السبت، 31 مارس 2018

تقرير / تصريحات ترامب العلنية تُعاكس سياسته الخارجية

واشنطن - من حسين عبدالحسين

بيلي بوش هو مقدم برامج ترفيهية كان على تواصل دائم مع دونالد ترامب، رجل الأعمال ونجم تلفزيون الواقع. في إحدى الرحلات المشتركة على متن باص، تحدث ترامب إلى بوش عن مغامراته الجنسية بشكل فاضح، وظهر الشريط إلى العلن قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية في خريف 2016، ما أدى إلى قيام الشبكة التي يعمل فيها بوش الى طرده، فيما وصل ترامب الى البيت الابيض.
يروي بوش عن سني عمله مع ترامب، فيقول إنه خابر ترامب يوماً، وأبلغه بأن برنامجه التلفزيوني «ذي ابرنتيس» حل في المرتبة الثالثة لناحية البرامج الأكثر مشاهدة، على عكس ما أدلى به ترامب لبوش في مقابلة. أصرّ ترامب على أنه في الصدارة، وعندما واجهه بوش بالأرقام، رد ترامب: «أعرف أننا في المركز الثالث، ولكن قل للعالم دائماً أننا في المركز الأول، وسيصدقونك».
تلك الحادثة التي رواها بوش على برنامج «بيل ماهر» تعكس بالضبط أسلوب عمل الرئيس الاميركي، الذي يعتقد أن إصراره على تكرار أفكار معينة علناً، وإن كانت غير صحيحة، تدفع الناس إلى تصديقها، وهو الأسلوب الذي يبدو أن ترامب يمارسه في سياسته الخارجية، التي يعلن فيها عكس ما يفعله.
في صدارة مواربة ترامب يأتي الموضوع الروسي، إذ بثت شبكة «إن بي سي» تقريراً مفاده أن الرئيس الأميركي أصدر تعليمات للعاملين في فريقه بألا يدلوا بأي تصريحات علنية تتعلق بقيام واشنطن بطرد 60 ديبلوماسياً روسياً، ردا على قيام موسكو بشن هجوم بغاز الأعصاب على عميل استخبارات روسي مزدوج سابق يقيم في بريطانيا. 
وبالفعل، اكتفى مسؤولو البيت الابيض بعقد جلسة مغلقة مع الصحافيين، شرحوا فيها أسباب طرد الديبلوماسيين الروس بالقول ان الولايات المتحدة تسعى لعلاقة جيدة مع موسكو، وهو ما دأب على تكراره ترامب، لكن شرط العلاقة هو «قيام موسكو بتغيير تصرفاتها». تغيير التصرفات هذا يبدو أنه السياسة التي تبنتها إدارة ترامب أخيراً تجاه موسكو. المشكلة الوحيدة أنها سياسة سرية، يتم تداولها خلف الأبواب الموصدة فحسب، في وقت يصر ترامب على التصرف وكأنه صديق لنظيره الروسي فلاديمير بوتين.
والسرية في السياسة الخارجية كان ترامب تبناها منذ أيامه الاولى في البيت الابيض، إذ ان أول القرارات التي اتخذها قضى بوقف وزارة الدفاع الإعلان عن عديد الجنود الأميركيين المنتشرين في مناطق الصراع حول العالم، خصوصاً في أفغانستان والعراق وسورية. علّلت وزارة الدفاع قرارها يومذاك بأن عديد القوات يجب أن يرتبط بالحاجة العسكرية إليها حسب المهمة المولجة بها، وأن ربط هذا العدد برضى الرأي العام الاميركي يؤدي إلى سيطرة الرأي السياسي - لا العسكري - على قدرات القوات الاميركية القتالية.
والسياسة الاميركية تجاه سورية صارت جليّة منذ نجاح التحالف الدولي في القضاء على مقاتلي تنظيم «داعش» واستعادة الأراضي التي كان يسيطر عليها. منذ ذلك الوقت، تبنت واشنطن مقولة ضرورة بقاء قواتها منتشرة في منطقة الجزيرة شرق الفرات لاستكمال الحرب على «داعش» ولتأكيد عدم عودة التنظيم إلى الحياة مجدداً. لكن السياسة الفعلية لواشنطن كانت ترتبط أكثر بحماية الحلفاء، الأكراد من تركيا، وإسرائيل من خطر الهلال الايراني، الممتد من طهران إلى بيروت عبر العراق وسورية.
ومع تعيين ترامب السفير السابق لدى الأمم المتحدة، وأحد أبرز اصدقاء اسرائيل في واشنطن، جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، من المرجح أن تستمر سياسة أميركا القاضية في بقاء قواتها شرق الفرات تعزيزاً لهدف حماية الحليفين الشرق أوسطيين.
في ظل مواقف واشنطن الواضحة تجاه بقاء قواتها شرق سورية، يصبح تصريح ترامب الأخير عن قرب انسحاب القوات الاميركية من سورية وترك المنطقة «لآخرين» تصريحاً خارج سياق السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بل يناقض هذه السياسة، خصوصاً أن العاملين في الفريق الرئاسي ردوا على تصريح رئيسهم بشكل غير مباشر، بالقول ان «سياسة الولايات المتحدة في سورية والعراق والشرق الاوسط باقية على ما هي عليه».
والحال هذه، يصبح تصريح ترامب حول قرب الانسحاب الأميركي من سورية تصريحاً للاستهلاك الداخلي فحسب، إذ يعد الرئيس الاميركي مناصريه بخروج البلاد من سلسلة الحروب حول العالم، وهي الحروب التي هاجمها عندما كان مرشحاً مراراً ووعد بإنهائها والانتصار فيها خلال أسابيع، لكنها وعود من قبيل الكلام فحسب، من دون أي تأثير في مجرى السياسة الخارجية الاميركية أو تغيير فيها. 
تصريح ترامب عن سورية هو، كما قال لبيلي بوش يوماً، «قل للعالم دائماً وسيصدقونك»، ولكن الواقع لا يبدو أنه سيتغير.

