الجمعة، 8 فبراير 2013

موفد لعون في واشنطن للمرة الرابعة في محاولة للحصول على «مباركة» أميركية لترشيح «الجنرال» إلى رئاسة الجمهورية

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

للمرة الرابعة في اقل من بضعة اشهر، يصل العاصمة الاميركية مسؤول رفيع من «التيار الوطني الحر»، التابع للنائب اللبناني العماد ميشال عون، في زيارة تهدف الى اقناع الجهات الاميركية بضرورة رفع مستوى التعاون بين هذا «التيار» وواشنطن في شؤون لبنانية وشرق اوسطية.
ربما لأن «الحوار» يغزو الملفات الشرق اوسطية، من التفاؤل الحذر الذي يلف جلسة المفاوضات بين ايران وعواصم العالم حول ملفها النووي والمقررة في كازاخستان في 26 الجاري، الى الحديث المتكرر عن دعوة رئيس «الائتلاف الوطني السوري» معاذ الخطيب لنظام بشار الاسد، ممثلا بنائبه فاروق الشرع، الى الحوار حول مستقبل النظام والمرحلة الانتقالية في سورية.
وربما لان بعض حلفاء الاسد من اللبنانيين يشعرون ان في حال غياب راعيهم الاقليمي في دمشق، وفي وقت تبدو الانفراجات في الازمة الاميركية - الايرانية ممكنة، لا بد لهؤلاء من ان يسعوا الى فتح خطوط مباشرة مع واشنطن وضمان مقعد لهم في اي تسويات شرق اوسطية ولبنانية مقبلة.
وتتوقع الاوساط الاميركية ان يكرر المسؤول اللبناني النقاط التي طرحها وطرحها زملاؤه -- ومنهم وزير الطاقة ونسيب الجنرال عون، جبران باسيل -- في اثناء زياراتهم السابقة الى الولايات المتحدة.
النقاط «العونية» تتمحور حول التالي:
- اولا، يثير «العونيون» مسألة قرب انتهاء ولاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان العام المقبل، ويحاولون اقناع الاميركيين ان ميشال عون سيكون المرشح الوحيد القادر على الحصول على اكثرية في «مجلس النواب» المقرر انتخابه في يونيو المقبل، وان المطلوب من الاميركيين هو مباركة هذا الترشيح وتزكيته امام حلفائهم من المسؤولين اللبنانيين.
- ثانيا، يكرر «العونيون» انهم خشبة خلاص المسيحيين، لا في لبنان فحسب، وانما في المشرق العربي بأسره، ويشيرون الى ان لبنان استقبل لاجئين مسيحيين من العراق ومن سورية، وان دور «العونيين» هو تأمين الرعاية والحماية لهؤلاء، لانه لطالما لعب لبنان دور «ملجأ الاقليات» في المنطقة.
- ثالثا، يعد «العونيون» المسؤولين الاميركيين بمنح عقود تنقيب واستخراج وبيع كميات من الغاز الطبيعي التي يعتقد انها موجودة في المياه الاقليمية اللبنانية.
- رابعا، يقول «العونيون» ان احد ابرز الاهداف المشتركة بينهم وبين الاميركيين هي «مكافحة التطرف الاسلامي» في المنطقة، ويبدون استعدادهم للقيام بدور في هذا المجال بالعمل على التنسيق بين السلطات الامنية اللبنانية ونظيرتها الاميركية. ويكرر مساعدو عون ان لبنان يعاني من بدء وصول مقاتلين في «جبهة النصرة»، المجموعة السورية المسلحة التي تضعها واشنطن على لائحة التنظيمات الارهابية، الى اراضيه، وتغلغلهم في بعض القرى وخصوصا الحدودية منها، وربما محاولة انشاء تنظيم مشابه في لبنان للقيام باعمال ارهابية ضد اللبنانيين، وخصوصا المسيحيين من بينهم كما حصل في العراق.
