الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

لماذا لا يقرأ كيري الكتابة على الجدار؟

حسين عبدالحسين

«على الأسد أن يقرأ الكتابة على الجدار، وأن يعرف أنه لا يمكنه أن ينتصر عسكريا، مما سيغير حساباته ويدفعه إلى الرحيل». تلك كانت كلمات وزير الخارجية جون كيري، أثناء جلسة الموافقة على تعيينه التي عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، في يناير (كانون الثاني) 2013. في تلك الجلسة، حاول كيري إقناع الحاضرين بجدوى التدخل الأميركي العسكري لمصلحة الثوار في سوريا، على الأقل عن طريق تسليحهم وتدريبهم، بهدف الإسراع في «تغيير حسابات» حاكم دمشق.

لم يمض عام على تصريحات كيري، حتى قال أثناء مؤتمر صحافي عقده ونظيره القطري خالد العطية، أثناء زيارة الأخير واشنطن قبل أسبوعين، إنه «لا صلة للوضع على الأرض بالسؤال حول تطبيق (جنيف 1)، وربما على الرئيس الأسد أن يعود ليقرأ (جنيف 1) مرة ثانية، أو للمرة الأولى، لكن (جنيف 1) يقول إننا سنحصل على حكومة انتقالية بتوافق متبادل».
وأضاف الوزير الأميركي: «لذا لا يهم إن كنت متقدما أو متأخرا على أرض المعركة، يبقى هدف (جنيف 2) هو نفسه، وهو تطبيق (جنيف 1)، مما يعني حكومة انتقالية بتوافق متبادل بين الأطراف».

بين تصريحي الوزير الأميركي المتناقضين بشكل تام وفاضح، ازدياد في عدد القتلى السوريين بواقع أكثر من خمسين ألفا، حتى أصبح مجموع الضحايا يناهز المائة والخمسين ألفا، حسب بعض التقديرات، منذ اندلاع الثورة المطالبة برحيل الأسد في مارس (آذار) 2011.

وبين تصريحي الوزير ازدياد في عدد السوريين النازحين عن مدنهم وقراهم ومنازلهم حتى تعدى عددهم المليوني نازح، حسب تقديرات الأمم المتحدة، يضاف إليهم ضعف هذا الرقم لغير المسجلين رسميا، مما يعني أن واحدا من كل أربعة سوريين اضطر للانتقال من بيته هربا من نار الحرب الدائرة.

وفي هذه الأثناء، استعادت قوات الأسد والميليشيات الموالية لها، بما فيها حزب الله اللبناني، زمام المبادرة، وراحت تستعيد مناطق حيوية، منها بلدة المسيفرة التي تسمح لهذه القوات تزويد ألويتها التي كانت محاصرة في حلب بالإمدادات من أجل الصمود في وجه الثوار، كخطوة أولى على طريق قلب الموازين وشن هجوم مضاد لاستعادة حلب المدينة، فالمحافظة، عندما تسمح الظروف.

وفي هذه الأثناء أيضا، تراجع الأسد عن موافقة كان أصدرها، على مضض وتحت ضغط روسي، لحضور مؤتمر جنيف الذي ينص على نقل كل سلطاته إلى حكومة مؤقتة. وقال أحد مسؤولي نظامه إن الأسد لن يذهب إلى مؤتمر لتسليم سلطته، فيما تحدث الأسد نفسه عن إمكانية ترشحه لولاية ثالثة لسبع سنوات مع نهاية الثانية الصيف المقبل.

هكذا، يبدو أن الأسد هو الذي يقرأ «الكتابة على الجدار» بدقة، وهو أدرك أنه أخطأ بشنه هجوما بالأسلحة الكيماوية على ضاحية دمشق في 21 أغسطس (آب) الماضي، واعترف بحيازته هذه الأسلحة، ووقع اتفاقية لتسليمها مع حلول شهر مايو (أيار) المقبل، وباشر نظامه العمل على التخلي عن هذه الترسانة.

والأسد «قرأ الكتابة على الجدار» لأنه عندما رأى الأساطيل الأميركية تستعد لتوجيه ضربة قاسية إلى قواته، تراجع ووافق على التخلي عن الكيماوي بطرفة عين.

ولأن الأسد يقرأ الجدران الدولية جيدا، فهو يعرف، كما كان كيري يعرف مطلع العام، أن موازين القوى العسكرية على الأرض هي التي تحدد الدبلوماسية، في جنيف أو غيرها.

