الثلاثاء، 5 مايو 2020

أميركا «تستنسخ» نموذج «التعايش» السويدي!

واشنطن - من حسين عبدالحسين

تشهد الولايات المتحدة تغيراً جذرياً في مسار مكافحتها تفشي فيروس كورونا المستجد، من نموذج يستند على حظر صحي واقفال شبه كامل طال 42 ولاية والعاصمة واشنطن، لوقف انتشار الوباء، على غرار إيطاليا وبعض دول أوروبا، الى نموذج سيخففّ من اجراءات الحظر والاقفال ويحاول التعايش مع الوباء، مثل السويد، مع محاولة ابطاء انتشاره وحماية الفئات التي تعاني منه أكثر من غيرها، مثل الأكبر سناً واصحاب الحالات المرضية السابقة.
وأعلنت كل من ولايتي كاليفورنيا ونيويورك، وهما الأكبر سكانياً في البلاد، نيتهما البدء بتخفيف الحظر. وحدد حاكم نيويورك اندرو كومو، ومثله حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، شروط تخفيف الحظر، وقام كل منهما بتقسيم ولايته الى مقاطعات، وعندما تستوفي أي واحدة منها سبعة شروط، يمكنها تخفيف القيود، وهو ما يعني أن التخفيف لن يحصل على صعيد الولاية، كما كان الاقفال، بل على صعيد مقاطعات. اما هدف تقسيم الولايات فمدفوع بشعور الأميركيين عموماً بأن استمرار الاقفال يعرّض اقتصادهم ومصالح الأميركيين لخطر لا يمكن للحكومة الفيديرالية تجنّبه بزيادة انفاقها.
ومن شروط تخفيف الحظر، انخفاض في عدد «الاصابات الجديدة التي تحتاج الى مستشفيات» على مدى 14 يوماً متواصلة، أو انخفاض عدد هذه الحالات الى أقل من 15 يومياً، وكذلك الانخفاض في عدد الوفيات الناجمة عن الفيروس على مدى 14 يوماً، او انخفاض في عدد الوفيات الى أقل من خمسة يومياً، وارتفاع عدد الأسرة الخالية في المستشفيات بنسبة ثلث المتوافرة، وخلو 30 في المئة من غرف العناية الفائقة في مستشفيات أي مقاطعة تستعد لتخفيف الحظر، واجراء 30 ألف فحص لكل مليون من السكان شهرياً، وتوظيف 300 عامل لكل مليون من السكان مهمتهم ملاحقة الأشخاص الذين تنتقل العدوى اليهم، ومنهم الى آخرين. 
وكان بعض الولايات الجنوبية، مثل جورجيا وتكساس وفلوريدا، باشرت اجراءات التخفيف، فراحت أرقام الاصابات الجديدة فيها ترتفع. ومن المتوقع أن تعلن 31 ولاية تخفيف القيود مع حلول 11 مايو الجاري، ما يعني المزيد في الاصابات والوفيات الناجمة عنها، الأمر الذي دفع «معهد واشنطن لقياس وتقييم الصحة» في جامعة ولاية واشنطن، الى اعادة النظر في الرقم الذي كان يتوقعه لعدد الوفيات مع حلول الأول من أغسطس من 65 ألفاً الى 135 ألفاً. 
وقارب عدد الوفيات الـ70 ألفاً، والاصابات مليون وربع المليون، وهي الأعلى في العالم. 
وذكر المعهد في بيان، أن التوقعات الجديدة «تعكس تزايد التنقل السكاني في معظم الولايات»، كما تعكس «تخفيف إجراءات المباعدة الاجتماعية... ما يعني أن زيادة الاتصالات بين الناس ستعزز انتقال الفيروس التاجي». 
على أن المعهد اعتبر أن «الزيادة في فحوصات الكشف وتتبع الاتصال، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة الموسمية، هي عوامل يمكنها أن تساعد في إبطاء الانتقال». 
وقال مدير المعهد كريستوفر موراي، إنه «في كل ولاية، يعتمد انتشار الوباء على التوازن بين الاسترخاء الاجتماعي البطيء، وزيادة درجة الحرارة، وارتفاع معدلات الاختبار وتتبع الاتصال»، ونحن «نتوقع أن انتشار الوباء سيتوسع في العديد من الولايات خلال الصيف».
