الخميس، 28 فبراير 2019

كوهين يكشف أسلوب عمل ترامب: يتواصل مع مساعديه بطريقة مُرمّزة

واشنطن - من حسين عبدالحسين

لم تكشف شهادة مايكل كوهين، المحامي السابق للرئيس دونالد ترامب، ما يتطلب تحركاً قضائياً، غير التحقيقات التي تطارد الرئيس منذ عامين، لكن ما كشفه كوهين هو أسلوب عمل ترامب، فالرئيس الأميركي لا يستخدم البريد الإلكتروني، ولا النصوص الهاتفية القصيرة في التواصل مع العاملين لديه، كذلك، لا يعطي أوامر مباشرة لمستشاريه بالكذب أو بمخالفة القانون، بل إنه يتواصل مع مساعديه بطريقة مُرمزّة.
وخلال شهادته التي استمرت لنحو الخمس الساعات أمام لجنة الاعتمادات في الكونغرس، قال كوهين إنه قام بالكذب في شهادة سابقة له حول فندق كان ترامب يسعى لبنائه في موسكو، كاشفاً أن الرئيس لا يعطي تعليمات لمساعديه بالكذب، ولكنه أثناء الحديث في مجالسه الخاصة وعلناً، يكرر أن لا أعمال لديه أبداً في موسكو، ويقول قوله وهو ينظر باتجاه كوهين، فيعلم المحامي السابق للرئيس أن المطلوب منه هو الإنكار علناً أنه لا توجد أي أعمال لترامب في روسيا، وهو ما فعله كوهين أمام الكونغرس.
لكن كوهين لفت إلى أن محاميي ترامب الآخرين قرأوا وعدّلوا شهادة كوهين التي قال فيها زوراً إنه بعد ترشحه للرئاسة، لم يكن لترامب أي أعمال في روسيا، وهو ما يخالف الواقع، إذ لم يتوقف ترامب عن محاولة تأمين موافقة روسية ودعم مادي لبناء برج يحمل اسمه في موسكو حتى وقت قريب قبل فوزه بالانتخابات الرئاسية. 
وصرحّ كوهين: «دعوني أكون واضحاً، لقد كان السيد ترامب على علم بمفاوضات موسكو وأدارها خلال حملته، وكذب بشأنها لأنه لم يكن يتوقع أن يفوز، ولأنه كان يأمل بتحصيل مئات ملايين الدولارات من الأرباح في حال تحقق المشروع». 
وهكذا أضاف كوهين، «كذبتُ أنا في موضوع موسكو كذلك، لأن السيد ترامب كان جعل من الواضح لي، خلال أقواله أمامي وأمام الشعب الأميركي، أنه يكذب، وأنه كان يتوقعني أن أكذب كذلك». 
وعن الأموال التي سددها كوهين، بالإنابة عن ترامب، لنجمات أفلام جنسية كان الرئيس الأميركي أقام علاقات معهن وخاف انفضاح أمره أثناء حملته الانتخابية، فإن ترامب طلب من المحامي شراء سكوتهن، وقدم كوهين صورا عن شيكات تسلمها من الرئيس وبتوقيعه، لسداد الديون التي تحملها كوهين لتسديد الأموال إلى تلك النسوة. وأظهر الشيك أن ترامب كتبه بعد دخوله البيت الأبيض، وهو ما يحمل الرئيس مسؤولية ارتكاب جنحة أثناء حكمه.
وقدّم كوهين صوراً عن رسائل كتبها، باسم ترامب وبتعليمات منه، هدد فيها مدرسته وجامعته بمقاضاتهما قضائياً إن قامت أي منهما بكشف درجاته ونتائج امتحانات الرسمية. 
وفيما فتح المشرعون الديموقراطيون الباب أمام كوهين للقول ما في باله، خلال عملية الاستجواب، حاول الجمهوريون مهاجمة شخص كوهين بالإشارة إلى أنه شخص مدان، ومحكوم عليه بتهمة سجن 3 سنوات تبدأ بعد أسابيع، بتهم تهرب من ضرائب، وهو ما ينتقض من مصداقيته. 
وذهب أحد الجمهوريين بعيداً باتهامه كوهين وجاهياً بالقول له «أنت كاذب مرضيا»، فرد كوهين «تتحدث عني أم عن رئيس الولايات المتحدة».
واعتبر المعلقون أن كوهين أبلى بلاء حسناً في مواجهة الأقلية الجمهورية في الكونغرس، فلم يتراجع ولم يجبن أمام هجومهم، بل قارعهم بردوده إلى حد أنه توجه الى عضو الكونغرس الجمهوري جيم جوردان بالقول: «عيب عليك، عيب عليكم». 
وختم كوهين متوجها الى المشرعين الجمهوريين ممن هاجموه بالقول: «أنا كنت مثلكم على مدى السنوات العشر الماضية، كانت مهمتنا جميعاً في منظمة ترامب أن نكذب يومياً للدفاع عنه».

