الخميس، 9 يونيو 2016

رفع عقوبات الملف النووي لا يكفي لإنقاذ اقتصاد إيران

واشنطن - حسين عبدالحسين

أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري، علناً ومن دون تحفظات، أن الولايات المتحدة رفعت كل العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، التي كانت واشنطن والمجتمع الدولي يفرضانها على طهران. كان نظيره الإيراني، محمد جواد ظريف، يجوب العواصم الاوروبية ويعقد لقاءات مع مستثمرين ليدعوهم للاستثمار في بلاده. لكن مشكلة إيران الاقتصادية تبدو أكثر تعقيداً من مسألة رفع العقوبات.

عام ٢٠٠٦، أصدر حاكم العراق الأميركي بول بريمر، كتاباً روى فيه تجربته في إدارة عراق ما بعد صدام. يقول السفير السابق إن إحدى أكبر المشكلات التي واجهت إدارته تمثلت في البنية المالية العراقية التي كانت تصدعت أثناء سنوات حكم الرئيس صدام حسين، إذ بسبب العقوبات الدولية التي استمرت أكثر من عقد، تهالكت المصارف العراقية، وانفصلت عن النظام العالمي، وانتقل العراقيون إلى اقتصاد مبني على النقد والمبادلة.

ويقول بريمر إن الإدارة الموقتة، عندما شحنت إدارته مئات ملايين الدولارات نقداً من الأموال العراقية التي كانت مجمدة في مصارف العالم بسبب العقوبات، فضلاً عن مئات الملايين التي قدمتها الولايات المتــحدة لتســهيل عملية إعادة بناء وتأهيل البلد، واجهت مشكلة تتمثل في أن أجهزة وزارة المال العراقية كانت مهترئة إلى درجة أنها لم تتمكن من صرف رواتب موظفي الحكومة وإعانات «الحصة التموينية» التي اعتاد العراقيون تسلمها منذ العام ١٩٩١.

ومثل العراق، تجد طهران اليوم أنها غير قادرة على الإفادة من ١٠٠ بليون دولار رفع التجميد عنها على إثر التوصل إلى اتفاق على الملف النووي الإيراني. وتشير البيانات إلى أن إيران لم تنفق أكثر من ثلاثة بلايين من اصل ١٠٠ بليون دولار منذ رفع العقوبات، على رغم أن اقتصادها المنكمش يحتاج إلى أموال كثيرة على شكل سيولة وسلفات تساهم في ضخ النقد في الاقتصاد شبه المتوقف.

ويبدو أن مجموعة من العوامل تبقي المستثمرين الدوليين خارج إيران، في طليعتها الفساد الذي ينخر أجهزة البلد، والذي يضعها في المرتبة ١١٨ عالمياً بين الدول الأكثر فساداً. كذلك، يعاني القضاء الإيراني من قوانين غامضة وتدخلات سياسية، ما يثير القلق.

ويخشى المستثمرون الدوليون من العقوبات الأميركية والدولية المتبقية على أفراد ومؤسسات في إيران، فالعقوبات التي رُفعت هي تلك المتعلقة بالملف النووي حصراً، أما المرتبطة بمواضيع دعم الإرهاب فلم تُرفع.

ويعتقد خبراء أميركيون أن ما يزيد تعقيد الأزمة الإيرانية، أن طهران حاولت إقحام نظامها المصرفي في القطاعات المصرفية في الدول التي تتمتع فيها بنفوذ مثل لبنان والعراق عبر عمليات تبييض أموال ودعم مجموعات مسلحة تضعها الولايات المتحدة على لائحة التنظيمات الإرهابية.

هكذا، يخشى المستثمرون الدوليون أن يجدوا أنهم في وسط علاقة تجارية مع أفراد أو مؤسسات تضعهم الخزانة الأميركية على لائحة الإرهاب، ما يعرضهم لعقوبات أميركية، ويحرمهم التعاطي مع النظام المصرفي الأميركي، الذي يعتبر أساس النظام المصرفي العالمي.

وتعاني إيران من انخفاض سعر النفط إلى حد يجعل المخاطرة بالاستثمار في تطوير قطاعها النفطي أو الاستثمار في إنتاجه عملية غير مربحة.

في العراق، مثلاً، تخلت شركة «إكسون» عام ٢٠١٤ عن عقد الاستثمار الذي كانت وقعته مع الحكومة لتطوير حقل «مجنون»، وعزت خطوتها إلى أن هامش الربح الذي فرضته الحكومة العراقية، بموجب العقد الموقع معها، وارتفاع كلفة التطوير والإنتاج بسبب الأخطار الأمنية، يجعل الأرباح المتوقعة متدنية وغير مغرية.