«هذا هو الواقع الذي انتهينا إليه، إذ من دون أن تعمل إيران وروسيا معنا لتحضير السيد الأسد لحل تفاوضي يستثنيه من السلطة، لا شيء سيجبر النظام على الحضور إلى جنيف للعب حسب قواعد اللعبة»، يكتب فرد هوف، الباحث في مركز رفيق الحريري التابع لمركز أبحاث مجلس الأطلسي.

هوف، الذي تقاعد مؤخرا بعد أن عمل ككبير المسؤولين عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأميركية، أضاف أن «جون كيري كان على صواب قبل أشهر، وكان على صواب معظم أيام حياته، فكونك متقدما أو متأخرا على أرض المعركة لا يؤثر في الأمور الدبلوماسية، بل هو يؤثر في حسم الأمور برمتها».

ربما، هذه المرة، على كيري أن يعود إلى الجدار نفسه ليقرأ ما كان يتمنى أن يقرأه الأسد، وليرى بنفسه أن الكتابة تغيرت وصارت تشير للأسد بأن يبقى في موقعه، وأن يسعى إلى التخلص من خصومه وبقائه حاكما أوحد لسوريا بقوة السلاح والعنف.

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

تصنيفات لبنان طعن إضافي في صدقية «إس أند بي»

واشنطن - حسين عبد الحسين

بعدما فشلت وزارة الخزانة الأميركية في إقناع وكالة «ستاندرد أند بورز» بعدم خفض التصنيف الائتماني لحكومة الولايات المتحدة من AAA إلى AA+ في تموز (يوليو) 2011، طلب وزير المال حينذاك تيموثي غايتنر اجتماعاً مع مسؤولي الوكالة الذين حضروا إلى مكاتب الوزارة المجاورة للبيت الأبيض. يومها قال غايتنر إنه لا يطلب منهم عدم الخفض «باسم الوطنية»، ولكنه قدّم لهم أحد مساعديه الذي بيّن لهم أن حسابات الوكالة خاطئة، وأن خفض عجز الموازنة السنوي على مدى العقد المقبل كان سيبلغ أربعة تريليونات دولار، لا 2.3 تريليون وفق ما أورد تقرير الوكالة. يومذاك تمسكت «ستاندرد أند بورز» بخفضها للتصنيف، على عكس الوكالتين الأخريين، «موديز» و «فيتش»، وحذرت من قيامها بمزيد من الخفض في حال فشلت واشنطن في لجم عجز موازنتها وارتفاع دينها العام.

والشهر الماضي، أدت الخلافات بين الديموقراطيين الذين يمسكون بالرئاسة ومجلس الشيوخ، والجمهوريين الذين يمكسون بالكونغرس، إلى عدم تمديد قانون تمويل الحكومة، ما تسبب بإغلاق وكالات حكومية لـ16 يوماً. وفي الساعة الأخيرة قبل موعد نفاد الأموال المخصصة لتغذية الدين العام، تراجعت قيادة الجمهوريين، ووافقت على رفع سقف الاستدانة لتتعدى 16.7 تريليون دولار التي كانت مقررة سابقاً.

وعلى رغم إغلاق الحكومة وارتفاع الدين العام، لم تقم «ستاندرد أند بورز» هذه المرة بأي خفض للتصنيف الائتماني لحكومة الولايات المتحدة، ما يظهر أن خفض عام 2011 كان في غير محله، وربما كان مرتبطاً باقتراب انتخابات الرئاسة، ومحاولة بعض الأميركيين إظهار ما يعتبرونه الفشل الاقتصادي للرئيس باراك أوباما في ولايته الأولى، علّ ذلك يحرمه من إعادة انتخابه لولاية ثانية. ومن «مآثر» «ستاندرد أند بورز» أنها خففت في 2006 معاييرها لتصنيف سندات القروض السكنية، واستمرت بمنحها درجات عالية أظهرتها وكأنها آمنة، على رغم أن تلك القروض كانت تعاني أخطاراً كبيرة وواضحة. وبذلك ساهمت الوكالة في تمديد أجل الأزمة المالية وانفجار فقاعة القروض السكنية في خريف 2008. أما المستثمرون الذين عولوا على «ستاندرد أند بورز» في قراراتهم شراء تلك السندات، فعانوا خسائر مالية كبيرة.

