الثلاثاء، 3 نوفمبر 2020

تنقية الإيمان من ألاعيب إردوغان

حسين عبدالحسين

هل يُعقل أن بعض المسلمين يرون في إهانة الرسول مشكلة أكبر من الكفر بالذات الالهية؟ وهل يُعقل أن الله لكل العالم و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الرسول للمسلمين وحدهم وممنوع لغيرهم الكفر به؟ ولماذا يتصرّف بعض المسلمين وكأنهم ينحدرون من سلالة رسولهم فيما يذكّر القرآن المؤمنين أن محمدا لم يكن "أبا لأحد من رجالكم؟".


الإسلام رسالة إلهية عالمية لكل البشر. بعضهم يقبله ويسير على هداه، وبعضهم الآخر يرفضه ويسير على هدى أديان أو معتقدات أخرى. وبين البشر غالبية ترفض نبوة محمد، بل تعترض عليها وتراها زيفا، وفي العالم أناس ماديين غير روحانيين، لا يؤمنون بالله، ولا برسله، ولا باليوم الآخِر.

في العالم غالبية تختلف معتقداتها عن معتقدات المسلمين، بل تتضارب معها. مثلا، يقول المسلمون إن المسيح بشر، وأنه رسول كمحمد، وأنه لم يُصلب. هذه رؤية تتضارب ورؤية المسيحيين، الذين يؤمنون أن المسيح ابن الله الحي الذي تجلّى في جسد بشري، وصُلب ومات، وقام من الموت. وفي العقيدة الإسلامية، ليس المسيح للمسيحيين ومحمد للمسلمين، بل أن المسيح كمحمد، وإهانة أي منهما متشابهة. هذا في العقيدة.

لكن في الواقع، انتزع "الإسلام السياسي" منظومة عبادة روحانية كالإسلام، وحوّلها إلى هوية قبلية صار فيها رسول المسلمين شيخ طريقة، قداسته أعلى من قداسة رب العالمين، ونصرته أولى من نصرة مبدأ التوحيد نفسه. ثم يقوم "الإسلام السياسي" باعتبار كل من لا يظهر الاحترام الذي يكنه المسلمون لرسولهم عدوا، ويستبيحون قتله، أو على الأقل محاربته بكل ما هو دون القتل. 

أما المشكلة الأكبر، فتكمن في أن الإسلاميين لا يرون تهافت منطقهم. التعبير عن الإيمان أو عدمه خيار فردي تحميه قوانين حرية الرأي، الدينية والمدنية، وحرية الرأي هذه لا حدود لها، ولا تلتزم بقواعد الاحترام أو عدم الاستفزاز، أي أنه يمكن لأي مسلم أن يكتب مقالة فيها أن عقيدة الثالوث المقدس المسيحية هي ضلالة، وهو رأي بمثابة إهانة لمعتقد المسيحيين. لكن مع ذللك، لا نرى المسيحيين يقطعون رؤوس من يصف ابن الرب بالرسول البشري، بل يتمسكون بمبدأ حرية التعبير، وبالآية القرآنية "لكم دينكم ولي ديني".

العالم بأجمعه يرى مشكلة "الإسلام السياسي" الذي يحاول فرض رأيه على رأي الآخرين، ويسمع تبرير الإسلاميين الذي لا يستقيم، والذي يرددون فيه أن الرسول أغلى لديهم من ذويهم، وتاليا فإن إهانته إهانة لهم. لكن حتى لو أخذنا بهذا التبرير المتهالك، تبقى حرية الرأي هي الناموس الذي يكرّس السلام بين البشر، اذ أنه لو قام كل إنسان يشعر بالإهانة من رأي إنسان آخر بالانتقام، لتحولت المعمورة إلى حفلة قطع رؤوس بلا نهاية.