وفي وقت بدا أن الحجر الصحي أنهك الأميركيين اقتصادياً ونفسياً، بدأ الرأي العام يبتعد عن الدكتور انتوني فاوتشي، مصمم سياسة الحجر الصحي والذي يحذّر من امكانية انفجار انتشار الفيروس في موجة ثانية، وراح الأميركيون يبحثون عمن يقدم لهم خططاً فيها بعض التراخي واعادة العجلة الاقتصادية الى الدوران، وإن ببطء. 
هكذا، برز سكوت غوتليب، الرئيس السابق للادارة الفيديرالية للدواء (أف دي آي) والباحث حالياً في مركز أبحاث «أميركان انتربرايز انستيتيوت». وعلى مدى أيام، أطلّ غوتليب عبر وسائل اعلام متعددة، وقدم مجموعة من الأفكار مفادها بأن سبعة أسابيع من الحجر الصحي القاسي لم تأت بالنتائج المطلوبة، بل نجح فقط في تثبيت عدد الاصابات بمعدل 30 ألفاً يومياً، وعدد الوفيات بمعدل ألفين. 
ونشرت وسائل إعلام مذكرة داخلية تداولها المسؤولون في البيت الأبيض مفادها أن الادارة تتوقع ارتفاعاً في عدد المصابين بالفيروس من 25 ألفاً يومياً حالياً الى 200 ألف في اليوم مع حلول الأول من يونيو المقبل، فيما يرتفع المعدل اليومي للوفيات الى ثلاثة الاف يومياً.
ويعتقد غوتليب أن «الحجر عاد بنتائج منها تقليل عدد الاصابات والضغط على المستشفيات لتفادي استنفاد نظام الرعاية الصحية، وهو ما أدى الى إنقاذ أرواح كثيرة، لكن الحظر كان جسراً وليس حلاً، وفي حال مواصلته، لن ينجح في القضاء على الفيروس».
ويقول: «نحن بحاجة إلى إعادة الانفتاح بشكل مسؤول، مع خطط مدروسة للتركيز على الأنشطة والشركات التي ستساعد على استعادة أكبر شعور بالحياة الطبيعية والرفاهية الاقتصادية، وهو ما يعني اتباع نهج مرحلي للسماح بالتدخلات المستهدفة للحد من المخاطر، وقياس أثر إعادة فتح الاقتصاد».
ويعتقد غوتليب أنه «ما لم يكن هناك تأثير موسمي صيفي قوي يبطئ الانتشار أكثر من المتوقع، ستنمو الحالات، ونحن بحاجة إلى أن نكون مستعدين لعملية فحص واسع النطاق لإبطاء انتقال المرض بشكل فردي، وكمجتمع، ثم نبدأ عملية تحديد الوضع الطبيعي الجديد، حيث سيتعين علينا القيام بما اعتدنا على القيام به ولكن بشكل مختلف، مع مزيد من السلامة واليقظة». 
كل هذه الاجراءات، يقول الخبير الأميركي، تبقى قائمة «حتى نصل إلى اللقاح».
واعاد غوتليب بث نتائج احد المراكز البحثية الأميركية، وعلّق عليها في تغريدة بالقول إن هناك «دليلاً على أن من سبق أن أصيبوا بالفيروس المستجد وشفيوا منه صاروا يتمتعون بحصانة صحية تمنع إعادة اصابتهم به مجدداً».
وسط الانعطافة في السياسة الأميركية لمكافحة كورونا، واصل الرئيس دونالد ترامب اعتكافه عن الاطلال في مؤتمر صحافي، بل كان لافتاً قلّة تغريداته، يوم الاثنين، على غير عادته، اذ اكتفى ببثّ «تغريدات انتخابية» سعى فيها الى اغداق المديح على ما يعتبرها انجازات ولايته الأولى، مثل «أكبر تخفيضات ضريبية، وإعادة بناء الجيش، وتعزيز وضع قدامى الجيش، وحماية التعديل الثاني (من الدستور والذي يكفل حرية اقتناء الأميركيين أسلحة فردية)... والعديد من الأشياء الأخرى التي قامت بها إدارتي». 
وكتب أن «ما يحبه (الجمهوريون) أكثر من أي شيء آخر هو تعيين 252 حتى الآن من القضاة الاتحاديين، ومنهم قاضيان كبيران في المحكمة العليا، وهو رقم قياسي».

