الجمعة، 16 أغسطس 2013

جنرالات مصر وثرثرة أوباما

حسين عبدالحسين

"اذا كان معيارنا هو وضع فوضوي وميزان قوى غامض، واذا لم ينشب العنف على نطاق واسع، واذا استمر الفساد ولكن استمرت البلاد في العيش يوماً بيوم، من دون ان تكون خطراً على جيرانها أو معقلًا لتنظيم القاعدة، هذه امور تبدو لي ممكنة في جدول زمني محدد". تلك كانت الاهداف التي حددها السناتور، باراك أوباما، لبلاده في العراق، في واحدة من المرات النادرة التي عبّر فيها عن رؤيته الحقيقية للسياسة الخارجية، في العام 2008، اثناء حملته الرئاسية الاولى التي كانت مفعمة بالشعارات البرّاقة.

حينها، قطع المرشح أوباما برنامج حملته للمشاركة في جلسة استماع عقدتها "لجنة الشؤون الخارجية"، في مجلس الشيوخ، في 7 نيسان 2008، برئاسة السناتور جو بايدن، الذي اختاره أوباما في ما بعد نائباً له. وفي تلك الجلسة، شارك ابرز اثنين من رجالات اميركا في الخارج، الدبلوماسي اللامع ريان كروكر، الذي كان سفيراً في العراق، والجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الاميركية هناك. وشهدت الجلسة نقاشاً حامي الوطيس، شارك فيه ثلاثة مرشحين رئاسيين، الى جانب أوباما، هيلاري كلينتون وجون ماكين. ويومذاك، زلّ لسان كروكر، المعروف عنه الرصانة، وقال لمن تحلّقوا حوله بعد الجلسة، إن "السناتور أوباما يريد أن تكون سياستنا الخارجية بالتي هي أحسن".

الوصف الذي قدمه أوباما في تلك الجلسة، كما عبارة كروكر، يعكسان اليوم بدقة طريقة تفكير أوباما في السياسة الخارجية، التي اصبحت في معظمها ألاعيب كلامية. في ليبيا، تحولت عبارة احد اركان ادارته عن "القيادة من الخلف"، الى مصدر تندر، و"خطوطه الحمراء" في سوريا ظهر أنها كلام. أما حواره مع ايران يبدو أنه حوار من اجل الحوار، ودراسته إن كان خلع الجيش المصري للرئيس محمد مرسي انقلاباً، لم تفض الى نتيجة حتى الآن، بل إن اركان ادارة أوباما يكررون، من دون حياء، أنهم لا يعتقدون ان عليهم "تعريف" ما حدث في مصر في 3 تموز/يوليو، حتى لا يتوجب عليهم التعامل مع نتائج استنتاجاتهم.

سفسطائية أوباما تلقفها جنرالات مصر، وهم لو كانوا يعلمون في العام 2011 أن أوباما هو مجرد ظاهرة خطابية، ربما لتجاهلوا مطلبه بأمر نائب الرئيس المصري الراحل عمر سليمان، تلاوة استقالة لم يكن الرئيس السابق حسني مبارك موافقاً عليها. وربما أيضاً كان يمكن للجيش المصري أن يحاول "فض الاعتصامات"، في ساحة التحرير في شتاء العام 2011، تماماً كما يفعل اليوم في رابعة العدوية، من دون ان يضطر الى الرضوخ للرغبة الشعبية في حينه والاطاحة بمبارك.

جنرالات مصر تعلموا كذلك ان ادارة أوباما تأخذ ما تريده، وتترك الباقي للكلام. في العراق، حرب حكومية على القاعدة وضخ للنفط، بشكل يسمح باخراج ايران من السوق من دون ارتفاع في سعر النفط العالمي. اما تجاوز رئيس الحكومة، نوري المالكي، لكل مواثيق الديموقراطية المعروفة، وما ينتج عن ذلك من استمرار للصراع وتأجيج للعنف، فلا يثير واشنطن.

في مصر، تستخدم اميركا وحلفاؤها قناة السويس والمجال الجوي المصري، وتضمن تثبيت الحدود مع اسرائيل، مقابل مليار ونصف المليار دولار من المساعدات العسكرية الاميركية سنوياً. أما انقلاب عسكري ومقتل المئات في شوارع مصر في يومين، فلا يستأهل في نظر أوباما حتى سحب السفير الاميركي من مصر. فقط بيانات ادانة والغاء مناورات عسكرية، يمكن اجراؤها في اي وقت لاحق.