وكما في العراق، كذلك في إيران، حيث يعتقد معـــــظم الشــركات النـــفطية أن التورط في السوق النفطية لا يعود عليها بأرباح مغرية. ومن المتعارف عليه أن المستثمرين المستعدين للمجازفة في عمليات مالية محفوفة بأي نوع من الأخطار، يفعلون ذلك في مقابل عائدات عالية جداً. في الحالة الإيرانية، أخطار عالية وعائدات متدنية بسبب تهالك البنية التحتية والعقوبات المتبقية وتدني سعر النفط عالمياً.

وعلى رغم قيام العالم والولايات المتحدة برفع سلسلة واسعة من العقوبات المالية التي كانت مفروضة على إيران، والتي كانت ساهمت في تدهور سعر صرف العملة المحلية ودفعت الاقتصاد إلى الركود، لم يؤد رفع هذه العقوبات إلى نمو كبير في الناتج المحلي أو ارتفاع في سعر صرف العملة. صحيح أن رفع العقوبات ساهم في تثبيت وضع الاقتصاد الإيراني الذي كان في طور الانهيار، إلا أن نهاية العقوبات النووية لم تؤد إلى بحبوحة اقتصادية كالتي وعد بها المسؤولون الإيرانيون.

ربما يتوجب على المسؤولين الإيرانيين أن يدركوا أن عصر بيع النفط والإنفاق لم يعد كافياً لإعالة ٧٩ مليون إيراني، يُتوقع أن يرتفع عددهم إلى ٨٢ مليوناً مع نهاية العقد. وربما على المسؤولين الإيرانيين التفكير جدياً برؤية اقتصادية جديدة تنقذ اقتصادهم، وهي رؤية ستتطلب تغييرات سياسية واسعة أكبر بكثير من التي قدمها الإيرانيون حتى الآن للتوصل إلى تسويتهم النووية مع العالم.

الثلاثاء، 7 يونيو 2016

واشنطن: «داعش» خائر القوى وينزف

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

عبّرت مصادر أميركية رفيعة المستوى عن ارتياحها لمجريات الحرب في العراق وسورية ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، وقالت ان التنظيم يعاني من ضعف كبير بسبب اضطراره للقتال على اربع جبهات في الوقت نفسه، وانه خسر أكثر من 40 في المئة من الاراضي التي يسيطر عليها، وهو ينزف الاموال، ويعاني بسبب الضرر الكبير الذي ألحقته المقاتلات المختلفة بمنشآت انتاج النفط.

وأمام الضربات الموجعة والمستمرة لمقاتلات «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة، وامام ما تصفه المصادر الاميركية «سباق» الفصائل المتنافسة في العراق وسورية على السيطرة على الاراضي التي يتم انتزاعها من داعش، «يجد التنظيم نفسه خائر القوى وينزف».

وتابعت المصادر الاميركية ان التنظيم يبدو اليوم اضعف مما كانت تتصور معظم التقديرات الدولية قبل عام. وتوقعت ان يخسر داعش سيطرته على عدد من البلدات الاستراتيجية جغرافيا، في كل من العراق وسورية، في المستقبل القريب. وحدها الموصل مازالت بعيدة المنال، بالنسبة للتحالف المعادي لـ «داعش»، لكن «انتزاع الرقة السورية» صار ممكنا، حسب المسؤولين الاميركيين، «وقد يحدث قبل خروج الادارة الحالية من الحكم» في يناير المقبل.

اما الجبهات الاربع التي يقاتل عليها «داعش» في الوقت نفسه، فهي الفلوجة في العراق، حيث تشن القوات الامنية العراقية والميليشيات الموالية لايران هجوما منذ 23 مايو الماضي، تحت غطاء جوي من المقاتلات الاميركية والعراقية الاميركية الصنع.

وشرحت المصادر الاميركية ان الوقت الذي تستغرقه استعادة الفلوجة سببه عملية التفخيخ الواسعة التي قام بها التنظيم لمبان عديدة في البلدة التي تقع غرب العاصمة بغداد. وتتشابه تطورات استعادة الفلوجة مع التطورات العسكرية التي رافقت استعادة القوات العراقية، برعاية اميركية وايرانية، لبلدات كان التنظيم يسيطر عليها، مثل تكريت والرمادي.

وتابعت المصادر نفسها ان القوات المعادية لـ «داعش» غالبا ما تشن هجوما جويا ومدفعيا كثيفا، ثم تتقدم لتستولي على «الاهداف الضعيفة التي انسحب منها مقاتلو داعش منذ بدء المعارك ليتمركزوا في وضعية دفاعية على مقربة من بعضهم البعض تسمح لهم بالحفاظ على الاتصال وعلى خطوط الامداد المفتوحة في ما بينهم».