الثلاثاء، 26 فبراير 2019

عرفات وفلسطين في ذكريات بندر بن سلطان

حسين عبدالحسين

نشر الزملاء في "اندبندنت عربية" مقابلة مطولة وشيّقة مع رئيس استخبارات السعودية وسفيرها السابق في واشنطن الأمير بندر بن سلطان. وكان يمكن للزملاء الكرام تحويل الحلقات الخمسة إلى سلسلة وثائقية ممتازة، لو هم قاموا ببعض التحريات، وقارنوا ذكريات السفير السعودي السابق بمصادر أخرى.

والمثير للاهتمام هو أنه يندر أن يتحدث المسؤولون السعوديون عن تجاربهم الماضية وذكرياتهم في الحكم والدولة، وفي حالة الأمير بندر، ربما هي المرة الاولى التي يتحدث فيها مسؤول سعودي رفيع عن رأي المملكة الصريح في شؤون القضية الفلسطينية والعلاقة مع ياسر عرفات.

إذ صحيح أن الرياض هي صاحبة "المبادرة العربية للسلام" مع إسرائيل، والتي تبنتها الجامعة العربية في قمة بيروت في العام 2002، إلا أنه يندر أن يبدي المسؤولون السعوديون رأيهم في قضايا فلسطين وشؤونها، غير تقديم الدعم المتواصل للفلسطينيين.

في "اندبندنت عربية"، قدم بندر بن سلطان وجهة نظر لمواضيع فلسطينية عديدة سبق أن سمعناها من مصادر أميركية أو إسرائيلية حصرا. قد يبدو بن سلطان وكأنه يلمّع صورة الرياض في الموضوع، بإصراره أن حكام السعودية المتعاقبين جعلوا من القضية الفلسطينية همهم الأول، لكن أقوال السفير السعودي السابق صادقة إلى حد بعيد، ويمكن التأكد من صحتها لتطابقها مع مصادر أخرى.


يتحدث بندر بن سلطان عمّا تسميه أوساط واشنطن "عرض (رئيس حكومة اسرائيل السابق إيهود) باراك" إلى عرفات، في العام 2000، والذي كان يقضي بتسليم إسرائيل للفلسطينيين قطاع غزة وكل الضفة الغربية، باستثناء الكتل الاستيطانية الكبيرة المجاورة لإسرائيل في الضفة، والتي تعوّض إسرائيل الفلسطينيين عنها بمساحة من الأراضي مشابهة، إما شمال الضفة أو جنوبها. وفي "عرض باراك"، تقاسم للقدس كعاصمة لكل من الدولتين، وعودة كل اللاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية، وعودة 50 ألف فلسطيني إلى دولة إسرائيل كل سنة، على مدى عشرين سنة.

بالتفاصيل، يروي الأمير بندر ألاعيب عرفات، وقيامه بالكذب على بندر نفسه بالقول إنه في الفندق ينتظر التوقيع على السلام الإسرائيلي المقترح، فيما كان عرفات سبق أن رفض التوقيع. وكان سبق لعرفات أن تلاعب بالسعوديين في مبادرات سابقة بتأكيده لهم قبول عرض السلام، ثم تراجعه عنه بدون إبلاغهم.

