الخميس، 30 مايو 2019

دانفورد: التعزيزات هدفها الردع والخطر الإيراني... منظّم

حسين عبدالحسين

بدأ المسؤولون الأميركيون بالخروج عن صمتهم، واقتربوا من الكشف عن التفاصيل الاستخباراتية، التي دفعتهم الى تعزيز قواتهم في الخليج، مطلع الشهر الجاري. وفي هذا السياق، قال رئيس الاركان جو دانفورد، في إطلالة له في معهد بروكنغز في العاصمة واشنطن: «رأينا شيئا يشبه اكثر الحملة المنظمة منه التهديد المنفرد». 
وشدد دانفورد على ان التعزيزات الاميركية في الخليج هدفها الردع والحماية، لا استفزاز الايرانيين: «في الدرجة الاولى، اردنا ان يعلم الايرانيون انهم اذا ما قاموا بشيء، فسنلقي باللائمة عليهم». في الدرجة الثانية، أضاف الجنرال الاميركي، «اردنا ان يعلم الايرانيون ان لدينا المقدرة على الرد، في حال فشل الردع»، وان «عناصر القوة هي تجسيد لنيتنا بالرد». 
وأشار رئيس الاركان الأميركي إلى الهجمات الثلاثة التي تلت وصول التعزيزات الاميركية، وهي هجوم «بالالغام البحري» ضد ناقلات سعودية في الفجيرة الاماراتية، وضربات بطائرات من دون طيار على انابيب نفط في السعودية، وسقوط صاروخ «كاتيوشا» على مقربة من السفارة الاميركية الى بغداد. 
وأضاف مستشار الأمن القومي جون بولتون، في مؤتمر صحافي في ابو ظبي، أول من أمس، هجوماً ايرانياً، تم احباطه، ضد مرفأ ينبع السعودي على البحر الاحمر. 
وشرط عدم ذكر اسمائهم، يتداول المسؤولون ما يعتقدون انه كان خطة ايرانية تهدف للانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها، في حال تصفير صادرات النفط الايرانية. وانخفضت الصادرات الإيرانية من اكثر من مليون برميل نفط يوميا إلى نحو 400 ألف برميل هذا الشهر. ومن شأن العقوبات الاميركية ان تؤدي الى رفع تكاليف تصدير النفط الايراني، مثل تكاليف الناقلات وتأمينها، ما يؤدي الى نفور الزبائن وكساد الصادرات النفطية الايرانية، وهو ما يبدو انه دفع الايرانيين الى اعداد خطة لاغلاق مضيق هرمز، كرهينة في يد طهران في حال تمسك الأميركيون بتصفير صادرات ايران. 
ولإغلاق مضيق هرمز، قامت الجمهورية الاسلامية بتثبيت صواريخ قصيرة المدى على زوارق سريعة. ويبدو ان الهدف كان استهداف أي قطع بحرية تحاول فتح المضيق، الذي يمر عبره ثلث مبيعات الطاقة عبر البحار في العالم. 
وعلى وجه السرعة، أرسلت الولايات المتحدة تعزيزات لضمان بقاء المضيق مفتوحاً. والمضيق هو ممر مائي يبلغ عرضه 30 كيلومترا، اربعة منها فقط مخصصة للملاحة البحرية، في الاتجاهين. 
ويردد المسؤولون أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع ايران تقضي باجتياح المظليين الاميركيين لجزر المضيق، وكذلك للبر الايراني الذي يشكل ضفته الشمالية، ما يتطلب قوات ارضية، وهو الامر الاكثر حساسية سياسيا بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، الذي بدا متخوفا من الدخول في حرب تتطلب قوات برية، وهو لذلك عمد الى تنفيس الاحتقان، والتصريح علنا، اثناء زيارته اليابان في عطلة نهاية الاسبوع، ان ادارته لا ترغب في تغيير النظام في طهران، وهو ما يناقض تصريحات سابقة لبولتون ومسؤولين آخرين. 
ويرى الخبراء الاميركيون ان بديل الحرب هو الدخول في مفاوضات مع إيران، وهي مفاوضات اعلن المرشد الأعلى علي خامنئي رفضها، على الرغم من قيام الايرانيين بانشاء قنوات اتصال خلفية مباشرة مع واشنطن، وبالوساطة عبر خمس حكومات حول العالم، على الأقل. لكن حتى اكثر الاميركيين معارضة للحرب يعتقد ان العقوبات ستجبر طهران على الحوار، بغض النظر عن تصريحات مسؤوليها التي تشي عكس ذلك. 
وفي السياق، قال القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي باتريك شانهان للصحافيين في طريقه إلى إندونيسيا، الأربعاء، إن القوات الإضافية ستتوجه إلى السعودية وقطر. وأضاف أنه رغم تغير موقف إيران أخيراً، إلا أنها لا تزال تشكل تهديداً. 
وتابع أن إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، مثل نشر قاذفات وصواريخ «باتريوت» وتسريع وتيرة نشر مجموعة حاملة طائرات هجومية في الشرق الأوسط، ساعد على ردع هجمات ضد أميركيين في العراق.