وربما كان فقدان «ستاندرد أند بورز» صدقيتها منذ 2008 هو الذي دفع المستثمرين إلى تجاهل تصنيفاتها في ما بعد، فعلى رغم خفض الوكالة تصنيفَ الحكومة الأميركية عام 2011، أقبل المستثمرون على شراء سندات الخزينة عند كل هزة اقتصادية أو سياسية، ما دفع الفائدة على تلك السندات إلى أدنى مستوياتها، ما يعني أن الأسواق، بصرف النظر عن تصنيف الوكالة، تعتقد بأن الحكومة الأميركية هي المكان الأكثر أمناً للإيداع عند نشوب أية أخطار.وللدلالة على تجاهل السوق لتصنيفات «ستاندرد أند بورز» للحكومة الأميركية، قدم الباحث الاقتصادي نيل إروين جدولاً في صحيفة «واشنطن بوست»، في الذكرى السنوية الثانية للخفض، أظهر فيه أن كلفة الاستدانة للحكومة الأميركية، على رغم حفاظ حكومتي كندا وأستراليا على تصنيف AAA في مقابل AA+ لواشنطن، ظلت أقل منها لكندا وأستراليا على مدى العامين الماضيين.

وقبل أيام قدمت «ستاندرد أند بورز» جديدها بخفض تصنيفها الائتماني لثلاثة مصارف لبنانية من B إلى B-. والمصارف هي «بنك عودة»، و «بنك البحر المتوسط»، و «بنك لبنان والمهجر»، معتبرة أن الأموال التي تودعها هذه المصارف في سندات الخزينة اللبنانية تبلغ على التوالي ثلاثة و3.1 وأربعة أضعاف حجم مساهمات مودعيها، ما يعني أن هذه المصارف معرضة إلى أخطار الدين اللبناني العام.

وبما أن الوكالة كانت قبل هذا القرار بأسبوع خفضت تصنيف الحكومة اللبنانية من B إلى B- بسبب ارتفاع نسبة الدين العام إلى النمو الاقتصادي، نظراً إلى استمرار العجز في الموازنة اللبنانية وتراجع النمو الاقتصادي إلى أقل من نقطتين مئويتين بسبب الحرب في سورية والأزمة السياسية في لبنان، اعتبرت «ستاندرد أند بورز» أن الخفض يجب أن يُطبَّق على المصارف الثلاثة كما على حكومة بلادها.

على أن تعليلات «ستاندرد أند بورز» لخفض ائتمان هذه المصارف اللبنانية تنم عن عدم إلمام بالوضع الشرق أوسطي عموماً، فالقطاع المصرفي اللبناني محافظ مالياً، وهو لم يكن عرضة للأزمة المالية في 2008 بسبب ابتعاد المصارف اللبنانية عن البحث عن الربح السريع المحفوف بالأخطار لأسباب منها، وفق خبراء، أن ملكية المصارف هي في معظمها عائلية.

ومع أن الأزمة السورية حرمت لبنان أموال قطاعه السياحي عموماً، إلا أن بيروت استفادت في الوقت ذاته من هروب كمية لا بأس بها من رؤوس الأموال السورية، كما أصحابها، إلى العاصمة اللبنانية وقطاعها المصرفي المتطور وصاحب السمعة الجيدة بعدما اجتاز حرباً أهلية كاملة في لبنان، على مدى 15 عاماً، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي انهيار مصرفي يذكر.

كذلك لم يلحظ التقرير أن لبنان هو من الدول العشر الأولى في العالم في استقبال التحويلات من مغتربيها، وفق أرقام البنك الدولي، التي تظهر أن التحويلات التي تصل بيروت تبلغ 18 في المئة من الناتج المحلي للبنان. وأموال المغتربين اللبنانيين وتحويلاتهم هذه مودعة، بمعظمها، في المصارف اللبنانية، وهي إيداعات ساهمت في حماية مصارف لبنان في الماضي، ويرجح أن تقوم بالدور ذاته اليوم.

قد تكون أسباب الكسب المادي هي التي دفعت «ستاندرد أند بورز» إلى التغطية على سندات فاسدة حتى 2008. وقد تكون الأسباب السياسية هي التي دفعتها في تصنيف الحكومة الأميركية في 2011. أما أسباب خفض تصنيف لبنان ومصارفه الثلاثة، فالغالب أن مصدرها الجهل الأميركي في معظم الشؤون العربية، بعيداً من الاعتبارات السياسية، وهو ما قد يساهم في مزيد من الطعن في صدقية الوكالة ذاتها، التي تعاني تراجعاً في صدقيتها منذ سنوات.

Since December 2008