الثلاثاء، 16 يونيو 2015

أميركا تستكمل انحيازها ضد الثورة السورية

حسين عبدالحسين

لمن لا يدري، فإن "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي أي) كانت تخصص مبلغ مليار دولار سنوياً لتدريب مقاتلين سوريين، على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. لكن بسبب انهيار قوات الرئيس السوري بشار الأسد امام التنظيمات الإسلامية، التي تعتبر واشنطن بعضها إرهابية، سيقوم الكونغرس بخفض موازنة الاستخبارات المخصصة لسوريا، وتالياً إغلاق برنامج التدريب المذكور.

خطوة إنهاء هذا البرنامج المتعثر هو ما عكف المشرعون من الحزبين على تسريبه للصحافيين على مدى الأسبوع الماضي. على أن هذا الإعلان الخافت من الكونغرس يحمل في طياته حزمة من المشاكل التي تعصف بالرؤية الأميركية المأزومة تجاه سوريا.

أولاً، ان تكاليف الدعم الأميركي لأي مجهود عسكري، خصوصاً غير المباشر على طراز تدريب وتسليح وتمويل مجموعات مسلحة، هي تكاليف عالية بشكل غير مبرر، فأعضاء الكونغرس تحدثوا عن تدريب السي آي أي لعشرة الاف مقاتل منذ العام 2012، وإنفاق 3 مليارات دولار على تدريب هؤلاء يعني ان المقاتل الواحد كلّف واشنطن 300 ألف دولار، وهذا مبلغ يغطي نفقة ارسال المقاتل الواحد الى جامعة "وست بوينت" العسكرية المرموقة لتدريبه – على مدى ثلاث سنوات – وتخريجه ضابطاً ممتازاً يتمتع بعلوم عسكرية وخبرة عليا تؤهله للعمل ضابطاً في قوات النخبة الأميركية.

ثانياً، هناك عدد من الدول الإقليمية – منها إيران – التي ترعى تجنيد وتدريب وتسليح وتمويل تنظيمات عسكرية تبلي بلاء حسناً على أرض المعركة السورية بتكلفة أقل بكثير من المبلغ الأميركي المذكور، ما يعني انه اما ان المدربين الاميركيين هم الأسوأ في انشاء مجموعات قتالية غير نظامية، أو ان الأموال التي يرصدها الكونغرس لتدريب ثوار سوريين يصل الفتات منها الى هدفها النهائي، فيما تمتص الوكالات الحكومية الأميركية المعنية بالشأن السوري الجزء الأكبر من هذه الأموال، والسيناريو الثاني هو المرجح.

ثالثاً، تبرز مشكلة حقيقية في الربط بين المشكلة والأسباب عند الكونغرس وفي واشنطن عموما، فالقول إن انهيار قوات الأسد هو سبب انهاء تمويل تدريب ثوار سوريين يعني فعليا ان أميركا كانت تأمل في ان تؤدي برامجها التدريبية الفاشلة هذه الى صمود قوات الأسد.

ختاماً، يشكل انهاء تمويل برنامج تدريب الثوار المتعثر واغلاقه الحلقة الأخيرة في الاستدارة الأميركية في الأزمة السورية من مطالبة خجولة للأسد "بإفساح المجال امام الإصلاح" الى تأييد بقاء الأسد تماماً حتى يدخل في شراكة متخيلة مع ثوار أكثر خيالاً، فلا الثوار المعتدلين على الطراز الأميركي موجودون على ارض الواقع، ولا الشراكة، التي كانت تطالب بها اميركا ويبدو انها تناستها اليوم، واقعية.

في الأشهر القليلة الأولى للثورة السورية في ربيع العام 2011، كانت أميركا ما تزال أكثر عدوانية تجاه إيران، وتالياً أكثر قرباً من معارضي الأسد. هكذا، كان يبدو جون كيري، الذي كان ما يزال يشغل منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، يشن هجمات لاذعة ضد الإدارة الأميركية لتجاهلها قيام رئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي بالسماح لطائرات إيرانية محملة بالمال والسلاح، والمتوجهة الى بشار الأسد، بالمرور بالأجواء العراقية.

اليوم، صارت المواقع الإعلامية الموالية لإيران تزدحم بصور قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" قاسم سليماني، وهو يجول في مدن غرب العراق، في وقت ترفع ميليشيا "الحشد الشعبي" رايتها، الذي يحمل شعاراً شبيها للباسدران الإيراني و"حزب الله" اللبناني، على دبابات أبرامز الأميركية التي زودتها واشنطن يوما للجيش النظامي العراقي.