هكذا، عندما حدد جنرالات مصر مصالح اميركا، وعرفوا ان الديموقراطية وحقوق الانسان ليسا اكثر من ثرثرة اميركية، أعادوا عقارب الساعة في مصر الى أيام الحكم بقوانين الطوارئ، وهي القوانين التي عارضتها واشنطن على مدى عقود، ولكن دائماً على شكل بيانات ادانة ومناشدة للحليف مبارك بالتراجع عنها. وهو ما لم يوافق عليه حليفهم يوماً. أما حلفاء اميركا الجدد من عسكر مصر فلن يتراجعوا عن هذه الاجراءات في المدى المنظور.

وضع فوضوي، وميزان قوى غامض، وعنف على مستوى محدود، وفساد، وغياب "تنظيم القاعدة" هي ظروف تصف وضع مصر اليوم، كما العراق في2008، وكما انسحبت اميركا من العراق، لا سبب لها للانغماس في مصر، برأي أوباما.

"لا يمكن لاميركا ان تحدد مستقبل مصر، فهذه مهمة الشعب المصري"، قال أوباما في خطابه حول مصر، بعدما قطع اجازته الصيفية للادلاء بهذا التصريح عقب فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر. وأضاف: "نريد لمصر ان تنجح، ونريد مصر في سلام وديموقراطية واستقرار، وهذه مصلحة لنا، لكن من اجل ادراكها، سيكون على المصريين القيام بذلك". وختم حديثه بالقول ستكون هناك "ايام صعبة"، كجزء من التجربة التي سيخوضها المصريون من اجل الوصول الى الديموقراطية والاستقرار.

بين العراق 2008 ومصر 2013، لا يزال معيار أوباما هو نفسه، وهو نوع من السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي لم يعتد العالم رؤيتها منذ زمن، وهي ستستمر في الغالب في السنوات الثلاث المقبلة.

الخميس، 15 أغسطس 2013

سنودن ينتهك الحدود الدولية

حسين عبدالحسين

يوم الاثنين العاشر من كانون الاول/ ديسمبر الماضي، وفيما كان فريق الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في البيت الابيض ينتظر وصول نسخة قانون الغاء "تعديل جاكسون-فانيك" و"تطبيع العلاقة التجارية مع روسيا" حتى يوقعه ، بعدما صادق عليه مجلس الشيوخ، قبل ذلك بأيام، ومجلس النواب، قبله بشهر، وردت اتصالات من عدد من المعنيين بالشأن الروسي طالبين تحديد مواعيد مع بعض كبار العاملين في الفريق الرئاسي.

"نطلب منكم ان لا يوقع الرئيس هذا القانون"، قال احد المعارضين لالغاء "تعديل جاكسون-فانيك"، والذي تم اقراره منتصف السبعينيات لحظر اقامة علاقات تجارية اميركية مع الدول التي لا تتمتع باقتصاد حر، والتي لا تحترم حكوماتها حقوق الانسان. وأضاف المعارض لاحد مستشاري الرئيس ان على أوباما ان يتذكر ان نظيره الروسي فلاديمير بوتين يسعى لتقويض اميركا وحلفائها حول العالم. وتابع، حسب بعض االمشاركين في الاجتماع، "لدينا مشكلة مع الروس حول الدرع الصاروخية، وحول ملف ايران النووي، وفي سوريا، وحول سجنهم للمعارضين مثل (اليكسي) نافالني، واغلاقهم مكاتب الجمعيات غير الحكومية الاميركية".

رد مستشار أوباما بالقول إن قانون تطبيع العلاقة حاز على اكثرية ساحقة في مجلسي الكونغرس، وإن القانون أُلحق به "تعديل مانياتسكي"، الذي يفرض عقوبات على مسؤولين روس يعتقد انهم ساهموا في موت المحامي الروسي سيرغي مانياتسكي في سجنه في العام 2009، بعدما كشف الاخير عن فساد وتزوير قام به مسؤولون في دوائر الضرائب الروسية.

وعندما لم يقتنع ضيف البيت الابيض، تابع المستشار الرئاسي بالقول إن أوباما "عازم على توقيع القانون ما ان يصل إلى مكتبه في اي وقت هذا الاسبوع".واضاف: "انظر، يمكننا ان نضغط على موسكو من اجل حقوق الانسان وقضايا اخرى، ولكن روسيا تستورد من الصين سنوياً بقيمة 60 مليار دولار، ومنا بقيمة 16 ملياراً، ولا سبب كي نقوم نحن بمعاقبة انفسنا بعرقلة التجارة مع روسيا التي تساهم في خلق وظائف هنا".

ومع نهاية الاسبوع، اي يوم الجمعة الذي صادف في 14 كانون الاول 2012، دخل أوباما مكتبه البيضاوي في الجناح الغربي للبيت الابيض، ووقع قانون"تطبيع العلاقة التجارية مع روسيا". ولأن القانون الاميركي الجديد تضمن عقوبات على مسؤولين روس، انتفضت موسكو، وبادلت واشنطن بادرتها بفرض عقوبات على مسؤولين اميركيين، وبالغاء قانون كان يسمح لعائلات اميركية تبني اطفالاً روس.