تتضاعف المشكلة عندما يصرّ "الإسلام السياسي" العالمي، الممثل حاليا بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان، على استخدام منطق الإسلاميين غير المستقيم في ألاعيبه السياسية. أين كان السيد إردوغان في زمن الرسوم الدانماركية عن رسول المسلمين؟ وأين كان إردوغان يوم قامت صحيفة تشارلي إيبدو الفرنسية بنشر رسوم مشابهة؟ لماذا لم يدعُ إردوغان إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية والفرنسية في حينه، ونراه اليوم يتنطح بغيرته على الرسول ويدعو لمقاطعة فرنسا؟

وهذه الأسئلة نفسها تنطبق على قيام رئيس تركيا بتحويل بعض المتاحف التركية مساجدا، وهذه المتاحف كنائس مسيحية بيزنطية حوّلها الغزاة العثمانيون إلى مساجد، قبل أن تحوّلها تركيا العلمانية الى متاحف. لماذا انتظر إردوغان 17 عاما من وجوده في الحكم ليحوّل الكنائس-المتاحف إلى مساجد؟ وهل يعتقد إردوغان أن لتركيا سيادة تمنع التدخل في شؤونها الداخلية وكيفية معاملتها مسيحييها ولكن لا سيادة لفرنسا في كيف تعامل مسلميها؟ 

أما الإجابة الأبرز فهي أن إردوغان لا يكترث للمسلمين، بل يستخدم "الإسلام السياسي" كمطية لتشتيت الانتباه عن بقائه في الحكم كل هذه المدة، وفشله في هذا الحكم. الدولار الأميركي كان يساوي أقل من ليرتين تركيتين، وكان الاقتصاد التركي في صعود عامودي يوم صار إردوغان رئيسا للحكومة في العام 2003. اليوم، بعد سلسلة من التعديلات الدستورية لتحويل نفسه رئيسا الى الأبد، تحطم اقتصاد تركيا بسبب رعونة حاكمها، وصار الدولار يساوي ثماني ليرات.

وإردوغان هذا لا يألوا جهدا في تحويل الشأن العام إلى حفلة شتائم دينية، بدلا من أن يكون الشأن العام نقاش حول سياسات الحكومات، مثل سياساته الفاشلة. لذا نراه يحارب في سوريا وليبيا، ويستفز اليونان عسكريا، ويشتم إسرائيل علنا فيما يرفع من نسبة التبادل التجاري معها سرا، ويسعى بكل ما أوتي من قوة للقضاء على خصومه الأتراك، وفي طليعتهم معلمه السابق الداعية الإسلامي فتح الله غولن. كما يتأرجح إردوغان في شعبويته بين إثارته الحنين لماضي الأتراك، وبين تنصيب نفسه سلطانا للمسلمين. 

ثم يختم إردوغان حفلة جنونه باتهام القوى الأوروبية بأنها كولونيالية مجرمة، وهو اتهام يأتي من تركي يمجّد اجتياح الأتراك لهضبة الأناضول وقسطنطينية، وتطهير اليونان عرقيا منها، واحتلال واضطهاد دنيا العرب المسلمين في العراق وسوريا وسائر المشرق، كما مصر وشمال أفريقيا. كل هذا الغزو والاحتلال التركي، ثم يصوّر إردوغان تركيا الكولونيالية كنصيرة الشعوب التي عانت من الاستعمار الأوروبي.

هي حفلة من الجنون وتزوير التاريخ لتحريض المسلمين على بعضهم البعض، وعلى غير المسلمين، وهي حفلة من الجنون لبث الفوضى وتشتيت الانتباه عن الاستبداد داخل تركيا، وعن التدهور الاقتصادي التركي في زمن الإردوغانية.

ليت المسلمين ممن تستهويهم العصبية القبلية الدينية يعوا أن الدين مسألة فردية روحانية، لا حربا سياسية أو عسكرية. وليت هؤلاء المسلمين يدركون أن نقاء ايمانهم يكمن في بقائه بعيدا عن السياسة ومكائدها، وعن إردوغان وألاعيبه.

