الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

واشنطن تحلل الحدث اليمني!

حسين عبدالحسين

راقبت الاوساط الاميركية المعنية بسياسة الشرق الاوسط مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وخلصت الى سلسلة من الاستنتاجات، مفادها انه بعد عامين على اندلاع الحرب التي تقودها السعودية لطرد الحوثيين من صنعاء واعادة تنصيب عبدربه منصور هادي رئيساً، لم تؤد الحرب الى تغيير يذكر في ميزان القوى على الأرض.

واعتبر خبراء اميركيون ان تراجع السعودية السريع عن عدائها لصالح، وقبولها به حليفاً ضد الحوثيين، يعني أن لا حيلة للرياض في اليمن، وأن تأثير القوة الجوية السعودية محدود، وإن كان يساهم في تأجيج الكارثة الانسانية التي تفرضها الحرب المندلعة على اليمنيين.

ويقول خبراء الاميركيون إن رهان "التحالف العربي" على صالح أظهر إما أن هذا التحالف يحارب من دون افق، ومستعد تالياً للتحالف مع أي ما من شأنه تغيير الاوضاع على الأرض، او ان تقييمه لميزان القوى على الارض اليمنية خاطئ، ولا يعرف من أقوى ممن.

ويعتقد الخبراء الاميركيون انه لو كان "التحالف العربي" يعرف ان صالح ضعيف لدرجة ان انقلابه على الحوثيين سيؤدي الى مقتله في غضون يومين، لما كان راهن على صالح. كذلك، من شأن مقتل صالح، اثر انقلابه على ميليشيا الحوثي الموالية لايران وتعاونه مع التحالف الذي تقوده السعودية، ان يوحي لباقي الاطراف اليمنية ان التحالف مع الايرانيين مثمر، وان الانقلاب عليهم عواقبه وخيمة. الأمر نفسه ينطبق على رؤية اليمنيين تجاه السعودية، إذ لا بد ان الاطراف اليمنية، خصوصا من القبائل والعشائر التي تحاول غالبا الرهان على الطرف الاقوى، ان تبتعد عن "التحالف العربي"، بعدما صارت ترى محدودية قدراته في تغيير موازين القوى على الارض.

الاشكالية الوحيدة التي اقترحتها فئة من الخبراء الاميركيين تتعلق بـ"الشرعية" التي يفتقدها الحوثيون بسبب انتمائهم للأقلية المذهبية الزيدية، مقابل الغالبية السنية في اليمن. لكن الرد على هذا التحذير جاء على طريقة لفت النظر بعض الخبراء الى عدم الاهتمام الايراني بموازين الطوائف وتعدادهم في الدول العربية، والدليل الابرز مراهنة الايرانيين على اقليات مذهبية في سوريا ولبنان، ونجاحهم الى حد بعيد في فرض سطوة حلفائهم وتكريس حكمهم، بغض النظر عن تعدادهم السكاني او كونهم اقليات في بلدانهم.

وتابع الخبراء بإن كون الحوثيين أقلية مذهبية لا ينعكس على ميزان القوى على الارض اليمنية، بدليل إن دعوة هادي لانتفاضة شعبية لن تؤدي الى قيام السنة بانتفاضة ضد الحوثيين، فالشعور الطائفي شيء، وتنظيم هذا الشعور وتأطيره وتحويله الى قوة على الأرض شيء آخر، ومن غير الممكن ان يهب اليمنيون في انتفاضة شعبية عفوية في مواجهة تنظيمات مسلحة لا تمانع استخدام سلاحها لقمع معارضيها.

الصورة التي رسمها الخبراء المعنيون باليمن وشؤون الشرق الاوسط قاتمة، من وجهة نظر واشنطن: كيف يمكن تقليص نفوذ الميليشيات الموالية لايران في عموم المنطقة من دون تدخل قوات غربية على الأرض؟ الاجابة لدى بعض الخبراء اشارت الى ضرورة بدء انخراط الغرب وحلفائه من منافسي ايران في الاعداد لـ"لعبة على الأرض"، ويشيرون الى "خطة زيادة القوات" في العراق، التي تزامنت مع تحالف الاميركيين مع العشائر العراقية، وتنظيمها وتدريبها وتسليحها وتمويلها في حرب أدت الى القضاء على "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين". من دون تكرار نموذج "الصحوات" العراقية، لا تبدو القوى المنافسة لايران قادرة على وقف تمددها او وقف "نشاطاتها المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الاوسط"، حسب التعبير الاميركي.

لكن هل لدى رئيس أميركا الحالي دونالد ترامب، الغارق في ازماته والتحقيقات التي تلاحقه، الرؤية المطلوبة لتبني واعادة تطبيق خطة مثل "الصحوات" العراقية؟ الاجابة تبدو في الغالب لا، مع ما يعني ذلك من استمرار التفوق الايراني على منافسيهم في المنطقة حتى اشعار آخر.

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

الشرق الأوسط بين تركيا وإيران

حسين عبدالحسين

يتمتع الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر اليوم بسمعة رجل سلام، فبعيدا من اليسار العربي واغنية الشيخ امام "يا كارتر يا نذل"، يتذكر الاميركيون والعالم كارتر على أنه الرئيس الذي حقق المستحيل في اتفاقية كامب دايفيد للسلام بين مصر واسرائيل. وعلى مدى العقدين الماضيين، تبنى كارتر سياسة معاكسة لسياسة أميركا التقليدية، فالتقى من تصنفهم واشنطن ارهابيين، مثل قادة في حركة "حماس" الفلسطينية، واصدر كتاباً انتقد فيه ما اسماه "ابارثايد" اسرائيل في الاراضي الفلسطينية.