الأربعاء، 29 مايو 2019

سياسة أميركا الخارجية تخيف الحلفاء أكثر من الخصوم

واشنطن - من حسين عبدالحسين

أطلقت تصريحات الرئيس الأميركي في اليابان، «رصاصة الرحمة» على واحدة من اكثر السياسيات الخارجية ارتباكاً في تاريخ الولايات المتحدة، بعد مخالفة دونالد ترامب، شينزو آبي رئيس حكومة اقرب حليف آسيوي لاميركا، باستخفافه بتجارب كوريا الشمالية الصاروخية، واعتقاده انه سيتوصل حتماً الى تسوية مع بيونغ يانغ، حتى لو بدت تسوية على حساب اليابان وأمنها. 
وكما مع حليفته اليابان، كذلك اثار ترامب مخاوف حلفائه الآخرين حول العالم، وفي طليعتهم في الخليج، حيث تتغير المواقف الاميركية تجاه النظام الايراني بعدد الدقائق، وبعدد تصريحات المسؤولين الاميركيين، الذي يغرّد كل منهم على ليلاه. 
سياسة ترامب الخارجية هي اصلاً من صنع مستشاره للأمن القومي، حتى قبل ان ينضم الاخير إلى الادارة، اذ سبق لجون بولتون ان عمل كمحلل للسياسة الخارجية متعاقد مع قناة «فوكس» اليمينية، التي يتابعها ترامب بشكل متواصل، ويتبنى غالب ما يسمعه عبر أثيرها. 
وبعد اشهر من التخبط، عيّن ترامب، بولتون مستشاره للأمن القومي. والمعروف ان للمستشار علاقة شخصية خاصة مع الرئيس، وانه كان على اتصال مباشر ومستمر معه حتى قبل ان يدخل البيت الابيض. ولأن بولتون من الصقور، راح يرسم سياسة مبنية على التلويح باستخدام القوة العسكرية الكبيرة في الضغط على اعداء اميركا، وفي الدفاع عن حلفائها. هكذا، رسم سياسة متشددة، مدعومة بعضلات العسكر، ضد كل من كوريا الشمالية وايران، ملوحا بعمل عسكري في حال إمعان أي من هذين البلدين، او كل منهما، في تطوير اسلحة نووية. 
حول إيران، وعد وزير الخارجية مايك بومبيو بزيادة الضغط عليها، وبمناصرة الايرانيين ممن ينتفضون ضد نظامهم، ويطالبون بحريتهم، ويدفعون نحو الحرية. 
وبعد وصول الاساطيل والقاذفات الاستراتيجية إلى الخليج، وتصاعد امكانية المواجهة العسكرية مع ايران، بدا وكأن ادارة ترامب، بقيادة الثنائي بولتون - بومبيو، تدير سياسة خارجية متماسكة تضغط على الخصوم وتحمي الحلفاء. لكن شهر عسل السياسة الخارجية انتهى بمجرد ان علّق ترامب على موضوع ايران، والمواضيع الاخرى، ككوريا الشمالية، فتمسك باعتقاده ان التسوية مع بيونغ يانغ حتمية، واطلق تصريحاً قال فيه انه لا ينوي تغيير النظام الايراني، بل هو يرغب في الحوار. 
