الثلاثاء، 31 يوليو 2018

'داعش' الأسد

حسين عبد الحسين

لم تعد خديعة نظام الأسد في رعايته الإرهاب وردعه في الوقت نفسه تنطلي على أحد. هي منظومة عمرها أكثر من أربعة عقود، استخدمها نظام الأسد للتغلب على خصوم الداخل وابتزاز خصوم الخارج.

لـ"تحرير فلسطين"، رعى الأسد الأب، حافظ، تنظيمات فلسطينية على أنواعها، كان هدفها المعلن "تحرير فلسطين" فيما هدفها الفعلي إيقاع الأذى بخصوم الأسد، مثل الرئيسين الراحلين الفلسطيني ياسر عرفات والعراقي صدام حسين، فضلا عن زعماء الخليج.

خارج دنيا العرب، رعى الأسد عمليات ضد أهداف غربية وإسرائيلية لابتزاز العالم والحصول على امتيازات ديبلوماسية ومالية، مقابل توقف الهجمات الإرهابية. مثلا، أفرج الأسد عن رهائن غربيين في بيروت، وفي وقت لاحق كبح جماح عمليات "حزب الله" اللبناني ضد إسرائيل (حسب كتاب مبعوث السلام السابق دينيس روس) مقابل مكاسب من واشنطن، وكان يأمر هذ الحزب بتصعيد هجماته يوم كان العالم يتلكأ عن الوقوف على مطالب دمشق.

ومثل الأسد الأب، وجد ولده بشار فرصة سانحة في "الحرب العالمية على الإرهاب" لممارسة عملية الابتزاز التي أتقنها نظام أبيه. شرع الأسد أبواب دمشق أمام الإرهابيين من حول العالم، فراحوا يصلون مطارها ببطاقات سفر بلا عودة، وينتقلون تحت عيون استخبارات الأسد الساهرة إلى العراق للقيام بأعمال إجرامية أودت بحياة آلاف العراقيين والجنود الأميركيين.

اقرأ للكاتب أيضا: قضاء عربي ولا عدالة

لم يمتثل الأسد للقرار الدولي والإقليمي الداعم للاستقرار في العراق، فثابر على إرسال الإرهابيين إلى بغداد للقيام بعمليات تفجير، ما دفع رئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي إلى تقديم شكوى لدى لأمم المتحدة، طالب فيها بإنشاء محكمة دولية لملاحقة الأسد ونظامه بتهمة الوقوف خلف جرائم إرهابية في العراق.

إرهابيو العراق هؤلاء لم يكونوا غريبين عن الأسد ونظامه الذي أتقن عمليات التهريب عبر الحدود السورية ـ العراقية والتلاعب على الحظر الدولي الذي كان مفروضا على صدام حسين. بعد سقوط نظام صدام، استضاف الأسد هؤلاء البعثيين، ورعى قنواتهم الإعلامية وخطابهم التحريضي. وبسبب تزامن اندلاع الثورة العراقية ضد المالكي مع ثورة سورية ضد الأسد، قام الأخير بدعم مشروع إعادة إنعاش التطرف الإسلامي غرب العراق وشرق سورية، فشن العالم حربه الضروس للقضاء على الإرهاب المتجدد.

على أن أمورا عديدة كانت لافتة في الإرهاب الداعشي، فهو إرهاب اقتسم والأسد إنتاج محطات كهرباء، وبعض النفط. وعلى رغم إصرار الأسد أن من يحاربهم في عموم سورية هم من الإرهابيين، انتهت معظم المعارك بتسويات قدم بموجبها الأسد باصاته لنقل الإرهابيين المزعومين من منطقة إلى أخرى.

آخر خدمات النقل التي قدمها الأسد للإرهابيين كانت نقله مقاتلي تنظيم "داعش" في مناطق جنوب سورية. بعد ذلك، أرسل الأسد وفده للتفاوض والأقلية الدرزية التي تسكن محافظة السويداء الجنوبية. والدروز أقلية تتمتع بوعي استراتيجي تاريخي وتتبنى مواقف حيادية ما أمكن عبر التاريخ، ما عدا القتال للدفاع عن الأرض. فالحفاظ على الأرض، حسب التقليد الدرزي، يتقدم على مغامرات الزعامة، كالتي خاضها موارنة لبنان في الماضي ويخوضها علويو سورية اليوم وهي معارك تتطلب الكثير من الدماء وتفضي إلى انتقام وثأر مع الآخرين.

في السويداء، طلب الأسد التحاق خمسين ألفا من الشباب الدروز ممن كانوا تخلفوا عن الخدمة الإجبارية لرفضهم المشاركة في قتل مجموعات سورية أخرى شريكة في الوطن. جدد الدروز رفضهم الالتحاق بجيش الأسد، فما كان من الأخير إلا أن سحب السلاح من تنظيم درزي أو أكثر كانوا يؤيدونه (لمعرفته أن هؤلاء سيدافعون ما أمكنهم عن كل الدروز). كما سحب الأسد قواته من شرق السويداء.