في أول سنتين من الثورة السورية، لم تصدق الولايات المتحدة روايات الأسد القائلة بأنه يحارب الإرهاب، بل انحازت – وان من دون أفعال – لمصلحة معارضيه وتظاهراتهم السلمية، وحتى دفاعهم عن أنفسهم بشكل عسكري بدائي في وجه دمويته المفرطة. لكن صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" صادق على نبوءة الأسد وأعاد واشنطن الى ضفته. وإذا كانت واشنطن غير قادرة سياسياً على التواصل مع الأسد، فهي لا شك قادرة على وقف مساهمتها – على بساطتها – في دعم معارضيه.

كذلك، لواشنطن المقدرة على تعزيز قدرات حلفاء الأسد، وما موافقة واشنطن على تولي "الحشد الشعبي" قيادة المعارك في العراق الا تمهيد لموافقتها على تأييد معارك هذه الميليشيات و"حزب الله" في سوريا، ووقف تمويل الكونغرس هو تأكيد رمزي لانتقال الولايات المتحدة من ضفة الثوار الى ضفة حلفاء الأسد، وهو ما يستكمل تقريباً انحياز أميركا ضد الثورة السورية.

الاثنين، 15 يونيو 2015

الكونغرس يعدّ لمنح أوباما تفويضاً للانضمام إلى «اتفاق الشراكة عبر الهادئ»

واشنطن - حسين عبدالحسين

رفض مجلس النواب الأميركي خصوصاً النواب الديموقراطيين، منح الرئيس باراك أوباما، صلاحيات واسعة يطلبها لتوقيع اتفاق تجاري ضخم مع دول منطقة آسيا - المحيط الهادئ. وشكّل تصويت مجلس النواب ضربة قاسية لأوباما، الذي جعل من اتفاق التجارة الحرة الأولوية الاقتصادية لنهاية ولايته، ولو أن الغالبية الجمهورية التي تؤيده في المشروع لا يزال في إمكانها إعادة طرح المسألة على جدول أعمال المجلس.

ورفض مجلس النواب، بسبب معارضة نواب ديموقراطيين، نصاً حول دعم موظفين تأثروا من المنافسة نتيجة العولمة. إلا أن هذا النص ولأسباب إجرائية معقّدة، كان الشرط المسبق لتبنّي مشروع قانون يتيح اعتماد إجراء سريع هو «سلطة الترويج التجاري»، وهو موضوع الخلاف الحقيقي. وهذا الإجراء السريع هو في الواقع، آلية بسيطة من شأنها إرغام الكونغرس على التصويت بالقبول أو الرفض، من دون إمكان التعديل لأي اتفاق تجاري توقّعه السلطة التنفيذية بحلول 2018 أو 2021 في حال تمديد العمل بالإجراء.



منافع الاتفاق

وكان أوباما يأمل بالاستفادة من السلطات الأوسع لتوقيع اتفاق الشراكة عبر الهادئ، قبل انتهاء ولايته الرئاسية في كانون الثاني (يناير) 2017، مع 11 دولة مطلّة على المحيط الهادئ من بينها اليابان. إلا أنه وإن حظي في هذا الملف بدعم غالبية الجمهوريين، عجز في المقابل عن إقناع الديموقراطيين الذين كان في حاجة إلى تأييدهم عددياً. وحضّ أوباما مجلس النواب على إعادة التصويت «في أقرب فرصة»، لتتمكّن الشركات الأميركية من «بيع منتجات مصنّعة في الولايات المتحدة في كل أنحاء العالم»، بينما نسب الناطق باسم البيت الأبيض إخفاق الجمعة إلى «بلبلة إجرائية أخرى».

ويخشى الحزب الديموقراطي، وهو حزب أوباما والداعم الأكبر لدخول أميركا الاتفاق، أن يؤدي فتح الأسواق الأميركية أمام منتجات العالم، في مقابل فتح أسواق العالم أمام المنتجات الأميركية، إلى مزاحمة البضاعة الأجنبية الأرخص ثمناً، ما يهدّد عدداً من الصناعات والمصانع ويؤدي إلى إفلاسها، ويدفع عمالاً أميركيين إلى البطالة.

ولإقناع المشكّكين، دفع الرئيس أوباما بممثل وزارة التجارة السفير مايكل فرومان، إلى شنّ حملة عبر عقد جلسات خاصة وعامة في العاصمة الأميركية، وإعطاء مقابلات للإعلام الأميركي، بهدف حشد تأييد الرأي العام خصوصاً من الحزب الديموقراطي. وقال فرومان في إحدى إطلالاته: «دخول أميركا الاتفاق هو مكسب أميركي خالص، لأنه يقضي على التعريفات الجمركية التي تفرضها الدول الـ11 المقرر دخولها الاتفاق، على وارداتها من الولايات المتحدة»، إذ «تفرض فيتنام، مثلاً، ضريبة نسبتها 70 في المئة على وارداتها من السيارات الأميركية والماكينات الثقيلة، ونسبة 35 في المئة على الكيماويات، و30 في المئة على البسكويت الأميركي والمأكولات المخبوزة، و25 في المئة على الإلكترونيات».

