة معقدة، ولكن يمكن تبسيطها بالإشارة إلى أن الأردن هو الدولة الوحيدة التي هزمت "الفوضى الثورية" التي تجتاح المشرق والعراق منذ منتصف القرن الماضي، وهي الموجة التي اتخذت لنفسها وجها عروبيا علمانيا ناصريا في العقود الأولى، ما لبث أن انقلب إلى وجه إسلاموي يطلق على نفسه تسمية "محور الممانعة" أو "المقاومة" أو غير ذلك من التسميات الشعبوية المراهقة.

أثمر تفوق الملكية الهاشمية على الفوضويين الثورويين — عروبيين وإسلامويين — استقرارا انعكس إيجابا على الاقتصاد الأردني. وكان الأردن أول من رفع الشعار الوطني "الأردن أولا" يوم قام ملكه الراحل الحسين بحسم المواجهة ضد الفصائل الفلسطينية التي استباحت الدولة باسم "تحرير فلسطين". واستكمل الملك الحسين تقديمه المصلحة الأردنية على مصالح "الأشقاء العرب" بتوقيعه اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهي اتفاقية عززت ثقة العالم ومستثمريه بالأردن، الذي نما اقتصاده بسرعة كبيرة على مدى العقد الأول من هذا القرن. 

وبسبب استقراره الأمني ونموه الاقتصادي، تحوّل الأردن وطنا بديلا، لا للاجئين العراقيين (منذ زمن الراحل صدام حسين) فحسب، بل للاجئين السوريين بعد ذلك، واليوم يفتح أبوابه للاجئين اللبنانيين. واللاجئون لا يسكنون جميعهم مخيمات الأمم المتحدة، بل منهم كثيرون من المتموّلين والتجار وحاملي الشهادات العليا. هكذا تضاعف عدد سكان الأردن من خمسة ملايين في العام 2000 الى 10 ملايين اليوم. 

هذا النوع من الزيادة السكانية السريعة غالبا ما يؤدي إلى اهتزاز الدول المضيفة، وأحيانا لانهيارها، والأردن ليس استثناء، بل هو يعاني من صعوبات، لكن اقتصاده ينمو بشكل يعكس قدرة التغلب على الأزمات، في وقت تستعين عمّان بشبكة صداقات دولية متينة سببها سياسة عدم الانحياز التي تتبناها المملكة منذ عقود. 

مثلا، يوم وقعت قطيعة بين قطر وباقي دول الخليج، سحب الأردن سفيره من الدوحة في خطوة حظيت بتغطية إعلامية، لكنه لم يقم بقطع العلاقات الديبلوماسية مع قطر.

وعلى طراز سياسة الكويت الخارجية، المعروفة بالإنكليزية بسياسة "السير على السور"، دأبت عمّان على الحفاظ على أكبر عدد من الصداقات، حتى بين الدول المتنافسة. ومن صداقات الأردن علاقة مع دولة إسرائيل تعود على الأردنيين بفوائد اقتصادية جمّة. 

وسياسة الحياد التي يتبناها الأردن والكويت هي التي ينادي بها بطريرك الموارنة كسياسة دولة لبنان، لكن لبنان يقع تحت لعنة "محور المقاومة"، وتتسبب له الحروب والانحيازات الإقليمية المتواصلة بانهيار اقتصادي مؤلم.

لكن على خلاف الكويت، الدولة الصغيرة صاحبة الاحتياط النفطي الضخم وصاحبة أكبر صندوق سيادي في العالم، لا يتمتع الأردن بطاقة للتصدير أو بمواد أولية يمكنها اثراء سكانه. مع ذلك، نجحت سياسات الأردن في التخفيف من قسوة الطبيعة الصحرواية القاحلة للبلاد على معيشة السكان، وهو ما أدى إلى نمو اقتصاد الأردن حتى صار حجمه أكبر من حجم اقتصاد سوريا ولبنان.