وفي ليلة ظلماء، قطع الأسد الكهرباء خارج "أوقات التقنين"، ما سمح لمقاتلي "داعش" بالتسلل إلى مناطق الدروز، حيث شنوا هجوما قتلوا فيه 250 درزيا، وهو رقم كبير قياسا إلى عديد هذه الأقلية، واختطفوا عشرة من الدرزيات أو أكثر.

اعتقل الدروز حفنة من "الدواعش"، وعلقوهم شنقا في ساحات قراهم، ودافعوا عن أنفسهم ببأس، وراح بعض إخوانهم في المذهب من دروز لبنان يستعدون للانضمام إليهم والقتال في صفوفهم، على رغم حاجة الطرفين الماسة للسلاح.

يسعى الأسد لإخضاع دروز سورية، وتجنيد شبابهم، في الحملة التي يعد لها للسيطرة على محافظة إدلب الشمالية، وهو لذلك أرسل "داعش" على السويداء، فإما يتعرض الدروز للإبادة، أو يوافقون على "حماية الأسد" لهم بما في ذلك الانضمام لماكينة القتل التابعة للنظام السوري.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلة الربيع العربي

ومثلما يستخدم الأسد "داعش" ضد الدروز، فهو قام بالتغاضي عن الهجمات التي نظمها "حزب الله" وإيران من الجنوب السوري ضد إسرائيل، فإما تتمسك إسرائيل بالأسد حتى تتخلص من هجمات الحزب، أو يشعل الأسد المزيد من النيران في سورية ومحيطها حتى يستجديه العالم لإخمادها.

كتاب الابتزاز الذي يستخدمه طغاة العالم هو نفسه. أما العالم الحر، فعليه أن يعي ماهية هذه الألاعيب، وأن يهب لنجدة ضحايا الطغاة، إن كانوا مسيحيي العراق أو دروز سورية، كما السنة على جانبي الحدود العراقية السورية. هذه المجموعات لا تطلب من الأميركيين التضحية بأبنائهم للدفاع عنها، بل ما تطلبه هو السلاح حتى تدافع عن أنفسها. وطالما أن سياسة واشنطن هي تأكيد عدم عودة "داعش"، فلا بد للولايات المتحدة أن تدرك أن الأسد فشل في حماية السويداء، التي لن يحميها إلا أهلها، ما يستوجب تسليحهم.

