الجمعة، 29 يونيو 2018

عقيدة ترامب... القضاء على نظام إيران

واشنطن - من حسين عبدالحسين

«لقد نجح نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد في سبع سنوات من الحرب»، قال وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، مضيفاً في معرض مقارنته دوري الأسد وايران في سورية - انه «من وجهة نظر أميركا، يبدو لي ان ايران هي الخطر الأكبر، وعلينا التركيز عليها». 
مقارنة الأسد بايران، والتوصل لاستنتاج بأن الرئيس السوري ناجح في حربه، فيما الوجود الايراني في سورية هو الذي يشكل خطراً على الولايات المتحدة، هو تصريح يصف بفائق الدقة سياسة الرئيس دونالد ترامب الخارجية: مصادقة العالم ومواجهة ايران. 
في هلسنكي في السادس عشر من يوليو المقبل، سيعقد ترامب لقاء قمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. ترامب صمم شخصياً صورة القمة لتتماهى مع لقاء الرئيس الراحل رونالد ريغان مع زعيم الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيوف في ريكيافيك (ايسلندا)، في اكتوبر 1986. غالبية الأميركيين تتذكر اللقاء على ان ريغان عقده مع عدو أميركا السوفياتي، على رغم الاعتراضات الواسعة في الداخل الأميركي، وأعلن يومها انفتاحه على موسكو، فانهار نظامها، وخرجت أميركا منتصرة من الحرب الباردة. 
في قمته وبوتين في هلسنكي (فنلندا)، سيحاول ترامب تكرار صورة لقاء ريغان - غورباتشيوف.
في ريكيافيك، تحادث الأميركيون والسوفيات حول تقليص ترسانتيهما النووية، والتوصل إلى مصالحات للنزاعات حول العالم. في هلسنكي، سيقدم ترامب ما يعتقده عرضاً مغرياً لبوتين: أميركا تسامح روسيا في كل الشؤون العالقة، من احتلال موسكو لشبه جزيرة القرم الاوكرانية، واجزاء من جورجيا، وسيطرتها على سورية وابقائها نظام الأسد، وتجاوزها حقوق الانسان داخل روسيا. اما دليل مسامحة أميركا لبوتين في كل ما ارتكبه فسيتجلى باعادة ترامب روسيا إلى مجموعة الدول الثمانية. 
وكان ترامب دعا، في آخر لقاء لمجموعة الدول السبعة في كندا في الثامن من الجاري، إلى إعادة روسيا إلى هذه المجموعة، بعدما اخرجتها المجموعة عقاباً على احتلالها القرم، ما يعني ان عودة موسكو من دون الانسحاب من القرم هي بمثابة اعتراف غربي بأن لروسيا الحق في ابتلاع اجزاء من اوكرانيا. 
في مقابل كل التنازلات التي سيقدمها ترامب لبوتين في هلسنكي، سيطلب ترامب طلباً وحيداً من الرئيس الروسي: المشاركة في محاصرة ايران والمساهمة في هز، وربما القضاء على، نظام الجمهورية الاسلامية في ايران. سيقدم ترامب تنازلات إلى كل الدول المعنية بشرط واحد: الانضمام لحملة الولايات المتحدة ضد ايران. 
لن تستثني واشنطن الرئيس السوري من عرضها المغري الذي ستقدمه إلى بوتين. سيكون على الأسد، لا التخلي التام عن تحالفه وعلاقته مع ايران، بل تقديم ما في حوزته من معلومات استخباراتية للمساهمة في المواجهة الأممية ضد ايران والميليشيات الموالية لها، وفي طليعتها «حزب الله» اللبناني.
مطلع العام 2009، افتتح الرئيس السابق باراك أوباما سياسة «الانخراط مع الأسد». كانت تلك السياسة مبنية على «تغيير في تصرفات» النظام السوري ورئيسه، وربما استخدام العلاقة المستجدة معه للوساطة مع ايران. عرض ترامب اليوم للأسد يختلف عن عرض أوباما، فالرئيس الأميركي الحالي يريد ان ينخرط الأسد تماماً في المعسكر المعادي لايران كثمن بقائه في السلطة في دمشق، لا انصاف حلول ولا وساطات للأسد بين الغرب وايران. 
اما ان رفض الأسد الانقلاب على إيران و«حزب الله»، فان أميركا - في الغالب بالاشتراك مع روسيا - ستعملان على بدائل له في سورية، في طليعة البدائل العميد سهيل الحسن، الملقب بـ«النمر» ورجل روسيا في الجيش السوري، في وقت تسعى كل من أميركا وروسيا، حسب ما سبق ان أوردت «الراي»، إلى تجنيد قبائل في عموم سورية ولبنان للتحالف معها كبديل للقوى القائمة. 
السياسة الخارجية لترامب، ان امكن إطلاق اسم عقيدة عليها ، فهي بلا شك عقيدة تتمحور حول مصادقة انظمة العالم من شرقه إلى غربه، من الكوري الشمالي كيم جونغ أون وبوتين إلى الفرنسي ايمانويل ماكرون. اما الحكومة الوحيدة التي يبدو ان ترامب مصمم على مواجهتها، ومصمم على جعل مواجهة دول العالم لها مقياساً لصداقة زعماء العالم لأميركا، هي إيران. 
هذه المرة، قد يكون على نظام الأسد الاختيار، وهو اختيار اذاعه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في خطاب بقوله ان مقاتليه لن ينسحبوا من سورية إلا بطلب من الأسد. فهل يطلب الأسد ذلك، أم يتخلف عن الطلب ويواجه امكانية استبداله وبقاء نظامه، وهي امكانية يبدو ان حليفته موسكو هي التي تقودها، وتؤيدها فيها بقية عواصم العالم، وفي طليعتها واشنطن.