وفي وقت يعاني لبنان- بسبب انحيازه لإيران ضد دول الخليج- من إقفال دول الخليج والعالم أسواقها في وجه صادراته، التي بلغت بالكاد أربعة مليارات دولار في العام 2020، تعدت صادرات الأردن للعام نفسه عتبة الثمانية مليارات دولار. 

ويصدّر الأردن ربع صادراته إلى الولايات المتحدة، و10 في المئة منها إلى الهند، وتتضمن هذه الصادرات صناعات نسيجية، في دولة لا قطن فيها ومياهها شحيحة، وتبلغ قيمة الصادرات النسيجية أكثر من مليار ونصف المليار دولار، فيما تبلغ قيمة صادرات الأدوية المصنّعة في الأردن 700 مليونا. 

وإلى الصادرات الصناعية، نجح الأردن في تصدير الخدمات، إذ يحصد القطاع الصحي الأردني مليار دولار من 10 مليارات ينفقها عرب الخليج والعراق على "السياحة الاستشفائية"، كما حققت الخطوط الملكية الأردنية أرباحا سنويا بقيمة 160 مليون دولار في العام 2019، وذلك غالبا بسبب الرحلات المباشرة بين الأردن والولايات المتحدة وكندا (والمتعذرة على خطوط جو العراق وسوريا ولبنان لأسباب أمنية). وللمقارنة، تبلغ قيمة المساعدة التي سيقدمها المجتمع الدولي لشراء غاز مصري لتزويد لبنان بساعات قليلة من الكهرباء 200 مليون دولار سنويا.

ومن المشاريع الدولية كذلك إمكانية شراء العالم كهرباء أردنية للبنان لأن الأردن يتمتع بفائض، وهو ما يُظهِر الفارق بين عمّان، التي بنت بنى تحتية تنتج فوائض، مقارنة بالعراق وسوريا ولبنان، التي أنفقت أموالا طائلة لم ينجم عنها معامل إنتاج كهرباء تعمل بسبب الفساد المدقع.

ولأن الأردن يعاني شحّا في المياه وبعض التباطؤ الاقتصادي، أعلن وزيرا اقتصاد الأردن وإسرائيل توقيع اتفاقيات قضت بمضاعفة إسرائيل كمية المياه التي تزودها للأردن حتى تبلغ 50 مليون مترا مكعبا سنويا، كما قضت بزيادة صادرات الأردن إلى الضفة الغربية من 160 مليون دولار حاليا إلى 700 مليونا، وهو ما يعني زيادة نصف مليار دولار سنوية في إجمالي صادرات الأردن، أي نمو بنسبة ستة في المئة.

ومن شأن توقيع اتفاقيات السلام بين الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، من ناحية، وإسرائيل، من ناحية ثانية، أن يمنح الأردن فرصا اقتصادية أكبر كبوابة للتجارة والاستثمار بين إسرائيل وباقي الدول العربية. ولو أن العراق وقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل، لارتفع الناتج المحلي للفرد لكل من العراق والأردن وإسرائيل بنسب كبيرة. لكن العراق مشغول بالأساطير الثورية التي تُغرِقُه في الفقر والبؤس.

الأردن من الدول النامية اقتصاديا، وما زال يعاني من نسبة بطالة مرتفعة. لكن بالمقارنة بالدول الفاشلة المحيطة به- العراق وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية- يبدو الأردن واحة استقرار ونمو وبحبوحة، ويبدو بارقة أمل في منطقة مستقبلها قاتم أكثر من حاضرها. 

أما الدول الثورية في العراق ولبنان وسوريا، فما عليها إلا التشبه بالأردن وحذو حذوه، والتركيز على السلام والحياد والنمو الاقتصادي والمعرفي والاجتماعي، بدلا من حالات الانهيار واليأس التي تعيشها.