عرض ترامب لروحاني... مناورةٌ سياسية

حسين عبدالحسين

أثارت تعليقات الرئيس دونالد ترامب بشأن استعداده للقاء نظيره الايراني حسن روحاني فوضى لا مثيل لها في صفوف إدارته وحزبه الجمهوري، وسط تضارب المعلومات بين من يقول إن الرئيس يُناور لاعتقاده أن في مد يده للإيرانيين فوزا سياسيا محققا له، بغض النظر عمّا ستؤول إليه الاوضاع بين البلدين، وبين من يصرّ على أن وساطة غير مباشرة بين واشنطن وطهران تقودها مسقط أدت إلى تليين موقف ترامب.
مَنْ يعرف خبايا الإدارة الأميركية يعلم أن لا سياسة خارجية لدى ترامب باستثناء أمرين: حبّه غير المفهوم لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، وتفويضه السياسة الخارجية الأميركية إلى تل أبيب لاعتقاده أن من شأن ذلك أن يعود عليه بأصوات وأموال اليهود الأميركيين في الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر المقبل، كما في انتخابه لولاية ثانية في نوفمبر 2020. 
لكن ترامب يعتقد أيضاً أن بإمكانه تحقيق مكاسب سياسية ترفع من شأنه وشعبيته بين الأميركيين، من خلال قيامه بعقد لقاءات مع زعماء أنظمة عدوة للولايات المتحدة، ثم تصويره هذه اللقاءات على أنها أحداث تاريخية تفوّق فيها على أسلافه (على غرار القمة التي جمعته في يونيو الماضي مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون)، وتصوير انعقادها على أنه لم يكن ممكناً لولا براعة ترامب في التوصل إلى صفقات، وهي الصورة التي يستميت الرئيس لتقديمها عن نفسه وعن أسلوبه في عالم الاعمال، كما في الرئاسة.
هكذا، مثل سلفه باراك أوباما من قبله، حاول ترامب - من دون أن يوفق - في اقتناص لقاء مع روحاني على هامش أعمال القمة السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر من السنة الماضية، وعرض، أول من أمس، لقاء غير مشروط مع روحاني، إذ يعتقد أن التغطية الإعلامية للقاء من هذا النوع كفيلة برفع شعبيته وإظهار براعته.
لكن بعيداً عن الاعلام، وعلى أرض الواقع، لا خطة أميركية ولا سياسة تجاه إيران غير السياسة الاسرائيلية. وحتى تسمح إسرائيل لأميركا بتسوية مع ايران، يتطلب الأمر تغييراً جذرياً للسياسة الإيرانية في عموم الشرق الأوسط، في طليعتها قيام طهران بحلّ الميليشيات الموالية لها في المنطقة، خصوصاً «حزب الله» اللبناني، وفقاً لمصادر أميركية مطلعة.
لهذا السبب، تعارضت السياسة الاسرائيلية مع سياسة أوباما تجاه ايران. فسياسة أوباما كانت تقضي بفصل المسار النووي عن «نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار»، وكان أوباما يأمل أن يتم الاتكاء على حل الملف النووي لبناء الثقة بين أميركا وايران، ومن ثم العمل على تحسين العلاقات على الأصعدة غير النووية. 
إسرائيل تعتقد أن فصل المسارَيْن النووي وغير النووي يعرّض أمنها القومي للخطر، إذ إن رفع العقوبات النووية منح طهران أموالاً استخدمها الإيرانيون لتمويل «نشاطاتهم المزعزعة للاستقرار» في منطقة الشرق الاوسط.
وبعد كلام الرئيس الأميركي عن لقاء محتمل مع نظيره الإيراني، بدأت وسائل الإعلام الاميركية والغربية تجري مقارنات مع لقاء ترامب - كيم جونغ أون، وهو لقاء تلى تصعيداً عسكرياً وتهديدات متبادلة بين الطرفين، وتالياً، رجحت غالبية وسائل الإعلام هذه أنه يمكن أن يتبع ترامب الأسلوب نفسه مع الايرانيين: عقوبات اقتصادية، فتهديدات عسكرية، فلقاء قمة غير مشروط تنجم عنه حالة من اللا سلم واللا حرب بين البلدين.
لكن كوريا الشمالية ليست إيران، وفقاً للمصادر، إذ يمكن اختصار خطر بيونغ يانغ بنشاطاتها النووية، فيما البرنامج النووي والصاروخي الايراني ما يزال أكثر بدائية، ومشكلة أميركا - أو إسرائيل - مع إيران تكمن في ميليشيات طهران وسياستها الشرق أوسطية أكثر منها في الملف النووي، وهو ما يعني أنه حتى لو قُيّض لترامب لقاء روحاني وجهاً لوجه، سيبقى الفارق شاسعاً بين أميركا، التي تسعى للقضاء على نشاطات طهران في الشرق الاوسط، وإيران، التي تتمسك بهذه النشاطات وتراها بمثابة علّة وجودها وضمان بقاء نظامها.
على الرغم من الفارق الشاسع بين إدارة ترامب والجمهورية الاسلامية، لا يرى ترامب، حسب أوساط البيت الابيض، مشكلة في لقائه روحاني وجهاً لوجه، إذ إن فشل التوصل لاتفاق بين الطرفين، على طراز الاتفاق الشكلي بين واشنطن وبيونغ يانغ، يعطي إدارة ترامب فرصة أكبر لإقناع الرأي العام الاميركي أن الولايات المتحدة استنفدت كل الوسائل الديبلوماسية، وأن الحلول الوحيدة المتاحة هي عسكرية.
تقول المصادر الاميركية إن وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي تطرق الى الموضوع الايراني، أثناء زيارته واشنطن، قبل أيام، ولقائه نظيره مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس. وتذهب بعض الأوساط للاستنتاج أن الوساطة العُمانية تشبه استضافة مسقط لمسؤولين إيرانيين وأميركيين في محادثات سرية العام 2013، أفضت في ما بعد إلى التوصل للاتفاقية النووية. 
لكن الوساطة العمانية نجحت في ظل وجود رئيس أميركي كان يرغب فعلياً في التوصل لاتفاق نووي منفصل عن سياسة إيران الخارجية في منطقة الشرق الأوسط. أما في عهد رئيس، مثل ترامب، يتبنّى الموقف الإسرائيلي الرافض للدور الإيراني جملة وتفصيلاً، فتبدو الوساطة أكثر صعوبة وتعقيداً.
«لعُمان مصلحة في تفادي الحرب، فهي إذا اندلعت ستكون السلطنة في وسط مسرحها»،كما تقول مصادر أميركية مواكبة لزيارة بن علوي الى العاصمة الاميركية. «أما الوساطة مع ايران، فسبق أن تقدمت بها عواصم متعددة، وعلى أعلى المستويات، وكانت في طليعتها موسكو»،وفقا لمصادر.
على الرغم من «معزّة» بوتين لدى ترامب، عاد الرئيس الأميركي إلى واشنطن بعد قمة هلسنكي، وبدلاً من أن يتبنّى عرض نظيره الروسي لوساطة مع الإيرانيين، غرّد مهدداً إياهم بحرب شعواء، وهو ما يشي أن ترامب ليس مهتماً بوساطة، وأن عرضه لإيران هو من باب المناورة السياسية أكثر منه الحوار الفعلي.

Since December 2008