الاثنين، 2 نوفمبر 2020

أميركا تختار رئيسها... ولاية ثانية أم أولى؟

| واشنطن - من حسين عبدالحسين |

اليوم، تفتح أبوابها صناديق الاقتراع في الولايات الأميركية الخمسين ومقاطعة كولومبيا الفيديرالية، حيث العاصمة واشنطن، أمام 240 مليون مواطن أميركي مؤهلين للاقتراع، قام نحو 93 مليوناً منهم بالاقتراع، إما شخصياً في الاقتراع المبكر، وإما عن طريق البريد، وهو رقم مرتفع، ويمثل أكثر من 70 في المئة من إجمالي المقترعين في الانتخابات الماضية، قبل أربعة أعوام، والذي بلغ 129 مليوناً.

وعشية الانتخابات، أجمعت استطلاعات الرأي على فوز المرشح الديموقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن على منافسه الجمهوري الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى إلى الفوز بولاية ثانية. لكن على الرغم من تقدم بايدن، مازال شبح العام 2016 يطارد الديموقراطيين، إذ كانت الاستطلاعات تجمع على تغلب مرشحتهم وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، ليفجّر المرشح الجمهوري يومذاك ترامب مفاجأة ويقتنص الفوز والبيت الأبيض.

نايت سيلفر، وهو أحد أكثر خبراء الاستفتاءات شهرة في الولايات المتحدة، قدم مطالعة قام فيها بتطبيق هامش الخطأ الذي ارتكبته استطلاعات 2016 على استطلاعات 2020، وأشار أنه حتى لو تبين أن نسبة الخطأ في انتخابات اليوم هي نفسها نسبة الخطأ في الانتخابات الماضية، فإن بايدن سيفوز بمعظم الولايات المتأرجحة، بما في ذلك فلوريدا وجورجيا واريزونا، لكن بهامش بسيط يبلغ نقطتين مئويتين في أريزونا وويسكونسن، ونقطة مئوية أو أقل في فلوريدا وجورجيا وبنسلفانيا، «أي أن بايدن سيتصبب عرقا أثناء فرز الأصوات، لكنه سيفوز»، وهو ما يعني أن فوز ترامب، اليوم، سيحتاج الى حظ أكبر بكثير من حظه في الدورة الماضية، والى هامش خطأ أكبر تقع فيه استطلاعات الرأي الحالية.

ويرجح المراقبون أن تحدد ولايتا فلوريدا وبنسلفانيا المتأرجحتين مصير الفائز الليلة. وكان ترامب فاز في الولايتين ليصبح رئيساً قبل أربعة أعوام.

الا أن المراقبين يتخوفون من أن النتائج قد لا تصدر ليلاً، أو حتى يوم غد الأربعاء، خصوصاً ان كانت النتائج النهائية متقاربة، كما توقع سيلفر. ويفاقم من إمكانية المماطلة في صدور نتائج الانتخابات عشرات الملايين ممن اقترعوا مبكرا أو في البريد. وفي وقت تنص بعض الولايات على البدء بالفرز والعد قبل حلول يوم الانتخابات، وإضافة الأرقام الى نتائج اقتراع يوم الانتخابات ثم إعلان النتيجة، تنص قوانين ولايات أخرى على أن صناديق الاقتراع المبكر أو بالبريد لا يمكن أن يتم فتحها واحتساب أصواتها إلا في اللحظة التي يتم فيها فتح صناديق يوم الانتخابات حتى يتم الفرز كله في وقت واحد.

والتباين في قوانين فرز وعدّ الأصوات الانتخابية لا يؤثر كثيراً في الولايات المحسومة سلفا للديموقراطيين، مثل كاليفورنيا ونيويورك، أو المحسومة للجمهوريين، مثل ميسيسيبي وأوكلاهوما. لكن توقيت الفرز والعد يؤثر كثيراً في الولايات المتأرجحة، مثل بنسلفانيا وفلوريدا، خصوصا ان كانت صناديق يوم الاقتراع تشير الى تقارب في النتائج بين المرشحين.

وكانت فلوريدا، هي التي رجحت فوز جورج بوش الابن بالرئاسة في العام 2000 على منافسه الديموقراطي نائب الرئيس السابق آل غور. لكن ترجيح الولاية لم يأت بشكل سريع، بل أن نتائج الفرز أظهرت ما يشبه الانقسام التام، وراح كل من الحزبين يسعى للطعن في أصوات وكيفية الاحتساب، وتطور الأمر عبر المحاكم ليصل المحكمة الفيديرالية العليا، التي حسمت الأمر لمصلحة بوش.