لكن كارتر لم يكن رجلاً مسالماً في شبابه، مثل عندما كان رئيسا للولايات المتحدة بين 1976 و1980، فالثورة الايرانية اندلعت اثناء رئاسته، واجبرته على تبني "عقيدة كارتر" للتدخل العسكري الاميركي السريع في اي بقعة من العالم. واظهرت وثائق الامن القومي التي تم رفع السرية عنها في ما بعد أن كارتر أمر باستخدام اسلحة "نووية تكتيكية" في حال حاول السوفيات استغلال الفوضى في ايران لاجتياحها والوصول لمنابع النفط الايرانية والعربية في الخليج.

"مقدرة السعودية على حماية نفسها من ايران نووية امر يشوبه الغموض بعدما اظهرت حرب اليمن محدودية القوة الجوية السعودية"، يكتب احد اكثر الباحثين الجيوسياسيين الاميركيين المرموقين جورج فريدمان، ويضيف "تاريخياً، توقع السعوديون أن يقوم البريطانيون، أولاً، وبعدهم الاميركيون بضمان أمن السعودية القومي، لكن ذلك يوم كان الخليج الفارسي مصدر النفط الذي يستحيل للعالم الاستغناء عنه". ويتابع فريدمان أن "مصادر النفط العالمي تضاعفت"، وتضاعفت "معها حماسة المنتجين في بيعه"، ويكتب: "ببساطة لم يعد النفط السعودي ذو اهمية".

الواقع الجديد، يقول الخبير الاميركي، دفع السعوديين الى التواصل مع الاسرائيليين طلبا للحماية، لكن اسرائيل جيشها صغير على رغم تفوقه، وهو يمكنه خوض حروب دفاعية، ولكن يستحيل عليه خوض حروب استنزاف طويلة، مثل تلك التي خاضها العراقيون والايرانيون بين 1980و1988.

أميركا، يقول فريدمان، يمكنها مساعدة اسرائيل على تفادي حروب استنزاف، لكن أميركا، القوة الاكثر مقدرة في العالم، لا تعرف ماذا تريد منذ بدأت حروبها في العالم 2001.

الفراغ الذي تركه تراجع اهتمام أميركا بالخليج كمصدر طاقة، بالتزامن مع الاختلال في التوازن الذي احدثته اطاحة أميركا بنظام صدام حسين في العراق، الذي كان يوازن القوة الايرانية، سمح للايرانيين بالتوسع في عموم المنطقة.

قبل التوسع الايراني، كانت تركيا مشغولة بتنمية اقتصادها داخلياً واقليمياً وعالمياً، لكن اهتزاز ميزان القوى الاقليمي، اطلق الاكراد، وأجبر الاتراك على صناعة سياسة لاحتواء الخطر الكردي عليهم.

يقول فريدمان إن تركيا هي الوحيدة القادرة على التصدي لايران عسكرياً واقتصادياً، لكن يبدو أن انقرة في انتظار معرفة كيف سيحسم الاميركيون قرارهم. في هذه الاثناء، سيتعلم الاتراك من تجاربهم حتى تنضج بشكل كامل ويتحولون الى القطب الثاني في الاقليم في منافسة مع ايران.

هكذا، لا السعودية وقوتها المالية، ولا اسرائيل وتفوقها العسكري، تقدران على موازنة ايران. وهكذا، يعتقد فريدمان أن الاقليم يعيد رسم نفسه وفقا لموازين القوى بين تركيا وايران.

مطالعة فريدمان في موقعه "المستقبل الجيوبوليتيكي" تبدو واقعية، والاهم من ذلك انها تتناسب والسياق التاريخي، إذ منذ عام 224 للميلاد، برزت ايران كقوة اقليمية، فيما اعتلت القسطنطينية المسيحية، اسطنبول الاسلامية لاحقاً، مسرح الاحداث التاريخي حوالي العالم 330 ميلادية. منذ ذلك التاريخ، مثّل غياب اي من هاتين القوتين، الايرانية ام الاناضولية، الاستثناء في تاريخ الاقليم، وهو استثناء كان يتزامن عادة مع صعود مراكز قوى عربية متنوعة في دمشق وبغداد والقاهرة، في أزمنة متنوعة. أما فلسطين، فهي يندر أن مارست نفوذاً اقليمياً، مع بعض الاستثناءات الصليبية ومؤخراً الاسرائيلية.

وبالعودة الى التنافس بين بلاد فارس وبلاد الاناضول، تعود منطقة الشرق الاوسط الى مرحلة ما قبل الامبريالية الغربية، وهي مرحلة امتدت لخمس قرون، منذ مطلع القرن السادس عشر ميلادي، وساهمت في تشكيل دول الاقليم وهوياتها وحدودها بشكلها الحالي، ما يعني ان العودة الى المنافسة التركية - الايرانية ما هو الا استئناف لما تم وقفه قسرا على مدى قرن، وهو إن عاد قد يجبر العرب على انتظار فرصة اخرى تسمح لهم باللحاق في ركب القوى الاقليمية والعالمية.

Since December 2008