الثلاثاء، 27 مارس 2018

من أحرق الشرق الأوسط؟

حسين عبد الحسين

نشر الباحث المرموق روبرت كابلان مقالة بعنوان "البعث سبب الفوضى في العراق وسورية"، قدم فيها ـ بالصدفة ـ رأيا ممتازا حول مشكلة الدور الأميركي في الشرق الأوسط، وهو رأي يغيب عن نقاشات الشرق أوسطيين، خصوصا المتمسكين منهم بنظريات المؤامرة على أنواعها.

ينسف كابلان التهم التي تحمل الولايات المتحدة مسؤولية احتراق الشرق الأوسط، ويقول إن أميركا تدخلت عسكريا في العراق في العام 2003، فاحترق العراق، ثم امتنعت عن التدخل في سورية منذ العام 2011، فاحترقت سورية، ما يشي أن خلف الحرائق الشرق الأوسطية ما هو أعمق من الدور الأميركي.

ويمكن تعزيز رأي كابلان بسلسلة من الأمثلة حول سياسات أميركا المتنوعة في الشرق الأوسط، من مجاراة "الطغاة الأصدقاء" حرصا على الاستقرار، إلى خلعهم لنشر الديموقراطية مثل العراق، إلى فرض الحصار عليهم ثم مفاوضتهم، مثل الحالة الإيرانية. لم تترك الولايات المتحدة أسلوبا في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط إلا ولجأت إليه، ومع ذلك لم تنجح في وقف، أو الحد من، تدفق شلالات الدماء الشرق أوسطية.

ويعزو كابلان حرائق العراق وسورية إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي" الحاكم، ويقول إنه على عكس مصر وتونس، الدولتين ذواتي الحضارة العريقة التي أنجبت قومية حديثة لكل منهما، ينقص العراق وسورية هوية، فيما عزز حزب البعث فقدان هذه الهوية، وبنى حكمه على دموية بشعة استوردها من الكتلة السوفياتية. هنا يخطئ كابلان.


في الأرض بين دجلة والفرات، المعروفة بـ"ما بين النهرين"، قامت أول مدينة بشرية قبل 7400 عاما، وحملت اسم عروق، ومنها اسم عراق. وهي في المؤلفات الإسلامية الورقاء، في الغالب نقلا عن التسمية اليونانية أوروك. انقسمت حضارة "ما بين النهرين" إلى شمالية وجنوبية، وتداور الإقليمان على حكم المساحة التي تشكل العراق الحديث.