الثلاثاء، 2 نوفمبر 2021

اقتصاد السوق سيدفع السعودية لسلام مع اسرائيل

حسين عبدالحسين

أعلنت وزارة الاستثمارات السعودية، الأسبوع الماضي، موافقتها على افتتاح مقرات إقليمية لـ 44 من كبرى شركات العالم في المملكة. وأضافت الوزارة أن الهدف هو استقطاب مقرات مشابهة لـ 380 شركة عالمية مع نهاية العقد الحالي. وتسير السعودية على خطى الإمارات، وتتبنى اقتصاد السوق، وهو ما سيسمح لها دخول القرن الحالي، لا كصاحبة عائدات نفطية ضخمة، بل كإحدى أكثر الاقتصادات ديناميكية وإنتاجية وجاذبية للمستثمرين والمهاجرين.

والتحول الاقتصادي السعودي سيفرض تحولا فكريا، بما في ذلك في رؤية الرياض والسعوديين عموما للعلاقات الدولية وما يحركها، وسيتخلى السعوديون عن الرؤية القبلية العاطفية في اتخاذ مواقفهم السياسة المحلية والإقليمية، وسيستبدلونها برؤية واقعية تعلي المصالح على المشاعر، وهي نظرة تشبه نظرة شعوب دول العالم المتطور، كما في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. 

وسيفرض اقتصاد السوق على السعوديين النظر إلى الصراعات الإقليمية من وجهة نظر "المصالح القومية للمملكة العربية السعودية"، وهو ما يعني أن الرياض ستتبنى سياسات تخدم اقتصادها ونموه ونمو مداخيل السعوديين، وهو ما يعني حتما الانخراط مع إسرائيل، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، بالتساوي مع الإمارات، وخلف السعودية وتركيا.

هذا لا يعني بالضرورة أن الرياض ستسارع لتبادل السفارات مع إسرائيل، ولكن هذا يعني أن الشركات الدولية، التي تفتتح مقراتها الإقليمية في المملكة، ستحتاج إلى علاقات بين السعودية وكل القوى الاقتصادية الإقليمية، منها إسرائيل، وحتى مع إيران لو قررت الأخيرة أن تتحول من ميليشيا وعصابات إلى دولة ومصالح. 

مثلا، من الشركات الـ 44 التي افتتحت مقراتها في السعودية الأسبوع الماضي، كانت شركة سيمنز العملاقة، صاحبة الاستثمارات الضخمة في إسرائيل، حيث تموّل الشركة مراكز أبحاث وتجارب، وتستفيد من تفوق اليد العاملة الإسرائيلية في شؤون التكنولوجيا للتوصل لابتكارات جديدة وتحويلها إلى سلع تجارية ربحية. 

هذا يعني أن المقرّ الاقليمي لسيمنز في السعودية سيكون مضطرا للتواصل مع مركز أبحاث الشركة في إسرائيل، وسيقوم سعوديون ومقيمون يعملون في سيمنز السعودية بزيارات إلى مراكزهم في إسرائيل، وسيقوم الإسرائيليون — اليهود والعرب — من العاملين في مراكز سيمنز في إسرائيل بزيارة مقرّ الشركة الإقليمي في السعودية. 

ومثل سيمنز ستحتاج كبرى شركات العالم من التي تفتتح مقراتها الإقليمية في السعودية، فيما مراكز أبحاثها في إسرائيل — من أمازون الأميركية وعلي بابا الصينية، إلى مرسيدس الألمانية وسامسونج الكورية — إلى التواصل بين ذراعيها الإقليميين، وهو ما سيحتّم قيام علاقات تجارية ومالية واقتصادية بين السعودية وإسرائيل، حتى بدون علاقات دبلوماسية رسمية بينهما.

ومع مرور الوقت، ستجد كل من السعودية وإسرائيل نفسيهما بحاجة لافتتاح مكاتب رعاية مصالح لدى الطرف الآخر، وربما تتطور المكاتب إلى قنصليات وسفارات، ويتفرع منها علاقات سياحية مربحة، وربما ثقافية وتعليمية وغيرها.

النظام العالمي الحديث حوّل المعمورة إلى قرية صغيرة، تتسابق فيها الدول بحسب قوة اقتصادات المعرفة التي تبنيها. وتتضمن قائمة الدول المنخرطة في السباق، دولا اشتراكية، مثل الاسكندنافية، وشيوعية، مثل الصين. 