وعلى خلفية الخلاف العميق حول احداث سوريا، استمرت الازمة في العلاقة الاميركية - الروسية الى حين اقتراب منتصف حزيران/ يونيو، موعد انعقاد"قمة الثمانية" في ايرلندا، والتي شارك فيها اوباما وبوتين، واعلن البيت الابيض سلفاً نية الرئيس الاميركي لقاء نظيره الروسي. وعندما حاول المشككون لفت نظر اركان الادارة الى الازمة المستمرة مع روسيا، رد المسؤولون بالقول ان "الاجتماعات ليست مكافآت، بل هي فرص لتذليل العقبات وحل الخلافات".

وعُقد لقاء أوباما - بوتين، وبدا الرجلان متشنجين، وفيما خرج بوتين يعبر عن غضبه من اصرار اميركا وحلفائها على تسليح المعارضين السوريين، اطل نائب مستشار الامن القومي، بن رودز، على الصحافيين، على متن الطائرة الرئاسية، ليشيد بالموقف الروسي ويتحدث عن تقارب في وجهات النظر، في ما بدا وكأن ادارة أوباما غير مكترثة للخلافات مع روسيا.

لم يفلح بوتين وشعبويته، والتي يعتقد اميركيون انه يستخدمها لحساباته الشعبية داخلياً، في اثارة حنق أوباما، الذي بدا هادئاُ في كل مرة، الى ان وقع الحدث الفاجعة، من وجهة النظر الاميركية، عندما وصل إلى موسكو ادوارد سنودن، العميل السابق في الاستخبارات الاميركية، والذي كشف للاعلام عن برامج تجسسية ضد الداخل الاميركي والخارج.

هكذا، لا قتلى سوريا، ولا ملف ايران النووي، ولا الدرع الصاروخية في اوروبا الشرقية، ولا فشل اتفاقية تخفيض الرؤوس النووية، كان يمكنها ان تثني أوباما عن استمراره في عقد لقاءاته المتكررة مع بوتين. وحده منح سنودن اللجوء السياسي في موسكو هو الذي اثار حنق الرئيس الاميركي ودفعه الى الغاء قمة كانت مقررة في موسكو على اثر "قمة الدول العشرين"، التي ستعقد في بطرسبرغ في الخامس من الشهر المقبل.

طبعاً، تناسى أوباما وفريقه نظريتهما القائلة إن اي لقاء، مثل الحوار مع ايران او مؤتمر جنيف بين بشار الاسد ومعارضيه، ليس مكافأة لأحد، بل هو فرصة لحل الامور العالقة، واعتمد أوباما، ربما للمرة الاولى منذ تسلمه الحكم قبل خمس سنوات، اسلوب المقاطعة كموقف سياسي للتعبير عن غضبه من بوتين.

داخل واشنطن، رصد المسؤولون الاميركيون والخبراء مراجعة روسية لمنح سنودن اللجوء. بوتين استخدم عبارة "شركائنا الاميركيين" عندما اشترط ان لا يتسبب ضيفه سنودن لواشنطن بأي متاعب اثناء اقامته في موسكو. وكلمة شراكة كررها وزير الخارجية، سيرغي لافروف، اثناء زيارته واشنطن مطلع هذا الاسبوع ولقائه نظيره جون كيري.

ويعتقد الخبراء الاميركيون ان بوتين لم يقدر ردة الفعل الاميركية، وانه منح سنودن اللجوء في خطوة مسرحية تهدف لكسب الاضواء اعلامياً، وفي تأكيد لموقفه الشعبوي المعادي للولايات المتحدة. لكن وراء الكواليس، يبدو ان رسالة أوباما الحازمة وصلت، وان بوتين سيتراجع ويتخلى عن سنودن، ويستقبل أوباما في موسكو، وان في موعد مؤجل.

في سنوات حكم أوباما، لطالما بدت روسيا جبارة واميركا عاجزة، لكن الواقع يشي بغير ذلك، فبين البلدين مصالح مشتركة، تجارية وامنية واستخباراتية، يحافظان عليها سرا. اما في العلن، فشعبوية ومناورات ومؤتمرات ولقاءات والغاء لقاءات، في وقت يعرف كل طرف حدوده وحدود الآخر. وعندما يسهى احدهما، ينتفض الآخر، وتعود الامور الى مجاريها، ويستمر الخراب في سوريا، وسجن المعارضين في روسيا، والحوار الطويل مع ايران.

Since December 2008