بعد ذلك، يتحول القتال من شارع الى شارع، ومن حي الى حي، وتعمل القوات المهاجمة على تحقيق اختراق في المنطقة التي يسيطر عليها «داعش» حتى تقسمها الى قمسين او اكثر. وحسب المصادر الاميركية، كلما التحمت القوات المتقاتلة، كلما صار استخدام سلاح الجو متعذرا اكثر فأكثر.

ولأن الرئيس باراك أوباما اصر على غياب المستشارين العسكريين الاميركيين عن الخطوط الامامية، وهؤلاء كان يمكنهم تعيين اهداف «داعش» لقصفها من الجو بدقة رغم ضيق مساحة الجبهات، تتحول المعارك الى قتال شوارع وتتكافأ الكفة بين الطرفين، مع استثناء ان مقاتلي «داعش» عرضة للاستنزاف ونفاد الذخيرة، فيما الطرف المهاجم يتمتع بحسن التموين، وتغيير المقاتلين على الصفوف الامامية، وسحب الجرحى.

وكما في الفلوجة في العراق، تشن قوات الرئيس السوري بشار الأسد والميليشيات المتحالفة معها والموالية لايران هجوما على الطريق الذي يربط تدمر بالرقة، بغطاء جوي روسي، منذ منتصف مارس.

وتعتقد المصادر الاميركية ان تقدم قوات الأسد وروسيا وايران باتجاه شمال شرقي سورية يعاني أكثر من تقدم القوات العراقية وحصارها للفلوجة. وتعزو المصادر البطء الذي يشوب عمل قوات الأسد وحلفائه الى الريبة التي تسود في صفوف الحلفاء، فالروس يفضلون قيام قوات الأسد، بمساعدة روسية، بعملية الهجوم ضد «داعش»، من دون تورط ايران، «فيما يعاني الأسد من نقص فادح في عدد مقاتليه، ما يجبره على الاستعانة بالميليشيات الايرانية، وما دفع روسيا الى محاولة رفده ببعض المرتزقة الروس الذين يقاتلون في صفوف قواته ويقدمون لهم نصائح عسكرية».

الجبهة الثالثة التي يواجهها «داعش» مصدرها مناطق الحسكة السورية، حيث يشن التحالف المعروف بـ «تحالف قوات سورية الديموقراطية»، ومعظم مقاتليه من الاكراد، هجوما باتجاه الرقة في محاولة لقطع الطرق بينها وبين الموصل. ويشارك نحو 300 «مستشار» عسكري اميركي في الهجوم الكردي. وكانت صور أظهرت الاميركيين في ادوار قتالية وهم يركبون ناقلات جند كردية على بعد 30 كيلومترا من الرقة، ما اثار اعتراضا اميركيا واسعا على الحرب غير المعلنة التي يشنها الرئيس الاميركي في العراق وسورية ضد «داعش».

الجبهة الرابعة ضد التنظيم هي تلك التي تشنها فصائل الثوار السوريين، وفي طليعتهم المعروفة بـ «جيش الفتح» ــ للاستيلاء على بلدة منبج الواقعة شرق حلب. وتقدم الولايات المتحدة وتركيا غطاء مدفعيا وجويا لهؤلاء الثوار السوريين، الذين يسعون لاطباق حصارهم على منبج، بعدما حاصروها من ثلاث جهات.

السباق بين القوات المهاجمة على الجبهات الاربع هو الدافع الاول لهجومها. وتقول المصادر الاميركية ان السؤال الدائم الذي يفرض نفسه، حول «اليوم التالي» لتحرير قرى من سيطرة «داعش»، مايزال مطروحا. في بعض المناطق، فعندما سيتم تحرير مدينة ستتنافس القوات على السيطرة عليها، مثل الموصل، التي تثير السيادة عليها جدلا بين الشيعة والسنة والاكراد، منذ سنوات؟

لا اجابة اميركية حول الامر، لكن يبدو ان واشنطن سبق ان تطرقت الى سيناريوات من هذا النوع، فاما ان يتحقق ما يعرف بسيناريو برلين، اي ان تسيطر كل قوة على المناطق التي تنتزعها وتنقسم السيطرة الى مناطق نفوذ متعددة، او يستمر الصراع بينها حتى تفرض واحدة منها سيطرتها.

ربما هذا هو السبب الذي حرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي دفع بدوره الأسد وقواته على الانخراط في الحرب ضد «داعش» على أمل استعادة مناطق التنظيم وحرمان المعارضة من اقامة منطقة آمنة لها فيها.

Since December 2008