معاداة بعض العرب لليهود

حسين عبدالحسين

بثّ التلفزيون الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، "حرب بلا اسم"، وهو وثائقي عن التدخل العسكري في لبنان، تضمن مشاهد تظهر أهالي جنوب لبنان ينثرون الأرز والورود على رؤوس الجنود الإسرائيليين أثناء دخولهم لبنان.

جنوب لبنان كان خاضعا لسلطة الفصائل الفلسطينية المسلحة، بزعامة ياسر عرفات، بين 1969 و1982، وكانت هذه الفصائل تشن حرب عصابات ضد الشمال الإسرائيلي، ما يدفع الإسرائيليين للردّ، وتاليا إلحاق الأذى بالجنوبيين اللبنانيين. 

ومنذ تشكيلها في 1974، لم تردّ "حركة أمل" الشيعية على الضربات الإسرائيلية، بل هي راحت تحارب الفصائل الفلسطينية لتخليص الجنوبيين منها. لذلك رحّب الجنوبيون بالغزاة الإسرائيليين. حتى في ذروة الاجتياح الاسرائيلي للبنان، منتصف الثمانينيات، لم تتوقف أمل عن حروبها ضد الفلسطينيين، وفرضت عليهم ما عرف بـ "حصار مخيمات" اللاجئين.

الغضب العربي من ممارسات الضيوف الفلسطينيين كان بدأ في الأردن، مع محاولة جمال عبدالناصر التعويض عن هزيمة 1967 بتشجيعه حرب عصابات فلسطينية من الدول المجاورة لإسرائيل. لكن العصابات الفلسطينية راحت تهدد سيادة الحكومات التي تستضيفها، فخاض الأردن حربا طرد فيها عرفات وميليشياته في 1970، فانتقلت إلى لبنان.

والغضب العربي بعد لبنان وصل العراق، إذ في اليوم الذي تلا انهيار نظام الرئيس الراحل صدام حسين في العام 2003، ركض العراقيون إلى شارع حيفا، الذي كان يسكنه غالبية من الفلسطينيين، ورموهم بالحجارة حتى أجبروهم على الهرب إلى الحدود مع الأردن، حيث أقامت لهم الأمم المتحدة مخيما في طريبيل، مكثوا فيه أشهرا ريثما دبّرت لهم المنظمة الدولية إعادة توطين في دول العالم من تشيلي إلى نيوزيلندا.

سبب غضب الأردنيين واللبنانيين على الفلسطينيين كان العمل المسلح الذي عاد على المضيفين بحرب لم يختارونها مع إسرائيل. أما سبب غضب العراقيين على الفلسطينيين فكان بسبب انخراطهم في أجهزة استخبارات صدام، وعمل قادة فلسطينيين، مثل أبو نضال وأبو العباس، كمرتزقة لدى صدام. 

ثم أن اللبنانيين والعراقيين، لأن غالبيتهم من المسلمين الشيعة، لم يحسبوا تاريخيا أن فلسطين قضيتهم. صحيح أنهم تعاطفوا إنسانيا مع اللاجئين الفلسطينيين، لكن تحرير القدس للصلاة في مسجد يحمل اسم الخليفة عمر، الذي يعتقد الشيعة أنه اغتصب ولاية الخليفة علي بن أبي طالب، لم يكن في أولوياتهم. كذلك لم يكن في أولويات الشيعة مسجد قبة الصخرة، الذي بناه خليفة من الأمويين الذين يتهمهم الشيعة بدماء الحسين وصحبه.

لكن مواقف الشيعة العرب المترددة في الانخراط في صراع عسكري ضد إسرائيل من أجل الفلسطينيين ذوي الغالبية السنية تغيرت مع العام 1979، عندما ظنّ حاكم إيران روح الله الخميني أن بإمكانه استخدام "تحرير فلسطين" كأداة لتصدير ثورته الإسلامية وبسط نفوذه على العالم العربي، بنفس طريقة عبدالناصر. هكذا، انقلب شيعة لبنان من ناثري الورد على رؤوس الإسرائيليين إلى انتحاريين ضدهم، ورفع العراقيون ـ الذين أمضوا عقد الثمانينيات وهم يسمّون الخميني بالدجال ـ شعار "يا قدس قادمون".