الخميس، 28 يونيو 2018

سباق أميركي - روسي - إيراني لتجنيد عشائر سورية ولبنان

واشنطن - من حسين عبدالحسين

حددت الولايات المتحدة ست «قبائل» في حوض الفرات الأوسط، وصفتها بـ«الكبرى»، وأعلنت انه يمكن التحالف معها، وتقديم العون المالي والعسكري والسياسي لها في سياق تثبيت الأمن في المنطقة المذكورة، ومنع عودة تنظيم «داعش»، والمباشرة في عملية اعادة الاعمار. 
وبذلك تعود واشنطن الى سباق كانت هي أطلقته مع خطة «زيادة القوات» في العراق في العام 2007. وينخرط في السباق كل من موسكو، التي تسعى لتنفيذ خطة لاستقطاب العشائر الشيعية في سهل البقاع اللبناني، فيما تعمل طهران و«حزب الله» اللبناني على التحالف مع عشائر سنية في مناطق سورية مختلفة، خصوصا في منطقة حوض الفرات الأوسط. 
عشائر الفرات الأوسط الستة التي ارسلت واشنطن خبراء للوقوف على أحوالها، واستكشاف امكانية التحالف معها، هي الولدة والعفادلة وسبخة والعكيدات والبكارة والبوسرايا. 
وأشارت دراسة صادرة عن «معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى»، أشرف عليها الخبير في الشؤون السورية اندرو تابلر، الى انه «يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الفوز بتعاطف القبائل الستة باظهار الثبات في الموقف، والتزام الاستقرار واعادة الاعمار». ويأخذ الخبراء على ادارة الرئيس السابق باراك أوباما تخليها عن تحالف «قوات الصحوة»، الذي كانت أميركا ساهمت في اقامته من عشائر السنة غرب العراق، وهو التخلي الذي ساهم في انهيار الوضع الامني في العراق وقيام «داعش». 
وبعد استيلاء «داعش» على الموصل صيف 2014، أعلن رئيس الاركان آنذاك مارتن ديمبسي، ان «حجر الزاوية» في الخطة الأميركية للحرب على التنظيم، هو اعادة انشاء الصحوات والعلاقة معها، لكن واشنطن تراجعت امام ضغط رئيس حكومة العراق حيدر العبادي وايران، التي كان يسعى الرئيس السابق باراك أوباما لاسترضائها. وبدلا من اعادة احياء جيش عشائري لتثبيت الامن غرب العراق، قام العبادي بالتحالف مع بعض مقاتلي العشائر السنية، لكن رأس حربة القتال والقوات التي سيطرت على الاراضي التي تم انتزاعها من «داعش» هي ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية الموالية لإيران. 
في مدينتي الرقة ودير الزور السوريتين، تسعى واشنطن لتفادي تكرار الخطأ العراقي بسحب قواتها ووقفها الدعم لحلفائها من العشائر. في حوض وادي الفرات الأوسط، تنوي الولايات المتحدة اقامة قوات عشائرية يمكن الركون اليها على المدى البعيد، وتسليمها الأمن والحكم الذاتي، وابقاء الدعم الاميركي لها، بالتزامن مع تخصيص مبالغ لاعادة إعمار هذه المناطق الواقعة تحت الحكم العشائري، حيث «يمكن للولايات المتحدة الافادة من الشعور المعادي لايران بين القبائل، على الرغم ان نظام (الرئيس السوري بشار الأسد) ما زال يمسك ببعض الاوراق التي يمكنه استخدامها لابعاد القبائل عن أميركا»، حسب الدراسة، التي تقدم تاريخ كل من العشائر الستة، وتعداد ابنائها، واماكن انتشارها، ومواقفها السياسية والعسكرية الماضية. 