وورث عراقيو اليوم انقسام الماضي السحيق، على شكل شمال غربي سني ومسيحي أقرب إلى المشرق، وجنوب شرقي شيعي ويهودي أقرب إلى فارس. لكن على الرغم من الانقسامات السياسية، بقيت الهوية العراقية واضحة وضاربة في القدم، وما تزال اللهجة العراقية تحمل مفردات أكادية وسومرية تنفرد بها بين باقي اللهجات العربية المحكية الأخرى.

للعراق هويته، وللبنان كذلك، ولمعظم الشام، وهي المنطقة غير الساحلية للمشرق، كما لمعظم غور الأردن النبطي، الذي يصل تخوم المدينة شمال الحجاز. كذلك لمصر هوية، ولتونس هوية تشبه لبنان. كلها هويات يتكلم أصحابها العربية اليوم بلهجات صنعتها لغات أجدادهم.

دول الشرق الأوسط ما تزال تعيش على ما انفطرت عليه منذ فجر البشرية، أي "حكم الأقوى"

ليس غياب الهوية مشكلة العراق وسورية، بل تأخر الشرق الأوسط، وغالبية دول العالم، عن اللحاق بركب عصر التنوير، الذي حملت مبادئه الثورتان الأميركية والفرنسية. في صلب هذه المبادئ أن الإنسان مولود مع حقوق، يفوض بعضها إلى حكومة تختارها غالبية المتعاقدين بموجب وثيقة اسمها "الدستور"، الذي يجبر الحكومة المنتخبة على حماية الحقوق المادية والمعنوية والأمن الجسدي للمواطنين كأفراد، لا كجماعات ذات امتيازات بحسب عديد أو نفوذ الجماعة.

دول الشرق الأوسط ما تزال تعيش على ما انفطرت عليه منذ فجر البشرية، أي "حكم الأقوى"، أو على حسب القول العشائري "إما قاتل أو مقتول". هكذا نشأ صدام حسين وهكذا نشأ حافظ الأسد وعلي خامنئي وقاسم سليماني وغيرهم. لم يأت هؤلاء من المريخ، بل هم نتاج ثقافة غزو وقوة. أما التاريخ، فيثبت أن المنطقة الممتدة من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي، تعيش في دوامة حروب منذ قيامها.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا بقي من سيادة الأسد؟

قد تتوقف الحروب في عهد حاكم باطش قوي، مثل صدام أو حافظ، لكن الاستقرار هذا هو الاستثناء، وكل دولة في هذه البقعة من العالم معرضة لنفس مصير العراق وسورية في حال انهيار طاغيتها، والثورات فيها أفضل دليل. إيران كادت تدخل في حرب أهلية بعد انهيار حكم الشاه، فسارع الإسلاميون إلى بناء ميليشيات سمحت لهم بالإمساك بالبلاد، وهو النموذج الذي يحاولون تكراره في لبنان والعراق وسورية واليمن. أما في مصر، فاهتز الاستقرار في ليلة واحدة بعد إجبار حسني مبارك على التنحي، ولم يعد إلا بعد استعادة الجيش زمام الحكم بالكامل.

طبعا هذه ليست دعوة للاستسلام للأمر الواقع وقبول الاستقرار الذي يأمنه بقاء الطغاة في الحكم، بل المطلوب هو عودة الغرب الديموقراطي التنويري إلى نشر ثقافة الديموقراطية في كل دول العالم غير الديموقراطية، واستخدام المال والديبلوماسية لدعم أي ديموقراطيين ممكن أن ينجموا عن برامج التعليم والتدريب (وهؤلاء غير المعارضين الذين يدعون الديموقراطية من أجل نيل الدعم الغربي، ثم يتبين أنهم أسوأ من الطاغية نفسه، مثل في التجربة مع المعارضين العراقيين والسوريين).

كابلان على حق أن من أحرق الشرق الأوسط هو أهله لا أميركا، وأن الحل يكمن في الحكمة اليونانية القديمة "اعرف نفسك"، وفي نشر الديموقراطية، لا الحديث عن هويات وقوميات، هي في الغالب متخيلة، حتى في الدول الديموقراطية المستقرة.

Since December 2008