- خامسا، يعتبر مساعدو عون ان بامكانهم القيام بدور فريد من نوعه باستخدامهم علاقاتهم مع «حزب الله» من اجل تقريب وجهات النظر بينه وبين واشنطن. ويذكر ان جون برينان، المرشح الى منصب مدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي)، سبق ان صرح ان في هذا الحزب «عناصر معتدلة» يمكن ابرازها عبر الحوار مع جناحه السياسي. على ان هذه النقطة تصبح تفصيلية في حال حصول اي اختراق في المفاوضات بين ايران واميركا، اذ يمكن وقتذاك للاميركيين التوصل الى انفراج مع «حزب الله» عن طريق الايرانيين.
- سادسا، يقول العونيون في واشنطن انه يمكن للمسيحيين لعب دور الوسيط بين الشيعة والسنة في لبنان والمنطقة، والتخفيف من الاحتقان السياسي القائم بين هذين المذهبين. بيد ان المسؤولين الاميركيين شككوا في المرات الماضية في هذا «الاقتراح العوني»، واعتبروا انه يصعب ان يساهم «العونيون» في محاربة ما يسمونه «التطرف الاسلامي»، وان يحاولوا في الوقت نفسه تحجيم زعماء السنة سياسيا وفي الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة، فيما هم يتمتعون بتحالف متين مع «حزب الله»، وفي الوقت نفسه، ان يقدموا انفسهم على انهم الحزب المسيحي الذي يمكن له ان يلعب دور الوسيط النزيه.
ان الازدياد الملحوظ في «النشاط العوني»، ان كان عبر الزوار من لبنان او من «العونيين» المقيمين في الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، لا يأتي خارج سياق نشاط حلفائهم اللبنانيين والايرانيين، الذين يشنون حملات سياسية واعلامية داخل العاصمة الاميركية للهدف نفسه، وهو ما تجلى أخيرا في تصريحات لبنانية منسوبة الى «مصادر امنية رفيعة» وجدت طريقها الى صحف اميركية كبرى، مثل الـ «واشنطن بوست»، حول انتقال مزعوم لمقاتلين سنة لبنانيين الى سورية للانضمام الى «جبهة النصرة» هناك.
كذلك، تساهم في بث وجهات النظر الايرانية والسورية و«العونية» بعض المواقع الناطقة باللغة الانكليزية، والتي يموّلها رجال اعمال ونفط عرب من اصول اميركية، والذين يملكون في الوقت نفسه اسهما في وسائل اعلامية لبنانية موالية للتحالف نفسه.
هكذا، يصبح السؤال: من يصل الى قلب الاميركيين اولا؟ ومن يحصل على تسوية اكبر وحظوظ افضل في المنطقة في المستقبل القريب، والذي صار يبدو من شبه المؤكد انه لن يشبه الامس، وان بعض اللاعبين الذين كانوا اساسيين فيه سيغادرون؟ 
لا اجابات قاطعة حتى الآن، ولكن ما يبدو مؤكدا هو ان الاطراف المعنية، والتي تحسب بمثابة اعداء لواشنطن اليوم، تتسابق في ما بينها سرا وعلنا، وتتهافت للتوصل الى اتفاق مع الاميركيين، غالبا على حساب خصومهم، واحيانا اخرى على حساب رفاقهم في النضال.