ويبرر بن سلطان تصرفات عرفات بالقول إنه ربما اعتقد "ابو عمّار" أن بإمكانه الحصول على عرض أفضل من "عرض باراك"، فهو كان يفاوض سرّا زعيم المعارضة أرييل شارون، عن طريق ابن شارون، الذي يبدو أنه وعد عرفات بعرض أفضل في حال وصل شارون لرئاسة حكومة إسرائيل.

ذكريات الأمير بندر حول عرفات تشي كلها بأن "أبو عمّار" كان يراوغ في كل ما يقوله، وهو ما يتطابق ومعظم إفادات من عاصروا الرئيس الفلسطيني الراحل، من المسؤولين اللبنانيين، والعرب، إلى الأميركيين من أمثال مبعوث السلام دينيس روس، الذي أشار الى الاعيب عرفات المتكررة في كتابه "السلام المفقود"، فعرفات كان يتراجع صباحا عمّا وافق عليه مساء، وأحيانا كان يتراجع قبل صعوده مسرح إعلان الاتفاق.

ألاعيب عرفات ربما وصلت خاتمتها بعدما خسر مصداقيته أمام الجميع، عربا وإسرائيليين وأميركيين، فحاصره شارون، وفتح الباب أمام استبداله بمحمود عبّاس.

على الرغم من مراوغة عرفات، واصلت السعودية ضغطها على واشنطن لتحسين وضع الفلسطينيين وإقامة دولة لهم. يقول الأمير بندر إنه في أول زيارة لولي العهد السعودي في حينه، الملك الراحل عبدالله، إلى مزرعة الرئيس السابق جورج بوش في كروفرد، تكساس، قدم عبدالله لبوش صورة امرأة فلسطينية على الأرض ورجل جندي إسرائيلي فوق رقبتها.

رد بوش بالقول إن الصورة قد لا تروي كل القصة، وإنه ربما كانت تحمل سلاحا أو سكينا، فغضب ولي العهد وأمر وفده بالاستعداد للرحيل، ولم تنجح محاولات وزير الخارجية السابق كولين باول في تهدئة الوضع، ولا تدخل بوش شخصيا. ويمكن التحقق من صحة رواية بن سلطان في مذكرات بوش، التي أشار فيها الرئيس الأميركي السابق إلى غضب ولي العهد السعودي، من دون أن يشير إلى السبب.

لم يتوسع الأمير بندر في الحديث عن فرص السلام التي أضاعها الفلسطينيون مع الإسرائيليين، لكن بوش يشير إلى إصرار شارون على انسحاب إسرائيلي وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وهو ما بدأه شارون بانسحابه من غزة، لكن الغيبوبة التي دخل بها أخرجته من الحكم، بدون أن تقضي على خطته للسلام، التي قدمها خلفه إيهود أولمرت إلى الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، وهي تشبه "عرض باراك"، مع إقامة نفق بين الضفة وغزة.

نجح بوش في حمل أولمرت وعبّاس على البدء بتنفيذ الخطة، لكن أولمرت خرج من الحكم بتهم فساد، وانتهى حكم بوش، وانتهى معه الاهتمام الأميركي بدفع الفلسطينيين والإسرائيليين إلى السلام.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب في عصورهم الظلامية

لم تكن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهما دائما، بل هي قاربت تحقيق اختراق في أوقات عديدة، تارة قضت عليها ألاعيب عرفات، أو حسابات فلسطينية خاطئة، وطورا دمرها إرهاب إسرائيلي قتل رئيس الحكومة السابق اسحق رابين، أو شعبوية مسؤول إسرائيلي هنا أو هناك يعارض السلام وحل الدولتين.

في ذكريات الأمير بندر بن سلطان فرص ضائعة كثيرة، وعلى العرب الندم، لا لأنهم لم يتلقفوا فرص السلام فحسب، بل لأنهم ـ حتى اليوم ـ لم يدونوا مذكراتهم وتجاربهم حتى يتعلم منها الجيل القادم، ويبني عليها، للتوصل إلى السلام المنشود.

Since December 2008