وتُخضع اليابان وارداتها من الحمضيات الأميركية، لـ «رسم جمركي نسبته 16 في المئة بين حزيران (يونيو) وتشرين الأول (أكتوبر)، وترتفع هذه الضريبة إلى 25 في المئة بين كانون الأول (ديسمبر) وأيار (مايو). وتفرض أيضاً رسماً نسبته 38.5 في المئة على وارداتها من لحم البقر الأميركي على مدار السنة».

أما ماليزيا، فيؤكد فرومان أنها «تفرض ضريبة نسبتها 30 في المئة على وارداتها من السيارات الأميركية، و50 في المئة على الدراجات النارية، و35 في المئة على الأخشاب». ولاحظ أن «ماليزيا تسمح بدخول السيارات اليابانية الصنع من دون أي تعرفة جمركية، بسبب اتفاقات ثنائية مع اليابان».

واعتبر فرومان أن معدل التعرفة الجمركية على واردات الولايات المتحدة «يبلغ 1.4 في المئة، إذ لا تفرض أميركا أي تعرفات جمركية على 80 في المئة من وارداتها من دول الاتفاق المقرّر توقيعه، والعكس ليس صحيحاً، لأن دول الاتفاق تفرض سلسلة من التعريفات الجمركية على وارداتها الأميركية، تصل إلى 750 في المئة في بعض الحالات».



ردود فعل

لم تتأخر الردود على فرومان، التي قادها كبير الباحثين في «معهد بيترسون للبحوث الاقتصادية» سايمون جونسون، الذي رأى أن «التركيز على جزء من الاتفاق دون غيره، واختيار التعريفات التي تظهر عقبات في وجه الصادرات الأميركية، لا يكفيان للدلالة على أن الاتفاق هو مصلحة أميركية.

ولفت جونسون إلى أن «بحوثاً أميركية أظهرت أهمية الاتفاق للمردود السنوي على الاقتصاد الأميركي، بواقع 23 بليون دولار بدءاً من عام 2025، أي زيادة 0.1 في المئة على الناتج المحلي الأميركي». وأوضح أن هذا الرقم «تم التوصل إليه قبل إعلان اليابان نيّتها الانضمام إلى المعاهدة، الذي قد يضيف 17 بليوناً إلى الناتج الأميركي، أي زيادة 0.2 في المئة».

لكن جونسون لفت إلى أن «الشيطان يكمن في التفاصيل، إذ ليس واضحاً حتى الآن نوع البضائع الأميركية التي ستفتح اليابان أسواقها لها. وفي حال أبقت اليابان السيارات الأميركية خاضعة لتعرفة جمركية، فلن يؤثر انضمامها الى المعاهدة كثيراً في الحسابات الأميركية».

ولم يستبعد احتمال أن «يعود دخول اليابان بمردود واسع على المستثمرين الأميركيين فيها، لكن ليس مفهوماً كيف يمكن احتساب ذلك في خانة الأمور الإيجابية بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي والأميركيين عموماً». وخلُص قائلاً: «إذا كان دخول اقتصاد أميركا البالغ 20 تريليون دولار، في المعاهدة المذكورة، يعود عليه بـ0.2 في المئة، فإن هذه النسبة هي أقل من هامش خطأ حسابي، وتالياً ليس واضحاً أين تكمن الإيجابية في انضمام أميركا إلى المعاهدة».

لكن التشكيك لم يمنع فريق الرئيس أوباما من الاستمرار في حشد الدعم الشعبي المطلوب لمنح الحكومة الأميركية التفويض المطلوب من الكونغرس. وقال مسؤولون إن حصول الحكومة عليه «لن يكون لهذا الرئيس فقط، بل لمَن سيخلفه في الحكم كذلك، سواء كان ديموقراطياً أو جمهورياً».



اتفاقات أخرى

وأكد مسؤولو إدارة أوباما، أن «منح الكونغرس الرئاسة هذا التخويل، سيفتح الطريق أمام انضمام أميركا إلى معاهدة شراكة مشابهة عبر الأطلسي مع الاتحاد الأوروبي، صاحب أكبر اقتصاد في العالم». وثبت عبر التاريخ الأميركي، أن «التجارة جزء أساس من قوة اقتصاد أميركا، خصوصاً بالنظر إلى قانون «سموت - هاولي» لعام 1934، الذي فرض تعريفات جمركية قاسية على الواردات الأجنبية إلى الولايات المتحدة، ما ساهم في تعميق أزمة العشرينات وإطالة أمدها إلى أن أُبطِل القانون.

Since December 2008