لكن الولايات المتحدة ليست الوحيدة في السباق لاستقطاب العشائر في العراق وسورية ولبنان، بل تنافسها ايران، التي انشأت «لواء الباقر»، نسبة للامام الشيعي الخامس. وسبب اختيار الاسم يعود الى مرويات تعتبر عشائر البكارة السنية من سلالة الامام محمد الباقر، المتوفى في القرن الثامن الميلادي. وتتألف القوة المقاتلة لهذا اللواء من ألفين الى ثلاث آلاف من رجال البكارة. وتشير بعض التقارير الى امكانية تشيع هؤلاء المقاتلين، الذين يرفعون راية مستوحاة من شعار الباسيج الايراني ومكتوب عليها «لواء الباقر (ع)». وينخرط اللواء المذكور في المعارك المسلحة في حوض الفرات الأوسط وفي محافظة حلب. 
روسيا، بدورها، لم تتخلف عن السباق الاميركي الايراني للفوز بولاء العشائر المتنوعة، تقول المصادر الأميركية انه منذ مطلع العام 2015 على الأقل، باشر سفير روسيا في لبنان الكسندر زاسبكين بالاتصال بخريجي الجامعات السوفياتية اللبنانيين من ابناء عشائر البقاع الشيعية. وهؤلاء غالبا ما يتحدثون الروسية، ولبعضهم زوجات روسيات. 
وركزت اتصالات زاسبكين على خمس عشائر بقاعية، هي الاكبر، وهي جعفر وزعيتر ومصري وشمص وشريف. وفي ابريل 2017، اعلن الحاج محمد جعفر قيام ميليشيا «درع الوطن»، بتدريب وتسليح وتمويل روسي. ويحمل شعار الميليشيا علمي روسيا وسورية، وتحتهما شجرة الأرز، وهي شعار دولة لبنان. واعلنت ميليشيا «درع الوطن» انها شاركت في القتال في مناطق متنوعة من سورية، بما في ذلك تدمر، ومناطق اخرى شرق سورية بعيدة عن الحدود اللبنانية. 
ولطالما ارتبطت عشائر البقاع بحاكم لبنان السوري الراحل غازي كنعان، وبقي ابناؤها خارج «حزب الله»، كما ساندت هذه العشائر سياسياً رئيس البرلمان نبيه بري، القوة الشيعية الثانية في البلاد. 
وتسعى روسيا لاقامة قوة محلية لها على الأرض، في الغالب لمنافسة «حزب الله»، او على الأقل للامساك بأي مناطق يمكن اخلاء الحزب اللبناني منها. ويبدو ان موسكو تمارس ضغوطا سياسية على الأرض لاخراج مقاتلي الحزب من بعض المناطق السورية، خصوصا في الجنوب المتاخم لإسرائيل، وهو ما حمل الأمين العام للحزب حسن نصرالله إلى إعلان ان مقاتليه لن ينسحبوا من سورية الا بطلب من الأسد نفسه. 
في هذه الاثناء، رصد الخبراء الاميركيون حادثتين على الأقل كادتا تتطوران إلى مواجهات شاملة بين قوات روسيا وإيران على الأرض السورية، واحدة في البوكمال شرقا، وأخرى في القصير غرباً. ولم تنته المواجهة الاخيرة إلا مع إرسال الأسد قوات تابعة له للسيطرة على نقطة حاولت روسيا انتزاعها من الميليشيات الموالية لإيران. 
السباق لتجنيد العشائر مستمر بين اميركا وروسيا وإيران، وهو كلّما اشتد، سيؤدي الى المزيد من المواجهات والتوترات الامنية، من قبيل اندلاع ثأر بين آل جعفر والجمل، ما دفع الجيش اللبناني إلى تعزيز انتشاره في البقاع، شرق لبنان، للتخفيف من الاحتقان، الذي يبدو انه ماض في التصاعد في قادم الأيام.

Since December 2008