الوثائقي الإسرائيلي رسم بدقّة الانقلاب الذي أحدثته الثورة الإيرانية بين اللبنانيين الشيعة، من ساعين لصداقة مع إسرائيل، إلى معادين، لا لإسرائيل فحسب، بل للسامية واليهود، كدين وثقافة وتاريخ. وساهم الإسلام السياسي، والعودة إلى التطرف الديني، في تأجيج العداء الإيراني والعربي ضد اليهود، إذ أن القرآن يذكر اليهود وبني إسرائيل مرارا، غالبا بصورة سلبية. لكن القرآن يتحدث عن يهود محددين في القرن الميلادي السابع، فيما لا يهتم المتطرفون بالسياق الزمني.

الأسبوع الماضي أيضا، صدف أن معاداة العرب لليهود ظهرت على شكل واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في خضم التعليق على برنامجين رمضانيين أنتجتهما شبكة "أم بي سي" السعودية. الأول فكاهي، اسمه "المخرج 7"، فيه أن زياد، السعودي الذي لم يبلغ سن المراهقة، يلعب على الإنترنت ويصادق ولدا من جيله اسمه عزرا، ويتحادث معه، وهي علاقة يثيرها والد زياد، نجم المسلسل، مع الشخصيات الباقية، التي تتراوح ردود فعلها بين مطالب بالانفتاح على إسرائيل، وبين رافض للتطبيع. أما المشهد الأكثر حساسية، فيتجلى في قول إحدى الشخصيات إن السعودية موّلت ودعمت الفلسطينيين على مدى عقود، ولم تلق منهم إلا الشتائم.

بعد الحلقة، تقدمت الجوقة المعروفة وطالبت بمنع أي نقاش عن إسرائيل غير شتمها ومعاداتها، وهو موقف ينتقص من حرية كل عربي في نقاش كل ما يرغب به، وقتما يرغب، واتخاذ الموقف الذي يراه الأنسب تجاه إسرائيل، إن مقاطعة أو تطبيع.


على أن معاداة العرب للسامية ظهرت بشكل أوسع في ردود الفعل على مسلسل "أم هارون"، الذي تجري أحداثه في الأربعينيات، في بلدة خليجية تحت الحكم البريطاني، سكانها عرب من المسلمين والمسيحيين واليهود. الحلقات الأولى للمسلسل تظهر انعدام المعرفة العربية باليهود، فتصور يهوديا يشارك في تظاهرة ضد قيام إسرائيل وهو يلبس التاليت، وهذا لا يلبسه اليهود إلا في الصلاة. كما أن خطوط التاليت في المسلسل سوداء، وهذا من عادات يهود الغرب الأشكيناز، أما يهود الشرق السفارديم، ومنهم العرب، فخطوط التاليت عندهم بيضاء.

ثم أن الرسالة المبطنة في المسلسل، على لسان أم هارون نفسها حينما صرخت في وجه تاجر يهودي باع المسلمين خمرا، مفادها أن اليهود "ضيوف" بين العرب، ما يفرض عليهم حسن التصرف، وهذه رسالة تكرّس رؤية المسلمين للأقليات كذميين، لا كمواطنين أصليين متساوين في الحقوق والواجبات مع المسلمين.

إن إقحام اليهود وإسرائيل في مسلسلات رمضان أمر إيجابي، فاليهود سابقون على المسلمين حتى بين العرب، وجدّ رسول المسلمين عبراني، تعرّب ابنه اسماعيل، وربما نتعمق في هذا التاريخ في وقت لاحق. الأهم أن اليهود باقون مع العرب، إن في إسرائيل، أو في دول العرب، وكلّما ناقش العرب الموضوع أكثر، كلّما اقتربوا من التسوية.

نظام إيران ومتطرفيها العرب لن يرضيهم أقل من القضاء على اليهود، لا على إسرائيل فحسب. لكن إن اكتشف الإسرائيليون لقاحا ضد فيروس كورونا المستجد، وقتذاك يمكن تعليق المقاطعة استثنائيا للإفادة من اللقاح، ثم استئنافها للقضاء على من اكتشفه. أما أسوأ ما في الأمر، فهو أن نظام إيران وأهل المقاطعة لا يرون المشكلة الأخلاقية في موقفهم حول اللقاح، ولا في مواقفهم الأخرى.

Since December 2008