الأربعاء، 6 فبراير 2013

واشنطن تمدّ يدها «بحذر» إلى طهران بعد 34 عاماً على اندلاع الثورة

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

يعتقد المسؤولون الاميركيون السابقون ممن عاصروا فترة الثورة الايرانية، في نهاية السبعينات، ان روح الله الخميني لم يكن ينوي معاداة الولايات المتحدة، بل انه ارسل رسائل ايجابية الى الاميركيين تضمنت لقاء رفيع المستوى انعقد بين رئيس حكومته مهدي بازركان ومستشار الرئيس جيمي كارتر للامن القومي زبيغنيو بريزينسكي في الجزائر. 
ويروي هؤلاء المسؤولون، ان الاستخبارات الاميركية رصدت امكان اقتحام السفارة الاميركية في ايران قبل حدوث ذلك باسابيع، وانها ارسلت رسائل سرية الى الخميني، الذي اكد ان امن السفارة مضمون. بيد ان الخميني كان في مواجهة مع اطراف ايرانية في الداخل، خصوصا اليسارية والشيوعية المؤيدة للاتحاد السوفياتي والمعادية لاميركا. وحتى يتقدم الخميني على هؤلاء، فانه لم يحرك ساكنا عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب السفارة واخذوا 52 رهينة ابقوهم قيد الاعتقال 444 يوما. منذ ذلك الحين، انقطعت العلاقات الديبلوماسية بين اميركا و«ايران الخمينية».
لكن سوء العلاقة لم يحل دون المحاولات السرية بين الطرفين لاعادة المياه الى مجاريها، ومن قبيل ذلك كان هبوط مستشار الرئيس رونالد ريغان للامن القومي روبرت «بد» ماكفرلين في طهران، سريا العام 1986، ولقائه عددا من المسؤولين رفيعي المستوى، كان من بينهم الرئيس علي خامنئي، للتفاوض حول صفقات اسلحة اميركية لايران في مقابل الافراج عن الرهائن الغربيين في بيروت في ما عرف في ما بعد اميركيا بفضيحة «ايران غايت».
اليوم، وبعد 34 عاما على اندلاع الثورة الايرانية، اعلن نائب الرئيس الاميركي جو بيدن رسميا ان بلاده تمد يدها الى طهران، وتتطلع الى عقد مفاوضات ثنائية معها حول ملفها النووي، وربما حول مواضيع اخرى تتعلق بالعلاقات بين البلدين. وجاء اعلان بيدن في الوقت نفسه وفي المؤتمر نفسه المنعقد في ميونيخ والذي شارك فيه وزير الخارجية الايراني علي صالحي وعبّر فيه عن تفاؤله حول اعلان موعد الجلسة المقبلة من المفاوضات في كازاخستان في 26 الجاري.
لماذا التفاؤل الايراني؟ تعتقد الاوساط الاميركية ان طهران تلكأت في التوصل الى اتفاق حول موعد جلسة المفاوضات المقبلة لانها كانت تطلب ضمانات لانجاحها، «اذ يعتقد الايرانيون ان كل جلسة تخرج من دون نتيجة تظهرهم في موقع المعرقل للتوصل الى اتفاق، وهم يحاولون تفادي ذلك». 
وتضيف الاوساط الاميركية ان «تعيين موعد الجلسة المقبلة جاء بعد تأكيدات اوروبية ان مجموعة دول خمسة زائد واحد مستعدة للموافقة على استمرار ايران في التخصيب بنسبة 20 في المئة، في مقابل توقيع ايران للبروتوكول الاضافي لوكالة الطاقة، والذي يضع البرنامج برمته تحت اعين المراقبين الدوليين».
ثانيا، تقول الاوساط الاميركية ان «المجموعة الدولية ابدت استعدادها لربط التوصل الى اتفاق حول الملف النووي الايراني برفع العقوبات الدولية عن ايران». وتعتبر انه حتى لو ارادت واشنطن للعقوبات ان تستمر، سيكون ذلك صعب دوليا في حال تجاوب الايرانيون مع مطالب المجتمع الدولي في الموضوع النووي.
ختاما، تعتقد الاوساط الاميركية ان لدى الايرانيين انطباع انه في حال تحسنت العلاقات بين طهران والعالم، فان عواصم كواشنطن «لن تمانع في التعاون مع ايران من اجل التوصل الى حل للازمة السورية، ولازمات اخرى في المنطقة».
لكن كما في العام 1979، كذلك اليوم، تخشى دوائر القرار الاميركية من ان لا يقوى اي طرف ايراني على ابرام اتفاق مع المجتمع الدولي، وخصوصا اميركا، خوفا من المزايدات السياسية في الداخل من قبل الخصوم، خصوصا وان ايران تستعد لانتخابات رئاسية في يونيو المقبل.
ويعتقد الباحث في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى» مايكل سينغ ان «القاسم المشترك في فشل كل المحاولات السابقة يكمن في ان ايران غالبا ما تبتعد عن اي تحسين عام في العلاقة لانها تخشى الانخراط مع الولايات المتحدة اكثر مما تخاف المواجهة». ويضيف ان «المقاومة للغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، هو احد المبادئ المؤسسة لنظام ايران الاسلامي».
على ان الشعور السائد بين اهل الحل والربط في العاصمة الاميركية هو مزيج من التفاؤل المشوب بالحذر، في وقت تستعد ادارة اوباما الى رأب الصدع مع الايرانيين والحصول على ضمانات من طهران من اجل تحسين العلاقة بين البلدين.
«طبعا لا توجد ضمانات، فجمهورية ايران الاسلامية لا يمكن التنبؤ بها، والعداء وعدم الثقة تجاه واشنطن يتحكم بعدد من صانعي قرارها،» حسب المستشارة السابقة للشؤون الايرانية في وزارة الخاجية سوزان مالوني، في مذكرة ارسلتها الى الرئيس باراك اوباما حثته فيها على محاولة وصل ما انقطع مع الايرانيين.
«اضف الى ذلك»، تكتب مالوني، «ان استمرار الحرب الاهلية في سورية واصرار المتشددين على مواجهة الضغوطات الاقتصادية والحرب السرية قد يطيح بالمبادرة الديبلوماسية ويؤدي الى حرب لا يريدها اي من الطرفين». وتتابع: «مع ذلك، فان بدائل التوصل الى اتفاق تبقى اقل جاذبية من مخاطر الاتفاق، والمردود - اي عالم مرتاح من كابوس قنبلة ايرانية نووية - هو اكثر من كاف لتبرير استثمار وقتك وجهودك في هذا الموضوع».
وتختم مالوني: «اما اذا لم تبد طهران استعدادا للانخراط في شكل جدي، تكون قد استعرضت التزام اميركا بالديبلوماسية على طريق الانتقال الى الخيارات الاخرى».

Since December 2008