في الماضي القريب، دخلت الإمارات هذا العالم الحديث، وانعكس ذلك إلى نتائج باهرة على اقتصادها وعلى مستوى معيشة الناس فيها، واليوم تلحق السعودية بالإمارات في الانضمام لنادي الدول المتقدمة، حيث التنافس ليس حول الأرض أو الموارد الأولية، ولا عسكريا، بل التنافس معرفي لا حدود فيه للدول بالمعنى الذي اكتسبته على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.

لكن ولوج نادي الاقتصادات التي تتنافس معرفيا ليس أمرا يسيرا، إذ ما تزال بعض أكبر دول العالم، بما فيها صاحبة أكبر احتياطات نفط مثل روسيا وإيران، خارج هذا النادي ويتعذر عليها دخوله. وبسبب بقائها خارجه، تواصل هذه الدول العمل بموجب القوانين البائدة بين الأمم، مثل التنافس الإمبريالي للسيطرة على دول أخرى، وعلى اقتصاداتها وناسها. 

لكن الدول المتقدمة لم تعد مهتمة بالسباق بشكله القديم المتخلف. لا يهم الولايات المتحدة إن سيطرت روسيا على سوريا أو ليبيا، فليس في سوريا أو ليبيا شراكات مالية أو اقتصادية ممكنة، ولا أسواق، ولا كفاءات عاملة للانخراط في سباق الابتكارات. كل ما في سوريا أرض شبه قاحلة فيها ملايين يتحاربون أو يعيشون في طغيان، وهو ما يجعل أولوية أميركا إبقاء حروب وفوضى السوريين داخل بلادهم، وكذلك في ليبيا أو أفغانستان أو لبنان أو أي من الدول الفاشلة حول العالم.

يوم أصدرت جامعة الدول العربية قرارات مقاطعة إسرائيل، ويوم أعلن العرب لاءاتهم الثلاثة من الخرطوم، كان عديد الناس ومواردهم الطبيعية ومساحة أراضيهم تؤثر في السياسة الدولية. اليوم، لم تعد المساحة ولا الموارد ولا عديد الناس عوامل ذات تأثير في العلاقات الدولية، وصار يمكن لدول صغيرة بمساحتها وعدد سكانها، لكنها متقدمة في علومها وتنظيمها وتجارتها — مثل سنغافورة الآسيوية أو سويسرا الأوروبية أو موريشيوس الأفريقية — أن تتصدر الاقتصاد العالمي وتقدم لناسها حياة تبقيهم في أراضيهم، بدلا من تدفق المهاجرين على الغرب من الصين وروسيا وإيران وسوريا ولبنان. 

ومن الدول الصغيرة، وإنما الناجحة، إسرائيل والإمارات. وتسعى السعودية للانضمام لهما ولعالم لا ينظر إلى الوراء لمواصلة حروب الماضي، بل يسعى لمستقبل زاهر ويعقد السلام لأجله. 

قد تبدو السعودية صحراء قاحلة ودولة جامدة، لكنها فعليا تصدرت التغيير بمراحله المتعددة، فيما فشلت نظيراتها في الاحتياطات النفطية في ذلك. السعودية، منذ انهمرت عليها عائدات النفط الضخمة قبل سبعين عاما، مرّت بمراحل تنمية اقتصادية متعددة سعت فيها جميعها للتحديث. في باكورة العهد النفطي، استخدم حكام السعودية عائداتهم لتمويل برامج اجتماعية ضخمة حوّلت البلاد الى أكبر مجتمع استهلاكي في العالم، مجتمع يستهلك فيه السعوديون من دون الحاجة للعمل والكسب. بعد ذلك، عكف السعوديون على إقامة مدن صناعية على شكل جزر نموذجية، وتمويل مشاريع تنموية، ومارسوا حمايات اقتصادية، مثل السعودة وغيرها.

اليوم، تسعى السعودية لدخول العصر القائم على المعرفة والتجارة والسلام. هي سياسة تبدو تخليا عن شعارات الماضي، لكن من لا يتغير يموت.

Since December 2008