هذا العام، يخشى الديموقراطيون من تكرار سيناريو فلوريدا 2000، وهم لذلك قاموا بإعداد فريق من المحاميين المستعدين للانخراط في مواجهات قضائية، ان تطلب الأمر، لتثبيت شرعية فوز مرشحهم.

كما يخشون أن يعطي أي تقارب في النتائج، الفرصة لترامب ليطعن بمصداقية الانتخابات بأكملها، وليصوّرها مزيفة تستهدف تقويض فوزه وفوز مناصريه. ويمكن لقيام ترامب بالتشكيك بنتائج الانتخابات أن يؤدي الى عنف في الشارع، وعنف مضاد، وهو ما دفع عدد كبير من الحوانيت والمؤسسات التجارية الى تغطية واجهتها الزجاجية بألواح خشبية بشكل متقن تحسبا لامكانية حدوث شعب وعنف وتكسير واجهات زجاجية وسرقات وإشعال نيران.

هكذا، بدت العاصمة الأميركية مدججة بالدفاعات الخشبية التي يستخدمها الأميركيون عادة استباقا لإعصار يتجه نحو مناطقهم. لكن هذه المرة، الإعصار سيكون إعصاراً من العنف، وهو ما قد يفرض على عمدة المدينة، وعلى حكام الولايات، نشر «الحرس الوطني»، أي الجيش المحلي الذي ينتشر من دون سلاحه، لفرض الأمن. وغالبا ما يعمد «الحرس الوطني» الى فرض حظر تجوّل على السكان الى أن تستتب الأمور.

ولأن الأميركيين يتحسبون للأسوأ، راح بعضهم يشتري الأسلحة الفردية والذخائر، وهو ما دفع مخازن والمارت الضخمة الى الإعلان عن توقفها بيع الأسلحة حتى فترة ما بعد الانتخابات.

الديموقراطيون متفائلون بالفوز، ولكن بحذر، خوفاً من تكرار الرئيس الأميركي مفاجأة 2016. كذلك يخشى الديموقراطيون ألّا يكون فوزهم كاسحاً بشكل كافٍ، أي بشكل يجبر ترامب على الاعتراف بالهزيمة والاتصال بالرئيس المنتخب للتهنئة وقبول النتائج.

لهذا السبب، عمد كبار قادة الحزب الديموقراطي لإقامة اتصالات مع نظرائهم الجمهوريين في الكونغرس، من أمثال زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ متش ماكونيل، لاعتقادهم أنه يمكن لأعمدة الحزب الجمهوري التخفيف من الاحتقان، وحمل ترامب على قبول النتائج إن سبقوه هم الى القبول بها.

قد لا تكون انتخابات هذا العام تاريخية على القدر الذي يحلو لمناصري الحزبين تصويرها، لكن المؤكد أن في هذه الانتخابات ما هو تاريخي، اذ هي الأولى من نوعها التي يتحسب فيها الأميركيون من امكانية اندلاع العنف وعدم انتقال السلطة سلمياً من ترامب الى بايدن، في حال فوز الأخير، وهو ما يجعلها انتخابات مختلفة كثيراً عن سابقاتها، كاختلاف ترامب عن كل الرؤساء الأميركيين ممن سبقوه، أو على الأقل هكذا يرى هو نفسه، ويصف نفسه كأحسن رئيس بعد التاريخي ابرهام لينكولن الذي أنهى الحرب الأهلية و أعاد توحيد البلاد.

الديموقراطيون كذلك يرون أن ترامب يختلف عن كل من سبقه، اذ هم يعتقدون أنه أسوأ رئيس في تاريخ البلاد. هذه التاريخية التي يدعيها الجانبان قد تكون الحافز الذي دفع الأميركيين للاقتراع بنسب غير مسبوقة حتى اليوم.

Since December 2008