هكذا، تنبهت طهران الى ان استعراض القوة الذي يقدمه بولتون وبومبيو، هو استعراض فحسب، وان ما يصبو اليه ترامب في سياسته الخارجية هو المجد الشخصي، اي ان يقف الى جانب مسؤولين ايرانيين، على غراره وقوفه الى جانب زعيم كوريا الشمالية، ومصافحته، امام عدسات الاعلاميين. ثم يتباهى بأنه نجح في «صناعة التاريخ»، كونه اول رئيس اميركي يتفاوض وجها لوجه مع الكوريين الشماليين منذ الحرب في الخمسينات. ومثل في كوريا الشمالية، كذلك في ايران، يسعى ترامب الى استعراض اعلامي، ربما يجمعه في صورة مصافحة مع نظيره الايراني حسن روحاني، او حتى مع المرشد الاعلى علي خامنئي. 
المشكلة الوحيدة للايرانيين، الذين صاروا يعتقدون انهم في موقع قوة في مواجهة سياسة خارجية اميركية ضعيفة ومفككة، تكمن في العقوبات القاسية والموجعة لايران واقتصادها. لهذا السبب، يعتقد عدد من المسؤولين الاميركيين ان الايرانيين سيتحاورون مع ترامب، ولكنهم سيعملون على الافادة سياسيا - الى اقصى حد - من الاخذ والرد الذي يسبق اي تسوية. 
ومن كوريا الشمالية وإيران، الى المنامة، حيث يعقد صهر الرئيس وكبير مستشاريه جاريد كوشنر مؤتمر «صفقة القرن» المخصصة للسلام العربي - الاسرائيلي، وهو مؤتمر بلا جدول اعمال مفهوم، ولا اهداف محددة، ولا لائحة مشاركين متفق عليها، على غرار «الصفقة» نفسها، والتي ما انفك صاحبها كوشنر يؤجل في الاعلان عنها منذ قرابة عام، وسط تكتم مستمر منه ومن افراد فريقه. 
وكان مبعوث السلام جيسون غرينبلات عقد امام يهود اميركيين، في نيويورك، لقاء غير معلن ومغلق، شرح لهم الصفقة. وحضر اللقاء ابراهام سيلفرستاين، الذي كتب بعد ذلك في مجلة «فورورد» انه، لأن المجالس بالامانات ولا يمكنه الافصاح عن اي تفاصيل، الا انه يعتقد ان «صفقة العصر» غير عادلة ومنحازة للاسرائيليين على حساب الفلسطينيين. 
وكتب انه «بينما اعلن ترامب عن نيته التوصل الى اتفاقية نهائية تكون انعكاسا حقيقيا لغروره، الا ان لدى الفريق الذي شكله من كوشنر وغرينبلات و(السفير الاميركي لدى اسرائيل ديفيد) فريدمان»، خطة مختلفة. 
وختم الكاتب، متوجها الى اليهود الاميركيين: «اذا كنتم تعتقدون ان حل الدولتين اساسي حتى تبقى اسرائيل آمنة وديموقراطية، اقترح ان تبتعدوا عن هؤلاء الناس، وان تأملوا ان يرحلوا مع حلول العام 2021». 
هي سياسة خارجية متناقضة، متبدلة، ومرتبكة، هدفها ارضاء غرور ترامب وسعيه لتصوير نفسه على انه نجح في كل ما فشل فيه اسلافه من الرؤساء، وواقعها انها قاصرة، وتحدّ من النفوذ الاميركي، وتخيف الحلفاء اكثر منها الخصوم.

Since December 2008